عمري ماهنسي بقلم صابرين محمد
عمري ما هنسى اللحظة اللي بنتي بصتلي فيها وهي بتترعش وقالت ماما هو أنا ينفع أدخل البيت دلوقتي؟ ساعتها بس عرفت إن اللي كانوا قاعدين على سفرتي ما كانوش أهلي كانوا مستنيين يخلصوا عليا وعلى ضنايا.
لما دخلت بيها على السفرة ، ساد صمت يخوف كل واحد فيهم نزل عينه في طبقه ، كأنهم اتلبسوا متلبسين.
حماتي أم أحمد كانت قاعدة في صدر السفرة ، قدامها أحسن الأكل وحمايا لسه بيكمل أكله وسارة أخت جوزي كانت لحد قبل ما أدخل بتصور السفرة وتضحك وابنين من قرايب أحمد قاعدين ياكلوا كأن البيت بيتهم.
أما أحمد جوزي فكان واقف يصب العصير لأمه ويبصلها بابتسامة كلها رضا ، كأنها صاحبة البيت.
بصيت حواليّا وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع. البيت ده أنا اللي شقيت فيه السفرة دي من فلوسي الأكل ده من تعبي. فواتير البيت. طلبات السوق. علاج حماتي. حتى المصروف اللي أحمد كان بياخده كل شهر.
كل ده كان خارج من جيبي أنا وكل شهر كنت أبعت لحماتي مبلغ محترم عشان ترعى بنتي وأنا في شغلي.
غير مصاريف البيت وغير أي طلب تطلبه.
كنت فاكرة إن بنتي وسط أهلها ماكنتش أعرف إنها وسط ناس قلوبهم ماتت.
قبل ما أدخل بثواني ، سمعت سارة وهي بتضحك وتقول
والله يا ماما ربنا يخلي مريم لينا مخليانا عايشين ملوك
ضحكت حماتي وقالت بمنتهى البرود
وإحنا أولى بتعبها من حد تاني
وفي اللحظة اللي شافوني فيها الضحكة ماتت وأحمد قام بسرعة وقال مريم… إنتي رجعتي؟ ليه ما قولتيش إنك جاية؟
ولا بصيتله كل اللي كان شاغلني كرسي بنتي الصغير اللي كان فاضي وقولتلهليان فين؟
بلع ريقه وقال أكلت ونامت.
كدب. بنتي عمرها ما نامت بدري وهي عارفة إني راجعة.
دورت عليها ولما لقيتها في البلكونة جسمها كان ساقع وشفايفها مزرقة وفي إيديها رغيف عيش ناشف حسيت إن روحي خرجت مني.
ودخلت بيها عليهم وأنا بسأل مين اللي سابها برا؟
ولا حد نطق. حماتي هي الوحيدة اللي ردت وهي بتمسح بقها بالمنديل
يا بنتي ما تكبريش الموضوع الأطفال أصلًا ما بياكلوش الأكل التقيل.
قولتلها كانت جعانة.
ردت بمنتهى البرود
أهي أكلت عيش.
وسارة ضحكت وقالت
يعني ما سبناهاش من غير أكل.
بصيت لأحمد..كنت مستنية منه كلمة واحدة. أي كلمة. لكن زفر بضيق وقال مريم بلاش تعملي مشكلة أمي بتعرف تربي كويس.
في اللحظة دي فهمت المشكلة عندهم مش إن بنتي كانت بتموت من البرد…المشكلة إن أمها شافت. ضنايا أكتر وقلت بهدوء معاك حق.
بصولي كلهم باستغراب واحمد قال
يعني إيه؟
ابتسمت لأول مرة. ابتسامة ماكانش فيها ذرة فرحة وقولت النهارده كلكم هتتعلموا إن تعب غيركم مبقاش مباح ليكم.
حماتي رفعت راسها وقالت بغرور أوعى تكلميني بالطريقة دي في بيتي.
بيتها والله العظيم ضحكت ولأول مرة أفهم أنا بالنسبة لهم كنت إيه صابرين_محمد
ماكنتش مرات أحمد أنا كنت خزنة مفتوحة وبنتي كانت مجرد حمل تقيل بيفكرهم إن للفلوس دي صاحبة.
طلعت موبايلي فتحت تطبيق البنك وضغطت على أول زر وفي أقل من ثانية بدأت وجوههم كلها تتغير
يتبع… لأن أول إشعار وصل على موبايلهم قلب الليلة كلها وخلاهم يعرفوا لأول مرة إن الست اللي كانوا بيستضعفوها ، هي الوحيدة اللي كانت ماسكة رزقهم كلهم في إيدها.
الكاتبة .صابرين_محمد
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدكانت كل العيون متعلقة بالموبايلات.
وفجأة…
رن موبايل أحمد.
بص للشاشة، واتغير لون وشه في ثانية.
إيه ده؟!
خطفت حماته موبايلها بسرعة، وفتحت الإشعار، وصرخت المعاش… متحولش!
وسارة قامت من مكانها وهي بتقول والفلوس اللي كنتِ بتبعتيها كل أول شهر… راحت فين؟!
بصيت لهم بهدوء، وأنا لسه وقلت وقفتها.
سكتوا.
حتى صوت الملاعق اختفى.
أحمد قرب مني بخطوتين وقال وهو بيحاول يبتسم أكيد بتهزري… صح؟
هززت راسي بالنفي.
من النهارده… مفيش جنيه واحد هيطلع من حسابي لأي حد فيكم.
حماتي ضربت السفرة بإيدها لدرجة إن الكوباية وقعت واتكسرت.
إنتِ اتجننتي؟! أنا أم جوزك!
قولتلها من غير ما أرفع صوتي وأنا أم البنت اللي سيبتوها جعانة وبردانة في البلكونة.
أحمد حاول يقاطعني يا مريم… الموضوع أكبر من كده.
ابتسمت بسخرية.
لا… الموضوع أبسط من كده بكتير.
طلعت ملف صغير من شنطتي، وحطيته قدامهم.
أحمد فتحه باستغراب.
أول ورقة كانت كشف تحويلات.
كل شهر…
تحويل باسمه.
وتحويل باسم أمه.
وتحويل لسارة.
وسداد أقساط عربية ابن خاله.
وفواتير كهربا ومياه وخط تليفون باسم حمايا.
كل حاجة كانت متسجلة بالتاريخ والمبلغ.
سارة بلعت ريقها وقالت إحنا… ما طلبناش كل ده.
بصيت لها.
لا… كنتوا بتعتبروا إنه حقكم.
حماتي قامت واقفة وقالت بعصبية حتى لو وقفتي الفلوس… أحمد راجل ويصرف علينا.
لفيت وشي لأحمد.
قولهم يا أحمد… مرتبك كام.
فضل ساكت.
قولهم.
نزل راسه في الأرض.
فبصتله أمه باستغراب.
ما تنطق يا ابني.
خرج صوته مكسور
أنا… مرتبي كله ما يكفيش إيجار الشقة لوحده.
وش حماته اصفر.
وسارة رجعت خطوة لورا.
لأول مرة يعرفوا إن البيت اللي قاعدين فيه، والعربية اللي بيركبوها، والأكل اللي قدامهم… كله كان قائم على شغل الست اللي كانوا بيعاملوها كأنها مجرد ماكينة فلوس.
لكن الصدمة الأكبر لسه ما وصلتش…
لأن في نفس اللحظة، جرس الباب رن.
ولما أحمد فتح…
اتجمد مكانه، واتسعت عينيه برعب وهو بيبص للشخص الواقف برا… وكأنه شاف حد عمره ما كان يتمنى يشوفه في اليوم ده.
يتبع…وقف أحمد مكانه، وإيده لسه على مقبض الباب.
وشه شحب، وكأن الدم انسحب منه مرة واحدة.
الراجل اللي واقف قدامه قال بهدوء مساء الخير… أنا أستاذ حسام، المحامي الخاص بالأستاذة مريم.
كل اللي قاعدين بصوا لبعض باستغراب.
حماتي اتكلمت بثقة وهي بتعدل طرحتها محامي إيه؟! هي إحنا في قسم؟
دخل المحامي بخطوات هادئة، وحط شنطة جلد صغيرة على الترابيزة.
بصلي وقال حضرتك طلبتي مني أحضر النهارده، وكل الأوراق جاهزة.
هززت راسي وأنا لسه ماسكة إيد ليان.
أحمد قرب مني وهمس مريم… إيه اللي بتعمليه؟
بصيتله من غير أي انفعال بحمي نفسي وبنتي.
فتح المحامي الملف، وطلع منه مجموعة أوراق.
دي صورة من عقد الشقة.
حمايا ابتسم بسخرية وقال ما إحنا عارفين الشقة باسم أحمد.
المحامي بصله وقال للأسف… المعلومات دي مش صحيحة.
سكتوا كلهم.
وكمل الشقة مسجلة بالكامل باسم الأستاذة مريم، وهي المالكة الوحيدة ليها.
سارة شهقت إزاي؟!
أخرج ورقة تانية.
ودي مستندات تثبت إن كل أقساط الشقة اتدفعت من الحساب البنكي الخاص بالأستاذة مريم.
حماتي بصت لأحمد بذهول إنت كنت قايلنا إن الشقة بتاعتك!
أحمد ما ردش.
كان واقف وعينه في الأرض.
المحامي كمل وده كمان عقد العربية… ودي شهادات الاستثمار… وكلها باسم الأستاذة مريم.
الهدوء اللي نزل على المكان كان مرعب.
حماتي بدأت تتوتر وقالت طيب وإحنا مالنا بكل ده؟
ابتسمت لأول مرة من قلبي، لكن ابتسامة كلها وجع.
وقلت عشان من النهارده… محدش هيعيش في بيتي بالإهانة اللي شفتها النهارده.
أحمد رفع راسه بسرعة وقال يعني إيه؟
رديت بهدوء يعني خلال ساعة… كل واحد فيكم يجمع حاجته ويمشي.
حماتي صرخت إنتِ بتطردينا؟!
لا… أنا برجع بيتي.
في اللحظة دي، سارة قامت بعصبية، وخبطت بإيدها على الترابيزة وهي بتقول إحنا مش هنمشي!
لكن قبل ما حد ينطق بكلمة تانية…
رن موبايل المحامي.
رد في هدوء، وبعد ثوانٍ قفل المكالمة، وبصلي وقال
في خبر لازم تعرفيه حالًا… والخبر ده هيغيّر القضية كلها.
اتقبض قلبي.
خير؟
تنهد وقال الشخص اللي بلغنا بالمعلومة الجديدة… اعترف إنه شاف حاجة حصلت مع ليان من أسبوع، وكان ساكت… لكنه قرر يتكلم النهارده.
ساعتها… لأول مرة، الخوف الحقيقي ظهر على وش أحمد
وأمه.
يتبع…اتسعت عيون أحمد، وبص لأمه بسرعة، وكأنه بيحاول يفهم هيقولوا إيه.
أما حماتي، فحاولت تتماسك وقالت بتوتر واحد شاف إيه يعني؟ دي واحدة بتكبر المواضيع!
المحامي قفل الملف وقال بهدوء الشخص ده كان عامل توصيل، وجاء البيت الأسبوع اللي فات. وهو مستعد يشهد إنه شاف الطفلة واقفة برا باب الشقة وهي بتعيط، وسمع بنفسه إن حد قال سيبوها، لما أمها ترجع هي اللي تشيلها.
إيدي بتترعش.
ليان رفعت عينيها وبصتلي، وقالت بصوت واطي ماما… أنا كنت بخاف أخبط على الباب.
قلبي اتقطع.
نزلت على ركبي قدامها وقلت ليه يا حبيبتي؟
بصت ناحية جدتها، وبعدها نزلت عينيها وقالت عشان تيتة قالتلي… لو زعقت أو قلتلك حاجة، هتخلي بابا يزعقلك ويسيبنا.
ساد صمت تقيل.
أحمد بص لأمه بصدمة الكلام ده حصل؟
حماته اتلخبطت وقالت بسرعة دي طفلة… مش فاهمة بتقول إيه!
لكن ليان كملت وهي بتمسح دموعها وسارة خدت مني اللعبة اللي جبتيهالي وقالت إني ما استاهلهاش.
سارة قامت واقفة وقالت بعصبية بتصدقوا كلام عيلة صغيرة؟!
بصيت لها لأول مرة من غير خوف.
وقلت لأ… أنا بصدق اللي شوفته بعيني النهارده.
لفيت ناحية أحمد.
آخر مرة هسألك… كنت تعرف إن بنتك بتتعامل كده؟
فضل ساكت.
ثواني…
وبعدين قال بصوت مكسور كنت… فاكر أمي بتبالغ في التربية… لكن ما كنتش أعرف إنها بتعمل فيها كده.
بصيتله بمرارة.
وسكوتك كان كفاية عشان يحصل كل ده.
المحامي جمع أوراقه وقال الأفضل دلوقتي إن أي نقاش يكمل بعدين.
وفي اللحظة دي…
جرس الباب رن مرة تانية.
الكل بص ناحية الباب.
ولما اتفتح…
دخلت سيدة في الخمسينات، وشها باين عليه التردد، وقالت
أنا الجارة اللي في الشقة المقابلة… وضميري وجعني.
ثم أخرجت هاتفها وقالت
معايا تسجيل… لو اتسمع، محدش في البيت ده هيقدر ينكر الحقيقة.
يتبع…دخلت الجارة بخطوات مترددة، وكانت ماسكة موبايلها بإيد بتترعش.
بصتلي وقالت سامحيني… كنت خايفة أتكلم. لكن لما شفت بنتك النهارده، عرفت إن سكوتي بقى ذنب.
حماتي قامت من مكانها وهي بتزعق إنتِ جاية تعملي إيه هنا؟ اخرجي بره!
المحامي رفع إيده وقال بحزم اتفضلي كملي، ومحدش يقاطعك.
فتحت الجارة التسجيل.
في الأول كان فيه صوت أطفال بيلعبوا في الممر.
بعدها… صوت ليان وهي بتعيط وتقول أنا بردانة… عايزة أدخل.
وبعدين جه صوت حماتي واضح جدًا سيبوها برا شوية… أمها فاكرة نفسها أحسن من الكل، خليها تعرف إن الشغل مش هينفع بنتها.
وبعدها صوت سارة وهي بتضحك دي لسه صغيرة… مش هتفتكر حاجة.
أول ما التسجيل خلص…
البيت كله غرق في صمت.
أحمد كان واقف، ملامحه متجمدة، وباصص لأمه كأنه أول مرة يشوفها.
أما حماتي فبدأت تتلعثم أنا… أنا ما قصدتش… كنت بهزر.
الجارة ردت بغضب الطفلة كانت بتترعش من البرد، وإنتِ شايفة وساكته.
ليان استخبت، وقالت بصوت ضعيف ماما… أنا مش عايزة أقعد هنا تاني.
مسحت على شعرها وقلت ولا دقيقة واحدة يا حبيبتي.
لفيت ناحية المحامي.
ابدأ الإجراءات.
حماتي صرخت إجراءات إيه؟! هتخربي بيت ابنك؟
رديت بهدوء البيت اللي يتهان فيه طفل… بيكون اتخرب من زمان.
أحمد حاول يقرب مني، لكني رجعت خطوة لورا.
قال بصوت مكسور اديني فرصة أصلح كل حاجة.
بصيتله طويلًا، لكن ما رديتش.
وفي اللحظة دي…
رن موبايل أحمد.
بص للشاشة، واتغير وشه فجأة.
كان المتصل… البنك.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع.
ثواني، وبعدها قال بدهشة إزاي؟!… إمتى ده حصل؟
قفل المكالمة ببطء، وبصلي بعينين مليانين صدمة.
الحساب المشترك… اتقفل، وكل الصلاحيات اتلغت.
ابتسمت ابتسامة هادئة، وقلت
أنا بدأت أحمي نفسي وبنتي… ولسه في خطوات تانية.
وتجمدت ملامح الجميع، لأنهم أدركوا أن ما حدث الليلة لم يكن سوى بداية الحساب، وأن الأيام القادمة ستحمل لهم ما لم يتوقعه أحد.
يتبع…أحمد فضل ماسك الموبايل، كأنه مستني الموظف يقوله إن اللي سمعه مجرد غلطة.
لكن المكالمة انتهت… والحقيقة فضلت واقفة قدامه.
بصلي وقال بصوت مهزوز إنتِ عملتي كده من إمتى؟
رديت بهدوء من يوم ما بدأت أحس إن تعبي بقى حق مكتسب لكل الناس… إلا أنا وبنتي.
حماتي قربت مني وهي بتحاول تغير نبرتها لأول مرة.
يا بنتي… لو زعلنا ليان، إحنا نراضيها. الأطفال بينسوا.
هزيت راسي وأنا ببص في عيونها.
الأطفال بينسوا اللعبة… لكن عمرهم ما بينسوا الإحساس إنهم مش مرغوب فيهم.
سارة قالت بعصبية إنتِ مكبرة الموضوع عشان كام ساعة في البلكونة!
رديت عليها كام ساعة؟
وبصيت لليان.
حبيبتي… قعدتي قد إيه بره؟
ليان رفعت أربع صوابعها الصغيرين وقالت لما الشمس راحت… وبعدين الدنيا ضلمت.
الجارة قالت بحزن أنا حاولت أخبط عليهم أكتر من مرة، لكن محدش رضي يفتح.
وش أحمد اتقلب.
لف ناحية أمه وقال الكلام ده حقيقي؟
حماتي سكتت.
ولما ما ردتش… عرف الإجابة.
قعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه.
أول مرة يحس إنه خسر حاجة أكبر من الفلوس.
خسر ثقة بنته.
ليان استخبت ورايا أول ما بص لها.
مد إيده وقال تعالي يا ليان.
لكنها هزت راسها وهي بتبكي.
لا… إنت سبتني.
الكلمة دي نزلت عليه كالصاعقة.
فضل باصصلها، ومش لاقي ولا كلمة يرد بيها.
أما أنا، فمسكت شنطة صغيرة كنت مجهزاها من قبل، وحطيت فيها هدوم ليان وأوراقها المهمة.
أحمد جري عليا وقال إنتِ رايحة فين؟
قولت بهدوء في مكان بنتي تنام فيه وهي حاسة بالأمان.
وقبل ما أفتح الباب…
المحامي ناداني.
استني يا أستاذة مريم… في ورقة أخيرة لازم حضرتك تشوفيها.
فتح ظرف بني كان في شنطته، وسلمهولي.
بصيت في أول صفحة… فتجمدت.
كانت نسخة من مستند قديم، وعليه توقيع أحمد.
لكن اللي مكتوب فيه خلاني أبصله بصدمة، وأقول
معقول… كنت ناوي تعمل ده من زمان؟!
اتغير لون وش أحمد في لحظة، ومد إيده بسرعة ناحية الورقة وهو بيقول
لا… متقريهاش دلوقتي!
يتبع…مد أحمد إيده يخطف الورقة، لكن المحامي سبقُه وسحبها بعيد.
وقال بحزم بعد إذنك… المستند ده بقى مع صاحبة الشأن.
أخدت الورقة، وبدأت أقراها.
مع أول سطر، حسيت إن الأرض بتميد بيا.
كان طلب توكيل عام باسمي… مجهز من حوالي ستة شهور.
وفي آخر الصفحة، بخط إيد أحمد، مكتوب ملاحظات عن نقل بعض الممتلكات وإدارة الحسابات لتسهيل الإجراءات.
رفعت عيني وبصيت له.
إيه ده يا أحمد؟
اتلخبط وقال بسرعة ده… ده كان مجرد اقتراح من محاسب صاحبي.
المحامي رد بهدوء الغريب إن المستند كان ناقص فيه توقيع الأستاذة مريم فقط، وكل البيانات التانية كانت جاهزة.
حماتي دخلت في الكلام وهي بتحاول تنقذه أكيد سوء تفاهم.
ابتسمت بسخرية.
زي ما بنتي كانت في البلكونة سوء تفاهم؟
سكتت.
ولا حد فيهم عرف يرد.
في اللحظة دي، افتكرت مواقف كتير كنت بعديها.
لما كان أحمد يلح عليا أسيبله البطاقة البنكية.
ولما كان يقول وقعي هنا بسرعة، دي ورقة روتينية.
ولما كان يزعل لو سألت عن أي مصروف كبير.
كل حاجة بقت مترابطة قدامي.
أحمد حس إن صورته بتنهار، فقال أقسم بالله، عمري ما كنت هآخد منك حاجة غصب.
رديت بهدوء المشكلة مش في اللي حصل… المشكلة في اللي كنتوا مستعدين تعملوه.
المحامي قفل الملف وقال أنصح إن أي تعامل مالي بينكم من دلوقتي يبقى من خلال القنوات القانونية فقط.
هززت رأسي بالموافقة.
مسكت إيد ليان، واتجهت ناحية الباب.
قبل ما أخرج، بصيت على السفرة.
الأكل لسه مكانه…
لكن محدش كان قادر يمد إيده عليه.
نظرت لحماتي وقلت زمان كنت فاكرة إن الكرم بيكبر الناس… لكن اكتشفت إن بعض الناس بيعتبروا الكرم ضعف.
وخرجت.
أول ما نزلت السلم، أخدت نفسًا طويلًا لأول مرة من شهور.
لكن وأنا راكبة العربية…
رن موبايل المحامي.
رد، وفضل ساكت يسمع، ثم بصلي باستغراب وقال
في حاجة غريبة حصلت.
قلبي اتقبض.
خير؟
قال البنك بلغني إن في حد حاول
النهارده، قبل ما توصلي البيت بساعة واحدة، يستفسر عن إمكانية سحب مبلغ كبير من حسابك… باستخدام توكيل.
بصيت له بذهول.
مين؟
هز رأسه وقال
الاسم لسه مش ظاهر… لكن واضح إن اللي حصل النهارده أنقذك في آخر لحظة.
يتبع…بصيت للمحامي وأنا حاسة إن أنفاسي بتتقل.
قلت بسرعة ينفع نعرف مين؟
رد وهو بيقلب في الموبايل البنك وعد يبعت تقرير رسمي، لكن واضح إن المحاولة اتوقفت لأنك جمّدتي الصلاحيات قبل تنفيذ أي إجراء.
سندت راسي على كرسي العربية، ، اللي كانت أخيرًا نامت من التعب.
بصيت لوشها الصغير، وقلت لنفسي الحمد لله… لحقت.
بعد حوالي ساعة، وصلنا لشقة أختي.
أول ما فتحت الباب وشافت ليان نايمة من غير ما تسأل.
قالت ادخلي الأول… والكلام بعدين.
دخلت، ولسه بحاول أستوعب اللي حصل، لقيت موبايل أحمد بيرن للمرة العاشرة.
سيبته يرن.
وبعدين وصلت رسالة.
مريم… أنا غلطت. بس والله ما كنت أعرف إنهم بيعملوا في ليان كده. اديني فرصة أشرح.
قفلت الموبايل من غير ما أرد.
بعدها بدقائق، جات رسالة تانية… لكن المرة دي من رقم غريب.
فتحتها.
كان فيها صورة.
الصورة كانت لليان وهي قاعدة في البلكونة، وحاضنة نفسها من البرد.
واتكتب تحتها
دي مش الصورة الوحيدة اللي عندي.
اتسمر الدم في عروقي.
فيه حد كان بيصور…
وشاف اللي بيحصل…
وسكت.
وبعد ثواني، وصلت رسالة تانية
لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها… قابليني بكرة الساعة 11 الصبح. لوحدك.
بصيت للمحامي، ووريته الرسالتين.
قرأهم، واتغيرت ملامحه.
وقال بهدوء
اللي بعت الرسائل ده… واضح إنه يعرف أسرار أكتر بكتير من اللي إحنا نعرفه.
وقبل ما أتكلم…
وصلت رسالة ثالثة، كانت أقصر من كل اللي قبلها
صدقيني… اللي عملوه في بنتك، كان مجرد بداية.
يتبع…تجمدت وأنا ببص للرسالة.
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
المحامي مد إيده وقال ابعتيلي الرقم.
بعتّه فورًا.
حاول يتصل… لكن الموبايل كان مقفول.
قال وهو بيفكر الشخص ده يا إما خايف… يا إما بيحاول يجرّك لمكان.
قعدت طول الليل مش عارفة أنام.
كل شوية أبص على ليان وهي نايمة جنبي، وأفتكر وهي واقفة في البلكونة، من البرد.
مع أول ضوء للنهار، قررت أروح.
لكن مش لوحدي.
اتفقنا إن المحامي يفضل قريب من المكان من غير ما يظهر، ولو حسيت بأي خطر أكلمه فورًا.
الساعة كانت 11 إلا خمس دقائق.
وصلت للكافيه اللي اتحدد في الرسالة.
قعدت على أول ترابيزة قريبة من الباب.
عدت خمس دقايق…
عشرة…
وفجأة، ست كبيرة في السن قربت مني.
قالت بهدوء أنتِ مريم؟
هزيت راسي.
قعدت قدامي، وحطت ظرف أبيض على الترابيزة.
وقالت أنا اللي بعتلك الرسائل.
بصيت لها باستغراب.
إنتِ كنتِ بتصوري بنتي؟
تنهدت وقالت لأ… أنا ساكنة في العمارة اللي قصادكم، وعندي كاميرا مراقبة على البلكونة. بالصدفة صورت كل اللي حصل.
اتسعت عيني.
يعني عندك فيديو؟
هزت رأسها.
مش صورة واحدة… عندي تسجيل كامل.
إيدي بدأت تترعش.
ليه ما اتكلمتيش من الأول؟
نزلت عينيها وقالت خفت… لكن لما شوفتك واخدة بنتك وماشية، حسيت إن السكوت بقى مشاركة في الظلم.
دفعت الظرف ناحيتي.
كل النسخ اللي عندي هنا.
فتحت الظرف بسرعة.
كان فيه فلاشة صغيرة.
وقالت قبل ما تقوم
في التسجيل هتعرفي إن اللي حصل لبنتك ماكانش صدفة.
شهقت.
يعني إيه؟
ردت وهي ماشية
اسمعيه… وهتفهمي ليه كنت مستنية أقابلك.
خرجت بسرعة قبل ما ألحق أوقفها.
طلعت اللابتوب من شنطتي، وشغلت الفلاشة.
ظهر فيديو من كاميرا بعيدة.
الصورة كانت واضحة.
ليان واقفة قدام باب الشقة.
وبعد ثوانٍ…
خرجت حماتي، بصت يمين وشمال، وبعدها… سحبت كرسي صغير وحطته قدام الباب من الخارج، بحيث يمنع ليان من فتحه إذا حاولت تدخل.
ثم دخلت وقفلت الباب عليها.
حسيت إن دموعي نزلت من غير ما أحس.
لكن الصدمة الحقيقية كانت بعد دقيقة…
لما ظهر أحمد في الفيديو.
وقف قدام الباب…
بص على الكرسي…
وسكت.
ثم لف و.. . دخل الشقة من غير ما يفتح الباب لبنته.
يتبع…فضلت أبص للفيديو وأنا مش قادرة أستوعب اللي شوفته.
رجعت اللقطة أكتر من مرة.
كل مرة كنت بتمنى أكون فهمت غلط.
لكن الحقيقة كانت واضحة…
أحمد شاف ليان.
وشاف الكرسي محطوط قدام الباب.
وسمعها وهي بتنادي
بابا… افتح.
وقف ثواني…
وبعدين دخل الشقة وقفّل الباب وراه.
انهرت.
دي كانت أول مرة أحس إن اللي انكسر جوايا مش هيعرف يرجع زي الأول.
في اللحظة دي رن موبايل أحمد.
فضلت أبص للاسم لحد ما الرنة وقفت.
وبعدها جات رسالة
أنا تحت البيت… عايز أشوف ليان خمس دقايق بس.
قريت الرسالة وسكت.
بعد دقيقة وصلت رسالة تانية
حتى لو بتكرهيني… ماليش ذنب إنها تكرهني.
قفلِت الموبايل من غير رد.
المحامي، اللي كان متابع معايا، قال بهدوء
بعد اللي في الفيديو، أي قرار هتاخديه لازم يكون بعقل، مش بانفعال.
هززت راسي.
وفجأة…
سمعت صوت خبط على باب شقة أختي.
أختي بصت من العين السحرية وقالت
أحمد.
خرجت وأنا ثابتة.
فتحت الباب من غير ما أدخله.
كان واقف، هدومه مكركبة، وعينيه حمرا كأنه ما نامش.
أول ما شافني قال
أنا غلطان.
سكت.
كمل
أنا كنت ضعيف… وكل مرة كنت بختار أسكت بدل ما أواجه أمي.
قلت بهدوء
وسكوتك كان ثمنه طفلة.
نزل رأسه.
عارف.
طلع من جيبه لعبة صغيرة.
كانت نفس اللعبة اللي ليان كانت بتدور عليها من أسبوع.
قال
اشتريتهالها.
رديت
هي ما كانتش محتاجة لعبة… كانت محتاجة أبوها.
فضل ساكت.
وفي اللحظة دي…
ليان خرجت من أوضة أختي.
أول ما شافته، استخبت ورا رجلي.
أحمد انحنى على ركبته وقال
يا ليان… بابا آسف.
بصتله ثانيتين.
وبعدين قالت الجملة اللي خلّت الدموع تنزل من عينه
لما كنت بخبط على الباب… ليه ما فتحتليش؟
فتح بقه…
لكن ما خرجش منه ولا حرف.
لأنه لأول مرة…
ماكانش عنده أي مبرر فضل أحمد باصص لليان، ودموعه بتنزل في صمت.
مد إيده ناحيتها، لكنها استخبت أكتر ورايا.
قال بصوت مكسور والله يا بنتي… كنت فاكر إن جدتك دخلتك بعدها على طول.
ليان هزت راسها بالنفي.
أنا ناديت عليك كتير… وإنت مشيت.
الجملة دي وقعت عليه كأنها جبل.
قعد على أقرب كرسي، وحط وشه بين إيديه.
أختي كانت واقفة بتراقب من بعيد، والمحامي قال بهدوء أستاذ أحمد، لو عايز تصلح اللي حصل، البداية تبقى بالاعتراف، مش بالتبرير.
رفع أحمد رأسه وقال أنا غلطت… وسكوتي كان أكبر غلطة.
بصيت له وقلت الاعتراف مهم… لكنه ما بيمسحش اللي حصل.
طلع ظرف من شنطته ومده ناحيتي.
دي مفاتيح الشقة… وكروت البنك اللي كانت معايا. مش هلمس أي حاجة تخصك تاني.
أخدت الظرف وحطيته على الترابيزة من غير ما أفتحه.
قلت الحقوق بترجع بالقانون، مش بالكلام.
في اللحظة دي رن جرس الباب.
أختي فتحت.
كان ساعي توصيل، ماسك ظرفًا مسجلًا باسمي.
استلمته، ومضيت.
لما فتحته، لقيت جواه ورقة واحدة… ومن غير أي توقيع.
كان مكتوب فيها
لو فاكرة إنك عرفتي كل الحقيقة، يبقى لسه ما تعرفيش أخطر سر في البيت ده. دوري في أوضة المخزن… تحت البلاطة المكسورة.
بصيت للمحامي.
هو كمان استغرب.
قال الغريب إن محدش غير أهل البيت يعرف إن في مخزن.
أحمد رفع رأسه بسرعة، وملامحه اتغيرت.
ولأول مرة من بداية اللي حصل…
قال بجملة خلتني أتجمد مكاني
مريم… أوعي تروحي هناك لوحدك.
سألته ليه؟
بلع ريقه، وقال
لأن في حاجة أنا نفسي اكتشفتها من كام يوم… وكنت خايف أقولك.
يتبع…أخدت نفسًا عميقًا، وبصيت في عيني أحمد.
قلت ببرود إيه اللي كنت خايف تقوله؟
فضل ساكت ثواني، وكأنه بيحارب نفسه.
ثم قال من أسبوع… أمي طلبت مني أنزل المخزن أجيب كراتين قديمة.
سكت لحظة، ثم أكمل
وأنا بدور… لقيت بلاطة مكسورة فعلًا.
شد انتباهي.
ورفعتها؟
هز رأسه.
أيوه.
ولقيت إيه؟
اتنهد وقال
علبة صاج قديمة… مليانة أوراق وإيصالات.
المحامي عقد حاجبيه.
إيصالات إيه؟
رد أحمد تحويلات فلوس… وخطابات قديمة… وأوراق مكتوب فيها حسابات.
قلت باستغراب حسابات مين؟
نزل عينيه في الأرض.
كلها باسمك.
سكت المكان كله.
كمل بصوت منخفض
وكان فيه ورقة واحدة مكتوب عليها بخط أمي طالما مريم شغالة وبتصرف… بلاش أحمد يعرف كل اللي بندفعه،
وسيبها هي شايلة البيت.
اتسعت عينيا.
يعني… كانت بتخبي عنك إنها بتاخد فلوس مني غير اللي كنت أعرفه؟
هز رأسه ببطء.
أيوه… وأنا لما واجهتها، قالتلي إني فاهم غلط.
المحامي قال يبقى لازم نشوف العلبة دي.
تنهد أحمد بحزن.
رجعت بعدها بيوم… ملقتهاش.
اختفت؟
أيوه.
في اللحظة دي افتكرت الرسالة.
دوري تحت البلاطة المكسورة.
يعني اللي بعت الرسالة… كان عارف إن العلبة اختفت.
بصيت للمحامي وقلت لازم نروح النهارده.
وقبل ما نتحرك، رن هاتف أحمد.
نظر للشاشة، وارتبك.
قلت مين؟
رد بصوت خافت
أمي.
ضغط على السماعة الخارجية.
أول ما رد، سمعنا صوتها المرتبك
أحمد… متخليش مريم تدخل المخزن… أنا هشرحلك كل حاجة.
ساد الصمت.
ثم أضافت وهي تبكي لأول مرة
بس أوعوها ترفع البلاطة التانية…
تبادلنا النظرات.
البلاطة التانية؟
إحنا كنا فاكرين إن فيه بلاطة واحدة مكسورة.
لكن واضح إن السر الحقيقي… كان مستخبي تحت مكان تاني.
يتبع…ركبت العربية أنا والمحامي وأحمد، والطريق كله محدش فينا نطق بكلمة.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
وصلنا قدام البيت.
كان هادي بشكل غريب.
طلعنا بسرعة، ولما فتح أحمد الباب، لقينا الشقة فاضية.
السفرة متشالة…
ومافيش أثر لحماته ولا سارة.
جري أحمد ناحية المخزن، وفتح بابه.
كان المكان مليان كراتين قديمة وتراب.
بدأ يدور بعينيه، لحد ما وقف فجأة وقال
هي دي.
كانت بلاطة في الركن لونها مختلف شوية عن باقي الأرض.
جاب مفك وبدأ يرفعها.
لكن أول ما البلاطة اتحركت…
لقينا تحتها مفتاح نحاس صغير، مربوط بخيط أحمر.
بصيت للمحامي باستغراب.
قال واضح إنه مفتاح لعلبة أو درج.
أحمد افتكر حاجة فجأة، وجري على الدولاب الحديد القديم اللي كان في المخزن.
ركّب المفتاح.
لفه…
واتفتح الباب بصوت خفيف.
جواه كانت علبة خشب صغيرة.
فتحتها بإيدي وأنا قلبي بيدق.
لكن بدل ما ألاقي فلوس أو ذهب…
لقيت عشرات الجوابات القديمة.
كلها مكتوبة بخط واحد.
وأول جواب كان عنوانه
إلى مريم… لو وصلتي للرسائل دي، يبقى الحقيقة استخبت سنين.
مديت إيدي وفتحت أول جواب.
وفي أول سطر، اتجمدت مكاني.
كان مكتوب
أنا كتبت الرسائل دي قبل ما أموت… لأن في يوم هيحاولوا يقنعوكي إن كل اللي حصل مجرد سوء تفاهم، لكنه عمره ما كان كده.
بصيت للمحامي، ثم لأحمد.
أحمد همس
الخط ده… مش خط أمي.
قلبت آخر الصفحة…
ولقيت توقيعًا باسم شخص، خلاني أفتح عيني من الصدمة.
يتبع…مسكت الورقة بإيد مرتعشة، وقلّبتها تاني كأني مش مصدقة اللي شايفاه.
الاسم في آخر الرسالة كان
والد أحمد.
بصيت لحمايا في خيالي… الراجل الهادئ اللي طول عمره قليل الكلام.
أحمد خطف الورقة، وقرأها بسرعة، ووشه اصفر.
قال بصوت مخنوق دي… دي إمضة أبويا فعلًا.
فتحنا الرسالة كاملة.
كان مكتوب فيها
لو الرسالة دي وصلت لمريم، يبقى أنا غالبًا مقدرتش أصلح الغلط بنفسي. أنا سكت سنين، وده أكبر ذنب عملته. اللي بيحصل في البيت ده مش جديد، والسكوت عليه هو اللي كبره.
سكتنا كلنا.
وكملنا قراية.
لو مريم لسه في البيت، يبقى حافظي على نفسك وعلى بنتك. ولو خرجت، متصدقيش أي حد يقولك إنك ظلمتيهم. أنا شفت بعيني حاجات كتير، وكل مرة كنت أقول هتتصلح… لكنها كانت بتسوء.
أحمد قعد على الأرض، وهو ماسك الرسالة بإيده.
قال بصوت متقطع أبويا كان عارف… وساكت.
المحامي رد بهدوء واضح إنه كان نادم، لكنه اختار يكتب بدل ما يواجه.
فتحت الرسالة اللي بعدها.
كانت أقصر.
وفي آخرها جملة واحدة
مش كل الرسائل هنا… في رسالة أخيرة أخفيتها في مكان محدش يعرفه غيري.
قبل ما أرفع رأسي…
سمعنا صوت باب الشقة بيتفتح من بره.
كلنا بصينا ناحية الصالة.
خطوات بطيئة…
ثم صوت حمايا وهو بينادي
أحمد… إنت هنا؟
دخل، وأول ما شاف العلبة مفتوحة والرسائل في إيدينا، وقف مكانه.
اتغير لون وشه.
وقال بصوت مرتجف
أخيرًا… لقيتوها.
ثم نزلت دمعة من عينه لأول مرة، وقال
بس الرسالة الأهم… لسه ما حدش قراها.
يتبع…دخل حمايا بخطوات بطيئة، وكأنه شايل على كتفه عمرًا كاملًا من الندم.
بص للعلبة المفتوحة، ثم بص لي وقال
أنا عارف إنك مستحيل تسامحينا… ويمكن معاكِ حق.
أحمد قرب منه بسرعة.
بابا… الرسائل دي إيه؟ وإنت كنت عارف كل ده؟
قعد حمايا على الكرسي الخشبي اللي في المخزن، وأخذ نفسًا طويلًا.
أيوه… كنت عارف جزء كبير.
سكت لحظة، ثم أكمل
أول سنة بعد جوازكم، أم أحمد بدأت تطلب منك فلوس بحجة مصاريف البيت. وبعدها بقت تطلب من مريم مباشرة، وكل مرة كانت تقول إنها عشان العلاج أو الديون.
بصيت له وقلت
وأنت كنت ساكت ليه؟
نزل رأسه وقال
كنت فاكر إنها هتبطل… وكل ما أتكلم كانت تقوم الدنيا في البيت.
المحامي قال بحزم
السكوت ساعات بيكون مشاركة.
هز حمايا رأسه بالموافقة.
عارف… وعشان كده كتبت الرسائل.
أحمد سأله
طيب فين الرسالة الأخيرة؟
رفع حمايا عينه ناحية سقف المخزن، وقال
مش هنا.
سكتنا كلنا.
ثم أشار إلى صورة قديمة معلقة على الحائط، كانت صورة عائلية باهتة.
وقال
شيلوها.
أنزل أحمد الصورة.
وراها كان فيه تجويف صغير في الحائط.
مد حمايا إيده وطلع ظرفًا أصفر مغبرًا.
ناوله لي.
دي الرسالة اللي كنت خايف توصل متأخر.
فتحتها ببطء.
كان فيها ورقة واحدة فقط.
ومكتوب فيها
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى خلاص عرفتي إن المشكلة عمرها ما كانت في الفلوس. .. المشكلة كانت في القلوب.
وتحتها مباشرة
لو قدرتي، ابني حياة جديدة ليكي ولبنتك… لكن متخليش الكراهية تربيها.
سكتُّ طويلًا.
قفلت الرسالة، وبصيت لليان اللي كانت ماسكة إيدي.
ابتسمت لها، ومسحت على شعرها.
ولأول مرة من بداية كل اللي حصل…
حسيت إن الطريق اللي قدامي، رغم صعوبته، واضح.
يتبع…عدت أيام قليلة…
أحمد حاول يتصل بيا عشرات المرات، لكني كنت مركزة على حاجة واحدة بس…
ليان.
بدأت ترجع تضحك شوية شوية، لكن كل ما حد يخبط على الباب، كانت تجري تستخبى ورايا.
المشهد ده كان بيوجعني أكتر من أي كلمة.
في صباح يوم هادئ، رن جرس الشقة.
فتحت، لقيت أحمد واقف لوحده.
وشه مرهق، ودقنه طالعة، وكأنه كبر عشر سنين في أسبوع.
قال بهدوء مش جاي أضغط عليكي… جاي أسلمك حاجة.
مد إيده بظرف بني.
أخدته، وفتحته.
كان جواه عقد بيع العربية.
بصيتله باستغراب.
قال بعتها.
ليه؟
رد عشان أسدد كل جنيه اتصرف من تعبك… حتى لو هقعد سنين أسدد.
قفل الظرف، وحطيته على الترابيزة.
قلت الفلوس بتتعوض… لكن اللي حصل لبنتي مش بيتعوض.
هز رأسه، وقال عارف.
سكت شوية، وبعدين قال أمي وسارة سابوا البيت.
استغربت.
راحوا فين؟
استأجروا شقة صغيرة… وأول مرة كل واحد يصرف على نفسه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، من غير شماتة.
قلت يمكن وقتها يعرفوا قيمة النعمة.
قبل ما يمشي، بص على ليان.
كانت واقفة من بعيد، مستخبية نصها ورا باب الأوضة.
قال لها أنا هفضل أستنى اليوم اللي تسامحيني فيه… حتى لو طال.
ما ردتش.
لكنه مشي من غير ما يضغط عليها.
قفلت الباب، ورجعت قعدت جنب بنتي.
فجأة، وقالت
ماما… إحنا خلاص عندنا بيت آمن؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بستها في جبينها، وقلت
أيوه يا حبيبتي… من النهارده، محدش هيقدر يحسسك إنك غريبة أو تقيلة في بيتك.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة من قلبها…
وأدركت ساعتها إن الانتصار الحقيقي ما كانش إنهم خسروا الفلوس…
كان إن بنتي بدأت تستعيد إحساسها بالأمان.
النهاية.

