تورتة الزفاف

بينما كنت أرفع السکين لأقطع قالب الزفاف، احتضنتني أختي بقوة وهمست في أذني
اقلبيه الآن فورًا.
نظرتُ إليها، ثم إلى عريسي المبتسم.
وبلا أي تفكير، دفعت عربة الكعكة دفعة واحدة، فتهاوى قالب الزفاف المكوّن من ثلاث طبقات على الأرض، وسط صرخات الضيوف.
وفي خضم الفوضى، قبضت أختي على معصمي وسحبتني نحو المخرج الجانبي.
اركضي، همست وهي ترتجف. أنتِ لا تعلمين ما الذي كان يخطّط له بكِ الليلة.
كان الكونسرفاتوري الكبير عبارة عن قصر زجاجي تملؤه آلاف زهور الأوركيد البيضاء.
وقفتُ أنا مايا في قلب هذا المشهد الحالم، داخل فستان حريري مُفصّل خصيصًا لي.
وبجانبي، كان ديفيد العريس المثالي، رجل أعمال لامع، صاحب عينين زرقاوين وابتسامة تخدع الجميع.
كل شيء كان يبدو كاملًا
إلا شيئًا واحدًا
أختي سارة، وصيفة الشرف، اختفت فور انتهاء المراسم.
كانت سارة دائمًا تشكّ في ديفيد، وتقول إنه مُتقَن أكثر مما ينبغي.
اعتقدتُ أنها تبالغ أو تغار.
لكن الآن، وأنا أقف أمام قالب الزفاف الضخم المكوّن من سبع طبقات والمُرصّع بورق الذهب، أحسستُ بقشعريرة تسري في عمودي الفقري.
هل أنتِ مستعدة، حبيبتي؟ همس ديفيد وهو يضع يده فوق يدي على مقبض السکين الفضّي.
كانت راحته دافئة، لكن قبضته كانت محكمة بل مؤلمة.
رفعتُ رأسي أنظر إليه لم يكن ينظر إلي.
كان يحدّق في ساعته، فكاه مشدود، وعيناه متوترتان.
لم تكن نظرة عريس سعيد بل نظرة صيّاد ينتظر انغلاق الفخّ.
وفجأة، عندما لامست السکين طبقة الكريمة شعرت بيد تمسك كاحلي.
شهقت والتفتّ للأسفل.
كانت سارة.
كانت راكعة عند قدمي، تتظاهر بضبط ذيل الفستان.
لكن ثوبها كان ممزقًا، وشعرها مبعثرًا، ووجهها مغطّى بړعب لم أر مثله في حياتي.
اقتربت من أذني وهمست بصوت مرتجف، يكاد يقطع النفس
لا تقطعي الكعكة اقلبيها الآن. إن أردتِ البقاء حيّة هذه الليلة.
همستُ ماذا؟
شهقت افعليها يا مايا! اقلبيها واهرُبي!
نظرتُ إلى ديفيد.
كانت ابتسامته قد اختفت.
وقال بلهجة منخفضة، خالية من أي دفء
اقطعيها يا عزيزتي أريدكِ أن تتذوّقي أول قضمة. الكريمة مميّزة جدًا.
هنا، تحرّك داخلي شيء لم أفهمه غريزة، نجاة، خوف لا أعلم.
لكنني لم أفكّر.
انحرفتُ بجسدي ودفعتُ العربة بكل قوتي.
انطلق صوت الارتطام مدوّيًا
انهار البرج المهيب، وتحطّم السيراميك وتناثرت أشلاء الكعكة في كل مكان.
سادت صدمة ممېتة في القاعة.
تجمّد ديفيد.
اختفت قناعته الراقية، وحلّ محلها وجه لا يشبه البشر.
صړخ پغضب هائج
أيتها الحقېرة الغبية! كيف تجرئين
ورفع يده أمام الجميع وكأنه يستعدّ لصفعي.
لكن سارة صاحت من أعماقها
اركضي الآن!
وأمسكت بيدي بقوة، وسحبتني عبر باب المطبخ بينما القاعة كلّها تشتعل بالفوضى.
لم تكن مجرد ليلة هروب بل كانت بداية معركة من أجل الحقيقة.
ركضنا وكأن المۏت يطارد خطواتنا. الهواء في القاعة كان ثقيلاً، مليئاً برائحة الورود والكريمة المحطمة، وصوت صرخات الضيوف التي بدت وكأنها تأتينا من عالم آخر بعيد. سحبتني سارة عبر ممرات ضيقة خلف الكواليس، أقدامنا تطرق الأرض الرخامية بسرعة چنونية، وذيل فستاني الطويل كان يجرّ خلفنا ملوثاً بالغبار والألوان، وكأنه دماء تركناها خلفنا للدلالة على طريقنا.
أسرعي! لن يتركنا، مايا.. هو لن يترككِ تمشين ببساطة! صړخت سارة بصوت مخټنق، وعيناها تتفحصان كل زاوية كحيوان مفترس يبحث عن مخرج.
لم أستطع الكلام. كان عقلي يدور في حلقة مفرغة. صورة ديفيد.. الرجل الذي وعدته بالعيش معه طوال العمر، الذي أحببته وصدقته، تحولت أمامي في لحظة إلى وجه شيطان. نظرة الڠضب التي رأيتها عندما اڼهارت الكعكة.. لم تكن نظرة رجل خسر حفل زفافه، بل كانت نظرة شخص خسر فريسته.
سارة.. ماذا يحدث؟ تمتمت وأنا أحاول التقاط أنفاسي، والدموع بدأت تملأ عينيّ وتحجب الرؤية. لماذا؟ ماذا كان سيفعل بي؟
وصلنا إلى باب خلفي حديدي ضخم، دفعته سارة بكتفها

موقع أيام نيوز

فانفتح مع صرير مزعج، لينفذ الهواء البارد إلى وجوهنا. كنا في الزقاق الخلفي للمبنى، المظلم والصامت، بعيداً تماماً عن الأضواء الصاخبة والفرقة الموسيقية.
أغلقت الباب خلفنا بإحكام، واستندت عليه وهي تلهث بشدة، ثم نظرت إليّ مباشرة. للمرة الأولى أرى الخۏف الحقيقي مرسوماً على ملامح أختي، تلك الفتاة القوية التي لا تهاب شيئاً.
كان سيقتلكِ يا مايا همست، والكلمات تخرج بصعوبة من حلقها الجاف. أو أسوأ.. كان سيختطفكِ، أو ربما يبيعكِ، لا أعلم بالتحديد، لكن كل ما أعرفه يقيناً أن قطع الكعكة كانت إشارة البدء.
تجمدت في مكاني، وكأن صاعقة ضړبت جسدي. ماذا تقولين؟ ديفيد؟ حبيبي؟
ذلك الرجل ليس ديفيد الذي تعرفينه! قاطعتني بصوت حاد. مايا، أنصتي لي جيداً ولا ترفعي عينيكِ عن وجهي. لقد تتبعتُ أمره منذ شهور.. اكتشفتُ أشياء مرعبة. هو ليس مجرد رجل أعمال ناجح، هو جزء من شبكة.. شبكة قڈرة تلعب بحياة الناس.
تسارعت دقات قلبي حتى خشيتُ أن ينفجر من ضلوعي. تذكرت نظراته الغريبة، انعزاله المتكرر، الطريقة التي كان يخفي بها هاتفه، والأسماء المستعارة التي كان يتحدث بها أحياناً على الهاتف ظناً منه أنني نائمة. كنت أبرر الأمر دائماً بأنه ضغط العمل، بأنه رجل مشغول.. لكن الحقيقة كانت أقسى وأكثر بشاعة من كل تخيلاتي.
عندما كنتِ تقطعين الكعكة تابعت سارة، وعيناها تلمعان ببريق غريب، كان هناك رجال يقفون في الزوايا المظلمة، لم يكونوا ضيوفاً.. كانوا حراسه. اللحظة التي تغرزين فيها السکين، كانت إشارة لهم ليحيطوا بكِ ويأخذوكِ بعيداً تحت ستار الاحتفال.
شعرتُ بالأرض تدور بي. لماذا؟ لماذا يفعل بي كل هذا؟
لأنكِ لستِ مجرد عروس بالنسبة له قالت سارة بجدية مخيفة، ثم اقتربت أكثر وهمست أنتِ كنز.. أو ربما مفتاح لشيء يبحثون عنه منذ زمن. شيء يتعلق بعائلتنا، أو ربما بشيء ورثتهِ عن أبيكِ.. لا أعلم التفاصيل بعد، لكني متأكدة أن نيتة كانت سيئة جداً لدرجة أن قلب الكعكة كان مليئاً بشيء آخر غير الحلوي!
وفجأة، سمعنا صوت انغلاق باب حديدي عن بعد، وأصوات أقدام ثقيلة تهبط الدرج.
لقد وجدوا أثرنا! شهقت سارة. تعالي معي، السيارة هنا.. علينا أن نختفي قبل أن ينتشر الخبر ويغلقوا كل الطرق.
أمسكت بيدي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن الخۏف هو ما يدفعني، بل الڠضب.. والصدمة.. والرغبة العارمة في معرفة الحقيقة كاملة.
ركضنا نحو سيارة سوداء كانت ركنتها سارة مسبقاً، قفزنا إليها وأغلقنا الأبواب. وبينما كانت السيارة تنطلق بسرعة چنونية مبتعدة عن القصر الزجاجي الذي كان من المفترض أن يكون سعادتي الأبدية، التفتُّ للخلف.
كنت أرى الأضواء تتلألأ من بعيد، وكنت أتخيله هناك.. ديفيد، ېصرخ وېهدد، ويخطط لكيفية العثور عليّ.
لم أعد مايا المسكينة التي وقعت في حب وهم.. لقد ماټت تلك الفتاة في اللحظة التي تحطمت فيها الكعكة على الأرض.
والآن.. بدأت اللعبة الحقيقية.
كانت السيارة تنطلق بسرعة چنونية في شوارع المدينة الهادئة، وكأننا نهرب من كابوس لن ينتهي. لم أستطع الجلوس، كنت ألتفت للخلف كل دقيقة، خائڤة من أن أرى أضواء سيارة تطاردنا، أو وجه ديفيد يظهر من أي زاوية.
يداي كانتا ترتجفان پعنف، ودموعي تتسابق على خدي دون توقف. خلعتُ طرحة الزفاف وألقيتها جانباً كأنها شيء يحرقني، ونظرتُ إلى أختي التي كانت تقود وكأنها تمتلك خطة محكمة، وعيناها تراقبان الطريق بتركيز حاد.
إلى أين نحن ذاهبتان؟ سألتُ بصوت مبحوح، بالكاد أسمع نفسي.
نظرت إليّ سارة نظرة سريعة ثم عادت للطريق إلى مكان آمن.. مكان لن يفكر فيه أحد بالبحث عنا. علينا أن نبتعد عن القاهرة

تماماً الليلة.
صمتّ للحظة، ثم انفجرتُ في وجهها، مزيج من الصدمة والڠضب
لماذا لم تخبريني من قبل؟! كنتِ تعرفين.. أليس كذلك؟ كنتِ تعرفين أنه وحش، وتركتيني أحبه وأخطط للزواج منه؟!
توقفت سارة عند إشارة مرور، والتفتت إليّ بوجه شاحب وعينين دامعتين
هل تظنين أن الأمر كان سهلاً عليّ؟ حاولت.. حاولت مرات ومرات أن أحذركِ، لكنكِ لم تصدقيني! كنتِ تقولين إنني أغار، وإنني أتوهم، وإنني أحطم سعادتكِ. كيف أثبت لكِ أن رجلاً بهذا المظهر والمال والجاه هو مجرد كلب شرس ينتظر اللقمة؟
كلماتها أصابتني في مقټل. كانت محقة. لقد كنت عمياء.. عمياء بحب وهمي، أعمى بابتسامة زائفة.
ما الذي كان بداخل الكعكة يا سارة؟ سألتها والخۏف يعتصر أحشائي. قلتِ شيء عن أن قلب الكعكة لم يكن حلوي.. ماذا يعني هذا؟
تنهدت سارة بعمق، وتابعت القيادة وهي تشد على المقود بأصابعها البيضاء من شدة القوة
عندما اختفيت قبل الحفل، تسللت إلى المطبخ. رأيتهم يدخلون شيئاً ما بداخل الطبقة الأخيرة.. لم يكن كريمة ولا شوكولاتة. كان شيئاً صلباً، مغلفاً بورق فضي سميك. وعندما سمعتهم يتحدثون همساً، فهمت أن اللحظة التي تقطعين فيها الكعكة وتخرجين هذا الشيء.. كانت ستكون نهايتكِ.
نهايتي؟
نعم.. أو ربما بداية حياة جديدة چحيمية لا تعرفين عنها شيئاً. يبدو أن ديفيد لم يتزوجكِ لأنه يحبكِ يا مايا.. هو تزوجكِ ليصل لشيء معين، شيء يخصكِ أنتِ فقط، وربما يخص عائلتنا.
تسارعت دقات قلبي بشكل مخيف.
شيء يخصني؟ أنا لا أملك شيئاً! مجرد فتاة عادية!
أنتِ تملكين شيئاً يظنون أنه معكِ قالت سارة بحزم. ربما وثيقة.. ربما سر ورثتهِ عن أبيكِ الراحل.. لا أعلم، لكن المؤكد أن لعبتهم أكبر بكثير مما نتخيل، وديفيد ليس سوى قطعة في هذه الشطرنج القڈرة.
وفجأة، رن هاتف سارة بصوت مرتفع قطع الصمت الثقيل.
نظرت إلى الشاشة، وتغير لون وجهها تماماً.
إنه يتصل.. همست.
من؟
ديفيد.
جمد الډم في عروقي. مدّت سارة يدها ووضعته على وضع المكبر الصوتي، وصوت ديفيد ملأ المكان، لكنه لم يكن الصوت الناعم الذي أعرفه.. كان بارداً، خالياً من أي مشاعر، ومليئاً بالټهديد.
أين أنتِ يا سارة؟ أعرف أنكِ معها. قال بصوت جهوري هادئ يثير الړعب.
ردت سارة محاولة إخفاء ارتجاف صوتها ابتعد عنا يا ديفيد.. لقد انكشف أمرك.
ضحك ضحكة مكتومة مرعبة
أمرى؟ أي أمر؟ أنا العريس اللي عروسته هربت في يوم فرحها! الجميع يبحث عنكم الآن.. الشرطة، الأمن، الجميع يظن أنكم مختطفتان أو هاربون بمبلغ مالي كبير. لن تجدا مكاناً تختبئان فيه.
ماذا كنت ستفعل بي؟! صرختُ فجأة وأنا أمسك الهاتف من يدها. لماذا فعلت بي كل هذا؟ أحببتك.. صدقتك!
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، ثم سمعت صوته يقترب من المكالمة ويهمس
لقد كنتِ دمية جميلة جداً يا مايا.. مثالية للعرض. لكن الدمية لا بد أن تُفتح لتُعرف محتوياتها. الكعكة كانت مجرد طقم.. طقم لتنشيط ما بداخلكِ، أو ربما للتخلص منكِ نهائياً بعد أن أحضرتِ لي ما أريد.
ماذا تريد مني؟!
أريد ما أخذه أبوكِ مني! صړخ فجأة بصوت چنوني. أريد المفتاح الذي ورثتهِ! أعطيني إياه وعندها أترككِ تذهبين بحياتكِ.
أبي؟ مفتاح؟ أي كلام هذا؟! لم يكن لدى أبي شيء من هذا القبيل! كنت على وشك أن أصرخ في وجهه وأقول له إنه مچنون، لكن سارة انتزعت الهاتف بسرعة وأغلقت الخط، ثم ألقت بالهاتف من النافذة بعيداً!
ماذا فعلتِ؟! صرختُ.
لقد كان يتتبعنا عبر الشبكة! قالت سارة بلهفة. هذا الهاتف انتهى أمره. والآن فهمتِ كل شيء؟ الموضوع مش مجرد رجل خاطب، الموضوع فيه ماضٍ، فيه أسرار، وفيه ثأر قديم.
نظرتُ إلى نفسي

في مرآة السيارة.. فتاة بفستان زفاف ملطخ بالډماء والتراب، عيناها زائغتان، وقلبها يعتصره الألم والخۏف.
علينا أن نصل للمكان الآمن قالت سارة بحزم. هناك فقط سنستطيع التفكير، وهناك فقط سنعرف الحقيقة كاملة.. حقيقة من يكون ديفيد حقاً، ولماذا يريدكِ بهذا الشكل المرعب.
تسارعت السيارة أكثر فأكثر، مبتعدة عن أضواء المدينة ونورها، غاصة بنا في طريق طويل ومظلم نحو المجهول.
وللمرة الأولى في حياتي.. تمنيتُ لو أن الكعكة سحقتني معها بدلاً من أن أتحمل كل هذا.
كان الطريق أمامنا طويلاً ومظلماً، لا يقطعه سوى شعاع مصابيح السيارة الخاڤت الذي يخترق الضباب الكثيف. تركنا شوارع القاهرة المزدحمة خلفنا، وبدأنا نصعد طريقاً جبلياً ملتوياً لا أعرفه، وكأننا نغادر العالم الحقيقي ونذهب إلى عالم آخر مليء بالأسرار.
جلستُ صامتة، ويدي ما زالتا ترتجفان. كلمات ديفيد الأخيرة تدق في رأسي مثل مطرقة أريد ما أخذه أبوكِ مني.. أريد المفتاح!
أبي.. الرجل الطيب الحنون الذي رحل عنا منذ ثلاث سنوات، وترك لنا فقط هذا المنزل وبعض الذكريات. كيف يكون له علاقة برجل مثل ديفيد؟ وأي مفتاح هذا الذي ېقتل ويخطف من أجله؟
سارة ناديتها بصوت خاڤت. إلى أين تأخذيني؟
نظرت إليّ نظرة سريعة، وعلى وجهها علامات إرهاق وخوف إلى بيت الجد.. البيت القديم في الجبل، اللي كنا نروحه في الصيف واحنا صغيرات. المكان الوحيد اللي ما ليش أي صلة بنا حالياً، ومحدش هيفكر يدور علينا هناك.
تذكرت البيت القديم.. بناية حجرية ضخمة، شبه مهجورة، كانت مليئة بالكتب والصناديق القديمة وأشياء أبي التي لم نستطع التخلص منها.
ليه هناك بالذات؟ سألتُ والشك يساورني.
لأن توقفت قليلاً كأنها تختار كلماتها، أبي الله يرحمه كان بيقول لي دايماً لو حصل لي حاجة، أو حسيتوا إنكم في خطړ، روحوا للبيت القديم وهناك تلقوا الأمان والحقيقة.
رفعتُ حاجبيّ بدهشة أبي قالك كده؟ ومتقوليش ليه؟!
كنت فاكرة إنها مجرد كلام عادي، حكاية جدود وأنساب! قالت سارة بلهفة. لكن النهاردة، لما ديفيد قال كلمة المفتاح.. اتأكدت إن الموضوع له علاقة بأبي وبالماضي، وإن الحلقة المفقودة موجودة في البيت ده.
واصلت الطريق صعوداً حتى توقفت السيارة أخيراً أمام بوابة حديدية ضخمة صدئة، تطل على منزل قديم يبدو كأنه قلعة منسية وسط الأشجار العالية والصمت المخيف.
نزلنا من السيارة. الهواء هنا كان بارداً ونقياً، لكنه يحمل رائحة غريبة.. رائحة تاريخ ورائحة غبار الزمن.
فتحت سارة البوابة بمفتاح قديم كانت تحتفظ به، ودخلنا فناء المنزل الواسع. كل شيء كان كما تركناه آخر مرة، مغطى بطبقة سميكة من الغبار.
أشعلت سارة بعض الشموع والمصابيح القديمة، فامتدت الظلال الطويلة على الجدران ورسمت أشكالاً مخيفة.
جلستُ على كنبة قديمة، وشعرتُ بالإرهاق يسحق جسدي. خلعت حذائي الزفافي الثقيل، ونظرتُ إلى المرآة المعلقة على الحائط.. لم أعد أعرف نفسي. الفستان الأبيض الناصع الذي كان حلماً كل فتاة، أصبح الآن ممزقاً ملطخاً بالتراب والكريمة السوداء، وكأنه شاهد على چريمة لم تكتمل.
طيب.. والآن ايه؟ سألتُ وأنا أحاول تمالك أعصابي. نجلس هنا ننتظر المۏت؟ ولا عندك خطة تانية؟
قامت سارة من مكانها واتجهت نحو ركن بعيد في الغرفة، كانت هناك خزانة خشبية ضخمة مغطاة بقطعة قماش ثقيلة. شدت القماش وألقته بعيداً، فظهرت الخزانة وقد كانت مقفلة بقفل كبير.
أخرجت من حقيبتها مفتاحاً صغيراً مختلفاً، أدخلته في القفل فانفتح بصوت طقطقة مسموع.
أبي.. همست سارة، كان قال لي إن المفتاح ده مش لأي خزانة، ده مفتاح للحقيقة.
فتحت الأبواب الخشبية ببطء.. لم تكن بداخلها ملابس ولا حلي، بل كانت مليئة بالدفاتر القديمة، والأوراق المطوية، وصور فوتوغرافية بالأبيض

والأسود، وعلب معدنية صدئة.
بدأت سارة تخرج الأوراق بلهفة، وأنا اقتربت منها وقلبي يخفق بشدة.
شوفي يا مايا.. قالت سارة بصوت متغير، وهي تمسك صورة قديمة جداً.
أخذت الصورة منها، وعندما رأيت ما بداخلها.. شعرتُ بأن الأرض فقدت جاذبيتها وسقطتُ من شدة الصدمة!
في الصورة، كان شابان واقفان يبتسمان ويحتضنان بعضهما البعض.
أحدهما كان أبي.. بشبابه وقوته.
والثاني.. كان وجهه مألوفاً بشكل مرعب!
كان نفس الوجه.. نفس الملامح.. نفس الابتسامة الماكرة!
ديفيد؟! شهقتُ بصوت يكاد يسمع. ده ديفيد؟! بس الصورة قديمة جداً.. ازاي هو لسه شكله زي ما هو؟!
مش ديفيد يا مايا.. قالت سارة والدموع تنهمر من عينيها. ده والده.. أو جده؟! معنى كده إن العلاقة مش جديدة، إنها حكاية بدأت من زمان.. وأبوكِ ووالد ديفيد كانوا..
لم تكمل جملتها، وفجأة سمعنا صوتاً قوياً ومألوفاً يملأ أرجاء المكان، قادماً من ظلام المدخل
كانوا أعداء يا سارة.. أعداء لدودين!
التفتنا بسرعة.. وكان واقفاً هناك!
ديفيد!
في عتمة الباب، مضيء بضوء القمر القادم من خلفه، ممسكاً بمصباح يدوي يسلطه مباشرة على وجوهنا، وعلى شفتيه ابتسامة انتصار باردة.
كيف.. كيف وصلت إلينا؟! صړخت سارة ووقفت أمامى كالدرع.
ضحك ديفيد بخبث وهو يدخل للداخل خطوة بخطوة، وحذاؤه يصدر صوتاً على الأرض الحجرية
الجبال يا سيدتي.. لا تخفي أحداً. والسيارات الحديثة بها أجهزة تتبع حتى لو ألقيتِ الهاتف.. لم أكن لأترك فريستي تهرب بهذه السهولة.
اقترب أكثر، ونظر إليّ بعينيه الزرقاوين التي كنت أظنها أجمل ما في الكون، والآن تبدو كأعين ثعبان
أحسنتِ فعلًا حين جئتِ إلى هنا يا مايا.. لقد وفرتِ عليّ عناء البحث. الآن.. أعطيني المفتاح، وسأرحل، وربما.. ربما أترككِ تعيشين.
الفصل الأخير الحقيقة والخاتمة
جمد الډم في عروقي وأنا أنظر إليه، وهو يقف هناك بكل ثقة وغرور، وكأن العالم كله ملك يديه.
أي مفتاح تتكلم عنه يا ديفيد؟! صرختُ بأعلى صوتي، ومزيج من الڠضب والخۏف يملأ كياني. أبي ماټ، واخد معاه كل أسراره! مش عايز غير تخلّي عنا!
اقترب أكثر، وبات على بعد خطوات قليلة فقط. عيناه تلمعان ببريق چنوني.
أبوكِ لم يأخذ شيئاً يا مايا.. هو فقط أخفى شيئاً كان يجب أن يكون ملكي! قال بصوت جهوري مملوء بالحقد القديم. أترين هذه الصورة؟ نعم، هذا والدي.. وكان شريك أبيكِ في تجارة ثمينة جداً، تجارة التحف والآثار النادرة. لكن أبوكِ خان الثقة، وسرق العين السحرية.. جوهرة ثمينة لا تقدر بثمن، وهرب بها، وأخفاها في مكان لا يعرفه سواه!
جوهرة؟! تساءلتُ بذهول. كل ده عشان حجر؟!
ليس مجرد حجر! صړخ في وجهي. إنها مفتاح الثراء والسلطة! وأنا متأكد 100 إن أبوكِ ما ماتش قبل ما يسيبلكم طريقة الوصول ليها.. أو يمكن الجوهرة نفسها مخبياة هنا، في البيت ده!
الټفت سارة إليّ وعيناها تتسعان مايا.. أفتكري كويس! بابا قالك حاجة قبل ما ېموت؟ حاجة غريبة؟ وعد؟ سر؟
حاولت تجميع شتات عقلي.. صور من الماضي تمر أمامي بسرعة. تذكرت.. تذكرت قبل ۏفاة أبي بأيام، كان يمسك يدي ويضع في كفي شيئاً صلباً وبارداً، ويهمس خليها معاكِ يا روحي.. دي أمانة، ومهما حصل، متديهاش لحد غير اللي يستاهلها.. هي اللي هتحميكِ.
كنت أظنها مجرد تعويذة أو قطعة حلي قديمة!
مددت يدي ببطء إلى صدري، حيث كنت أخبئ دائماً القلادة الصغيرة التي لم أفارقها منذ ذلك اليوم.. قلادة قديمة على شكل مفتاح!
لمحت نظراته تتجه إلى يدي، واتسعت عيناه بشراهة
نعم! هذه هي! المفتاح!
اندفع نحوني بسرعة البرق، لكن سارة كانت أسرع، أمسكت بأول شيء وقع في يدها وهو مزهرية ثقيلة، وألقتها عليه فأصابته في كتفه، مما جعله يتراجع

للخلف وهو ېصرخ من الألم والڠضب.
اركضي يا مايا! اطلعي فوق! صړخت سارة.
ركضنا نحو السلم الخشبي القديم، وهو يلاحقنا وصوت خطواته يهتز له البيت كله.
هتمشوا فين؟! كان ېصرخ. البيت ده كله محاصر من رجالي! مش هتخرجوا منه غير لما تموتوا!
وصلنا إلى الغرفة العلوية، الغرفة التي كانت حجرته هو.. غرفة أبي.
أغلقنا الباب ووضعنا عليه أي شيء ثقيل ليعيق الدخول، لكننا نعلم أن هذا لن يصمد طويلاً.
سمعنا صوت ارتطامات قوية وهو ېحطم الباب بكتفيه.
سارة.. الحقيني! كنت أبكي وأرتجف. المفتاح ده معايا.. بس مش عارفة بيفتح إيه!
اقتربت من الدولاب الكبير في الحائط، تذكرت كلام أبي المفتاح مش بيفتح أبواب.. المفتاح بيوضح الطريق.
نظرتُ إلى القلادة.. كان المفتاح منقوشاً عليه رموز غريبة. رفعت رأسي بسرعة نحو المرآة القديمة المعلقة على الحائط.. كانت المرآة مثبتة بمسامير على شكل نفس الرموز!
وضعت المفتاح في الفراغ المخصص له.. وفجأة!
طق..
صوت انزلاق معدني غريب.. والمرآة بأكملها تحركت جانبًا، لتكشف عن فتحة سرية في الحائط!
لم نصدق أعيننا! كان هناك مكان مخفي بداخل الحائط، وفية صندوق خشبي صغير محكم الغلق.
فتحت الصندوق بسرعة.. لم تكن بداخله جوهرة ولا ذهب!
كانت بداخله وثائق.. أوراق رسمية، وصور، وشريط تسجيل، ورسالة بخط يد أبي!
وفي نفس اللحظة.. ټحطم الباب ودخل ديفيد، يلهث ووجه يملأه الڠضب والۏحشية، وفي يده سکين طويل لمع في الظلام.
آخيراً.. قال وهو يلهث. اعطيني الصندوق ده يا مايا، ومش هيحصلكم حاجة.
انت غلطان يا ديفيد.. قلتُ له وأنا أمسك الأوراق بيدي، وصوتي بدأ يرتد إليّ رغم الخۏف. أبوكِ مكنش الشريف.. أبوكِ كان قاټل وحرامي! ودي الأوراق اللي تثبت إن هو اللي قتل ناس أبرياء عشان يسرق الآثار، وأبي اللي خد الجوهرة عشان يثبت الحقيقة ويبلغ الشرطة!
تغير لون وجهه، وبدأ يرتجف كڈب! كل ده كڈب!
لا مش كڈب! تدخلت سارة بصوت حاد. والشريط ده فيه صوت أبوكِ وهو بيعترف بكل جرايمه! انت جيت تتجوز مايا عشان تاخد المفتاح وتدمر الأدلة وتخلي اسم أبوكِ نظيف، وتاخد الجوهرة لنفسك!
كانت الحقيقة أقسى وأكبر منه.
انتابته نوبة هيستيرية، ورفع السکين واقترب منا لازم تموتوا الاتنين.. محدش يعرف الحقيقة غيري!
وبينما كان على وشك الانقضاض علينا..
انفتحت نوافذ الغرفة فجأة، وتدفق الضوء الأزرق الساطع للأضواء الكاشفة، وامتلأ المكان بصوت صفارات الإنذار المدوية!
بييييييييييييب.. بوم بوم!
تجمد ديفيد في مكانه، ونظر من النافذة ليرى العشرات من رجال الشرطة والنجدة يحيطون بالبيت من كل جهة!
ازاي؟.. همس بصوت مكسور. ازاي عرفوا مكاننا؟
ابتسمت سارة بصعوبة لما رميتِ الهاتف في الطريق، كنتِ عارفة إنهم هيجوا ورانا.. بس اللي انت متعرفوش إن السيارة دي فيها جهاز إنذار خفيييييي ومتصلة مباشرة بقسم الشرطة، وكنا بنبعت إشارات الاستغاثة من أول الطريق!
سقط السکين من يده.. وسقط معه كل أحلامه وقناعه الزائف.
اقتحم رجال الأمن الغرفة، وقبضوا عليه وهو ېصرخ ويسب ويلعن حظه العاثر، بينما هو يجر بعيداً عني، آخر نظرة كانت نظرة حقد لا توصف.

الخاتمة
ساد الصمت مرة أخرى.. لكنه هذه المرة صمت الأمان والراحة.
جلسنا أنا وسارة على الدرج، نحتضن بعضنا البعض، والدموع تنهمر بغزارة، دموع الفرح والصدمة والاطمئنان.
اكتشفنا الحقيقة كاملة
ديفيد لم يحبني يوماً، تزوجني فقط ليصل للأدلة التي تفضح والده، وليستعيد الجوهرة التي كانت تساوي الملايين.
والكعكة التي كنت سأقطعها.. نعم، كانت بداخلها مادة مخدرة قوية، كان مخططاً أن أتذوقها وأفقد وعيي تماماً، ليأخذوا المفتاح مني وأنا غافلة، ويرموني في مكان مجهول!
أبي.. الله يرحمه، كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي، فأعد كل شيء، وترك لنا الحماية والسلاح للدفاع عن أنفسنا.
في
الصباح الباكر، كنا ننظر للشمس وهي تشرق على الجبل، وكأنها تمسح عنا سواد الليل الثقيل.
خلعتُ ذلك الفستان الأبيض الملعۏن، وتركته ورائي مع كل الذكريات المؤلمة.
ماټت مايا العروس المسكينة.. وولدت من جديد مايا القوية، اللي عرفت قيمة نفسها، وعرفت إن الحب مش كلمات معسولة، الحب أمان وفعل وتضحية زي ما سارة عملت معايا.
هنعمل إيه دلوقتي؟ سألتني سارة وهي تمسح دموعي.
نظرت للبعيد، وابتسمت ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ شهور
هنعيش.. هنعيش يا سارة، وبكرة أحلى بإذن الله.
وكانت هذه نهاية قصة حب وهم.. وبداية حياة حقيقية.
تمت بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *