“الجميع نعتني بالمجنون لأنني تزوجت من امرأة تبلغ من العمر 60 عامًا”، ولكن في ليلة زفافنا لاحظت علامة على كتفها، وسمعت “يجب أن أقول لك الحقيقة …

“الجميع نعتني بالمجنون لأنني تزوجت من امرأة تبلغ من العمر 60 عامًا”، ولكن في ليلة زفافنا لاحظت علامة على كتفها، وسمعت “يجب أن أقول لك الحقيقة”، وأدركت أن حياتي كلها بنيت على سر
ليس بسبب فساتينها. ليس بسبب منزلها. ليس بسبب ثروتها.
لقد وقعت في حب الطريقة التي استمعت بها لي، كما لو أنني يهمني حقًا.
عندما اعترفت بذلك لعائلتي، كادوا أن يطردوني.
قالت عمتي “هذه المرأة قد سحرتك”
“ما تريده هو أم وليس زوجة”، بصق ابن عمي.
“ستستغلك ثم تتخلى عنك”، كما أعلن والدي، مجروح.
لكنني تماسكت. قاتلت من أجلها. دافعت عنها ضد الجميع. وعلى الرغم من أن المدينة بأكملها أشارت إليّ كجشع أو مجنون أو تابع، فقد رفضت التراجع.
تم حفل الزفاف في هاسيندا قديمة مضاءة بالشموع والترتيبات البيضاء والموسيقيين الذين عزفوا كما لو كان احتفالًا لأشخاص ذوي نفوذ. كان هناك الكثير من الرجال يرتدون ملابس سوداء، والكثير من سماعات الأذن، والكثير من الأمن لاحتفال بسيط. لاحظت ذلك، نعم. لكنني كنت أعمى كثيراً بما شعرت به لدرجة أنني اخترت عدم التشكيك فيه.
في وقت لاحق من تلك الليلة، عندما كنا أخيرًا وحيدين في غرفة نوم ضخمة، أغلقت سيليا الباب بأيدي مرتجفة. ثم وضعت ظرفًا سميكًا ومجموعة من المفاتيح على الطاولة.
قالت “إنها هدية زفافك”. “مليون بيزو وشاحنة. ”
ابتسمت بعصبية ودفعت الظرف للخلف.
“أنا لست بحاجة إلى أي من ذلك. وجودك يكفيني. ”
ثم نظرت إلي بطريقة غريبة. حزين. كما لو كانت على وشك الانهيار.
“بني… أعني، إفرين… قبل أن يذهب هذا إلى أبعد من ذلك، أريد أن أخبرك بشيء. ”
قشعريرة مرّت في جسدي.
أزالت سيليا شالها ببطء. وعندما سقطت عيني على كتفها الأيسر تجمدت.
كان لديها وحمة دائرية مظلمة بحواف غير متساوية.
نفس الشخص.
في نفس المكان.
العلامة الدقيقة التي كانت أمي تحملها دائمًا على ترقوتها.
رفعت يدي، أرتجف.
“تلك العلامة… لماذا تملكه؟ ”
أغلقت سيليا عينيها وتراجعت.
نما الهواء ثقيلًا. توقفت الغرفة عن الشعور وكأنها جناح وبدأت تشعر وكأنها سجن.
همست “لأنني لا أستطيع البقاء صامتاً بعد الآن”.
وعندما فتحت فمها لقول الحقيقة، فهمت أنني لم أكن مستعداً لما كان على وشك أن يحدث…
حكايات شروق خالد

تراجعت سيليا خطوة إلى الوراء، وجلست على حافة السرير الفاخر، ودفنت وجهها بين كفيها المرتعشتين. كانت الغرفة الضخمة الدافئة قد تحولت في نظري فجأة إلى براد موتى، والشموع التي كانت توحي بالرومانسية أصبحت تشبه شموع الجنائز.
“سيليا.. انطقي!” صرختُ بصوت متحشرج والدم يغلي في عروقي، “العلامة دي مش مجرد شبه.. دي بالملّي نفس الوحمة اللي كانت عند أمي اللي ماتت وأنا عندي 5 سنين في حادثة عربية.. أنتِ مين؟!”
رفعت رأسها، وكانت الدموع قد غسلت مساحيق التجميل الغالية عن وجهها، لتظهر تجاعيد حزنها الحقيقي. نظرت إليّ وقالت بصوت مكسور: “أنا مش سيليا.. اسمي الحقيقي ماريا.. وأمك ماماتتش في حادثة عربية يا إفرين.. أمك عايشة، والوحمة اللي في كتفي دي مش شبه وحمتها.. دي وحمتها لأن أنا وهي توأم متطابق!”
وقعت الكلمات عليّ كالصاعقة. تراجعت للخلف حتى ارتطمت ظهري بالباب المغلق.
توأم؟ أمي لم تمت؟
تابعت سيليا – أو ماريا – وهي تبكي بنشيج مرير: “من 25 سنة، أبوك وعمتك وابن عمك.. العيلة اللي أنت دافعت عنهم واللّي طردوك بسببي، مكانوش عيلة شريفة. أبوك كان شغال مع عصابات تهريب الآثار والأسلحة هنا في المكسيك. لما أمك اكتشفت قرفهم وهددت تبلغ الشرطة وتآخدك وتهرب، قرروا يتخلصوا منها. عملوا ليها حادثة عربية مدبرة.. بس هي منجتش بالصدفة، هي نجت لأن أنا اللي هربتها!”
التقطت أنفاسها بصعوبة واستطردت: “أنا كنت عايشة في العاصمة، ولما عرفت بالحادثة، جيت وخطفتها من المستشفى قبل ما رجال أبوك يوصلوا ليها ويخلصوا عليها. أمك غابت عن الوعي شهور، ولما فاقت، كانت الحركة مشلولة عندها تماماً بسبب إصابة العمود الفقري، ومكنش قدامنا أي طريقة نحميك بيها منهم لأن أبوك كان قوي ومعاه نفوذ.. لو كنا حاولنا نآخدك، كانوا هيقتلوتنا كلنا.”
شعرت برأسي يدور، وجدران الغرفة تترنح بي. سألتها بذهول وغضب: “وليه سكتّي طول السنين دي؟ وليه جيتي اتجوزتيني أنا؟! أنتِ متخيلة البشاعة؟ بتتجوزي ابن أختك؟!”
وقفت سيليا بسرعة واقتربت مني وهي ترفع يديها كمن يستسلم: “اسمعني يا إفرين أبوس إيدك! الجواز ده حبر على ورق! مستندات مزورة برعاية رجال الأمن اللي شفتهم برة! أنا عمري ما فكرت فيك كزوج.. أنا بقالي 20 سنة بتبني إمبراطورية حراسة وبيزنس عشان يبقالي نفوذ ورجال وسلاح أقدر أقف بيهم في وش أبوك وعيلتك! ولما عرفت إنهم بدأوا يسحبوك معاهم في شغلهم القذر، ومبقاش فاضل غير شهور وأبوك يلبسك قضية تهريب تروح فيها إعدام عشان يحمي نفسه.. مكنش فيه طريقة أدخل بيها حياتك وأسحبك من وسطهم من غير ما يشكوا غير الحيلة دي!”
فتحتُ عينيّ على وسعهما.. تذكرت نظرات والدي لي، تذكرت العقود الكثيرة التي جعلني أوقع عليها في الشهر الماضي بحجة أنها “ممتلكات عائلية”. لقد كان يجهزني لأكون كبش الفداء!
“الأمن اللي برة دول رجالي أنا، الشاحنة والمليون بيزو دول عشان نتحرك حالا.. أمك مستنياك في المزرعة القديمة في جنوب البلاد يا إفرين.. هي بتموت، السرطان بياكل فيها ومفضلش ليها غير أيام، وكان حلمها تشوفك وتضمك قبل ما تقابل ربنا.. أنا عملت كل ده عشان أنقذ حياتك من أبوك، وأنفذ أمنية أختي التوأم!”
انهمرت دموعي بغزارة، كل شيء انهار في لحظة.. عائلتي التي قاطعتني لم تكن خائفة عليّ من امرأة عجوز، بل كانوا خائفين أن تكشف هذه المرأة سرهم القذر! والحب والأمان الذي شعرت به مع سيليا لم يكن حباً عاطفياً.. كان حنان الأمومة والأمان الذي حرمت منه لـ 25 عاماً، كانت تستمع إليّ لأنني قطعة من أختها الراحلة!
فجأة.. قطع حديثنا صوت طلقات رصاص عنيفة في حديقة الهاسيندا بالأسفل، وصراخ رجال الأمن!
ركضت سيليا نحو النافذة ونظرت للخارج، ثم التفتت إليّ بوجه شاحب كالموت وقالت: “أبوك عرف الحقيقة.. هما حاصروا المكان! لازم نهرب حالا من الممر السري تحت السرير.. لو مسكونا، مش هيرحموا حد فينا!”
امتدت يدها لتفتح قفل الممر السري، وفي تلك اللحظة.. تحطم باب الغرفة بالكامل ودخل رجال ملثمون يصوبون أسلحتهم نحو القلوب!

حكايات شروق خالد

انفجرت الغرفة بفوضى عارمة مع تحطم الباب. تراجعتُ غريزياً خطوتين للخلف وأنا أدفع سيليا – أو خالتي ماريا – خلف ظهري. كان في مقدمة المسلحين شخصٌ أعرفه جيداً.. شخصٌ لم أتخيل يوماً أن أرى في عينيه هذه النظرة من الغدر الخالص.
كان ابن عمي “راؤول”، وبجانبه والدي الذي كان يسير ببطء وثقة، ممسكاً بمسدس ذي مقبض ذهبي ونظراته باردة كالجحيم.
“كنت عارف إن العجوز دي وراها سر،” قال والدي بصوت هادئ ومرعب وهو ينظر إلى ماريا، “بس مكنتش متخيل إنك لسه عايشة يا ماريا.. افتكرت إننا خلصنا من قرفك وقرف أختك من ٢٥ سنة.”
التفت والدي إليّ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة: “أهلاً بك في الحقيقة يا إفرين.. زعلان مننا؟ العيلة دي كانت هتعملك غني.. بس غباءك وطوعك ورا الست دي هو اللي جابك لهنا.”
“أنت مش بني آدم!” صرختُ فيه والدموع تحرق عيني، “أنت كنت عايز تلبسني قضاياك؟ كنت عايز تموت أمي وتخلص مني عشان الفلوس؟!”
ضحك راؤول بسخرية وقال: “الفلوس هي اللي بتعمل العيلة يا قريبي العزيز.. ودلوقتي، الجوازة الشيك دي هتنتهي بنهاية مأساوية.. عريس مجنون قتل مراته الغنية وانتحر!”
في تلك الأجزاء من الثانية، بينما كان راؤول يرفع سلاحه ليطلق النار، حدث ما لم يتوقعوه.
ماريا لم تكن مجرد امرأة عجوز تدير أعمالاً؛ كانت امرأة عاشت ربع قرن تخطط لهذه اللحظة. ضغطت بيدها على زر صغير كان مخفياً في جهاز التحكم بإضاءة الغرفة بجانب السرير. فجأة، انطفأت أنوار الهاسيندا بالكامل، وحل ظلام دامس لا يكسره سوى ضوء القمر الشاحب من النافذة.
في نفس اللحظة، انطلق صوت طلقات مكتومة من خلف والدي وراؤول.. رجال ماريا المحترفون كانوا قد صعدوا من الشرفة الخلفية! سقط اثنان من رجال والدي على الأرض، وبدأت مواجهة شرسة بالرصاص في عتمة الغرفة.
“إفرين! انزل حالا!” صرخت ماريا وهي تسحبني بقوة نحو الفتحة السرية التي انفتحت أسفل السرير الفاخر.
نزلتُ خلفها بسرعة والطلقات تخترق خشب السرير فوق رؤوسنا. أغلقنا القفل الحديدي للممر السري من الداخل، ووجدنا أنفسنا في ممر ضيق ومظلم ينحدر لأسفل الهاسيندا، يضاء فقط بكشاف صغير كانت ماريا تحمله في جيبها.
كنا نركض والأنفاس تكاد تنقطع، وصوت الانفجارات في الأعلى يهز جدران الممر الترابي. بعد دقائق من الركض المتواصل، وصلنا إلى نهاية الممر الذي خرج بنا إلى غابة كثيفة من الأشجار خلف المزرعة، حيث كانت هناك شاحنة سوداء ضخمة تنتظر، ومحركها يعمل.
ركبنا بسرعة، وانطلقت الشاحنة بأقصى سرعة وسط الطرق الوعرة والظلام.
التفتُّ إلى ماريا وأنا أرتجف من الصدمة والأدرينالين: “إحنا رايحين فين؟”
نظرت إليّ وعيناها تلمعان بالأمل رغم الدموع: “رايحين للمكان اللي بدأ فيه كل حاجة.. رايحين لأمك يا إفرين. لازم نوصل قبل ما أبوك يجمع رجاله ويقفل الطرق.”
بعد رحلة استمرت خمس ساعات كاملة مع أول خيوط الفجر، وصلنا إلى مزرعة قديمة وهادئة تحيط بها حقول الذرة في أطراف الجنوب. كانت تبدو مكاناً منسياً من العالم، لكنها كانت الحصن الآمن.
نزلتُ من الشاحنة بخطوات ثقيلة، وقلبي يدق بعنف لدرجة أنني كنت أسمع دقاته في أذني. دخلتُ خلف ماريا إلى بيت ريفي بسيط ونظيف. قادتني نحو غرفة في نهاية الممر.
فتحت الباب ببطء..
على السرير، كانت ترقد امرأة ضئيلة الجسد، بيضاء الشعر، ملامح وجهها كانت نسخة كربونية من ماريا، لكنها كانت غارقة في التعب والمرض. الأجهزة الطبية تحيط بها، وصوت أنفاسها كان ضعيفاً جداً.
أول ما فتحت عينيها ورأتني، اتسعت حدقتاها وتدفقت الدموع بغزارة على وجنتيها الغائرتين. حاولت أن ترفع يدها المرتعشة نحوي.
ركعتُ على ركبتي بجانب السرير، وأمسكت يدها الباردة وضغطت عليها. لم أكن بحاجة لأي دليل أو كلام.. شعور الأمان الدافئ الذي سرى في جسدي أخبرني أن هذه هي أمي.. الحضن الذي حُرمت منه طوال حياتي.
“إفرين.. ابني..”، همست بصوت واهن ومتقطع، “كنت عارفة.. إنك هترجعلي.”
“أنا هنا يا أمي.. أنا هنا ومش هسيبك،” قلتها وأنا أبكي كالطفل الصغير الذي فقد أمه بالأمس فقط.
قضينا الساعات التالية معاً.. حكت لي كيف كانت تصلي من أجلي كل ليلة، وكيف أن ماريا ضحت بحياتها وشبابها لحمايتنا ولتأسيس قوة تقف في وجه والدي.
في ظهر ذلك اليوم، وبينما كانت أمي نائمة بسلام وهي ممسكة بيدي، دخلت ماريا الغرفة ممسكة بهاتفها، وعليها ملامح راحة لم أرها من قبل.
“خلاص يا إفرين.. انتهى الكابوس،” قالت ماريا بصوت هادئ.
نظرت إليها بتساؤل، فتابعت: “الشرطة الفيدرالية داهمت الهاسيندا بناءً على المستندات والأدلة اللي رجالي سلموها للنيابة الصبح. قبضوا على أبوك وراؤول متلبسين بالسلاح والمخدرات والآثار اللي كانت في المخازن تحت الأرض.. المرة دي مفيش خروج، النفوذ والفلوس مش هينفعوهم. الحق رجع لأصحابه.”
التفتُّ ونظرت إلى أمي التي كانت تبتسم وهي نائمة، ثم نظرت إلى ماريا.. المرأة التي نعتني الجميع بالمجنون لأنني تزوجتها، والتي دافعت عنها دون أن أعلم أنها دمي ولحمي.
لم أكن مجنوناً.. بل قادني قلبي إلى المكان الصحيح، وإلى السر الذي أنقذ حياتي وأعاد لي أمي في اللحظات الأخيرة من عمرها.

الهروب من عش الدبابير
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *