ابني تعب بقلم زهرة الربيع
ابني تعب جدا وروحت اوديه المستشفى ..صادفتني ست عرافه من بتوع الودع وحطت في ايدي ورقه ..واللي مكتوب فيها صدمني صدمة عمري !!!!!!
كنت حاطط ابني يونس، اللي لسه مكملش سنة على رجلي ونفسه الصغير كان بيعمل شبورة على قزاز الاتوبيس . الواد كان سخن طول الليل وحرارته مش عاوزه تنزل، وأنا منمتش دقيقة وصاحي عيني حمرا، كل اللي في دماغي إني ألحق أوصل بيه لدكتور في مستشفى أبو الريش.
من ساعة ما مراتي فاتن توفت وهي بتولده، وأنا شايل الحمل لوحدي.. مفيش غيري أنا وهو في الدنيا. بقالي سنة بحالها بتعلم إزاي أكون الأب والأم في نفس الوقت؛ أيام بحس إني بطل وماشي صح، وأيام تانية بحس إني تايه ومش عارف أعمل إيه. والصبح ده بالذات، كان من أصعب الأيام عليا.
فرمل الأتوبيس النقل العام بصوت عالي ووقف، وكنت عمال أعافر عشان أطلع بيونس من الباب وسط الزحمه.
في المحطة اللي بعدها، طلعت ست كبيرة في السن. كانت لابسه جلاليب ملونة فوق بعضها، وفي إيديها غوايش وغوايش عمالة تشخلل وتعمل صوت من قبل حتى ما تتكلم.. شكلها كده يديك على طول إيحاء ببتوع الودع وقراية الكف اللي بنشوفهم في الموالد. وقفت جنب السواق وفضلت تفتش في شنطة جلد قديمة ومقطوعة، وفجأة حركتها تباطأت، والكسوف ظهر على وشها.
قالت بصوت
واطي ومحرج معيش باقي الأجرة يا اسطي، ناقصين اتنين جنيه.
السواق مبصش لها حتى بتقدير، وقال بنبرة ناشفة إحنا مش جمعية خيرية يا خالة! اللي معهوش ميركبش، اتفضلي انزلي.
ركاب كتير دوروا وشهم الناحية التانية، والباقي عملوا نفسهم مش سامعين. الست فضلت واقفة مكانها ميتة من الكسوف. من غير ما أفكر كتير، مديت إيدي في جيبي وطلعت الفلوس حسابها عندي يا اسطي، خليهم عليك.
السواق خطف الفلوس، والست لفت وشها ليا.. عيونها الكحيلة والواسعة ثبتت في عيوني للحظة، وكان في نظرتها نظرة قوية وغريبة تخوف وتطمن في نفس الوقت.
همستلي كتر خيرك يا بني، ربنا يجبر بخاطرك.
وبعدها مشيت ببطء وقعدت في الكراسي اللي ورا.
قلت لنفسي خلاص، الحكاية خلصت على كده، مجرد جدعنة مصريين وموقف وعدى.
بعد كام محطة، وصلنا عند العيادة. وأنا بنزل براحة عشان يونس ميتفزعش، حسيت بإيد بتلمس كتفي براحة. لفيت لقيتها هي.. الست بتاعة الأتوبيس. قبل ما أنطق بنص كلمة، لقتها بتطبق ورقة صغيرة في إيدي وتقفل عليها صوابعي.
قالتلي بصوت دافي وواطي هتحتاج دي يا بني.. السر في الكنبة.
وفي ثانية، نزلت من باب الأتوبيس واختفت وسط زحمة الشارع وودك الكشري والمحلات.
وقفت متنح مكاني وبصيت في السراب هحتاج دي؟ وسر إيه وكنبة إيه؟!
الموضوع كان غريب ويوجع البطن، بس حشرت الورقة في جيبي من غير اهتمام ودخلت المستشفى.
جوا العيادة، يونس نام أخيراً على كتفي وأنا مستني دورنا . الاستراحة كانت هادية ومفيش فيها غير صوت كحة خفيفة من دور برد عند حد، وصوت تلفزيون شغال بعيد في السقف.
في اللحظة دي افتكرت الورقة. طلعتها من جيبي بدافع الفضول وأنا متوقع ألاقي كلام فارغ.. دجل، قراية بخت، أو حتى طالبة مساعدة مالية.
لكن اللي شفته خلاني أتجمد.. الورقة كان مكتوب فيها جملة واحدة بس بخط مائل ومتلخبط.
أول ما قريت الجملة، حسيت دم جسمي كله هرب، إيديا بدأت تترعش، وبطني وجعتني من الصدمة. ومن غير ما أحس، صرخت وسط هدوء العيادة والناس كلها بصتلي !!!!!!
زهرة_الربيع
صرختي كانت أعلى من أي حاجة المفروض تتقال في مكان زي ده.
الناس في الاستراحة كلها لفّت ناحيتي.
ممرضة قامت بسرعة فيه إيه؟ الطفل تعبان؟
يونس أكتر من غير ما أرد، ويدي بتترعش وأنا ماسك الورقة قدام عيني.
الجملة اللي مكتوبة كانت قصيرة بس كانت كفاية تهد جبل
ابنك مش مريض هو بيتسحب من النوم لحد مكان تاني كل ما يغفل.
وقتها حسيت إن رجلي مش شايلاني.
سندت على الكرسي وأنا ببص حواليّ كأني بدور على حد يفسر الكلام ده.
الممرضة قالت بقلق حضرتك كويس؟
هزيت راسي بسرعة أنا أنا مش فاهم حاجة.
لكن الحقيقة؟ أنا فهمت وفهمت زيادة عن اللزوم.
بصيت على يونس.
كان نايم فعلاً بس ملامحه مش ملامح نوم عادي.
كان بيتهز كل شوية كأنه بيحلم حلم تقيل.
وفجأة الشاش اللي في إيده اتحرك لوحده.
مش من الهوا.
كان كأن في حاجة بتشدّه من جوه.
قفزت من مكاني لا لا لا!
الممرضة قربت تمسكه اهدى يا فندم!
لكن قبل ما تمد إيدها
يونس فتح عينه فجأة.
عين واحدة بس.
وبصّلي مباشرة وقال بصوت مش صوت طفل
متسيبنيش لوحدي هناك تاني.
سكت كل اللي في الاستراحة.
التلفزيون اللي كان شغال قطع صوت فجأة.
حتى النفس بقى تقيل.
حضنت يونس بسرعة وخرجت أجري ناحية دكتور الأطفال من غير ما استنى الدور.
ابني فيه حاجة مش طبيعية في حاجة بتحصل له وهو نايم!
الدكتور بصلي باستغراب حرارته عالية ودي أعراض دور برد شديد
لكن قبل ما يكمل جملته
يونس بدأ يعيط بصوت عالي جدًا.
وبين العياط قال نفس الجملة تاني
هو رجع اللي بياخدني كل ما أنام.
الدكتور سكت.
الاستغراب اتحول لقلق حقيقي.
قال بسرعة للممرضة حضري أوضة كشف فورًا.
دخلنا أوضة الكشف.
وهو بيكشف عليه، لاحظ حاجة غريبة.
سألني هو عنده حد في البيت بيحط له منوم؟
قلت بسرعة لا طبعًا!
سكت ثواني وبعدين قال جملة خلت قلبي يقف
ابنك مش عنده سخونية بس ده عنده فقدان فترات وعي أثناء النوم.
وفجأة جهاز قياس النبض بدأ يطلع صوت غير منتظم.
بيب
لمحة نيوز
بيب بيب
وبعدين توقف لحظة.
وبعدين رجع تاني.
الدكتور بصلي وقال بهدوء مش مطمئن
فيه حاجة غريبة بتحصل كأنه بيصحى في مكان تاني وبيرجع تاني لجسمه.
في اللحظة دي
الورقة وقعت مني على الأرض من غير ما ألمسها.
وانفتحت لوحدها.
وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بالذات.
والجملة التانية ظهرت تحت اللي أنا قريته
ولو وصل المستشفى هيبدأ يسأل عنه هنا كمان.
رفعت عيني ببطء شديد.
ولقيت الدكتور واقف
وبيبص على باب الأوضة.
مش عليا.
ولا على يونس.
كان بيبص على حاجة ورا الباب.
وقال بصوت منخفض جدًا
هو مين اللي دخل معاكم؟بعد الصوت اللي اختفى في السقف، كل حاجة في المستشفى رجعت هدوء غريب هدوء مش طبيعي، كأن المكان نفسه بينكر اللي حصل.
الدكتور وقف قدامي وقال بسرعة
مش وقت تفسير امشي فورًا وخد ابنك على عناية أطفال في مستشفى أكبر.
الممرضة فتحت الباب وفضلت تبص ورايا بخوف واضح.
مشيت وأنا شايل يونس، لكن قلبي مش مطمئن لحظة واحدة.
كل خطوة كنت حاسس إن في حاجة ماشية معايا مش شايفاها، بس حاسس بيها.
لحد ما خرجت من باب المستشفى.
الهواء برا كان مختلف.
بس يونس كان ساكت بشكل يخوف أكتر من أي عياط.
بصيت له كان نايم.
ولا كأنه مر بأي حاجة.
لكن إيدي اللي شايله كانت حاسة بحاجة غريبة خفة مش طبيعية.
ركبت أول تاكسي قابلني.
مستشفى أبو الريش بسرعة!
السواق بصلي في المراية وقال ربنا يشفيه يا أستاذ.
سكت.
وأنا بصيت على يونس في حضني.
وفجأة
حركة خفيفة جدًا من تحت جلده عند رقبته.
زي حاجة بتتحرك ببطء.
جسمي اتجمد.
مديت إيدي ببطء ناحية رقبته
لكن قبل ما ألمسها
يونس فتح عينه فجأة.
وبصلي.
بس المرة دي مكنش فيه أي كلام.
كان بيبص كأنه مستني إشارة.
وفجأة همس
هو بيركب معانا.
لفيت بسرعة أبص ورا في العربية.
مفيش حد.
لكن مراية السواق
كانت بتظهر ظل مش واضح قاعد في الكنبة اللي ورا.
مش شكل إنسان كامل.
بس كيان صغير جدًا ساكت.
السواق قال فجأة وهو بيهدي السرعة
فيه حاجة ورايا ولا إيه؟ أنا شايف ضل مش مريحني.
صرخت كمّل سواقة!
لكن العربية بدأت تهدى لوحدها.
الموتور صوته قل فجأة.
والنور في الشارع بدأ يضعف حوالينا كأن الطريق بيطفي.
يونس ابتسم تاني.
وقال بهدوء
أخيرًا قربنا.
وفي اللحظة دي
إيد صغيرة جدًا ظهرت على كتف السواق من الخلف.
السواق صرخ ولف بسرعة لكن فقد السيطرة على العربية.
العربية انحرفت بقوة
وصوت فرامل عالي جدًا شق الشارع.
كل حاجة اتقلبت في ثانية.
آخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تضلم
كانت همسة جنب ودني
دلوقتي هو مش لوحده في اللحظة دي، الهواء في أوضة الكشف اتغير.
مش مجرد توتر لا، كان إحساس كأن المكان نفسه اتقفل.
بصّيت ناحية الباب بسرعة.
مفيش حد.
الممر فاضي.
لكن الدكتور كان لسه باصص لنفس النقطة، كأنه شايف حاجة أنا مش شايفها.
فيه حد واقف هناك قالها بصوت واطي.
الممرضة ارتجفت مفيش حد يا دكتور!
يونس بدأ يهدأ فجأة بشكل غريب.
البكاء وقف مرة واحدة.
كأنه سمع حاجة هو بس اللي سامعها.
وفجأة بص ناحية الشباك.
وبصوت هادي جدًا قال
هو جه هنا كمان.
وقتها حسيت بإيدي بتبرد.
الدكتور قرب خطوة من الشباك وبص برا.
وبعدين رجع بسرعة وقال
اقفلوا الشباك فورًا.
الممرضة قفلت بسرعة.
لكن قبل ما يتقفل بالكامل حاجة عدّت من الفتحة الصغيرة.
مش واضحة.
زي ظل صغير جدًا بيتحرك بسرعة غير طبيعية.
وقفت مكاني وأنا حاسس إن قلبي بيخبط في وداني.
الدكتور قال بحدة اخرجوا من الأوضة دي فورًا وخدوا الطفل على العناية!
لكن وأنا بشيل يونس
سمعته بيهمس تاني.
بس المرة دي مش لي.
كان بيبص ناحية السقف ويقول
مش هينفع تمشوا هو كده كده دخل معاكم.
وفجأة
نور الأوضة قطع بالكامل.
سواد كامل.
صوت الأجهزة بدأ يختفي واحد ورا التاني.
بيب بيب وبعدين صمت.
وفي الضلمة دي
حسّيت بحاجة خفيفة جدًا بتلمس كتفي.
مش إيد.
ولا نفس.
كان إحساس كأن حاجة بتعدّي من خلالي.
الدكتور صرخ شغّلوا النور بسرعة!
لكن قبل ما حد يتحرك
يونس صرخ صرخة واحدة قوية جدًا.
وبعدين سكت.
لما النور رجع
الدكتور كان واقف في مكانه متجمد.
الممرضة بتبص حواليها بصدمة.
أما أنا
فكنت شايل يونس، بس مش هو نفس الطفل.
كان ساكت.
هادئ جدًا.
بشكل مرعب.
فتح عينه وبصلي وقال بهدوء
أنا مش هتعب تاني.
سكت لحظة
وبعدين ابتسم ابتسامة مش شبهه خالص.
وقال
لأنه خلاص لقى باب تاني.
في اللحظة دي الدكتور رجع خطوة لورا وقال بصوت مخنوق
أنت لازم تمشي من هنا فورًا ابنك مش مريض ابنك فيه حاجة اتعلّقت بيه ومش عايزة تسيبه.
مسكت يونس بقوة.
لكن وهو في حضني
حسّيت لأول مرة إنه أخف.
أخف بكتير من الطبيعي.
وكأنه مش كامل.
وقبل ما أخرج من الأوضة
الورقة اللي في إيدي وقعت تاني.
والمرة دي مكتوب فيها سطر جديد ماكنش موجود قبل كده
لما يفوق في المكان الصح مش هيبقى هو اللي رجع.
بصيت ورايا بسرعة.
لكن مفيش حد.
ولا ظل.
ولا أي حاجة.
بس كان في صوت خافت جدًا جاي من السقف
صوت طفل صغير بيضحك.
مش يونس.
ضحك غريب بيبعد كل ثانية أكتر.
وكأن حاجة أخدت طريقها بالفعل
ومش ناوية ترجع تاني فجأة سكون تام.
مش صوت فرامل مش صريخ ولا حتى دقات قلبي.
كأن الزمن نفسه وقف لحظة.
فتحت عيني ببطء.
لقيت نفسي بره العربية.
مرمي على الرصيف.
والعربية واقفة قدامي بشكل سليم كأن مفيش حادث حصل من الأساس.
اتلفت بسرعة.
السواق مش موجود.
يونس
مش في حضني.
اتجمدت مكاني.
يونس؟!
ناديت بصوت عالي.
مفيش رد.
جريت ناحية العربية.
الأبواب مقفولة.
بس من جوه
كان في ضوء خافت جدًا.
زي لمبة أوضة مستشفى.
وقبل ما أحاول أفتح الباب
سمعت صوت طفل من جوه العربية.
مش يونس.
صوت تاني أعمق شوية وبارد.
إنت متأخر.
رجعت خطوة لورا.
قلبي بيخبط بجنون.
وبعدين فجأة
باب العربية الخلفي اتفتح لوحده.
وبداخله كان يونس قاعد بهدوء.
لكن مش لوحده.
جنبُه كان في فراغ مش جسم واضح، بس شكل ظل قاعد جنبه كأنه بيحضنه.
يونس بصلي وقال
هو اختارني خلاص.
صرخت تعالى يا يونس!
لكن هو هز راسه
ببطء
مش هينفع أنا كنت تعبان من زمان، وهو بس خلاني أرتاح.
الظل اللي جنبه بدأ يتحرك ناحية الباب.
وقتها حسيت إن في حاجة بتشدني من صدري كأنها عايزة تدخل جوايا أنا كمان.
رجعت لورا وأنا بتعثر.
وفجأة صوت ست العرافة اللي قابلتها في الأتوبيس رجع في دماغي زي صدى بعيد
هتحتاج الورقة دي لأن في حاجة دايمًا بتدور على باب جديد.
مديت إيدي بسرعة في جيبي.
لقيت الورقة لسه موجودة.
لكن المرة دي
مكان الجملة كان فاضي.
وفي لحظة
الحروف بدأت تظهر لوحدها قدامي
لو عايز ابنك يرجع اقفل الباب اللي اتفتح الأول.
بصيت ناحية العربية تاني.
لقيت يونس واقف على الأرض دلوقتي.
بصلي للمرة الأخيرة.
وقال بصوت صغير جدًا
اختار بسرعة قبل ما الباب يقفل عليّا أنا وأنت.
وفي نفس اللحظة
لقيت ورايا على الرصيف حاجة مرسومة.
دائرة سودا شبه باب صغير في الأرض.
وكانت بتتحرك ببطء.
وكأنها بتتنفس.
والظل بدأ يطلع من العربية
ويتجه ناحيتي أنا وقفت مكاني، مش قادر أتحرك.
الدائرة اللي على الأرض كانت بتتسع ببطء زي عين بتفتح نفسها على الآخر.
والظل اللي خرج من العربية كان بيقرب مني، مش ماشي كأنه بينزلق في الهواء.
يونس واقف بعيد شوية، عينه عليا، وصوته هادي بشكل مخيف
باب واحد بس يا بابا يا أنا يا هو.
الكلمة خبطت في صدري كأنها حكم نهائي.
بصيت حواليا بسرعة مفيش حد.
الشارع فاضي بشكل غير طبيعي.
حتى صوت العربيات اختفى.
بس في حاجة واحدة كانت بتزيد
صوت نفس خفيف جاي من جوه الدائرة.
زي طفل بيتنفس وهو نايم.
الظل وقف قدامي.
ومد حاجة شبه إيد بس مش كاملة.
وفي اللحظة دي الورقة اللي في إيدي سخنت فجأة.
وبقت مكتوب فيها سطر جديد
لو اخترت الغلط مش هتخسر واحد.
رفعت عيني بسرعة.
يونس كان بيهز راسه
ماتسمعش ده بيكدب.
لكن الظل قال بصوت مش صوت بشري
أنا مكدبتش مرة واحدة.
الدائرة بدأت تفتح أكتر.
ومن جوه ظهر شكل صغير جدًا كأنه نسخة مشوهة من يونس.
بس مبتسم ابتسامة واسعة زيادة عن الطبيعي.
وقتها فهمت.
دي مش مجرد حاجة خطفت ابني
دي حاجة بتصنع بديل.
بتاخد مكانه لو اتساب الباب مفتوح.
يونس صرخ فجأة
بابا!!! بسرعة!!!
مديت إيدي ناحية الدائرة غريزيًا.
وفي نفس اللحظة
الظل مسك دراعي.
وبرودة سرت في جسمي كله كأن الدم وقف.
لكن الغريب
إن الألم كان بيخليني أشوف بوضوح أكتر.
شوفت لحظة مرعبة
لو سبت يونس النسخة اللي جوه الدائرة هتطلع وتاخد مكانه.
ولو دخلت أنا هبقى أنا الباب.
والاتنين هيكملوا عادي.
بس أنا هختفي.
سكت ثانية.
الدنيا كلها كانت واقفة على اختيار واحد.
بصيت ليونس.
كان بيعيط للمرة الأولى بصوت طفل عادي، مش الصوت الغريب اللي قبل كده.
وقتها فهمت.
أيًا كان اللي بيحصل هو ابني الحقيقي.
مش النسخة.
شدّيت إيدي بكل قوتي من الظل.
وبصوت مبحوح قلت
اقفلوا الباب.
وفي اللحظة دي
مديت إيدي جوه الدائرة.
الظل صرخ.
صوت مش طبيعي كأنه ألف صوت في نفس اللحظة.
الدائرة انفجرت نور أسود قوي عمّى عيني.
سمعت صوت يونس بيصرخ
بابااااا!!!
وبعدين
سكون.
لما فتحت عيني
كنت نايم على الرصيف.
لوحدي.
مفيش عربية.
مفيش دائرة.
مفيش ظل.
قمت بسرعة أدوّر.
يونس؟!
صوت ضعيف جاوبني من ورايا.
التفت.
لقيته واقف.
بس عينه طبيعية.
بيرتعش.
وبصلي وقال
أنا كنت نايم بس في المستشفى صح؟
وقتها حضنته بسرعة، وأنا مش فاهم أي حاجة حصلت.
ولا عارف هل ده كان حلم
ولا أنا فعلاً قفلت الباب.
بس وأنا شايله
لمحت حاجة صغيرة جدًا على رقبته.
نقطة صفراء.
وبتتحرك ببطء وقفت مكاني لحظة، وأنا ببص للنقطة الصفراء على رقبة يونس.
مش زي الأول دي كانت أهدى، أصغر، وكأنها نفس الحاجة القديمة لكنها بتتنكر.
مديت إيدي ببطء ناحية رقبته
لكن قبل ما ألمسها، يونس مسك إيدي وقال بصوت طفل طبيعي
متخافش يا بابا أنا هنا.
حضنته بسرعة، وقررت ما أفتحش الباب تاني للأسئلة.
مشيته على أقرب مستشفى، وعملنا فحوصات كاملة.
الدكاترة قالوا
مفيش أي حاجة خطيرة مجرد أثر بسيط لالتهاب جلدي خفيف.
كلام عادي.
مطمّن.
بس أنا كنت عارف إن الموضوع مش عادي.
رجعت البيت.
في الليل، حطيته ينام لأول مرة من غير ما أراقب أنفاسه كل دقيقة.
وقعدت في الصالة لوحدي.
الهدوء كان تقيل.
لحد ما سمعت همس خفيف جدًا جاي من أوضة يونس.
قمت بسرعة.
دخلت.
كان نايم.
بس على الحيطة جنب السرير
كان في ظل صغير جدًا.
مش واضح.
بس شبه طفل قاعد وبيتنفس بهدوء.
اتجمدت مكاني.
الظل لفّ ببطء ناحيتي.
ومش صوت طفل ولا صوت بشر.
كان نفس الصوت اللي سمعته قبل كده
أنا مش بأخد أنا بس باختار اللي يرتاح.
قربت من السرير وأنا مرعوب.
لكن يونس فتح عينه فجأة، وقال بهدوء
سيبه هو بيساعدني أنام.
وفي اللحظة دي
الظل اختفى.
من غير صوت.
من غير أثر.
الصبح جه.
واليونس صحي طبيعي جدًا.
بياكل، بيضحك، بيركض في البيت كأن مفيش أي حاجة حصلت.
النقطة الصفراء اختفت.
ولا كأنها كانت موجودة.
مرت أيام.
وبقت حياتنا شبه طبيعية.
لكن كل ليلة
قبل ما ينام، كان يونس بيبص ناحية زاوية معينة في أوضته، ويبتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
كأنه بيشوف حد أنا مش شايفه.
وفي مرة، سألته
بتبص لمين؟
رد بهدوء
صاحبي.
اسمه إيه؟
سكت شوية
وبعدين قال
مش له اسم هو بس بييجي لما أنا أتعب.
وقتها فهمت الحقيقة الأخيرة.
مش كل اللي اختفى بيروح.
في حاجات بتختار تفضل قريبة.
مش عشان تأذي
لكن عشان تراقب.
وتنتظر.
وأنا
مش عارف إذا كنت أنقذت ابني فعلًا
ولا بس اتفقت مع حاجة ماينفعش تتفهم في الليلة اللي بعدها، قررت أغير كل حاجة.
فتحت كل الشبابيك، نورت البيت كله، وفضلت صاحي جنب يونس لحد ما نام.
مفيش ظلال. مفيش همس. مفيش أي حاجة غريبة.
هدوء كامل.
لأول مرة من فترة، حسّيت إني تنفست بعمق من غير خوف.
لكن في نص الليل
سمعت خبط خفيف جدًا على باب الشقة.
خبط واحد.
وبعده صمت.
قمت بحذر.
مشيت ناحية الباب.
سألت مين؟
مفيش رد.
بس من تحت الباب
اتزقّت ورقة صغيرة.
نفس الورق القديم.
اللي كان مع الست العرافة.
قلبي وقع في رجلي.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها سطر واحد فقط
إنت قفلت الباب بس مفتحتش اللي
وراه.
رفعت عيني بسرعة.
اتلفت حواليّا.
البيت كان طبيعي.
لكن
من أوضة يونس، كان في نور خافت جدًا مش من لمبة.
نور بيفتح ببطء كأنه باب تاني بيتفتح من جوه.
جريت عليه بسرعة.
فتح الباب
ولقيته نايم.
بس في إيده حاجة صغيرة جدًا ورقة نفس شكل الورقة القديمة.
مكتوب فيها بخط طفولي
أنا لسه هنا يا بابا بس المرة دي مش لوحدي.
في اللحظة دي
فهمت إن القصة مش انتهت.
هي بس غيرت مكانها.
وبدأت من جديد جوه البيت اللي كنت فاكر إني قفلته للأبد.