دفنت مراتي
دفنت مراتي بعد سنه واحده من جوازنا وكنت عند قبرها منهار حرفيا لماشوفت طفل حوالي عشر سنين مش مبطل عياط وهيموت…قولت له انت كمان لك حد اتوفى هنا يا حبيبي..شاور على قبر مراتي وقال الجمله اللي خلت جسمي يتجمد من الصدمه…ده قبر امي !!!!!!
من سنه وشهور نقلت لشقة جديدة في حي هادي في القاهرة، وكنت لسه برتب دنيتي وبنقل العفش. في اليوم التاني لنقلي، وأنا نازل على السلم، شوفتها.. فريدة.
كانت ساكنة في الشقة اللي قصادي بالظبط مع والدتها . من أول نظرة، خطفت قلبي بهدوئها، ملامحها ، وضحكتها الخجولة اللي كانت بتظهر وهي بتسلم عليا وبترحب بيا كجار جديد.
سألت عليها وعرفت إنها خريجة آداب، ومشتغلتش علشان تقعد تراعي والدتها المريضة، وملهاش اختلاط بحد، ناس في حالهم .
عجبتني بأخلاقها وأصلها، ومفاتش شهرين إلا وكنت داخل بيتها من بابه.
والدتها رحبت بيا جداً وكأن ربنا بعتني ليها علشان تطمن على بنتها. اتجوزنا في فرح بسيط وجميل، ونورت شقتي. فريدة كانت نعم الزوجة؛ حنينة، هادية، وبتفهمني من نظرة عين.
عشنا أجمل ٣ شهور في حياتي، أيام كلها حب ودفا،
لحد ما في يوم رجعت من الشغل لقيتها عاملي عشا مميز، وقعدت جنبي وهي مخبية وشها من الكسوف وبتقولي أنا حامل يا سليم.
الدنيا مكنتش سايعاني من الفرحة، شيلتها ولفيت بيها الشقة، وبقينا
نخطط لليوم اللي هنشوف فيه ابننا.
لكن الفرحة مابتكملش.. من الشهر الرابع، حمل فريدة كان صعب جداً، تعب وإرهاق مستمر، والست والدتها اتوفت في الشهر السابع، وده دخل فريدة في حالة حزن واكتئاب شديد أثر على صحتها أكتر وأكتر.
كنت بلف بيها على الدكاترة، وكلهم كانوا بيقولوا إن قلبها ضعيف ولازم تلتزم الراحة التامة.
بعد سنة كاملة من جوازنا، جه وقت الولادة. دخلت المستشفى وهي بتترعش من الخوف، مسكت إيدي وقالتلي خلي بالك من ابننا يا سليم.. لو جرا لي حاجة، افتكر إني حبيتك أوي. قاطعتها وأنا ببوس إيدها وبقولها هتقومي بالسلامة يا عمري وهنربيه سوا.
لكن الدكتور خرج بعد ساعتين، ووشه خالي من أي تعبير يبشر بالخير. قالي بنبرة أسف البقاء لله.. المدام جالها هبوط حاد في الدورة الدموية أثناء الولادة.. قدرنا ننقذ الطفل، لكن هي راحت.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. صرخت، ووقعت في الأرض، ومش فاكر أي حاجة تانية لحد ما لقيت نفسي واقف وسط المدافن، بندفن حلمي اللي مالحقتش أعيشه، وبودع الإنسانة اللي ملأت دنيتي حب في شهور معدودة.
التراب لسه مالي إيدي، وريحة المدافن والوداع مأثرة على كل نفس طالع مني. سنة واحدة.. سنة واحدة بس هي كل اللي عشته معاها. كنت واقف قدام قبرها، ركبي مش شايلاني، ودموعي بتنزل تحرق وشي. مش قادر أصدق إن فريدة خلاص بقت تحت التراب، وإن الضحكة اللي كانت بتنور دنيتي من سنة واحدة بس، انطفت للأبد.
حسيت ب برودة غريبة في الجو رغم إننا كنا في عز الظهر، الدنيا اسودت في عيني، وكنت منهار حرفياً، لدرجة إني مكنتش سامع صوان العزا ولا الناس اللي بتطبطب على كتفي وبتقولي شد حيلك. في اللحظة دي، مفيش أي كلام في الدنيا كان ممكن يصبرني.
وسط الوجع اللي كان عاصر قلبي، لمحت خيال صغير واقف على بعد خطوات مني. ركزت بعيني اللي مليانة دموع، لقيت طفل عنده حوالي عشر سنين، لبسه مبهدل شوية، وواقف مش مبطل عياط.. عياط بهستيريا، جسمه كله بيترعش من كتر البكا، وكأنه بيموت من الوجع. منظر الولد كسر قلبي اكتر. قولت في نفسي يا حبيبي يا ابني، صدمة الموت صعبة على الكبار، فما بالك بالعيال الصغيرة.
قربت منه بخطوات تقيلة، وحطيت إيدي على كتفه وبقيت أطبطب عليه وأنا بحاول أجمع صوتي الرايح
انت كمان لك حد اتوفى هنا يا حبيبي؟ مين اللي فارقك وسابك بالوجع ده كله؟
الولد رفع عينه اللي كانت حمرا زي الدم من كتر البكا، وبصلي بنظرة كلها كسرة وخوف، وإيده اترعشت وهو بيشاور بصباعه الصغير على القبر اللي أنا لسه دافن فيه روحي.. قبر فريده مراتي.. وقال الجملة اللي خلت جسمي يتجمد في مكانه، والدم يهرب من عروقي
ده قبر أمي!!!!!! هي ماتت النهاردة؟
اتسمرت في مكاني. والأرض بدأت تلف بيا، وحسيت إن صدري بيتفرغ من الهوا. أمك مين؟! انا الزوج الاول في حياة فريده يبقى الولد ده يقصد ايه ؟؟
قام يمشي مسكت فيه بقوه وقلت..استنى هنا انت قولت ايه
الولد مسح دموعه بضهر ايده وقال…انا لازم امشي بابا مستنيني قال لي متتأخرش
بابا؟؟؟
جسمي كله اتنفض ونطقت بالعافيه
وابوك ده مين …والاقيه فين ؟
بس الصدمة دي كانت ولا حاجة قصاد اللي قاله بعد كده !!!!!
الولد بص حواليه برعب، وكأنه خايف حد يشوفه وهو بيتكلم معايا، وقال بصوت واطي ومبحوح من كتر العياط
بابا قاعد في العربية القديمة الزرقا اللي واقفة برة المدافن.. هو قالي ادخل شوفها ودُق على القبر وقولها إني مسامحها، بس أنا خوفت وخايف هو يضربني لو عرف إني مكلمتكش!
الولد ساب إيدي وجري بأقصى سرعة عنده ناحية البوابة، وأنا وقفت مكاني لثواني مش قادر أتحرك. عقلي كان رافض يستوعب.. فريدة؟ فريدة الهادية، الخجولة، اللي متجوزها من سنة وعشت معاها أجمل أيام حياتي، يكون ليها ابن عنده عشر سنين؟ وزوج؟ طيب إزاي؟ دي والدتها الله يرحمها استقبلتني في بيتها، والجيران كلهم قالوا إنها مش بتخرج ومالهاش اختلاط بحد!
فجأة، حسيت بنوبة غضب وذهول حركت رجلي غصب عني. جريت ورا الولد وأنا بنهج، ودموعي اختلطت بالتراب اللي على وشي. خرجت برة بوابة المدافن، وبقيت التفت حواليا زي المجنون، لحد ما لمحتها.. عربية فيات زرقا
قديمة، متهالكة، واقفة على بعد مسافة. الولد كان لسه واصل وفتح الباب وركب جنب الراجل اللي سايق.
مشيت بسرعة ووقفت قدام باب العربية قبل ما يتحرك. خبطت على الإزاز بقوة وعصبية، الراجل جوة اتخض، وبصلي بنظرة كلها توتر وقلق. نزل الإزاز نص نزلة وقال بنبرة حادة بس متلخبطة
في إيه يا أستاذ؟ إنت مين وعايز إيه؟
بصيت لملامحه؛ راجل في أواخر الأربعينات، وشه تعبان وشعره شايب، باين عليه الشقا. قولتله وصوتي بيترعش من الغضب والذهول
أنا اللي المفروض أسألك إنت مين؟ والولد ده يقرب إيه للست اللي لسه مدفونة جوة دي؟!
الراجل ملامحه اتغيرت تماماً، الصدمة ظهرت على وشه، وبص للولد بعتاب وخوف، وبعدين رجع بصلي وقال بصوت واطي
إنت سليم.. صح؟ الزوج الجديد؟
الكلمة نزلت عليا زي السكينة. قولتله بزعيق
انزل من العربية دي وفهمني في إيه، بدل ما ألم عليك أمة لا إله إلا الله هنا!
الراجل أخد نفس طويل، وبص للولد وقاله انزل يا يوسف اقف جنب العربية واقفل الودان دي خالص. الولد نزل وهو بيعيط وخايف، والراجل فتح الباب ونزل وقف قدامي. حط إيده في جيبه وطلع علبة سجاير، ولع واحدة وإيده بترحف، وقال بنبرة حزينة
وحد الله يا أستاذ سليم.. أنا عارف إن الصدمة شديدة عليك، بس اللي ماتت دي.. كانت طلقيتي وأم ابني يوسف قبل ما تكون مراتك.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا أكتر، وكنت هقع، بس سندت على العربية وقولتله وأنا بمسكه من قميصه
أنت كداب!
مش كداب والله..
برقت عيني وقولتله والدتها؟! إزاي؟ دي أمها!
قال والدموع في عينه لأ.. دي مكنتش أمها. دي كانت ست وحيدة ومعندهاش عيال، وجالها مرض شديد، فريدة اتعرفت عليها وبقت تخدمها بفلوس. الست دي حبت فريدة جداً ولما عرفت إنها بتمر بظروف صعبة ومشاكل معايا، عرضت عليها عرض شيطاني.. قالت لها أنا هكتبلك الشقة والفلوس اللي في البنك باسمك، بس بشرط.. تقعدي معايا وتتسمي باسمي قدام الناس، وتتطلقي من جوزك وتنسي ابنك وتعيشي حياتك من جديد كبنت بنوت مدخلتش دنيا، وتتجوزي جوازة تليق بالمستوى الجديد بعد ما أموت.
وقف الكلام في زوري، ومبقتش عارف أنطق. الراجل كمل وهو بيمسح دموعه
فريدة عمتها الفلوس، طلبت مني الطلاق، ولما رفضت، رفعت عليا قضية خلع وكسبتها. أخدت ابنها يوسف وحرمتني منه شهور، ولما الست دي تعبت أوي ونقلوا الشقة الجديدة اللي في حيكم الهادي، فريدة رمتلي يوسف وقالتلي خليه معاك أنا داخلة على حياة جديدة.. غيرت ورقها، بمساعدة ناس بفلوس الست دي، وطلعت قسيمة طلاق واختفت، وعملت نفسها البنت الخجولة اللي ملهاش حد غير أمها المريضة عشان تجذب حد زيك.. شاب محترم، مهندس، وعنده مستقبل، تعوض بيه عقدة النقص اللي كانت عايشاها معايا.
وقعت على الرصيف، مش قادر أشيل طولي. كل ذكرياتي مع فريدة بقت بتمر قدام عيني زي شريط السينما، بس بالمعكوس.. ضحكتها الخجولة، طيبتها، خوفها من الولادة.. هل كل ده كان تمثيل؟ هل الحب اللي عشته كان وهم؟
بصيت للراجل وقولتله بصوت مخنوق طب وهي.. وهي حامل دلوقتي.. ابني أنا؟
الراجل طبطب على كتفي وقال بألم آه يا سليم.. ابنك إنت. يوسف ابني كان متعلق بفريدة جداً رغم اللي عملته، وكان بيراقبها من بعيد لبعيد وعارف مكان الشقة. لما عرفت بطريقتي إنها في المستشفى وبتولد، جيت وجبت يوسف معايا عشان يشوفها، بس عرفنا هنا من الناس إنها ماتت.. أنا جيت هنا مش عشان أشمت، أنا جيت عشان أخلي ابني يودع أمه، وكنت عايز أقولها إني مسامحها على اللي عملته فيا وفي ابنها.. ربنا يرحمها ويغفر لها.
الراجل أخد ابنه يوسف وركبوا العربية ومشيوا، وسابوني في وسط المدافن، مابين حزن الوداع وصدمة الخيانة. مكنتش عارف أبكي على فريدة اللي حبيتها وماتت، ولا أبكي على نفسي اللي اتخدعت في أأمن إنسانة ليا في الدنيا.
سيبت المدافن ورجعت المستشفى وأنا زي الزومبي، لا شايف ولا سامع. دخلت أوضة الأطفال المبتسرين، وقفت قدام الإزاز وبصيت للطفل الصغير اللي لسه مولود.. حتة لحمة حمرا، نايم في الحضّانة وبيتنفس بصعوبة.
بصيت له ودموعي نزلت.. الطفل ده ملوش ذنب في أي حاجة. هو ابن فريدة اللي خدعتني، بس هو برضه ابني أنا، حلمي اللي كنت مستنيه.
حطيت إيدي على الإزاز وقولتله أنا مش هسيبك يا ابني.. إنت الحقيقة الوحيدة اللي طلعت بيها من الليلة المظلمة دي.
مرت الأيام، وطلعت شهادة ميلاد لابني وسميته آدم. مكنتش قادر أرجع الشقة اللي شهدت خديعة فريدة، بعتها بكل اللي فيها، وأخدت ابني وسافرت لبيت أهلي في المنصورة عشان أبدأ من جديد.
مرت خمس سنين، وآدم كبر وبقى شبهي في كل حاجة، بس عينيه.. عينيه كانت نسخة من عيون فريدة. كل ما أبص له، بفتكر اليوم ده، وبفتكر الصدمة.. بس الوجع مبقاش زي الأول، الزمن بيهدي كل حاجة.
في يوم، وأنا قاعد مع آدم في حديقة عامة، لقيت ولد شاب قرب مني، ملامحه مش غريبة عليا. ركزت في وشه.. كان يوسف، بس كبر وبقى طولى.
يوسف بصلي بابتسامة حزينة وقال أستاذ سليم؟ أنا يوسف.. فاكرني؟
وقفت وسلمت عليه، ولقيت قلبي بيدق بسرعة. قولتله أهلاً يا يوسف.. كبرت ما شاء الله. بابا عامل إيه؟
يوسف قعد جنبي وبص لآدم الصغير وقال بابا اتوفى من سنتين يا أستاذ سليم.. وأنا بقيت لوحدي بشتغل وبدرس. بس طول السنين دي كنت بدور عليك.. مش عايز من الدنيا حاجة، غير إني أشوف أخويا.
بصيت ليوسف، وشوفت في عينيه نفس الكسرة القديمة، بس معاها لهفة وأمل. بصيت لآدم اللي كان بيلعب ومبسوط، وحسيت إن ربنا باعتلي يوسف عشان
الدايرة تكتمل.. فريدة غطت دنيتها بالكدب، بس سابت وراها طفلين ملهمش ذنب.
مديت إيدي ليوسف وقولتله أخوك أهو يا يوسف.. ومن النهاردة، إنت كمان مش لوحدك. بيتي مفتوحلك في أي وقت، وإحنا أهلك.
يوسف دمع، وأخد آدم في حضنه، وآدم ضحك وكأنه عارف إن ده أخوه. في اللحظة دي، حسيت إن روحي هديت تماماً، وإن قصة فريدة قفلت صفحتها المؤلمة، وبدأت صفحة جديدة كلها رضا وعوض من ربنا.
