​طردوني من بيت أبويا.. ومكنوش يعرفوا الحقيقة! روايات احمد عمار

بالعربية في المطلع، ركنت، ونزلت.. وبصيت للفيلا.
بيتي.. مش بيت مرات أبويا.. ولا بيت أبويا.. بيتي أنا.
ده الجزء اللي محدش فيهم يعرفه. من ست أسابيع، كنت اشتريت المكان ده في السر. سنين من التحويش، والاستثمار الصح، ومكافأة كبيرة من شغلي كمهندس برمجيات، هما اللي خلوا ده ممكن. أنا بس مكنتش حابب أقول لحد في العيلة، وليا أسبابي.
كل ما كنت بشاركهم خبر حلو، مرات أبويا كانت بتطلعلي بيه التزام ناحية أختي. ترقية في الشغل؟ يبقى المفروض تدفع في مصاريف أختك. سفرية شغل؟ يبقى بقيت أناني ومش مهتم إلا بنفسك. اشتريت حاجة نظيفة؟ يبقى يجيلك دش عن العطاء والأخوة! عشان كده المرة دي، أضخم إنجاز في حياتي احتفظت بيه لنفسي.. كنت عايز حاجة واحدة تكون ملكي أنا وبس.
في الليلة دي، وقفت لوحدي في الريسبشن. في الأول، السكوت كان غريب.. بعدين بقى مريح بشكل مش طبيعي. مفيش مرات أب بتنتقدني، مفيش أخت بتتأمر وتطلب، مفيش أب بيطلب مني أضحي بحتة من نفسي عشان الباقيين يرتاحوا. أنا كان المفروض أزعل، بس بدال الزعل، حسيت إن جبل وانشال من على صدري.. خروجي من بيت طفولتي مكسرنيش.. ده أخيرًا أداني مساحة أتنفس.
بس الخروج ده كان مجرد بداية.
قبل ما أنام، فتحت واحدة من الشنط.. تحت الهدوم المطبقة، كانت العلبة الخشب. شيلتها وحطيتها على الرخامة في المطبخ، قعدت باصصلها شوية، بعدين فتحتها.
جواها كانت أوراق تخص أمي الله يرحمها.. أوراق قديمة، جوابات، سجلات.. وورقة معينة كانت تحت خالص. طلعتها بالراحة.
مرات أبويا عمرها ما شافتها، أختي أصلًا متمعرفش إنها موجودة، وأبويا كان المفروض يفتكر بالظبط الورقة دي فيها إيه.
فردت الورقة تحت النور، وبدأت أقرأ.. في نص الصفحة، وقفت. قريت السطر ده تاني.. وبعدين تالت.
ضربات قلبي بدأت تسرع.. وفجأة، تحدي مرات أبويا بقى ليه معنى تاني خالص!
هي فاكرة إنها طردتني من بيت هي تملك السلطة فيه وبتتحكم فيه.. بس هي لسه واخدة القرار ده بناءً على حاجة ممكن مكنتش حقيقة أصلاً!
بعد ثلاثة أيام من الهدوء اللي عشته في بيتي الجديد، التليفون رن.
اسم أبويا كان على الشاشة.. بس المرادي، إيديه كانت بترتجف وهو ماسك السماعة
يا بني… الحقني.
صوته كان مكسور، فيه نبرة خوف عمره ما أظهرها قدامي
مراتك… قصدك مرات أبوك، كانت بتقلّب في المكتبة القديمة بتدور على عقود البيت عشان تقنعني أكتبه باسم بنتها.. ولقيت العلبة الخشب الثانية في الخزنة. لقيت وصية أمك… والعقد الأزرق القديم.
سكتت لحظة، وسبت السكوت ينهش في أعصابه، وبعدين قلت بهدوء ثلجي ولما قريت العقد يا بابا… لقيت إيه؟
أبويا اتنهد تنهيدة طالعة من قعر صدره
لقيت إن أمك الله يرحمها كانت كاتبة البيت باسمك أنت بالكامل قبل ما تتوفى… وإن كل السنين دي، أنت المالك الوحيد والشرعي للبيت ده، وأنا مجرد وصي لحين بلوغك، وأنت سيبتنا عايشين فيه بأصلك وطيبتك…
وفجأة، الصوت اتسحب منه بقوة، وسمعت صوت مرات أبويا وهي بتصرخ في التليفون وزيق الميكروفون بيصرخ في ودني
أنت يا جدع أنت! إيه الورق المزيف ده؟! البيت ده بيت جوزي! أنا عشت فيه تسع سنين وبنيت فيه وحطيت فيه دم قلبي! مش هسيبك تاخده بالسهولة دي وترميني في الشارع أنا وبنتي!
ابتسمت، وبصيت من شباك فيلتي الإزاز على أنوار المدينة تحت رجلي، وقلت بصوت حاسم يقطع العرق والسيح
اللي طردتيه من البيت بكلمة الباب يفوت جمل عشان أختي تاخد أوضته… هو المالك اللي بيمتلك السقف اللي فوق راسكوا دلوقتي. أنتِ خيّرتيني بين إني أسيب الأوضة أو أمشي.. وأنا مشيت، بس دلوقتي جه دوري أنا أخيّرك
قدامكم 24 ساعة بالضبط… الأوضة الماستر الكبيرة اللي أمي خططتها بيديها تتقفل بالمفتاح ومحدش يحط رجله فيها.. وأختك تدخل البدروم اللي كانت عايزة ترميني فيه تصوّر فيديوهاتها هناك! يا إما بكرة الصبح، إنذار الإخلاء من المحامي هيكون على الباب، وهسيب القانون يتصرف معاكم كغاصبين للملكية!
الخط قفل على صوت صريخها وانهيار أختي وهي بتعيط في الخلفية، بعد ما عرفت إن كل جشعهم انقلب عليهم في لحظة.
بعد أسبوعين، نزلت أزور البيت للمرة الأخيرة قبل ما أسافر لشغلي برة.
أول ما فتحت الباب، المكان كان متغير تماماً.
مرات أبويا كانت واقفة في المطبخ، أول ما شافتني نكست رأسها في الأرض وما قدرتش تحط عينها في عيني.. بقت تعاملني بحذر وخوف شديد وهي عارفة إن بقائها في البيت مرهون بكلمة واحدة مني.
أختي الصغار كانت قاعدة في البدروم تحت، انطفت ضحكة السخرية والتنطط من على وشها، وعرفت إن السوشيال ميديا ومظاهر الفشخرة الكدابة ملهاش قيمة قصاد الأصول والحق.
أما أبويا.. فجالي وباس على رأسي ودموعه في عينه سامحني يا بني… بعتك عشان أشتري دماغي، فربنا عرفني إن اللي يفرط في ابنه وحق مراته، بيخسر كل حاجة.
سامحته عشان خاطري أنا.. وعشان أريح قلبي من الشيل. أجّرت البيت لأبويا بعقد رسمي رمزي، عشان يفضل مرفوع الرأس، بس بشرط إن الملكية تضل مسجلة باسمي، والأوضة الماستر تفضل مقفولة بذكريات أمي محدش يدخلها.
رجعت لبيتي على التلة.. وقفت في التراس والشمس بتشرق، ونسيم الصبح بيخبط في وشي. مسكت السلسلة الفضة بتاعة أمي اللي كانت في العلبة الخشب، ولفتها حوالين إيدي، وقلت بكل فخر
حقك رجع يا أمي… والبيت اللي أردتِ إنه يحميني، بقى هو السند اللي كسرت بيه عين كل واحد فكر يظلمني.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *