مرات أخويا اتصلت بيا وهي بتصيف في العالمين
مرات أخويا اتصلت بيا وهي بتصيف في العالمين مع العيلة وقالتلي أروح أأكل صخر عشان محدش في البيت لكن أول ما فتحت باب الشقة، لا لقيت الكلب ولا لقيت أي حد ولما وصلت لآخر الطرقة سمعت صوت طفل بيعيط من ورا باب مقفول بالمفتاح من بره وأول ما فتحته لقيت ابنها اللي عنده خمس سنين متكور على الأرض، وشفايفه ناشفة من العطش، وباصصلي بعينين مطفية وهو بيهمس أنا كنت عارف إن ماما كدبت وإنك مش هتيجي.. في اللحظة دي افتكرت إن أسوأ حاجة ممكن أشوفها هي طفل سايبينه جعان لوحده. لكن بعد دقايق، الرسالة اللي بعتتها لي أمه على موبايلي وكلمة واحدة قالهالي الدكتور في المستشفى خلوني أفهم إن اللي حصل مكنش إهمال كان حاجة أخطر بكتير
أيوه، هي هنا. وصلت من يوم الجمعة ومعاها صخر ورنا. يوسف مجاش. وهي دلوقتي قاعدة عند حمام السباحة بتنزل ستوريز كأن مفيش أي حاجة.
قريت الرسالة تلات مرات.
رنا، بنتها اللي عندها تمن سنين، كانت هناك. وصخر كان عايش وفرحان، بيجري بين الكراسي بكل أريحية.
أما يوسف…
يوسف ماكانش منسي.
يوسف اتساب ورا…
بقصد.
حسيت في اللحظة دي إن حاجة جوايا اتكـ,ـسرت. مش حزن… لأ. كان كأن باب اتقفل للأبد بين العيلة اللي كنت فاكرة إنها عيلتي، وبين الحقيقة اللي ظهرت قدامي.
بعت رسالة تانية لصاحبتي سارة شغالة في الفندق بالعلمين..
هو طارق هناك؟
الرد اتأخر كام ثانية.
لأ. خديجة بتقول إن طارق في أسوان. بس يا مريم… هي لسه منزلة ستوري وهي بترفع كوباية عصير وبتضحك. شكلها هادي بشكل يخوف.
قفلت الموبايل، وبصيت ليوسف من ورا إزاز أوضة الطوارئ.
بقه كان مفتوح سنة بسيطة، والمحلول بينزل نقطة نقطة، والديناصور الأخضر مستخبي تحت دراعه.
خمس سنين…
تلات أيام محبوس في أوضة…
وأمه قاعدة عند حمام السباحة بتستمتع بإجازتها.
بعد حوالي عشرين دقيقة وصلت الأخصائية الاجتماعية.
كان اسمها أمل. شعرها مربوط لورا، وماسكة ملف أزرق، وباين على وشها إنها شافت مواقف كتير
في شغلها، لكن لسه الظلم بيغضبها.
قالت بهدوء
محتاجة تحكيلي كل حاجة من الأول.
وحكيتلها كل حاجة.
مكالمة خديجة.
المفتاح اللي تحت أصيص السرخس.
اختفاء صخر.
الباب المقفول من بره.
إزازة المية الفاضية.
والرسائل اللي بعتتهالي.
ماقاطعتنيش ولا مرة.
كانت بتكتب وهي ماسكة القلم بقوة لدرجة إن صوابعها بقت بيضا.
ولما خلصت، أخدت نفس عميق وقالت
إحنا هنبلغ حماية الطفل والنيابة فورًا. والولد ده مستحيل يرجع لأمه.
قلت من غير تردد
ولا لأي حد هيحاول يحميها.
رفعت عينها وبصتلي.
حتى لو كان أخوكي؟
السؤال نزل عليا زي القلم.
طارق…
أخويا الصغير اللي كان بيمشي ورايا طول الوقت وهو شايل الكورة.
اللي عيط أول ما يوسف اتولد.
بس هو كمان…
الأب اللي يا إما ماشافش إن ابنه بقى جلد على عضم…
أو شاف وسكت.
قلت بصوت مكسور
مش عارفة… مش قادرة أوصله.
اتصلت بيه مرة كمان.
البريد الصوتي.
بعتله رسالة
طارق… أنا في الطوارئ مع يوسف. خديجة حابساه في أوضة من يوم الجمعة. تعالى حالًا. ومتتصلش بخديجة… تعالى بس.
الرسالة فضلت بعلامة واحدة.
ساعتها افتكرت حاجة.
خديجة كانت هي اللي ماسكة كل حاجة في البيت.
الفواتير.
الباسوردات.
مواعيد العيال.
حتى جدول طارق نفسه.
وكان دايمًا بيهزر ويقول إن خديجة منظمة أكتر من أي مدير شركة.
لكن الفكرة دي دلوقتي…
بقت مرعبة.
بعت رسالة لزميل طارق في الشغل، أحمد.
هو طارق في أسوان فعلًا؟
الرد جه في ثواني.
لأ. السفر اتلغى من يوم الخميس. طارق أخد إجازة لأن خديجة قالت إن يوسف عنده حرارة.
حسيت الدنيا بتميل بيا.
لو طارق مش في أسوان…
أمال هو فين؟
خرجت للممر عشان آخد نفس.
بصيت من الشباك.
النهار كان بيغيب، والعربيات زحمة، والكلاكسات مالية الشوارع.
الحياة ماشية عادي.
ستات راجعين من السوق.
راجل بيبيع آيس كريم.
وعيلة بتتخانق على مكان يركنوا فيه العربية.
وابن أخويا…
كان عايش بالصدفة.
أو يمكن…
لأن خديجة كانت عايزاني أنا اللي
ألاقيه قبل ما يكون فات الأوان.
الفكرة دي خبطتني فجأة.
ليه اتصلت بيا؟
ليه كذبت عليا وقالت أطعم صخر؟
وليه سابت المفتاح في مكان معروف؟
فتحت واتساب، وقريت رسايلها من جديد.
بلاش تدوري في اللي ميخصكيش.
عشان مصلحة الكل.
لأ…
دي ما كانتش واحدة اتفاجئت إنها اتكشفت.
دي كانت واحدة…
كانت بتحسب كل خطوة همشيها من قبل ما أفتح باب بيتها.
خرجت الأخصائية الاجتماعية أمل من أوضة الطوارئ، وقالتلي
يوسف فاق… وأول حاجة طلبها إنه يشوفك.
دخلت بسرعة.
كان يوسف فاتح عينيه، لكن باين عليه التعب. أول ما شافني حاول يبتسم وقال بصوت ضعيف
عمتي مريم…
قربت منه، وملست على شعره برفق.
أنا هنا يا حبيبي.
بصلي بخوف وسأل
ماما عرفت؟
قلت وأنا بحاول أطمنه
مامتك دلوقتي مش أهم حاجة.
لف وشه ناحية الباب، والخوف مالي عينيه.
لأ… مهم.
قربت منه أكتر وسألته بهدوء
ليه بتقول كده؟
شفايفه اترعشت وهو بيقول
عشان قالتلي… لو خرجتيني من البيت… هتقول للناس إنك خطفتيني.
جسمي كله قشعر.
قلت بسرعة
قالتلك إيه كمان يا يوسف؟
قفل عينيه كأنه بيتوجع من الذكرى.
قالت إن بابا مضى على ورق… وإن محدش هيصدقني عشان أنا بكدب… وقالت إنك طول عمرك نفسك يبقى عندك ولد… وعشان كده هتاخديني.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتحرك.
خديجة ماكنتش بس حبسته…
دي كانت مجهزة رواية كاملة.
رواية أنا فيها الست المجنونة…
الفضولية…
اللي اقتحمت بيت أخوها وخطفت ابنه.
أخدت نفس بالعافية وسألته
يوسف… بابا فين؟
فتح عينيه وقال بهدوء
عند بيت جدتي أم ماما.
في الإسكندرية؟
هز راسه بالموافقة.
ماما ادته دوا… قالت إنه متوتر. بابا بينام كتير. وسمعته مرة بيقول إنه عايز يوديني للدكتور… بس ماما زعقتله.
ساعتها كل حاجة بدأت تركب قدام عيني.
طارق مش بيرد…
مش لأنه مش عايز…
يمكن لأنه أصلًا مش قادر.
خرجت من الأوضة بسرعة، وقلبي بيدق بعنف، واتصلت بوالدي.
ماحكتلوش كل حاجة.
قلتله بس اللي يخليه يفهم
إن الموضوع أكبر بكتير من خناقة عائلية.
قلت
بابا… روح حالًا بيت أهل خديجة. دور على طارق. ولو محدش فتحلك الباب… كلم الشرطة فورًا.
فضل ساكت كام ثانية.
وبعدين سأل بصوت متوتر
خديجة عملت إيه؟
قلت وأنا بحاول أمسك نفسي
يوسف في المستشفى.
ماسألش أي سؤال تاني.
كل اللي قاله
أنا طالع حالًا.
الساعة كانت حوالي ستة ونص بالليل لما وصل اتنين من رجال المباحث.
ظابط شاب، ومعاه ظابطة كانت ملامحها حادة ونظراتها مركزة.
راجعوا الرسائل اللي على موبايلي، وصوروا كل حاجة، وطلبوا التقرير الطبي.
وأمل فضلت واقفة جنبي طول الوقت.
قالت الظابطة
لازم نفتش البيت ونأمنه.
بصتلي وسألت
المفتاح لسه معاكي؟
طلعته من جيبي.
كان مفتاح صغير وعادي جدًا…
لكن بالمفتاح ده اتفتح بيت كان مخبي جريمة كاملة.
قلت
أنا جاية معاكم.
قالت
يفضل لأ.
رديت من غير تردد
ممكن يكون فيه حاجات أنا الوحيدة اللي هعرفها.
بصتلي لحظة، وبعدين قالت
امشي ورانا… وإوعي تلمسي أي حاجة.
رجعنا للمجمع السكني.
إيدي كانت ساقعة وأنا بسوق.
الليل بدأ ينزل، والناس خارجة تتعشى وتتمشى كأن الدنيا عادية.
كل حاجة حواليّا كانت مستفزة…
لأن اللي حصل ليوسف كان أبعد ما يكون عن الطبيعي.
أول ما وصلنا، فرد الأمن اتصدم لما شاف الشرطة.
الظابطة طلبت سجل دخول وخروج العربيات من يوم الجمعة.
الرجل اتوتر وقال
مدام خديجة قالت محدش ياخد أي سجلات غير بإذنها.
رفعت الظابطة البطاقة بتاعتها وقالت بحزم
أنا الإذن.
دخلنا البيت.
كان لسه بنفس السكون…
ونفس الهوا الكاتم.
كوباية العصير اللي عليها أثر الروج كانت مكانها.
وصورة العيلة لسه على الترابيزة…
بتبتسم ابتسامة مستفزة.
دخلوا أوضة الضيوف.
صوروا الباب.
والقفل.
وزجاجة المية الفاضية.
والمنديل.
كنت واقفة على الباب وحاسة إن رجليا مش شايلاني.
وفجأة…
سمعت صوت طنين خفيف.
بصيت ناحية مكتبة المكتب وقلت
استنوا… فيه كاميرا.
قربت الظابطة.
كانت كاميرا صغيرة جدًا،
متدارية وسط التحف.
وعدستها موجهة على الممر…
الممر اللي فيه أوضة يوسف.
همست وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع
خديجة كانت بتراقبه…
فكت الظابطة الكاميرا، وحطتها في كيس الأدلة.
وكملوا التفتيش.
فتحوا
درج المكتب.
ولقوا ملف مليان أوراق.
في الأول افتكرت إنها أوراق بنك.
لكن أول ما بصيت…
لقيت اسمي مكتوب بخط كبير.
مريم…
وتحته كلام عني…
تاريخ من القلق… عدم استقرار نفسي… وخلافات مستمرة مع خديجة.
الهوا انقطع من صدري.
كان فيه صور شاشة من منشورات قديمة ليا…
وصورة من سنين…
يوم ما كنت منهارة بعد طلاقي… وكأن حد كان بيجمع كل حاجة عني من زمان.
رن موبايلي.
كان رقم خديجة.
بصيت للظابط، فأشارلي أرد وأسيب السماعة مفتوحة.
أول ما رديت، سمعت صوتها الهادي… الهدوء اللي كان يخوف أكتر من أي صريخ.
قالت
مريم… يوسف فين؟
حسيت ريقي نشف.
قلت
في المستشفى.
سكتت كام ثانية.
وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة.
إنتِ مدركة إنتِ عملتي إيه؟
بصيت للظابط قبل ما أرد.
أنا أنقذته من أوضة كانت مقفولة عليه.
قالت بنبرة كلها سم
إنتِ اقتحمتي بيتي من غير إذن، وخدتي طفل قاصر. وده اسمه خطف يا حبيبتي.
الظابط أشارلي أكمل.
قلت
إنتِ بنفسك طلبتي مني أروح البيت.
ردت بسرعة
عشان أطعمي صخر… مش عشان تفتشي في أوضي. يوسف كان بيتعاقب. ده ابني… وإنتِ ملكيش أي صفة.
حسيت الدم بيغلي في دماغي.
قلت
إنتِ سيبتيه من غير مية.
ضحكت باستخفاف.
إنتِ دايمًا بتكبري المواضيع. وده السبب إن طارق مبقاش عايزك تدخلي حياته. وده السبب إنه مضى على أمر يمنعك تقربي مننا.
الظابط بصلي باستغراب.
وقال بصوت واطي
أمر إيه؟
أنا كمان اتصدمت.
خديجة سكتت نص ثانية…
بس النص ثانية دي كانت كفاية إنها تكشف إنها بتكدب.
رجعت قالت بثقة مصطنعة
هتعرفي قريب. رجعيلي يوسف… قبل ما تدمري حياتك بنفسك.
خدت نفس طويل وقلت بكل هدوء
خديجة… الدكتور بلغ رسمي عن إهمال وتعذيب طفل. والنيابة دلوقتي في بيتك… والشرطة جاية تقبض عليكي.
لأول مرة…
سمعت الخوف في صوتها.
مش صريخ…
ولا شتيمة…
خوف حقيقي.
قالت وهي بتحاول تتماسك
إنتِ مش عارفة إنتِ واقفة قدام مين.
قلت
عارفة كويس… الست اللي حبست ابنها في أوضة تلات أيام.
وفجأة..
.
قفلت الخط.
الظابط أخد موبايلي فورًا عشان يحفظ تسجيل المكالمة ضمن الأدلة.
بعد حوالي عشر دقايق، وصلتني رسالة من صاحبتي سارة.
خديجة خرجت من القرية السياحية ومعاها رنا وصخر. بتسوق العربية بسرعة جنونية.
رديت عليها فورًا
بلغي أمن القرية يكلموا المرور. هي راجعة ناحية المستشفى.
بس جوايا كنت متأكدة…
أنا عارفة هي رايحة فين.
رايحة تاخد يوسف.
ركبت عربيتي ورا عربية الشرطة.
قلبي كان تقيل كالحجر.
أنوار العربيات الزرقا والحمراء كانت منعكسة على إزاز العربيات، وعلى يافطات الشوارع، وعلى واجهات المحلات.
عدينا جنب ناس ماشية بتاكل آيس كريم…
وأطفال بيضحكوا…
ولا حد فيهم يعرف إن جحيم كامل بيجري في الشوارع.
أول ما وصلنا المستشفى، كانت الأخصائية الاجتماعية أمل واقفة عند باب الطوارئ، ووشها شاحب.
قالت بسرعة
ست جت من شوية، قالت إنها أم يوسف. كانت لابسة نضارة شمس، ومعاها بنت صغيرة.
جريت من غير ما أستنى.
ريحة المطهرات والقهوة والقلق كانت مالية المكان.
الممرضة أشارت ناحية قسم الأطفال.
وقالت
منعناها تدخل… لكنها جريت على هناك.
جريت بكل قوتي.
ولما وصلت آخر الممر…
شوفت خديجة.
كانت واقفة بكامل أناقتها.
فستان أبيض شكله غالي.
صندل شيك.
وشعرها متظبط كأنها خارجة من جلسة تصوير.
جنبها كانت رنا، واقفة بتعيط في صمت، وماسكة سلسلة صخر.
أول ما صخر شافني، هز ديله وهو مش فاهم إيه اللي بيحصل.
أما خديجة…
فكانت ماسكة يوسف من دراعه بعنف.
المحلول كان متشال من إيده، والدم نازل مكان الإبرة.
وكان حافي.
صرخت بكل صوتي
سيبيه يا خديجة!
لفت ناحيتي.
وعينيها…
ماكنتش نفس العينين اللي كانت بتضحك في الصور.
كانت مليانة قسوة…
وفاضية من أي رحمة.
قالت ببرود
ده ابني.
يوسف انفجر في العياط.
عمتي…
قربت خطوة.
خديجة… مينفعش تاخديه بالحالة دي. هو لسه تعبان ولسه جسمه فيه جفاف.
صرخت في وشي
هو تعبان بسببك إنتِ! طول عمرك بتحشري نفسك في كل حاجة. فاكرة نفسك البطلة! تعرفي يعني
إيه تعيشي مع طفل بيعيط على كل حاجة؟ ومع راجل ضعيف مش عارف يربي ابنه؟ أنا كان من حقي أرتاح شوية!
رنا بدأت تعيط أكتر.
وقالت برجاء
يا ماما… خلاص.
خديجة بصتلها بغضب وقالت
اسكتي.
في اللحظة دي…
صخر طلع صوت زمجرة واطية.
صخر…
الكلب الهادي اللي عمره ما أذى حد…
وقف بين رنا وخديجة، وسنانه بدأت تظهر.
خديجة شدت السلسلة بعنف.
وفي نفس اللحظة…
يوسف اختل توازنه.
جريت ناحيته.
وفي نفس الوقت، دخل الظابط من آخر الممر وهو بيصرخ
خديجة… ابعدي عن الطفل فورًا!
لكن خديجة مسكت يوسف بقوة أكتر.
صرخت
لأ!
ويوسف صرخ…
مش صرخة عالية…
كانت صرخة طفل اتكسر من جواه.
وفي اللحظة دي…
رنا سابت سلسلة صخر…
وزقت إيد أمها بكل قوتها وهي بتعيط.
كفاية يا ماما!
خديجة بصتلها وكأنها أول مرة تشوفها في حياتها.
الصدمة اللي ظهرت على وشها لثانية واحدة كانت كفاية.
استغليت اللحظة، وجريت ناحية يوسف، وشدّيته لحضني بكل قوتي.
جسمه كان مولع من السخونية.
في نفس اللحظة، الظابط مسك خديجة من دراعاتها.
انفجرت تصرخ
هي خطفته! دي حرامية! كلكم هتندموا! طارق مضى على كل الأوراق! معندكوش أي دليل!
وفجأة ظهرت الأخصائية الاجتماعية أمل وهي ماسكة الملف الأزرق.
بصتلها وقالت بمنتهى الثبات
لأ… عندنا.
خديجة اتجمدت مكانها.
الظابط لبسها الكلبشات قدام باب قسم الأطفال، وفي نفس الوقت كانت ممرضة بتلف يوسف في بطانية دافية.
الناس كلها وقفت تتفرج.
ولا حد نطق بكلمة.
المكان كله كان مليان بصوت نباح صخر…
وعياط رنا.
الغريب…
إن خديجة ماعيطتش.
وده كان أكتر حاجة خوفتني.
كل اللي عملته إنها فضلت باصة ناحيتي بكل الكره اللي في الدنيا.
وقالت
إنتِ دمرتي عيلتي.
حضنت يوسف أكتر، وقلت من غير ما أرمش
لأ… إنتِ اللي ضيعتي عيلتك من اللحظة اللي قفلتي فيها باب الأوضة عليه.
الساعة كانت حوالي تسعة بالليل لما لقوا طارق.
بابا هو اللي اتصل بيا.
كان صوته مكسور.
قال إنهم راحوا بيت أهل خديجة، وإنهم في الأول رفضوا
يفتحوا الباب، لكن لما الشرطة وصلت اضطروا يفتحوا.
ولقوا طارق جوه أوضة.
كان تايه…
مش مركز…
وجسمه فيه جفاف.
والدكاترة قالوا إنه تحت تأثير مهدئات، وهو نفسه ماكانش عارف أخدها إمتى.
ماكانش مربوط…
وماكانش محتاج يتربط.
أوقات الكذبة، لما تتقال بثقة كفاية…
بتبقى أقوى من أي قفل.
وصل المستشفى قبل نص الليل.
وعمري ما هنسى شكله.
دقنه كانت طالعة.
هدومه مكركبة.
وعينيه حمرا من التعب.
أول ما شاف يوسف نايم، والمحلول راكب في إيده من تاني…
غطى وشه بإيديه الاتنين.
وقال بصوت متقطع
مريم…
ماكنتش قادرة أحضنه.
كان بينا وجع أكبر من أي كلام.
بصيتله وقلت بهدوء
إنت ماكنتش شايفه يا طارق؟ ماخدتش بالك كان عامل إزاي؟
ابتدى يعيط…
من غير صوت.
وقال
خديجة كانت بتقول إنه بيتدلع… وإن الدكتور قال إن ده طبيعي. يوم الخميس حاولت آخده للدكتور، قالتلي إني مبالغ… وبعدها ادتني برشامة. ومن ساعتها… كل حاجة عندي ضباب.
كان نفسي أكرهه.
وجزء مني فعلًا كان بيكرهه.
لكن في اللحظة دي…
يوسف فتح عينيه، وبص ناحيته.
وهمس
بابا…
طارق وقع على ركبته جنب السرير.
وقال وهو بيبكي
سامحني يا ابني… سامحني.
يوسف مد إيده الصغيرة، وحطها على شعر أبوه.
وقال بهدوء
ماما قالت إنك مش هتيجي.
في اللحظة دي…
طارق انهار تمامًا.
بصيت من شباك المستشفى.
المدينة كانت لسه منورة.
العربيات ماشية.
والناس عايشة يومها عادي.
وافتكرت كل مرة يوسف كان بيستأذن عشان ياكل…
أو يلعب…
أو حتى يتكلم.
وافتكرت إن فيه أطفال كتير بيتعلموا يهمسوا…
عشان يقدروا يعيشوا.
تاني يوم الصبح، النيابة أصدرت أوامر بحماية الأطفال.
يوسف ورنا راحوا يقعدوا مؤقتًا معايا ومع أمي، لحد ما التحقيقات تخلص، ويتم تقييم حالة طارق.
أما خديجة…
فماخرجتش من الحجز لا الليلة دي…
ولا اللي بعدها.
رنا فضلت ساكتة ساعات طويلة.
وفي اليوم التالت…
كانت رنا قاعدة في مطبخي، قدامها كوباية شوكولاتة سخنة بقى عليها طبقة خفيفة من البرودة،
وقطعة فطيرة فضلت مكانها زي ما هي، ولا حتى حاولت تقرب منها، وكانت كل شوية تلف الكوباية بين إيديها الصغيرة من غير ما ترفع عينيها من عليها، كأنها بتجمع شجاعة كانت أكبر من سنها بكتير.
وفجأة قالت بصوت واطي، صوت طفل شايل
ذنب عمره ما كان ذنبه
أنا كنت عارفة إن يوسف محبوس في البيت.
الكلمة نزلت على قلبي كأنها حجر.
بصيتلها، ولسه مش مستوعبة اللي سمعته، وقلت بالعافية
إيه؟
رفعت عينيها ليا، وكانت الدموع متعلقة في رموشها.
وقالت
ماما قالتلي لو قولت لأي حد… هتحبس صخر هو كمان. وقالت إن يوسف ولد وحش، وإن بابا تعبان بسببه، وإن أي حد هيحاول يساعده هيبوظ العيلة كلها. كنت عايزة أقولك يا عمتي… والله كنت عايزة… بس كنت خايفة.
قعدت جنبها من غير ما أتكلم، وضميتها لحضني، وحسيت جسمها كله بيرتعش، كأنها أخيرًا لقت مكان يسمح لها تعيط فيه من غير ما تخاف.
قلت وأنا بمسح دموعها
اسمعيني كويس يا رنا… اللي شيلتيه على كتفك ماكانش حمل طفلة عندها تمن سنين. إنقاذ يوسف ماكانش مسؤوليتك، واللي حصل ماكانش ذنبك، والوحيدة اللي لازم تتحاسب هي اللي خوفتكم وخدت طفولتكم.
هزت راسها وهي بتعيط.
وقالت
بس إنتِ أنقذتيه.
بصيت ناحية الصالة.
كان يوسف قاعد على السجادة، ملفوف في بطانية دافية، وحاطط طبق مية قدام صخر، والكلب كان بيشرب بهدوء، وبعدها قرب منه ولحس صوابعه، بينما الديناصور الأخضر مرمي بينهم، كأنه الحارس الصغير اللي رفض يسيبه لحظة واحدة.
ابتسمت، وبصيت لرنا.
وقلت
أنا ما أنقذتوش لوحدي.
بصتلي باستغراب.
فابتسمت أكتر، وكملت
إنتِ كمان أنقذتيه… في اللحظة
اللي سيبتي فيها سلسلة صخر. لو ماكنتيش عملتي كده، كان ممكن يوسف يفضل في إيدها، وكان ممكن كل حاجة تنتهي بشكل تاني.
دفنت وشها في حضني، وفضلت تعيط، لكن المرة دي كان عياط بيرمي خوف سنين، مش خوف لحظة.
العصر…
طارق جه بإذن من النيابة.
قعد في جنينة بيت أمي تحت شجرة الجهنمية، وماحاولش يبرر، ولا دافع عن نفسه، ولا قال إنه ضحية، ولا طلب حد يسامحه.
فضل ساكت…
يسمع يوسف…
ويسمع رنا…
ويسمعني…
وكأن السكوت المرة دي كان أصعب عليه من أي اعتراف.
ولما أمي حطت طبق شوربة فراخ بالرز قدام يوسف، فضل يبصله ثواني طويلة، وبعدها رفع عينيه وسأل بتردد كسر قلبنا كلنا
ينفع… آكل الطبق كله؟
أمي حطت إيديها على قلبها، ولفت وشها عشان تخبي دموعها.
أما طارق، فقفل عينيه بقوة، وكأنه بيتمنى لو يقدر يرجع الزمن دقيقة واحدة بس.
وأنا حطيت المعلقة في إيد يوسف، وابتسمتله.
وقلت
مش بس تاكله كله يا حبيبي… ولو خلص ولسه جعان، هنملاهولك تاني… وتالت… وكل مرة هتجوع فيها هتلاقي اللي يشبعك.
يوسف ابتدى ياكل بالراحة، كأنه مستني في أي لحظة يسمع حد يزعقله ويقوله كفاية.
لكن محدش زعق.
ومحدش خد الطبق من قدامه.
وبعد شوية…
ابتدى ياكل أسرع، ولأول مرة من أيام طويلة، شفت في عينيه لمعة طفل بدأ يصدق إنه بقى في مكان آمن.
وصخر كان نايم عند رجليه..
.
والديناصور الأخضر بين إيديه…
ولأول مرة…
ابتسم يوسف من غير خوف.
ماكنتش ابتسامة كبيرة…
لكنها كانت كفاية تنور البيت كله.
مرت شهور.
القضية بقت في إيد المحكمة، وخديجة فضلت متمسكة بنفس الكذبة، وفضلت تقول إن كل اللي حصل مجرد سوء فهم، وإن الناس ضخمت الحكاية.
لكن المرة دي…
الكدب ماكانش لوحده.
التقرير الطبي كان قدام النيابة.
ورسائلها اتحفظت ضمن ملف القضية.
وتسجيل المكالمة اللي هددتني فيها بقى واحد من أهم الأدلة.
أما الكاميرا الصغيرة اللي كانت مخبياها في الممر، فالشرطة قدرت تستخرج التسجيلات اللي عليها، واللقطات أثبتت إن يوسف فضل محبوس لوحده، وإن محدش دخل الأوضة بعد ما خديجة خرجت من البيت.
وكمان الملف اللي لقيناه في المكتب، واللي كانت مجمعة فيه صوري القديمة، وكلام عني، وتقارير مزيفة تحاول تثبت إني غير مستقرة نفسيًا…
الظابط قفله قدامي يومها، وقال بهدوء
دلوقتي الصورة اكتملت… هي ماكانتش عايزاكي تروحي عشان صخر، كانت عايزاكي تدخلي الشقة وبس، عشان لو احتاجت بعد كده تقول إنك آخر واحدة دخلت البيت، أو تلفقلك إنك خدتي الطفل. لكنها ماحسبتش إن يوسف هيسمع صوتك… ويستنجد بيكي.
ساعتها…
افتكرت أول مكالمتها.
وافتكرت إصرارها إني أروح بنفسي.
وإصرارها إنها تقولي مكان المفتاح.
وفهمت إن حكاية صخر عمرها ما
كانت الحقيقة…
كانت مجرد طُعم.
هي ماكانتش بتطلب مني خدمة…
هي كانت بتنصبلي فخ.
لكن ربنا خلى أول صوت أسمعه وأنا داخلة الشقة…
يبقى صوت يوسف.
أما يوسف…
فابتدى ينام من غير ما يطلب مننا نسيب باب أوضته مفتوح.
ورنا رجعت مدرستها، ورجعت تضحك بالتدريج.
وطارق كمل جلسات العلاج النفسي، واعترف لنفسه قبل أي حد، إن الأب اللي يقفل عينيه عن وجع ابنه، حتى لو كان مخدوع، لازم يواجه الحقيقة ويتحمل مسؤوليته.
وفي يوم من الأيام…
خرجنا نتمشى سوا.
كان يوسف ماسك الديناصور الأخضر في إيد، وإيدي في الإيد التانية.
وفجأة وقف، وبصلي بابتسامة صغيرة.
وقال
يا عمتي مريم…
ابتسمت وقلت
نعم يا حبيبي؟
قال وهو بيبصلي بثقة أول مرة أشوفها في عينيه
لما ماما قالتلي إنك مش هتيجي… أنا كنت عارف إنك هتيجي.
وقفت مكاني.
وحسيت دموعي بتنزل من غير ما أقدر أمنعها.
ابتسمت وسألته
بجد؟
هز راسه.
وقال
عشان إنتِ وعدتيني قبل كده… إن اللي بيحب حد، عمره ما يسيبه لوحده.
نزلت على ركبتي، ومسكت وشه بين إيديا.
وقلت
وأوعدك… من النهارده… عمرك ما هتفضل لوحدك تاني.
ارتمى في حضني بكل قوته.
حضن طفل أخيرًا عرف يعني إيه أمان.
وبينما الشمس كانت بتغيب، وتلون البيوت القديمة باللون الدهبي، فهمت إن الوجع ممكن يستخبى فعلًا ورا أجمل الأبواب…
لكن عرفت كمان…
إن الباب اللي بيتقفل على طفل من بره…
مش دايمًا بيكون نهاية الحكاية…
أوقات…
بيبقى بداية النجاة.
