ولادها الاغنيا

ولادها الأغنيا ماكانش عندهم مكان ليها لكن ابنها الغلبان كان مستعد يرهن دهب مراته عشانها!
البنك أخد بيت نوال الدسوقي الصبح
وقبل ما الليل ييجي، كانت اتنين من ولادها الأغنيا قفلوا بابهم في وشها!
واحد عنده فيلا فخمة في التجمع الخامس
والتانية عايشة في كومباوند راقي في الشيخ زايد
لكن ولا واحد فيهم قال لأمه
تعالي اقعدي عندي.
الوحيد اللي فتح لها بابه كان حسن
ابنها اللي بيشتغل في المقاولات، وبقاله أسابيع مش لاقي شغل ثابت، وبيحاول بالعافية يوفر أكل وشرب بيته.
بس اللي نوال ماكنتش تعرفه
إن حسن في نفس الليلة كان مستعد يعمل حاجة عمرها ما كانت تتخيل إنه ممكن يعملها.
كان ناوي يرهن دهب مراته
عشان يجيب دوا لابنه، ويجيب أكل للبيت، ويدفع فاتورة الكهربا!
والمفاجأة؟
ولا حسن
ولا إخوته الأغنيا
ولا حتى نوال نفسها
كانوا يعرفوا إن تاني يوم الصبح، جواب قديم مخبي من سنين هيظهر وهيقلب حياة العيلة كلها!
لو أمي فضلت هنا، شركائي في الشغل هيقولوا إيه لما يشوفوها نايمة في أوضة الخدامة؟
نوال سمعت الجملة وهي واقفة على باب فيلا ابنها كريم في التجمع الخامس.
كانت ماسكة عصاية بإيد
وشنطة سودا صغيرة بالإيد التانية، فيها تقريبًا كل اللي فضل لها بعد ما البنك أخد بيتها.
بصت له وقالت بصوت مكسور
يا كريم أنا مش جاية أطلب منك فلوس.
وسكتت لحظة، وبعدين كملت
البنك أخد البيت الصبح وأنا بس محتاجة مكان أنام فيه كام يوم، لحد ما أشوف هعمل إيه.
كريم بص لساعته الغالية وقال بضيق
ماما، إنتي عارفة إن عندي ناس من الشغل جايين الليلة، وريهام عاملة حفلة خيرية.
ظهرت ريهام، مراته، من وراه.
وقالت ببرود
بصراحة يا طنط الموضوع هيبقى محرج شوية.
نوال بصتلها باستغراب.
ريهام كملت
أوضة الضيوف أصلًا بتبات فيها مدرسة اليوجا بتاعتي لما بتكون عندنا.
نوال حاولت تبلع غصتها وقالت
طب أنا أنام في المطبخ على مرتبة صغيرة.
ملامح كريم اتغيرت وقال
مفيش مكان ليكي هنا يا ماما.
وبعدين قال
أنا هدفعلك تمن فندق بسيط.
الكلمة وجعت نوال أكتر مما كانت متخيلة.
من سنين
كانت بتبيع أكل بيتي في سوق الجمعة، وتشتغل ليل نهار، وحتى دهبها كانت بترهنه، عشان تدفع مصاريف دراسة كريم.
وكان كل مرة يحضنها ويقول
استحملي يا أمي أول ما أنجح هعيشكوا كلكم ملوك.
دلوقتي
بقى خايف إن هدومها القديمة وجزمتها المتهالكة يحرجوه قدام شركائه!
ريهام قربت منها وقالت
الجيران هنا بياخدوا بالهم من كل حاجة.
وبهدوء
الباب اتقفل في وشها.
حسن كان مستني أمه تحت بعربيته البيك أب القديمة.
أول ما شاف وشها
عرف إن في حاجة حصلت.
بس ما سألهاش.
فتح لها الباب وقال
اركبي يا أمي.
ركبت نوال وهي بتحاول تمنع دموعها.
وبعد شوية قالت بصوت مكسور
خدني عند أختك منى.
كانت منى دكتورة وعايشة في بيت كبير في مدينة نصر، وعندها عيادة خاصة في مصر الجديدة.
لما شافت أمها، قالت باستغراب
ماما؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟ ليه ماكلمتينيش؟
نوال حكت لها كل اللي حصل.
وفي الآخر قالت
أنا مش عايزة غير كام يوم يا بنتي لحد ما أدبر نفسي.
منى سكتت لحظة
وبعدين فتحت شنطتها الغالية، طلعت مبلغ من الفلوس وحطته في إيد أمها.
وقالت
في دار مسنين كويسة في المعادي يا ماما.
وبدأت تعد مبرراتها
أنا شغلي متعب وبنتي عندها دروس وجوزي طول الوقت في الشغل مقدرش أتحمل مسؤولية حد دلوقتي.
نوال بصت للفلوس في إيدها.
وافتكرت إن من سنين، لما منى كانت في الجامعة ومش معاها فلوس للكتب، نوال هي اللي ادتلها مبلغ شبه ده.
رفعت عينيها لبنتها وقالت
يعني حتى مش هدخل أقعد جوه؟
منى اتضايقت وقالت
ماما، بالله عليكي ما تصعبيهاش عليا.
وبعدين
البوابة اتقفلت.
بالليل، حسن خد أمه لشقته الصغيرة في شبرا الخيمة.
شقة بسيطة
أوضتين وصالة.
مراته سماح أول ما شافت نوال، جريت عليها وحضنتها.
من غير سؤال
من غير لوم
من غير حتى ما تعرف حصل إيه.
ابنهم الصغير آدم كان نايم على الكنبة ومريض.
وسماح كانت قاعدة على ترابيزة المطبخ بتعد الفلوس اللي معاها عشان تشوف هيجيبوا أكل إزاي لبكرة.
حسن كان بقاله أسابيع مش لاقي شغل ثابت.
والتلاجة؟
كان فيها أكل بالعافية يكفيهم هم التلاتة.
ومع ذلك
ولا سماح قالت لنوال تمشي.
ولا حسن فكر حتى في الموضوع.
بالعكس
حسن قال لها
البيت بيتك يا أمي.
بعد نص الليل
نوال صحيت على صوت خافت.
خرجت من أوضتها
ولقت حسن واقف في المطبخ وبيفتح درج صغير.
طلع منه علبة دهب.
سماح كانت واقفة قدامه.
حسن بص لها وقال بصوت واطي
أنا هَرهن دهبك بكرة.
سماح سكتت.
قال
دوا آدم خلص والأكل خلص والكهربا قربت تتقطع.
وبص لعلبة الدهب
الدهب ده هيجيب فلوس تكفينا لحد ما ألاقي شغل.
سماح بصت للدهب شوية
وبعدين قالت بهدوء
لو ده هيساعد ماما ارهنه.
حسن بص لها باستغراب
ده دهبك يا سماح إنتي تعبتي عشان تجيبيه.
ابتسمت وقالت
الدهب يتعوض إنما أمك ملهاش بديل.
نوال كانت واقفة في الطرقة
وحاطة إيدها على بوقها عشان تمنع شهقتها.
الدموع نزلت من عينيها.
في اللحظة دي فهمت الحقيقة.
ولادها اللي عندهم الملايين ماكانش عندهم مكان لأمهم.
لكن ابنها اللي مش لاقي شغل
كان مستعد يرهن دهب مراته كله
عشان أمه ما تنامش جعانة ولا تحس إنها لوحدها.
رجعت نوال أوضتها من غير ما حد يحس.
قعدت على السرير
وفتحت شنطتها السودا.
كانت بتدور على صورة قديمة لجوزها.
لكن إيدها وقعت على حاجة تانية.
ظرف قديم.
نوال عمرها ما شافته قبل كده.
كان لونه أصفر من كتر السنين
وعليه اسمها مكتوب بخط إيد جوزها الراحل محمود.
إيدها بدأت تترعش.
لكن اللي مكتوب تحت اسمها
كان أخطر بكتير.
خمس كلمات بس
خلّوا قلبها يدق بسرعة
افتحيه بس لو خسرنا كل حاجة.
نوال فضلت باصة للظرف
وهمست
إنت كنت مخبي إيه يا محمود؟
وهي لسه مش عارفة
إن الجواب ده مش بس هيكشف سر قديم
ده كان هيكشف حقيقة تخلي ولادها الأغنيا نفسهم يتمنوا إنهم ما طردوهاش من بيوتهم!
ياترى إيه اللي جواه؟ وإيه اللي جوزها الراحل كان مخبيه طول السنين دي؟
ساد صمت قاطع في الأوضة، ونوال ماسكة الظرف الأصفر وإيدها بتهتز. الرياح الجافة كانت بتخبط على شباك الصالة، وصوت تكتكة الساعة على الحيطة كأنه بيعد الثواني الفاصلة في حياة العيلة دي كلها.
فتحت نوال الظرف ببطء شديد…
طلعت منه ورقة قديمة مطوية، ومعاها مفتاح حديد له شكل غريب وكبير، ورسم تخطيطي لقطعة أرض.
كانت رسالة زوجها الراحل محمود مكتوبة بخط واضح ورزين
عزيزتي نوال…
لو تقرأي الرسالة دي، يبقى الأيام دارت، والبيت اللي بنيناه ضاع أو البنك أخد كل حاجة. أنا عارف إنك تعبتِ معايا ومع

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *