وشم على كتف زوجي ج2 حكايات شروق خالد
الخط قطع، والتلفون قفل في وشي.
فضلت باصة لشاشة الموبايل وأنا مش مصدقة، كأنه حتى معندوش الشجاعة يواجهني أو يدافع عن نفسه. حاولت أطلب الرقم تاني وتالت، بس الخط كان بيديني “غير متاح”.. قفل تليفونه خالص. كان بيهرب، زي ما هرب من الحقيقة طول السنين اللي فاتت.
لفت وشي لقيت منى واقفة بعيد شوية، بتبص لي بنظرات كلها شفقة على حزني وخوف من اللي جاي. مشيت ناحيتها، وبقيت بكلمها وأنا دموعي نازلة مغرقة وشي:
“هو قفل تليفونه.. هرب.. حتى المواجعة خاف منها.”
منى حطت إيدها على كتفي وقالت بصوت واطي:
“يا مدام، صدقيني أنا ماليش ذنب.. أنا اتفاجئت زيك بالظبط. تامر ده صفحة قفلتها من زمان أوي، ودفعت تمنها من عمري وصحتي في جوازة فاشلة برة مصر. أنا مش عايزة أهد لك بيتك، ولا عايزة أرجع لحياة حد.”
بصيت لها وقولتلها بكسرة نفس:
“إنتي مهدتيش حاجة يا منى.. البيت ده كان مهدود ومبني على كدبة من أول يوم.. أنا كنت عايشة في وهم.”
سيبتها ومشيت، مرجعتش على البيت. روحت قعدت على كورنيش النيل، وفضلت باصة للمايه وأنا شريط حياتي كله بيعدي قدام عيني. افتكرت كل مرة كنت بطلب منه يغطي التاتو، وافتكرت نظرة عينيه اللي كانت بتهرب مني وهو بيألف الحجج. افتكرت كام مرة كنت بحضنه وفي بالي إني بمتلك قلبه، وهو كان بيمتلك طيف الست اللي سابته.
قعدت هناك لحد ما الدنيا ليلت. فتحت تليفوني، لقيت رسايل ومكالمات كتير جداً من تامر.. تامر اللي تليفونه اتفتح تاني لما حس إن بيته بيتهد بجد.
فتحت الرسايل ولقيته كاتب:
“أنا أسف.. والله العظيم أنا بحبك إنتي، منى دي كانت ماضي وانتهى.. التاتو ده كان غباء مني ومكنتش قادر أغطيه عشان كل ما كنت بروح أعمل كده كنت بحس إني بمسح حتة من شبابي ومن وجعي القديم، مش أكتر.. أرجوكي ارجعي البيت وخلينا نتكلم.”
ضحكت بوجع وأنا بقرأ الرسالة.. “حتة من وجعي القديم”! يعني الوجع القديم عنده كان أغلى من راحتي وأماني في بيتي.
رديت عليه برسالة واحدة بس، وقفلت تليفوني تاني:
“أنا راجعة البيت يا تامر.. بس مش عشان نتكلم.. أنا راجعة ألم هدومي. الوش اللي على كتفك خليه ينفعك، لأن الوش اللي كان بينور لك بيتك.. مش هتشوفه تاني.”
حكايات شروق خالد
رجعت البيت وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني. كل خطوة كنت بدمع فيها، وكل ركن في الشقة كان بيفكرني بالسنين اللي ضاعت من عمري وأنا عايشة في كدبة كبيرة. أول ما فتحت الباب بالمفتاح، لقيت تامر قاعد في الصالة، وشه كان مخطوف، وعينيه حمرا باين عليها إنه كان بيعيط.
أول ما شافني، قام وقف بسرعة وجري عليا، حاول يمسك إيدي وهو بيتكلم بنبرة كلها رجاء:
“أرجوكي اسمعيني.. أنا عارف إن الموقف صدمة، وعارف إنك حاسة إنك اتخدعتي، بس والله العظيم أنا بحبك إنتي! منى دي مجرد ذكرى من زمان، تاتو غبي عملته وأنا عيل صغير ومكنتش مستوعب إنه هيعمل فينا كده.”
سحبت إيدي منه ببرود وقوة عمري ما كنت أتخيل إنهم فيا، وبصيت في عينيه وقولتله:
“بتحبني؟ اللي بيحب حد يا تامر بيحترم مشاعره. أنا بقالي سنين بترجاك، سنين وأنا بقولك شكل الست دي على جسمك بيوجعني وبيحسسني إني مش كفاية.. وإنت كنت بتستخسر فيا الراحة وتألف حجج وتكدب في عيني لمجرد إنك تحافظ على رسمة لخطيبتك القديمة!”
حاول يقرب تاني وهو صوته بيترعش:
“كنت خايف.. كنت خايف أواجه نفسي إني غلطت، وكنت بحس إن التاتو ده بيفكرني بكسرة نفسي زمان لما أهلها رفضوني، مكنتش قاصد أوجعك إنتي.. أنا عايش معاكي وبحبك إنتي ومخلص ليكي من يوم ما اتجوزنا.”
سبته ودخلت أوضة النوم، وطلعت الشنطة الكبيرة من فوق الدولاب وبدأت ألم الهدوم بعشوائية وعصايبة. كان واقف ورايا على باب الأوضة، بيتفرج عليا وهو مش شغال غير إنه يحلف ويترجى:
“عشان خاطر عشرتنا.. عشان خاطر الحب اللي مابيننا متخربيش البيت.. أنا مستعد أنزل دلوقتي حالا لأي تاتوير يمسحها أو يغطيها بأي شكل إنتي عايزاه.. والله العظيم هداريها خالص!”
وقفت مكاني، ولفت وشي ليه، ودموعي نزلت غصب عني وصرخت فيه بقهر:
“دلوقتي؟ جاي تداريها دلوقتي يا تامر؟! بعد ما شوفتها وعرفت الحقيقة؟ بعد ما بقيت كل ما أبص لكتفك مش هشوف رسمة غامضة، هشوف وش الست اللي نزلت دموعي بسببها؟ داريها أو سيبها.. مابقاش يفرق معايا، لأنك حتى لو شيلتها من على جلدك، مش هتعرف تشيلها من سنين عمري اللي عشتها مغفلة!”
قفلت الشنطة وشيلتها، وبصيت له النظرة الأخيرة.. نظرة مفيهاش عتاب، فيها الخذلان الكامل اللي مفيش بعده رجوع. مشيت من جنبه وهو بيحاول يمنعني ويشد الشنطة، بس زقيته بكل قوتي وخرجت من باب الشقة.
ونزلت السلم وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي السنين دي كلها نزل.. كنت موجوعة ومكسورة، بس لأول مرة من سنين، كنت حاسة إني بتنفس صح، وإني مش هشارك سريري ولا حياتي تاني مع طيف ست تانية.
حكايات شروق خالد
ركبت عربيتي، ورميت الشنطة في الكنبة الورانية. سحبت رخصي وموبايلي، ودورت العربية ومشيت وأنا مش عارفة أنا رايحة فين بالظبط. مكنش عندي طاقة أروح بيت أهلي وأقعد أشرح وأبرر، وأسمع الكلمة التقليدية اللي كنت عارفاها كويس: “يا بنتي معلش دي قصة قديمة وعدت وم تخربيش بيتك على حتة رسمة”. مكنوش هيفهموا إن الأزمة مش في الرسمة، الأزمة في الكدب والاستباحة.
روحت على بيت صاحبتي الأنتيم، “ندى”. أول ما فتحت لي الباب وشافت منظري والشنطة في إيدي، مفهمتش حاجة غير إنها خدتني في حضنها وقعدت تطبطب عليا. انهرت في حضنها وعيطت عياط مكنتش عيطته من سنين، عياط قهر وتعب وسنين ضاعت في الوهم.
فضلت عندها يومين، قافلة موبايلي تماماً عن العالم. كنت محتاجة أفصل، محتاجة عقلي يستوعب الصدمة. تامر مكنش بيبطل يكلم ندى، ويبعت لها رسايل يترجاها تخليني أرد عليه، ويقول لها إنه هيموت من غيري وإن البيت ضلمة. ندى كانت بتبص لي وتسألني: “هتعملي إيه يا شيرين؟”
في اليوم التالت، قررت أفتح الموبايل. لقيت مئات المكالمات والرسايل منه، وفي وسطهم رسالة لفتت نظري.. كانت صورة.
فتحت الصورة، ولقيت كتف تامر كله متغطي بشاش وبلاستر طبي، وجنبها رسالة كاتب فيها:
“أنا شوفت الموت في الكام يوم اللي فاتوا يا شيرين.. أنا روحت وشيلت التاتو بالليزر، الحرق والوجع اللي في جسمي دلوقتي مش محصل ربع الوجع اللي حسيت بيه لما سبتيني ومشيتي. أنا مسحت الماضي كله من على جلدي.. أرجوكي ارجعي وامسحيه من قلبك.”
بصيت للصورة، وحسيت ببرود عجيب. الوجع اللي كان بينخر في قلبي أول ما عرفت الحقيقة، اتمسح وحل محله زهد تام.
رديت عليه برسالة أخيرة ونهائية:
“إنت شيلتها يا تامر لما اتجبرت.. شيلتها عشان خفت من الفضيحة وعشان بيتك بيتهد، مش عشان خاطري ولا عشان بتشتري مشاعري.. إنت عشت 15 سنة متمسك بيها، وأنا مش هعيش الباقي من عمري بداوي في حروق جرحك القديم. اطلب لي المحامي بتاعك عشان نطلق بالذوق، بدل ما نتبهدل في المحاكم.”
قفلت الموبايل، وبصيت من شباك الأوضة للنور اللي بدأ يطلع. لأول مرة من سنين، محستش بالتقل اللي كان على صدري. الحكاية خلصت، والوش اللي كان مطاردني مابقاش ليه وجود، لا على كتفه، ولا في حياتي.
حكايات شروق خالد
بعد الرسالة دي، تامر مبعتش حاجة تانية لمدد ساعات. الظاهر إنه استوعب أخيراً إن كل كروته اتحرقت، وإن المحايلة والشاش والبلاستر منفعوش في ترميم شرخ عمره سنين.
مر أسبوع كامل وأنا في بيت ندى، بدأت أسترد فيه نفسي وصحتي بالتدريج. ندى مسبتنيش، كانت بتنزل معايا نتمشى، ونشرب قهوة، ونحاول نتكلم في أي حاجة غير تامر وموضوع التاتو. وفي يوم، لقيت تليفوني بيرن، والرقم كان محامي تامر.
رديت عليه، وكان صوته راجل وقور وهادي: “أهلاً يا مدام شيرين.. أستاذ تامر كلمني وطلب مني أجهز ورق الطلاق بناءً على رغبتك. هو قالي بالحرف إنه مش عايز يضغط عليكي أكتر من كده، ومش عايز يدخلك محاكم ويوجع قلبك تاني.. وحقوقك كلها هتوصلك لحد عندك.”
في اللحظة دي، حسيت بغصة صغيرة في حلقي، بس كانت غصة وداع مش ندم. قولت للمحامي: “تمام يا فندم، حدد الميعاد وأنا هاجي مع محامي من طرفي عشان نخلص كل حاجة.”
وبالفعل، بعد كام يوم، كنا واقفين قدام مكتب المأذون. تامر كان قاعد، دبلان، وشه شاحب، وكان لابس قميص بكم طويل مداري بيه كتفه تماماً.. الكتف اللي كان سبب في نهاية كل حاجة مابيننا. مكنش قادر يحط عينه في عيني، وكل ما كان يبص لي، كنت بشوف في عينيه نظرة انكسار رهيبة.
خلصنا الإجراءات، ومضيت على قسيمة الطلاق. وأنا قايمة عشان أمشي، تامر وقف وناداني بصوت واطي ومبحوح: “شيرين..”
لفت له وقولتله: “نعم يا تامر؟”
بص للأرض وقال: “أنا أسف.. أسف إني مكنتش الراجل اللي يستاهلك من الأول، وأسف إني فهمت قيمتك متأخر أوي.”
ابتسمت له ابتسامة خفيفة، وفيها كل معاني السلام النفسي اللي وصلت له، وقولتله: “حصل خير يا تامر.. يمكن دي أول حاجة صح تعملها عشان عشريتنا، إنك سيبتني أمشي بكرامتي. ربنا يوفقك في حياتك.”
سبته وخرجت.. وفجأة حسيت إن الهوا برة مكتب المأذون مختلف، أنقى وأخف. ركبت عربيتي وفتحت الشبابيك كلها، وخليت الهوا يطير شعري وأنا سايقة.
النهاردة، بعد ما مر سنة كاملة على اليوم ده، أنا قاعدة في شقتي الجديدة في طنطا، ببدأ مشروع الصغير اللي طول عمري كان نفسي فيه. تامر مبقاش يمثل لي غير صفحة في كتاب قديم قفلته ورميته ورا ضهري. مبقتش زعلانة، ولا حاسة بالمرار، بل بالعكس.. بقيت ممتنة لليوم اللي دخلت فيه المخبز ده، لأنه اليوم اللي حررني من سجن الوهم، ورجعني لنفسي من تاني.
وشم على كتف زوجي ج2
حكايات شروق خالد