لبس العيد حكايات اماني سيد ج 2
دخلت أوضتي وبصيت لعيالي، لقيت كلامي مع عبده مش كفاية.. الكسرة اللي في عيونهم لسه موجودة، وحقهم لسه مجاش. بصيت لهدومهم القديمة، وافتكرت حرقة قلبي ليلة امبارح لما سلفتي لمت الهدوم ونزلت تجري بيها.
“لا.. لحد هنا وخلاص، الحق مبيجيش بالبُكا، الحق عايز عين قوية.”
قولت الكلمتين دول لنفسي، وقمت وقفت ونفضت عبايتي. عيالي باصين لي باستغرب، قولت لهم: “خمس دقائق وراجعة لكم يا حبايب قلبي.”
نزلت السلم بخطوات تهز الأرض، مكنش في قلبي ذرّة خوف، القهرة لما بتبكّي بتموّت الخوف في قلب الأم. وصلت باب شقة أم يوسف، وخبطت خبطات ورا بعضها وقوية.
فتحت لي الباب وهي لسه حاطة الألف جنيه في جيب جلابيتها، وأول ما شافتني، ملامحها اتغيرت وقالت ببرود وملاوعة: “خير يا أم مالك؟ في حاجة؟ عبده جرى له حاجة فوق؟”
زقيت الباب براحة ودخلت وقفت في الصالة، وقولت لها وعيني في عينها: “عبده فوق في شقته يا أم يوسف.. أنا نازلة آخد هدوم عيالي اللي إنتي شَبطتي فيهم ليلة امبارح وخدتيهم غصب.”
أم يوسف لوت بوزها، وصوتها علي فجأة ولمت عليها الشقة: “هدوم إيه يا حبيبتي اللي جاية تاخديها؟ إنتي بتتبلي عليا في يوم العيد؟ الهدوم دي عبده اللي جابها لولاد أخوه اليتامى، وإنتي جاية تقري عليهم وتستكتري اللقمة واللبسة في بق عيال مالهومش أب؟”
قربت منها خطوة، وبقيت أكلمها بثبات خلى الضحكة تختفي من على وشها: “متدخليش اليتم في النص عشان تداري بيه طمعك! اليتامى دول عيال أخو جوزي وعلى راسي، وأبوهم الله يرحمه كان غالي عندنا كلنا.. بس عبده نزل وجاب لعيالك ونقى معاكي أحسن لبس قبل ما يفتكر عيالي بشراب! اللي خديتيه امبارح ده كان لبس عيالي أنا.. منقياه بتعب وشقايا ولفيت عليه المحلات، وجوزي لفهولك في كيس عشان يداري كسفته قدامك!”
أم يوسف بدأت تزعق وتتمسكن: “جرى إيه يا ولية إنتي؟ جاية تخربي عليا فرحة العيد؟ وتتخانقي مع سِلفِتك وعايزة تقطعي رزق عيالي من عمهم؟”
رديت عليها بصوت حاد ومسموع سمع العمارة كلها: “أنا لحد امبارح مامنعتش عبده يديكي ويدي عيالك، ومفتحتش بوقي وهو بيديكي ألف جنيه عيدية قدام عيالي اللي مأخدوش منه جنيه واحد! لكن لحد فرحة عيالي وكسرتهم.. لأ يا أم يوسف! اللبس اللي فوق ده يخص ضنايا، وإنتي عندك لبس عيالك الجديد اللي عبده شاري هولهم من قبلها.. الهدوم دي تطلع دلوقتي بالذوق، بدل ما أقسم بالله ألم عليكي بيت العيلة كله وأعرفهم مين فينا اللي طماع وبياكل حق عيال التاني وهو عايش!”
أم يوسف اتجمدت في مكانها لما لقتني مش خايفة ولا همنع الفضيحة، وبصت لي بغل وهي مش قادرة ترد، ولما لقتني مصممة ومش هتحرك من غير الهدوم…
خافت من الفضيحة ليلة العيد قدام الجيران وبيت العيلة. لوت بوزها ودخلت الأوضة رزع، وطلعت وهي شايلة كيس الهدوم ورامته في إيدي بغل وقالت: “خدي يا أم مالك الهدوم اللي هتموتي عليها، شحتة هي؟ بكره عمهم يجيب لهم أحسن منها.. كتكم القرف في عيشتكم!”
أخدت الكيس منها بكل برود ورفعت راسي وقولت لها: “أهو ده حق عيالي ورجع لهم.. وبكره نشوف مين اللي هيضحك في الآخر.”
لفيت ضهري وطلعت السلم وأنا قلبي بيرقص من الفرحة إني قدرت أرجع فرحة عيالي. دخلت شقتي، وأول ما مالك وأخته شافوا كيس الهدوم، عيونهم لمعت وجريوا عليا وهم مش مصدقين: “ماما! جبتي الهدوم؟” قولت لهم بابتسامة: “جبتها يا حبايب قلب أمكم، يلا قيسوا وبسطوا.”
ما كملتش الكلمة، ولقيت باب الشقة اترزع بكل قوة ودخلت منه أم يوسف وهي بتعيط وتصوت بتمثيل مكشوف، ووراها عبده اللي نزل من شقتنا لما ملقانيش.
أم يوسف أول ما دخلت، رمت نفسها على الكنبة وفضلت تلطم وتصوت وتشتكي لعبده: “شفت يا عبده؟ شفت مراتك عملت فيا إيه يوم العيد؟ نزلت لي شقتي وتبلت عليا وهزأتني قدام عيالي اليتامى! وقالت لي إنك مبتفهمش وإنك بتاخد شقاها وتديه لعيال بره! وقعدت تدعي عليا وتقول يا رب أشوف عيالك متبهدلين.. يرضيك يا عبده يتقال عليا كده في بيتك؟ يرضيك يتامى أخوك يتكسروا يوم العيد ومراتك تاخد من إيدهم الهدوم اللي إنت شاريها ليهم؟”
عبده وعيونه بتطق شرار، ووشه احمر من كتر الغضب والكلام سَخّنه وعَمى عينه. بص لي بنظرة مرعبة، وقرب مني وهو بيزعق بكل صوته وهز الشقة:
“بقى تعملي كل ده من ورايا يا أم مالك؟! تنزلي لحد شقة أخويا الله يرحمه وتكسري بخاطر مراته وعياله وتاخدي الهدوم غصب؟ إنتي إيه معندكيش أصل ولا دين؟ أنا هعرفك إزاي تتخطي كلامي وتنزلي تتبلي على أم يوسف!”
أم يوسف قاعدة على الكنبة بتبص لي من تحت الحجاب بابتسامة خبث وشماتة، ومستنية عبده يمد إيده عليا أو يطردني.. لكن أنا وقفت ثابتة ومتهزتش…
أول ما عبده قرب مني وهو رافع صباعه وبيزعق، وحسيت بنظرات الشماتة طالعة من عين أم يوسف، البركان اللي جوايا طلع كله. صوته اللي كان بيهز الشقة مَهزّش فيا شعرة واحدة، بالعكس، خطيت خطوة لِقدام وبقيت أنا اللي في وشه، وصرخت فيه بصوت قوي وحاد خرّس زعيقه في ثانية:
“الزم حدودك يا عبده! واقسم بالله لو فكرت تعلي صوتك أكتر من كده ولا تمد إيدك، لأكون لامة العمارة والجيران كلهم هنا في الصالة، وأدخلهم شقتي وأحكيلهم على كل كبيرة وصغيرة! ونشوف بقى الناس هتقول عليك إيه!”
عبده اتصدم ووقف مكان خطوته، وبصلي بذهول وهو مش ملاحق على نفسي، كملت وأنا بشاور على أم يوسف اللي قاعدة على الكنبة:
“نازل تسخن في الراجل وتعيطي وتعملي لِمّة؟ جاية تشتكي له وتقولي له كَسرت عيالي اليتامى؟ عيالك اللي أبو مالك لسه عاطيهم ألف جنيه في إيدهم، وشاري لهم أحسن لبس براندات من قبل العيد! جاية تعملي تمثيلية عشان تاخدي لبس عيالي وتكسري فرحتهم؟”
لفيت وشي لعبده وقولتله بعين قوية ومليانة اتهام:
“وإنت يا أبو مالك.. يا عم السند! يا اللي جاي تِعوج رقبتك عليا وتزعق في بيتك! خلينا نلم الناس ونحكيلهم ونشوف بقى إنت بتعمل كل ده ليه؟ عشان ولاد أخوك فعلاً لله وللوطن، ولا عشان المنظرة الكدابة؟ ولا عشان حاجة تانية وإحنا مش داريين؟ عشان يتقال عبده الراجل السند اللي مفيش منه اتنين، وتتمنظر بألوفاتك ولبس عيالك على قفا بيتك وعيالك اللي من لحمك ودمك؟”
أم يوسف وشها جاب ألوان، وقامت وقفت بسرعة وهي بتقول بلجلجة وخوف من الفضيحة: “حاجة تانية إيه يا أم مالك؟ إنتي هتبوظي ذمتنا وتتبلي علينا ليلة العيد؟”
“أنا متبلتش على حد!” صرخت فيها وأنا بفتح باب الشقة على آخره وبشاور لها بره. “اللبس ده بتاع عيالي ورجع، وعيديتهم هتاخدوها تالت ومتلت من عبده بس بره شقتي! إنتي تلمي نفسك وتنزلي على شقتك فوراً، وباب الشقة ده لو اتخبط تاني بقلة أدب ولا بتمثيل، أنا هعرف أتصرف مع الصغير والكبير في بيت العيلة ده!”
أم يوسف بصت لعبده مستنية ياخد لها حقها، بس عبده كان واقف زي الصنم، وشه أسود من كتر الكسفة والخوف من إنها فعلاً تلم الجيران وتفضح منظره اللي بيحاول يبنيه قدام الناس. لقت مفيش فايدة، خَدت ديلها في سنانها وجريت على السلم وهي بتبرطم، ورزعت باب شقتها تحت.
بعد ما الباب اتقفل في وش أم يوسف، الصالة هديت تماماً، ومبقاش مسموع فيها غير صوت نَفَس عبده العالي وهو بيحاول يستوعب اللي حصل. ملامح الغضب والشرار اللي كانت في عينه اختفت، وحل مكانها الخوف من الفضيحة وهزّة صورته قدام الناس.
مشيت ورايا خطوتين لغاية باب الأوضة، وحاول يغير نبرة صوته ونادى عليا بصوت هادي ومكسور شوية:
“جرى إيه يا أم مالك؟ اهدي بس واستعيذي بالله من الشيطان.. إحنا في أيام عيد، ومينفعش الكلام اللي قولتيه ده، أنا جوزك وأبو عيالك، ومكنتش أقصد أكسر خاطرهم، كل الحكاية إني كنت فاكرك مدبرة وهتستحملي معايا ثواب اليتامى.”
لفيت له براحة، وبصيت له بنظرة باردة خلت الكلام يقف في زوره. قفلت باب أوضة العيال ورايا عشان ميسرعوش الكلام، ووقفت ساندة ضهري عليه، وربعت إيدي وقولتله بنبرة حاسمة ومفيش فيها تراجع:
ثواب اليتامى خلاص خلصنا منه وعرفنا أوله من آخره يا عبده.. من هنا ورايح، الكلام معايا هيكون بشروط، وعلى الله.. على الله تتخطاها أو تنسى شرط منها!”
بلع ريقه وبصلي بقلق وقال: “شروط إيه يا بنت الناس؟ إحنا هنقعد لبعض على الواحدة؟”
“آه هنقعد.. ولأخر العمر كمان لو عايز البيت ده يفضل مفتوح!” قربت منه وقولتله وأ
نا بعدّ على صوابعي:
“الشرط الأول:
