طردوني من بيت أبويا.. ومكنوش يعرفوا الحقيقة! روايات احمد عمار
سيب الأوضة لأختك الصغيرة، يا إما تلم هدومك وتمشي.
مرات أبويا قالتها وسط العشا بمنتهى البرود، كأنها بتطلب مني أعديلها الملاحة.
كل اللي قاعدين على الترابيزة بصولي. كانوا مستنيين خناقة.. يمكن دموع.. يمكن ألف لأبويا وأترجاه يتدخل.
بس أنا ابتسمت تمام.
قمت طلعت فوق ولميت هدومي، عشان هي مكنتش تعرف كل حاجة عن البيت اللي لسه طارداني منه.. وبناءً على سكوت أبويا، فواضح إنه هو كمان كان ناسي حاجة مهمة أوي. وعلى ما حد فيهم افتكر، كنت خلاص قعدت في مكان تاني خالص.. مكان ميعرفوش عنه أي حاجة.
السفرة بقت سكات خالص بعد ما مرات أبويا رمت كلمتها أختك هتستلم أوضتك بكرة، ولو مش عاجبك، تقدر تشوفلك مكان تاني تعيش فيه.
من غير مناقشة.. من غير حتى ما تطلب.. القرار كان متأخد خلاص.
مروحة السقف كانت بتلف بالراحة فوقينا. أبويا كان باصص في طبقه ومش رافع عينه. وقدامي على الترابيزة، أختي الصغار السنديلة كانت ساندة لورا وباصالي بابتسامة نصر صغيرة، كان باين عليها إنها خلاص بتبني وتفرش الأوضة في خيالها.
أنا عندي 25 سنة، وقاعد في البيت اللي اتولدت وكبرت فيه. البيت مليان ذكريات.. أمي هي اللي كانت ناسية ومتنقية دولاب السفرة الخشب ده، ولسه فيه علامة صغيرة جنب الطرقات من يوم ما حاولت أدخل عجلتي جوة في المطر.. فاكر أعياد ميلادي، صباح العيد، ضحك أمي في المطبخ، وأبويا لما كان يشيلني وأنا نايم على الكنبة ويطلعني فوق.
بعدين أمي ماتت.. وبعد
تسع سنين، مرات أبويا قدرت تخليني أحس إن البيت ده ملك الكل.. إلا أنا.
ودلوقتي أختي عايزة أوضتي. ومش بس عشان هي أكبر أوضة فوق.. الأوضة شبابيكها كبيرة، أرضيتها خشب، وفيها بلكونة خاصة بتبص على الفيو.. والمنظر منها الصبح ملهوش حل. بس بالنسبة لي، الأوضة كانت مهمة عشان أمي هي اللي مهندساها معايا. كانت آخر حتة في البيت لسه حسساني بريحتها.
أختي مكنش فارق معاها كل ده.. هي كل اللي فارق معاها إن الإضاءة تبقى حلوة عشان تصوير الفيديوهات بتاعتها.
أنت أصلاً مابتطلعش فيها كتير، قالتها وهي بتلوي بوزها وترمي شعرها ورا ظهرها. المحتوى بتاعي هيطلع تحفة في الأوضة دي.. أنت ممكن تنزل تقعد في البدروم.
بصلتها وقلت البدروم ده مكتبي اللي بشتغل منه.
مرات أبويا ابتسمت بسخافة أنت بتشتغل على اللاب توب يا حبيبي، يعني تقدر تشتغل في أي حتة.
رديت ما هي كمان تقدر تصور في أي حتة.
شوكتها خبطت في الطبق بزهق.. أبويا أخيرًا حنحين وقال يا بني… ما تسيب لأختك الأوضة كم شهر وخلاص.. عشان نعدي اليوم ونحافظ على الهدوء.
وجت الجملة اللي بتموتني بقالي سنين عشان نعدي اليوم!
كنت هضحك من الغُلب.. نعدي اليوم! الجملة دي هي اللي بررت كل الخرا في عيلتنا. لما مرات أبويا وزعت أطباق أمي بتاعة المناسبات من غير ما تسألني، قالولي معلش عشان نعدي اليوم. لما أختي كانت بتاخد هدومي وترجعها متقطعة أو بايظة، قالولي معلش عشان نعدي اليوم. لما رفضت أدفع فلوس فسحة أختي ومرات أبويا قالت عليّ بخلان قدام قرايبنا، قالولي برضه كبر مخك وعِدّي اليوم.
كل مرة حد كان بيتخطى حدوده معايا، كانت ردة فعلي أنا هي اللي بتبقى المشكلة. وكل مرة كنت بصلت وأعدي.. عشان خاطر أبويا بالذات.
بس الليلة دي، أنا كنت استويت. بصيت في عينه مباشرة، مكانش نفسي في خطبة عصماء ولا خناقة، ولا حتى عايزه يزعق لمراته.. كان نفسي بس ينطق كلمة واحدة لا.
قلتله قولها لا.
أبويا رفع عينه.. ولثانية واحدة، افتكرته هيعملها أخيرًا. كان باين في وشه الندم والتردد، وبعدين نزل عينه تاني في الطبق.. ولا كلمة!
السكوت ده قالي كل حاجة.
مرات أبويا زقت الكرسي وقامت وقفت، وحطت إيديها الاثنين على الترابيزة
أنا تعبت من أسلوبك ده! ده بيتي أنا كمان، ومش هقعد أتخانق كل ما أخد قرار في بيتي! بكرة الصبح أختك تاخد الأوضة، ولو مش عاجبك، الباب يفوت جمل!
استنيت.. أبويا برضه ساكت.
لميت المنديل بتاعي وطبقته بهدوء على الترابيزة تمام.
مرات أبويا برقت إيه؟
تمام.
ولأول مرة، وُشها يقطع ألوان. كانت مستنياني أتخانق.. مستنية دموع وصويت.. أو في الآخر أستسلم وأنفذ كلامها. بس بدل كل ده، أنا قمت وقفت، وطلعت على فوق.
ما خبطتش الباب، وما عيطتش. فتحت الدولاب وطلعت شنطتين كبار وبدأت ألم هدومي.. هدوم الشغل، الجزم، اللاب توب، الأوراق المهمة، مجوهرات أمي، صورة لينا متبرقعة.. وفي الآخر، علبة خشب صغيرة كانت مستخبية ورا بطاطين الشتا. وقفت لحظة وأنا بمسكها، وبعدين حطيتها بحرص جوة الشنطة.
بعد 25 دقيقة، كنت مخلص كل حاجة.. شنطتين بس.. ده كل اللي محتاجه.
وأنا نازل بيهما، مرات أبويا وأختي كانوا قاعدين في الصالة. أختي بصلت للشنط وضحت بسخرية ده بجد بيلف هدومه وماشي!
مرات أبويا كانت مذهولة هي كمان.. ساعتها بس فهمت حاجة.. هما مكنوش متوقعين إنها هتوصل لكده إطلاقًا. التهديد بالطراد كان مجرد وسيلة عشان أستسلم وأسيب الأوضة، كانوا فاكرين إني هتحسبن وأتحايل وفي الآخر أوافق.. بس أنا قبلت العرض.
أبويا كان قاعد لوحده في البلكونة برة. سحبت الشنط ورحت ناحية عربيتي، وأنا معدي من جنبه، أخيرًا نطق يا بني..
وقفت.. ولثانية، كان لسه عندي أمل إنه يعتذر.. إنه يقولي متامشيش.. إنه يقر بإنه كان المفروض يقف في وشهم وعشاني.
بس بدل ده، اتنهد وقال بلاش دراما ومشاكل ملهاش لازمة.
بصلتله وأنا مش مصدق أنا مش بعمل دراما.
حطيت الشنط في شنطة العربية، قعدت ورا الدريكسيون.. ومشيت.
محدش جري ورايا.. محدش نادى عليّ. البيت اللي كبرت فيه بدأ يختفي بالتدريج في المراية.. بس أنا مكنتش رايح أجر أوضة في فندق، ولا رايح أنام على كنب صحابي، ومكنتش شايل هم هنام فين أصلاً.
بعد حوالي 40 دقيقة، دخلت في شارع هادي وراقي، كان فيه بوابات حديد ضخمة قدامي. دست على ريموت صغير في عربيتي، البوابة اتفتحت. وراها كان فيه فيلا مودرن تحفة مبنية على التلة، منورة تحت سماء الليل.. حيطان إزاز، تراسات رخام، وفيراندة واسعة بتبص على أنوار المدينة كلها.
طلعت
لمحة نيوز
