المليونير شاف طليقته بقلم زيزي احمد
العنوان
المليونير شاف طليقته بتعيط في الصيدلية… وبنته الصغيرة همست بكلمة كسرت قلبه
الجزء الأول
كان صوت البنت واطي جدًا، لدرجة إنه كان هيضيع وسط دوشة الصيدلية.
لكن كريم المنشاوي سمعه كأن حد صرخ في ودنه.
يا ماما… متعيطيش… أنا ممكن أبطل أعيى… أوعدك.
وقف كريم مكانه عند باب صيدلية في مصر الجديدة، والموبايل بيرن في جيب بالطوه الأسود. كان رئيس مجلس إدارة شركة المنشاوي جروب بيتصل بيه، لكن لأول مرة من سنين، ما اهتمش يرد.
هو أصلًا دخل الصيدلية يستخبى من المطر اللي كان نازل بغزارة، والسواق واقف بالعربية آخر الشارع.
لكن أول ما دخل… شافها.
ست واقفة قدام الكاونتر، لابسة بالطو أزرق قديم، شعرها البني مرفوع بسرعة، وفي إيدها روشتة متكرمشة.
كريم عرف الكتفين دول.
وعرف الطريقة اللي كانت واقفة بيها، مستقيمة رغم إن الدنيا كلها ضاغطة عليها.
دي كانت مريم عزت…
مراته السابقة.
الست اللي من 3 سنين سابت فيلا التجمع، وحطت دبلة الجواز على السفرة، وسابت جواب صغير مكتوب فيه
سامحني… أنا خلاص مبقتش قادرة.
ومن يومها، كريم دوّر عليها في كل مكان… لكنه عمره ما لقاها.
أو على الأقل… ده اللي كان فاكره.
قالت مريم للصيدلي بصوت كله تعب
ممكن أدفع نص المبلغ النهارده… والباقي يوم الجمعة، بالله عليك… بنتي لازم تاخد المضاد الحيوي الليلة.
الصيدلي وطّى عينه وقال بأسف
والله يا مدام، شركة التأمين رفضت تغطي العلاج… من غير موافقة، الحساب هيكون 4860 جنيه.
حضنت مريم الروشتة على صدرها.
ما عيطتش.
غمضت عينيها ثواني، كأنها بتحسب هتبيع إيه… أو تستلف من مين… أو تستحمل قد إيه كمان.
جنبها كانت بنت صغيرة عندها حوالي سنتين و شهور، لابسة جزمة وردي عليها بط صغير أصفر.
بشرتها بيضا…
وشعرها غامق…
وعنيها رمادي.
نفس عيون كريم.
شدّت كم أمها وقالت بابتسامة ضعيفة
يا ماما… أنا مش محتاجة الدوا… أنا شاطرة.
حس كريم إن نفسه اتقطع.
اتقدم خطوة وقال بحزم
اصرف الروشتة كلها.
مريم
اتجمدت.
وبعدين لفت ببطء.
أول ما عينيهم اتقابلوا… اختفى صوت المطر، والكاشير، والناس اللي في الصيدلية.
كريم…
قالتها بصوت مليان وجع سنين.
بص للبنت وقال بهدوء
اسمك إيه يا حبيبتي؟
استخبت ورا أمها.
سارة.
شعر بزغللة في عينه.
أهلاً يا سارة.
شالتها مريم بسرعة وقالت
إحنا ماشيين.
قال كريم بصوت أعلى
لأ.
بصتله بغضب.
متصدرليش أوامر.
طلع كارت البنك الأسود وحطه قدام الصيدلي.
المضاد الحيوي… وخافض الحرارة… والمحلول… والترمومتر… وكل اللي محتاجاه.
همست مريم وهي بتكتم غضبها
كريم… لأ.
لكن كريم ما بصّش لها.
كان باصص للبنت.
وقال
مش علشانك.
الكلمة وجعتها أكتر من أي إهانة.
استلمت العلاج، وخرجت تحت المطر.
كريم مشي وراها من بعيد.
ماكانش عايز يحاصرها.
هي أصلًا خدت من الدنيا أكتر من نصيبها.
وصلت لعمارة قديمة فوق مغسلة هدوم.
مبنى بسيط، الحيطة متشققة، والسلم رطب.
ناداها
مريم…
وقفت من غير ما تبصله.
قال برجاء
لو سمحتي.
لفت.
المطر كان نازل على وشها.
قالت ببرود
مفيش بينا كلام.
بص لسارة وهي نايمة على كتف أمها.
وسأل
عندها كام سنة؟
وش مريم اتغير.
متسألش.
كرر السؤال
كام سنة؟
أخدت نفس طويل.
سنتين و شهور.
حس كريم إن الأرض بتميد بيه.
وقال بصوت مخنوق
دي… بنتي.
ماكانش سؤال.
ردت مريم بعد لحظة صمت
أيوه.
المطر زاد.
سألها وهو مذهول
ليه مخبيتيش عني؟
ضحكت ضحكة كلها مرارة.
أنا حاولت.
إزاي؟
اتصلت بمكتبك ست مرات… وبعتلك جوابات… وصور السونار… وروحت الفيلا… واستنيتك بالساعات.
وقف كريم مصدوم.
ولا حاجة وصلتني.
قالت وهي باصة للأرض
عارفة… وده كان المقصود.
مين؟
رفعت عينيها وقالت
والدتك.
ابتدى الغضب يظهر على وش كريم.
أمي ماتت من سنتين.
ردت بهدوء
بس وهي عايشة… كانت عارفة إني حامل.
في اللحظة دي…
كحت سارة كحة قوية.
مريم بخوف.
يا ماما… صدري بيوجعني.
طلع كريم موبايله فورًا.
هنروح المستشفى… حالًا.
المرة دي…
مريم ما اعترضتش.
وصلوا مستشفى خاص، وكريم اتصل بأكبر دكاترة الأطفال.
لكن أول ما بيانات سارة ظهرت على الكمبيوتر، الممرضة اتفاجئت.
مدام مريم… فيه حظر مالي على ملف الطفلة.
وش مريم اصفر.
حظر؟
لفت الممرضة الشاشة.
قرأ كريم الاسم المكتوب.
صندوق عائلة المنشاوي.
المعتمد بواسطة هدى المنشاوي.
…أمه.
لكن التاريخ كان صادمًا.
لأن والدته كانت متوفية بقالها ست شهور قبل التاريخ المكتوب على القرار.
وهنا… أدرك كريم إن فيه حد بيستخدم اسم أمه بعد وفاتها… وإن السر الحقيقي لسه ما بدأش نظر كريم إلى الرسالة أكثر من مرة، ثم رفع عينيه ناحية غرفة سارة.
عقله كان بيقوله ينزل فورًا.
لكن قلبه كان رافض يسيب بنته بعد ما لقاها أخيرًا.
لاحظت مريم تغير ملامحه.
في إيه؟
خبّى الموبايل بسرعة وقال بهدوء
مفيش… مكالمة شغل.
لكن مريم كانت تعرف كريم جيدًا.
لما كان بيحاول يخبي حاجة، كان دايمًا يقبض على موبايله بنفس الطريقة.
قالت وهي بتراقبه
أنت رايح فين؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
هرجع بعد خمس دقايق.
ونزل بسرعة ناحية الجراج.
…
الجراج كان شبه فاضي.
المطر لسه بينزل، وصوت الميه بيتردد بين الأعمدة الخرسانية.
وقف كريم يبص حواليه.
أنا جيت.
ماحدش رد.
وفجأة، خرج راجل كبير في السن من بين العربيات، لابس جاكيت قديم وكاب أسود.
كان ماسك فلاشة صغيرة.
قال بصوت منخفض
خد دي… قبل ما يوصلوا.
مد كريم إيده، لكن الراجل رجع خطوة.
اسمعني الأول… اللي عمل كل ده مش والدتك.
مين؟
اللي كان بيدير كل حاجة باسمها.
شريف؟
هز الراجل رأسه.
شريف مجرد منفذ… فيه حد أكبر.
وقبل ما يكمل…
دخلت عربية سوداء بسرعة للجراج.
فتح بابها الخلفي، ونزل منها اتنين ملثمين.
صرخ الراجل
اجري يا كريم!
جرى كريم ناحيته، لكن أحد الملثمين خطف الفلاشة من إيده، ودفع الراجل بقوة.
وقع الرجل على الأرض وارتطم رأسه بعمود خرساني.
أما الملثمان فركبا العربية واختفيا في ثوانٍ.
ركض كريم نحو الرجل.
كان بينزف، لكنه ما زال واعيًا.
قبض على ياقة قميص كريم وهمس بصعوبة
في… خزنة… في الفيلا القديمة. .. مكتب الحاجة هدى… الكود… تاريخ ميلاد…
وفجأة توقف.
فتح عينيه في ذهول كأنه رأى شخصًا خلف كريم.
ثم قال بخوف شديد
إياك… تثق… في…
ولم يكمل.
أغلق عينيه وفقد الوعي.
في اللحظة نفسها، دوى صوت صرخة من داخل المستشفى.
التفت كريم وركض بكل قوته.
وصل إلى غرفة سارة، فوجد الباب مفتوحًا، والممرضات يركضن في الممر.
أما مريم…
فكانت واقفة مكانها، ووجهها شاحب.
قالت بصوت مرتجف
سارة… كانت هنا من دقيقة…
ثم أشارت إلى السرير الفارغ.
بنتنا اختفت وصلوا غرفة الطوارئ، والدكاترة أخدوا سارة بسرعة، بينما وقفت مريم في الممر وهي بتضم إيديها لبعض من التوتر.
أما كريم، فكان واقف قدام شاشة الكمبيوتر، وعينيه مثبتة على القرار الغريب.
التاريخ مستحيل.
الاسم مستحيل.
لكن المستند قدامه.
دخل مدير قسم الحسابات أول ما عرف اسم كريم المنشاوي، وقال باحترام
إحنا آسفين يا فندم… القرار ده موجود في النظام من سنتين تقريبًا.
سأله كريم بحدة
مين اللي رفعه؟
فتح الموظف سجل العمليات، واتغير لون وشه.
الغريب… إن الدخول تم من حساب خاص بالإدارة العليا… لكن كلمة السر اتغيرت بعدها بدقائق.
مين كان عنده صلاحية الحساب ده؟
بلع الموظف ريقه.
حضرتك… ووالدتك… ومدير مكتبها الأستاذ شريف.
اتجمد كريم.
شريف.
مدير مكتب والدته، والراجل اللي اشتغل مع العيلة أكتر من خمسة وعشرين سنة.
الراجل اللي كريم وثق فيه بعد وفاة أمه، وسابه يدير جزء كبير من الملفات القديمة.
في اللحظة دي خرج الدكتور من أوضة الكشف.
قال بجدية
الحمد لله لحقناها.
مريم جريت عليه.
بنتي عاملة إيه؟
عندها التهاب رئوي شديد، ولو كانت اتأخرت ساعات قليلة كان الوضع هيبقى أخطر.
وهي بتبكي في صمت.
أما كريم فكان قلبه بيتقطع.
دي أول مرة يشوف بنته.
وأول مرة يسمع تشخيص مرضها.
وأول مرة يعرف إنها كانت ممكن تضيع منه للأبد.
اقترب بخطوات هادئة، لكن سارة فتحت عينيها بصعوبة.
بصتله ثواني.
وبعدين مدت إيدها الصغيرة ناحيته.
تردد.
ثم مسك صوابعها برفق.
همست بصوت متعب
أنت… بابا؟
دموع كريم نزلت من غير ما يحس.
هز راسه بالإيجاب.
ابتسمت سارة ابتسامة بسيطة، قبل ما تنام تاني تحت تأثير الدوا.
مريم بصت للمشهد وسكتت.
كان نفسها تحرم كريم من اللحظة دي بعد كل اللي حصل…
لكن
لمحة نيوز
قلبها مقدرش.
بعد ساعة، خرجت ممرضة وهي ماسكة ظرف بني قديم.
مدام مريم… الظرف ده كان محفوظ مع ملف الطفلة، والدكتور قال نسلمه لولي الأمر.
استغربت مريم.
أنا أول مرة أشوفه.
فتح كريم الظرف.
كان فيه تحليل DNA قديم.
وتقرير بتاريخ حمل مريم.
وفي آخر الورق…
خطاب مكتوب بخط يد والدته.
لكن كريم أول ما قرأ أول سطر، عرف فورًا إن الخط مش خط أمه.
كان حد مقلد توقيعها باحتراف.
وقبل ما يكمل القراءة، رن موبايله.
المتصل…
شريف السيوفي.
أول ما رد، سمع صوته المرتبك
يا كريم بيه… لو لقيت أي أوراق باسم الحاجة هدى… أوعى تصدقها.
اتسعت عينا كريم.
وقبل ما يسأله أي سؤال…
انقطع الخط فجأة.
وبعد ثوانٍ، وصلته رسالة مجهولة على هاتفه، مكتوب فيها
لو عايز تعرف مين سرق بنتك من أول يوم… انزل جراج المستشفى لوحدك… خلال عشر دقايق… وإلا هيموت شخص بريء قبض كريم على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.
أعاد تشغيل الفيديو مرة… ثم مرتين… ثم ثلاث مرات.
لم يكن ينظر إلى سارة هذه المرة.
كان يركز على الصورة المعلقة خلفها.
كبرها قدر الإمكان، ثم همس
لا… مستحيل.
اقتربت مريم منه.
إيه اللي شوفته؟
ناولها الهاتف.
حدقت في الصورة لثوانٍ، لكنها لم تفهم.
دي صورة عائلية… فيها إيه؟
أشار كريم إلى الرجل الواقف بجوار والده.
الرجل ده… المفروض ماكانش موجود أصلًا.
يعني إيه؟
أخذ نفسًا طويلًا وقال
كل صور العيلة اللي عندنا… الشخص ده متشال منها. كأن حد محاه من التاريخ.
ساد صمت ثقيل.
ثم رن هاتف كريم مرة أخرى.
رقم مجهول.
فتح السماعة ووضعها على مكبر الصوت.
جاءه صوت مشوش
قدامك أربع ساعات.
قال كريم بغضب
أنت مين؟ وفين بنتي؟
ضحك الرجل بهدوء.
بنتك بأمان… طالما هتسمع الكلام.
عايز إيه؟
الخزنة.
إيه اللي فيها؟
ورقة واحدة.
ولو كانت عندي من غير ما أفتحها؟
سكت الرجل لحظة، ثم قال
يبقى والدك مات ظلم.
وانقطع الاتصال.
تجمد كريم مكانه.
نظرت إليه مريم بذهول.
إيه علاقة والدك بالموضوع؟
لم يجب.
لأن والده مات منذ خمس سنوات بأزمة قلبية… أو هكذا أخبرهم الجميع.
بعد دقائق، خرج كريم ومريم مع قوة من الشرطة إلى الفيلا القديمة.
كانت الفيلا مغلقة منذ وفاة هدى المنشاوي.
دخل كريم لأول مرة منذ سنوات.
كل شيء كما تركته والدته.
الأثاث مغطى بالأقمشة البيضاء.
ورائحة المكان مليئة بالغبار والذكريات.
اتجه مباشرة إلى مكتبها.
بدأ يفتش الأدراج حتى وجد لوحة صغيرة خلف مكتبة الكتب.
كانت تخفي خزنة إلكترونية.
تذكر كلمات الرجل المصاب
الكود… تاريخ ميلاد…
أدخل تاريخ ميلاد والدته.
خطأ.
أدخل تاريخ ميلاد والده.
خطأ.
أغلق عينيه للحظة.
ثم تذكر آخر عيد ميلاد احتفلوا به جميعًا قبل وفاة والده.
كان والده وقتها يقول دائمًا
أجمل يوم في حياتي… يوم اتولد كريم.
كتب تاريخ ميلاده هو.
صدر صوت خفيف…
وانفتح باب الخزنة ببطء.
لكنها لم تكن مليئة بالأموال أو المجوهرات.
كان بداخلها ملف قديم فقط.
وعليه بخط واضح
لا يُفتح إلا إذا اختفت الحقيقة.
مد كريم يده ليفتح الملف…
لكن فجأة دوى صوت إطلاق نار من خارج الفيلا.
ثم انطفأت الكهرباء بالكامل.
وفي الظلام…
سمعوا خطوات شخص يدخل المنزل ببطء، وهو يقول بصوت هادئ
للأسف… وصلتوا للخزنة قبل ما أوصل أنا تجمد كريم مكانه.
حدق في السرير الفارغ، ثم في الأجهزة الطبية التي ما زالت تعمل، وكأن سارة خرجت من السرير في اللحظة نفسها.
صرخ في الممرضات
إزاي طفلة مريضة تختفي من أوضة في مستشفى؟!
مدير الأمن وصل يجري، وأمر بإغلاق كل البوابات.
بدأوا يراجعوا كاميرات المراقبة.
وقفت مريم وهي ترتعش.
أنا خرجت دقيقة واحدة أجيب لها مية… دقيقة واحدة بس.
اقترب كريم منها.
لأول مرة منذ سنوات، لم يرَ أمامه طليقته… بل رأى أمًا على وشك الانهيار.
قال بحزم
هنلاقيها.
بعد دقائق، دخل مسؤول الأمن وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
لقينا التسجيل.
ظهر في الفيديو ممرضة تدخل الغرفة، ثم تحمل سارة وهي ملفوفة ببطانية بيضاء.
خرجت بكل هدوء، ولم يوقفها أحد.
لكن عندما كبروا الصورة…
شهقت مريم.
دي مش ممرضة!
كانت ترتدي زي المستشفى…
لكن الحذاء الذي في قدمها كان حذاءً رجاليًا.
والأغرب…
أنها كانت تضع خاتمًا فضيًا كبيرًا على يدها اليسرى.
اتسعت عينا كريم.
كان يعرف هذا الخاتم.
رآه مئات المرات.
خاتم يحمل شعار شركة المنشاوي جروب، ولا يُمنح إلا لكبار التنفيذيين.
همس
مستحيل…
وفي تلك اللحظة، دخل ضابط الشرطة المسؤول عن الواقعة.
قال
في خبر غريب.
إيه هو؟
كاميرا بوابة المستشفى سجلت العربية اللي خرجت بالطفلة.
عرفتوا رقمها؟
هز الضابط رأسه.
العربية بدون لوحات.
ثم أضاف
لكن لقينا حاجة أهم.
ووضع صورة مطبوعة أمام كريم.
كانت لقطة مكبرة للسائق.
رغم القبعة والنظارة، ظهر جزء من وجهه بوضوح.
شحب وجه كريم.
أنا أعرفه.
سأل الضابط بسرعة
مين؟
رد بصوت منخفض
ده… يوسف.
يوسف مين؟
ابن عمي.
ساد الصمت.
تابع كريم وهو يحاول استيعاب الصدمة
يوسف مسافر كندا من أربع سنين… وكلنا حضرنا جنازته بعد ما قالوا إنه مات في حادث.
نظر إليه الضابط بدهشة.
يعني الراجل ده… المفروض ميت؟
هز كريم رأسه ببطء.
وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار جديد إلى هاتفه.
فتحه بسرعة.
كان مقطع فيديو مدته عشر ثوانٍ.
ظهرت فيه سارة جالسة على كرسي، تبدو خائفة لكنها بخير.
ثم ظهر صوت رجل دون أن يظهر وجهه.
قال بهدوء
لو عايز تشوف بنتك تاني… افتح الخزنة اللي في فيلا المنشاوي قبل نص الليل.
وانتهى الفيديو.
لكن قبل أن تنطفئ الشاشة، لمح كريم شيئًا صغيرًا خلف سارة…
صورة قديمة معلقة على الحائط.
كانت صورة عائلية التُقطت منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
وفيها…
كان والده يقف مبتسمًا، وبجواره رجل لم يخبرهم أحد بوجوده في العائلة من قبل انطلق كريم من الفيلا كالسهم، بينما تبعته سيارات الشرطة.
كانت مريم تجلس بجواره، ويديها لا تتوقفان عن الارتجاف.
إحنا رايحين فين؟
رد وهو يضغط على المقود بقوة
القصر القديم.
بس القصر مقفول من سنين.
الساعة اللي سمعناها موجودة هناك… وأنا مستحيل أغلط في صوتها.
بعد أقل من نصف ساعة، توقفت السيارات أمام بوابة حديدية ضخمة غطاها الصدأ.
كان المكان مهجورًا، لكن الغريب…
أن أحدًا نظف الطريق المؤدي إلى الباب الرئيسي حديثًا.
كأن هناك من يعيش هنا.
كسر رجال الشرطة القفل، ودخل الجميع بحذر.
كل شيء كان مغطى بالغبار، إلا آثار أقدام واضحة على الأرض.
قال الضابط
في حد دخل هنا النهارده.
تتبعوا الآثار حتى وصلوا إلى قاعة كبيرة تتوسطها الساعة الأثرية.
كانت تدق كل دقيقة بنفس الصوت الذي سمعه كريم في المكالمة.
وفجأة…
سمعوا ضحكة طفلة.
صرخت مريم
سارة!
ركضت ناحية الصوت.
لكنها لم تجد سوى دمية صغيرة ملقاة على الأرض.
التقطتها.
كانت الدمية التي اشترتها لسارة في عيد ميلادها الثاني.
انهارت مريم وهي تضمها إلى صدرها.
في تلك اللحظة، لاحظ كريم بابًا خشبيًا خلف ستارة قديمة.
دفعه بحذر.
فاكتشف ممرًا سريًا ينزل إلى أسفل القصر.
كانت السلالم حجرية ورطبة، والهواء باردًا بشكل غريب.
نزل الجميع حتى وصلوا إلى غرفة واسعة تحت الأرض.
لكنها لم تكن مخزنًا…
بل غرفة مراقبة.
شاشات كثيرة، وأجهزة تسجيل، وملفات تحمل أسماء أفراد عائلة المنشاوي.
حتى اسم كريم كان موجودًا.
واسم مريم.
واسم سارة.
فتح أحد الضباط درجًا قريبًا.
وجد بداخله عشرات الصور.
كلها لسارة.
صور لها وهي تلعب أمام الحضانة.
وأخرى وهي مع أمها في الحديقة.
وصور التُقطت لهما من بعيد أثناء خروجهما من المستشفى.
قال الضابط بقلق
اللي عمل ده كان بيراقبهم من سنين.
شعر كريم بالغضب يشتعل داخله.
وقبل أن يتكلم، أضاءت إحدى الشاشات وحدها.
ظهر عليها رجل يجلس في كرسي، لكن وجهه كان مخفيًا بالظل.
قال بابتسامة هادئة
أحسنتم… كنت متأكد إنكم هتوصلوا.
صرخ كريم
فين بنتي؟
رد الرجل
قريبة جدًا… لكن قبل ما تشوفها، لازم تعرف الحقيقة.
ثم ضغط على زر أمامه.
فظهرت على الشاشة صورة شهادة ميلاد قديمة.
كانت باسم…
كريم المنشاوي.
لكن اسم الأب المكتوب فيها…
لم يكن اسم والده الذي ربّاه.
بل اسم رجل آخر، لم يسمع كريم باسمه في حياته.
وفي اللحظة نفسها، فتح باب حديدي في آخر الغرفة ببطء…
وخرجت منه طفلة تركض وهي تبكي
بابا!
صرخ كريم
سارة!
وركض نحوها بكل قوته…
لكن قبل أن تصل إليه بخطوتين فقط،
انغلق الباب الحديدي بينهما فجأة، وفصل الأب عن ابنته مرة أخرى، بينما دوّى صوت الرجل المجهول في أنحاء الغرفة
كل إجابة لها ثمن… ولسه الحساب الحقيقي ما بدأش تبادل كريم ومريم نظرة سريعة.
الظلام كان دامسًا، ولا يُسمع سوى صوت المطر بالخارج وخطوات الرجل التي تقترب ببطء.
أخرج كريم هاتفه وشغّل الكشاف.
تحرك الضوء في أرجاء المكتب…
لكن لم يكن هناك أحد.
وفجأة جاء الصوت مرة أخرى، هذه المرة من خلف الباب.
اطفي النور… وإلا أول رصاصة هتكون من نصيبك.
أمسك كريم بيد مريم وأشار لها أن تبتعد خلف المكتب.
وفي اللحظة نفسها، سُمع صوت سيارات الشرطة وهي تدخل الفيلا.
صرخ الضابط من الخارج
أستاذ كريم… إحنا وصلنا!
ساد صمت مفاجئ.
ثم سمع الجميع صوت نافذة تُفتح بعنف.
ركض الضباط إلى الحديقة الخلفية.
لكن الشخص الذي كان داخل الفيلا اختفى، ولم يترك خلفه إلا قفازًا أسود.
التقطه أحد أفراد الأدلة الجنائية بحذر.
أما كريم، فأغلق باب المكتب وأمسك بالملف.
فتح الصفحة الأولى.
كانت تحتوي على عشرات المستندات القديمة.
عقود.
تحويلات مالية.
وصور لاجتماعات خاصة.
وفي آخر الملف ظرف صغير مكتوب عليه
إلى كريم… إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فاعرف أن كل ما عرفته عن عائلتنا ليس الحقيقة كاملة.
تردد لثوانٍ، ثم فتح الرسالة.
لكن قبل أن يبدأ القراءة، سقطت من داخلها صورة فوتوغرافية قديمة.
انحنى ليلتقطها.
وبمجرد أن رآها، اتسعت عيناه.
كانت الصورة تجمع والده، ووالدته، وشريف…
ومعهم مريم.
لكن مريم في الصورة لم تكن شابة كما هي الآن.
كانت طفلة لا تتجاوز خمس سنوات.
رفعت مريم الصورة وهي ترتجف.
أنا… أنا عمري ما شوفت الصورة دي.
قلب كريم الصورة على ظهرها.
وجد تاريخ التقاطها.
قبل أكثر من عشرين عامًا.
ومكتوب أسفلها بخط اليد
يوم عودة الأمانة إلى أصحابها.
لم يفهم أي منهما المقصود.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الرسالة.
قرأ كريم أول سطر بصوت مرتفع
إذا وصلت إلى هنا، فاعلم أن مريم لم تدخل حياتك بالصدفة. ..
توقف فجأة.
نظر إلى مريم، ثم أكمل بصوت منخفض
… بل كانت جزءًا من سر بدأ قبل ولادتكما بسنوات.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف مريم.
رقم غير معروف.
فتحت المكالمة على مكبر الصوت.
جاءها صوت طفلة صغيرة تبكي.
ماما… أنا خايفة.
صرخت مريم
سارة! حبيبتي… إنتِ فين؟
ردت سارة وهي تبكي
في بيت كبير… وفيه راجل بيقول إن بابا لازم يقرأ الورقة كلها… وإلا مش هرجع لكم.
ثم انقطع الاتصال فجأة.
لكن قبل أن يغلق الخط، سمع كريم في الخلفية دقات ساعة حائط قديمة…
عرف صوتها فورًا.
كانت نفس الساعة الأثرية الموجودة في القصر القديم لعائلة المنشاوي… القصر الذي أُغلق منذ خمسة عشر عامًا، ولم يدخله أحد منذ ذلك الوقت ارتطم كريم بالباب الحديدي بكل قوته.
افتح الباب!
كانت سارة على الجانب الآخر تمد يديها الصغيرتين وهي تبكي.
بابا… خدني معاك.
أحس كريم أن قلبه يتمزق، وحاول الضباط تشغيل القفل الإلكتروني، لكن الشاشة أظهرت رسالة واحدة
النظام مغلق.
في اللحظة نفسها، عاد صوت الرجل المجهول عبر مكبرات الصوت
اهدى يا كريم… بنتك بخير. ولو كنت عايزها تفضل بخير، اسمع للنهاية.
صرخ كريم
إنت عايز إيه؟
قال الرجل
الحقيقة.
ثم أُضيئت شاشة كبيرة في منتصف الغرفة.
ظهر عليها تسجيل قديم يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.
كان والد كريم يجلس في المكتب نفسه، وبجواره هدى المنشاوي، وشريف، ورجل ثالث لم يكن وجهه واضحًا.
سمع الجميع والد كريم يقول
الملف ده لازم يفضل مستخبي… لأنه لو خرج للنور، العيلة كلها هتتدمر.
ثم انتهى التسجيل فجأة، وكأن أحدًا تعمد حذف بقيته.
قال الضابط
أكيد فيه جزء ناقص.
ابتسم الرجل المجهول.
طبعًا ناقص… لأن الجزء التاني معايا.
وفجأة انفتح الباب الحديدي وحده.
اندفع كريم نحو سارة، وحملها بين ذراعيه بقوة.
كانت ترتجف، لكنها لم تُصب بأي أذى.
بكت مريم وهي تضم ابنتها إليهما، لأول مرة منذ اختفائها.
لكن فرحتهم لم تستمر سوى لحظات.
إذ دوّى صوت إنذار حاد في أنحاء القصر.
قال أحد الضباط وهو ينظر إلى جهازه
فيه عد تنازلي!
نظر الجميع إلى الشاشة.
ظهر رقم كبير باللون الأحمر
0959
ويبدأ في التناقص.
سأل كريم بحدة
ده إيه؟
رد الرجل المجهول بهدوء
بعد عشر دقائق… كل الملفات الموجودة في الغرفة دي هتتحرق تلقائيًا.
اقترب كريم من الشاشة.
ليه؟
لأنها تحتوي على الدليل الوحيد على اللي حصل من ثلاثين سنة.
حاول الضباط فصل الكهرباء، لكن النظام كان يعمل على مولد مستقل.
قال الرجل
قدامك اختيار واحد.
إيه هو؟
إما تنقذ الملفات… أو تخرج بعيلتك قبل ما المكان كله يتقفل.
نظر كريم إلى مريم وسارة.
ثم إلى الملفات التي قد تكشف الحقيقة.
كان القرار مستحيلًا.
لكن قبل أن ينطق…
أمسكت سارة بطرف قميصه، وهمست بصوت ضعيف
بابا…
نظر إليها بسرعة.
أخرجت من جيب فستانها الصغير شيئًا لم ينتبه إليه أحد.
مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
وقالت
الراجل اللي كان معايا قال لي… أديه لبابا… وقوله ما يفتحش الخزنة الكبيرة… يفتح الباب اللي جنبها.
تجمد كريم في مكانه.
لأنه لم يخبر أحدًا…
أنه بالفعل رأى داخل الغرفة، قبل دقائق، بابًا حديديًا صغيرًا ملاصقًا للخزنة الكبيرة، لكنه ظنه مجرد مخزن قديم ولم يهتم به.
وهنا أدرك أن السر الحقيقي…
ليس داخل الملفات التي أمامه…
بل خلف ذلك الباب الذي لم يلاحظه أحد أمسك كريم المفتاح النحاسي بقوة، ثم حمل سارة بين ذراعيه، وقال لمريم
خليكي ورايا… ومهما يحصل، متسبوش إيد بعض.
اتجه نحو الباب الحديدي الصغير المجاور للخزنة.
كان يبدو قديمًا، لا يحمل أي أقفال إلكترونية، فقط ثقب مفتاح صدئ.
أدخل المفتاح.
دار بصعوبة.
ثم سُمع صوت تكة قوية، وانفتح الباب ببطء.
في الداخل كانت غرفة صغيرة، لا تحتوي على أموال ولا ذهب.
فقط صندوق خشبي، وجهاز تسجيل قديم، وعدة ملفات مغلقة بالشمع الأحمر.
ضغط كريم على زر التشغيل.
خرج صوت والده بوضوح
لو بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا مش موجود. يا كريم… أنا عارف إنك هتزعل مني، لكن كل اللي عملته كان علشان أحميك.
تجمد كريم وهو يسمع صوت أبيه لأول مرة منذ سنوات.
تابع التسجيل
من تلاتين سنة، كان في شريك حاول يستولي على شركات العيلة بالتزوير. ولما اكتشفنا الحقيقة، هرب، لكنه أقسم ينتقم من كل أفراد الأسرة. أخفيت كل الأدلة هنا، وطلبت من هدى تحافظ عليها. لكن بعد وفاتي، عرفت إن حد استغل اسمها بعد رحيلها، وبدأ ينفذ خطته.
فتح كريم الملف الأول.
وجد كل العقود الأصلية، وأدلة تثبت تزوير توقيعات، وتحويلات مالية بملايين الجنيهات، وأسماء المتورطين.
وفي آخر صفحة…
كانت صورة حديثة للرجل الغامض.
شهقت مريم.
ده… مدير مكتب والدتك القديم… شريف!
أدرك كريم الحقيقة.
شريف لم يكن مجرد منفذ…
بل كان العقل المدبر لكل شيء.
هو من أخفى رسائل مريم عندما كانت حامل.
وهو من استغل اسم هدى المنشاوي بعد وفاتها.
وهو من وضع الحظر على علاج سارة، حتى يضغط على كريم إذا ظهرت الحقيقة يومًا.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت الشرطة من الخارج.
لقيناه!
حاول شريف الهرب من ممر خلفي في القصر، لكن رجال الشرطة حاصروه وألقوا القبض عليه.
اقتاده الضباط مكبل اليدين.
وقف أمام كريم وقال بابتسامة مهزوزة
كنت فاكر إنك هتعيش طول عمرك بعيد عن بنتك… زي ما عشت بعيد عن الحقيقة.
رد كريم بهدوء
انتهى كل شيء.
وبعد أشهر…
أغلقت القضية رسميًا، واستعادت عائلة المنشاوي حقوقها، وكُشف تزوير شريف وكل من ساعده، ونُسبت الجريمة إلى أصحابها الحقيقيين.
أما كريم…
فلم يعد إلى الفيلا الكبيرة وحده.
اشترى بيتًا دافئًا يناسب أسرته، بعيدًا عن ذكريات الماضي.
ومريم، بعد سنوات من الألم وسوء الفهم، سامحته عندما تأكدت أنه لم يكن يعرف شيئًا عن الرسائل التي أُخفيت عنه، وأنه بحث عنها طوال تلك السنوات.
وفي أول يوم عادت فيه سارة إلى الحضانة بعد شفائها، أمسكت يد أمها بيد أبيها،
وقالت بابتسامة بريئة
دلوقتي إحنا بقينا مع بعض… صح؟
نظر كريم إلى مريم.
ابتسمت له لأول مرة منذ ثلاث سنوات، ثم هزت رأسها بالإيجاب.
ضم كريم زوجته وابنته إلى صدره، وقال
مهما حصل… عمرنا ما هنسيب بعض تاني.
وانتهت الحكاية، بعدما انتصرت الحقيقة، وعادت أسرة تفرقت بسبب الخداع لتجتمع من جديد، ويبدأوا حياة جديدة مبنية على الصدق والثقة والمحبة.