العيلة

رجعت للسفرة بعد ما طبخت 23 صنف، واكتشفت إن حماتي ماشية تحتفل بعيد ميلادها الستين من غيري، وأنا واقفة قدام الأكل اللي بدأت حرارته تقل، قالتلي بكل برود إنتِ مش من العيلة، خليكِ هنا لمي بواقي الأكل. ما اتخانقتش، وما رديتش عليها، وما حاولتش أمنعها من الخروج، كل اللي عملته إني طلعت موبايلي وبعت صورة واحدة لجوزي، وبعدها قفلت الموبايل وحطيته في جيبي. هي لسه ما كانتش تعرف مين صاحب البيت الحقيقي، ولسه ما كانتش تعرف إن الست اللي كانت بتعاملها كأنها خدامة في بيتها هي نفسها الست اللي كان اسمها موجود في أهم ورقة في حياتهم كلها. الساعة كانت 125 الضهر، وفاضل خمس دقايق بس على وصول الضيوف اللي حماتي كانت بقالها أسابيع بتتكلم عنهم، وأنا كنت واقفة في المطبخ من الفجر، رجلي وجعاني، ضهري كأنه بيتكسر، وإيدي فيها آثار حرارة الفرن، لكن رغم كل ده كنت مبسوطة، مش علشان الأكل، ولا علشان عيد الميلاد، لكن علشان كنت متخيلة إن النهارده ممكن يكون اليوم اللي أحس فيه أخيرًا إني واحدة من العيلة بجد. كنت صحيت الساعة 215 الفجر، لبست هدومي، ونزلت المطبخ، وبدأت أجهز كل حاجة بنفسي، رغم إن البيت فيه ناس ممكن تساعدني، لكني رفضت. كنت عايزة كل طبق يطلع من إيدي أنا. عملت لحوم، وفراخ، وسمك، وجمبري، ومقبلات، وسلطات، وأرز، وخضار، وحلويات، وعملت أصناف أكتر مما كنت مخططة، لدرجة إني في الآخر عدّيت الأطباق لقيتهم 23 طبق كامل. وأنا بجهز كل طبق كنت فاكرة أول مرة دخلت فيها البيت ده بعد الجواز، كنت فاكرة نظرة حماتي ليا، نظرة ما كانتش فيها ترحيب ولا فرحة، كانت فيها حاجة أقرب للتقييم، كأنها

كانت بتسأل نفسها هو ابني شاف إيه فيها علشان يتجوزها؟ أنا وقتها كنت صغيرة، وكنت عارفة إن عيلته أغنى مني بكتير، لكني ما كنتش شايفة فرق الفلوس مشكلة، لأن جوزي كان بيحبني، أو على الأقل ده اللي كنت فاكرة. كنت فاكرة إن الحب كفاية. بعد ست سنين، اكتشفت إن الحب لوحده مش دايمًا بيكفي لما يدخل بينه وبين الناس الطمع والكبرياء وسوء الفهم. لكن في بداية الجواز كنت بحاول بكل طاقتي أرضي حماتي، مش خوفًا منها، لكن احترامًا لجوزي. كنت أجيب لها هدايا في المناسبات، وأسأل عليها، وأروح معاها للدكتور، وأفتكر مواعيدها، وأعمل الأكل اللي بتحبه، وحتى لما كانت تتجاهلني قدام الناس كنت بضحك وأعدي. كانت تقول لبناتها إني حساسة زيادة، وكانت تقول لجوزي إني مش اجتماعية، وبعد فترة بدأت تقول إني مش مناسبة لمستوى العيلة. كل مرة كنت أسمع الكلام ده، كنت أقول لنفسي إنها هتتعود عليا. لكن اللي حصل إنها اتعودت على حاجة واحدة بس، اتعودت إني أسكت. في أول سنة جواز، كانت بتطلب مني حاجات بسيطة، وبعدها الطلبات كبرت. كانت تقول لي هاتي، اعملي، رتبي، روحي، استني، خليكي، لحد ما بقى وجودي في البيت بالنسبة لها مرتبط بالخدمة. وفي كل مرة كنت أقول لنفسي إن ده بيتهم وإن أنا ضيفة، مع إن الحقيقة اللي محدش كان يعرفها إن البيت ده ما كانش بيتهم أصلًا. كنت أعرف الحقيقة من قبل الجواز، لكني ما حبتش أقولها. قبل الجواز بفترة، كان فيه مشروع كبير حصل فيه تعثر، وكان جوزي لسه في بداية حياته المهنية، وعيلته كانت داخلة في أزمة مالية كبيرة. أنا كنت وقتها عندي مدخرات واستثمارات ورثتها من والدي، ووالدي قبل وفاته كان دايمًا بيقول لي إن الفلوس مش قيمة لوحدها، وإن الإنسان لازم يستخدمها في المكان الصح. لما جوزي عرف إن عندي القدرة أساعد، رفض في البداية، وقال لي إنه مش عايز يتجوزني علشان فلوسي. أنا صدقته، ووقفت جنبه من غير ما أتكلم عن المبالغ. لكن بعدها، وبسبب ظروف معينة، تم تأسيس شركة جديدة، وكان لازم يكون فيه مستثمر رئيسي، وأنا دخلت من بعيد عن طريق شركة استثمارية، وما حبيتش اسمي يظهر في البداية. مع الوقت الشركة كبرت، والمشروع نجح، وجوزي أصبح واحدًا من الوجوه الإدارية المعروفة فيه، بينما أنا بقيت خلف الكواليس. وبعدها البيت اللي عيلته كانت عايشة فيه تم شراؤه من خلال شركة تابعة للمجموعة، لكن المالك الحقيقي في النهاية كان أنا. عملت ده لأن حماتي كانت وقتها بتقول إنها مش عايزة تعيش في بيت تشعر فيه إنها مديونة لحد، وأنا احترمت كلامها، فخلّيت الملكية باسمي بشكل غير مباشر، لكن جوزي كان عارف. كان عارف كل حاجة. كان يعرف إن البيت بتاعي، وكان يعرف إن جزء كبير من ثروة العيلة اللي بيظهروا بيها قدام الناس أصله من استثماراتي، وكان عارف إني رفضت أقول لهم علشان ما أخليش فلوسي تتحول لحائط بيني وبينهم. كنت عايزة يحبوني لشخصي، مش علشان أنا المالكة. لكن مع الوقت، حصل العكس. كل ما زاد نجاح الشركة، زاد غرورهم. وكل ما زاد اعتمادهم على الحياة المريحة، زاد اعتقادهم إنهم أصحاب الفضل فيها. حماتي كانت بتستخدم بطاقات إضافية مرتبطة بحسابات عائلية، وكانت بتشتري حاجات غالية جدًا، وأنا كنت أشوف وأعدي. بناتها كانوا بيطلبوا مساعدات، وأنا كنت أوافق. مرة واحدة من بناتها طلبت مبلغ كبير علشان تشتري عربية، وجوزي قال لي خلينا نساعدها، وأنا وافقت. ومرة التانية طلبت مبلغ علشان تفتح مشروع، وأنا وافقت. لكن بدل ما يكون عندهم امتنان، بدأوا يعتبروا كل شيء حقًا مكتسبًا. وأنا كنت ساكتة. لحد ما وصلنا لعيد الميلاد الستين. كنت عايزة أعمل حاجة مختلفة. حماتي كانت بقالها شهور بتقول إنها عايزة عيد ميلاد يليق بها، وكانت تتكلم عن المطاعم والفنادق والضيوف المهمين. وأنا قلت لنفسي بدل ما نروح مطعم ونقعد ساعتين، ليه ما أعملش حفلة في البيت؟ جبت كل اللي تحتاجه، ورتبت السفرة، واشتريت الزينة، وطلبت حاجات مخصوص، وفضلت أطبخ من الساعة 215 الفجر. كنت كل شوية أطلع من المطبخ وأبص على السفرة وأبتسم. كنت متخيلة لحظة دخولها، وهتلاقي كل حاجة جاهزة، ويمكن لأول مرة تقول لي كلمة حلوة. لكن الساعة 125، دخلت هي وبناتها، وكل واحدة فيهم كانت لابسة وكأنها خارجة على مناسبة كبيرة. بصيت لهم وقلت كل سنة وإنتوا طيبين، لكن ما حدش رد بالطريقة اللي كنت أتوقعها. حماتي قالت إنهم غيروا الخطة، وإنهم هيروحوا مطعم. أنا افتكرت إنها بتهزر، وقلت لها طب وأنا هاجي معاكم، لكن ردها كان واضحًا وقاسيًا إنتِ مش من العيلة، خليكِ هنا لمي بواقي الأكل. الجملة نزلت عليا كأنها صفعة. أنا مش من العيلة؟ بعد ست سنين؟ بعد كل اللي عملته؟ بعد كل مرة وقفت جنبها؟ بعد كل مرة دفعت فيها من غير ما تعرف؟ بعد كل مرة كنت بحاول أحمي صورتها قدام الناس؟ ما قلتش حاجة. بصيت لها وبعدين بصيت على الأكل. واحدة من بناتها ضحكت وقالت إن وجودي هيبقى محرج. التانية قالت إن المطعم محجوز للعيلة المقربة.

لمحة نيوز

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *