صاحبة خطيبتي بقلم زيزي

دفنت مراتي بعد سنه واحده من جوازنا وكنت عند قبرها منهار حرفيا لماشوفت طفل حوالي عشر سنين مش مبطل عياط وهيموت…قولت له انت كمان لك حد اتوفى هنا يا حبيبي..شاور على قبر مراتي وقال الجمله اللي خلت جسمي يتجمد من الصدمه…ده قبر امي !!!!!!
من سنه وشهور نقلت لشقة جديدة في حي هادي في القاهرة، وكنت لسه برتب دنيتي وبنقل العفش. في اليوم التاني لنقلي، وأنا نازل على السلم، شوفتها.. فريدة.
كانت ساكنة في الشقة اللي قصادي بالظبط مع والدتها . من أول نظرة، خطفت قلبي بهدوئها، ملامحها ، وضحكتها الخجولة اللي كانت بتظهر وهي بتسلم عليا وبترحب بيا كجار جديد.
سألت عليها وعرفت إنها خريجة آداب، ومشتغلتش علشان تقعد تراعي والدتها المريضة، وملهاش اختلاط بحد، ناس في حالهم .
عجبتني بأخلاقها وأصلها، ومفاتش شهرين إلا وكنت داخل بيتها من بابه.
والدتها رحبت بيا جداً وكأن ربنا بعتني ليها علشان تطمن على بنتها. اتجوزنا في فرح بسيط وجميل، ونورت شقتي. فريدة كانت نعم الزوجة؛ حنينة، هادية، وبتفهمني من نظرة عين.
عشنا أجمل ٣ شهور في حياتي، أيام كلها حب ودفا،
لحد ما في يوم رجعت من الشغل لقيتها عاملي عشا مميز، وقعدت جنبي وهي مخبية وشها من الكسوف وبتقولي أنا حامل يا سليم.
الدنيا مكنتش سايعاني من الفرحة، شيلتها ولفيت بيها الشقة، وبقينا نخطط لليوم اللي هنشوف فيه ابننا.
لكن الفرحة مابتكملش.. من الشهر الرابع، حمل فريدة كان صعب جداً، تعب وإرهاق مستمر، والست والدتها اتوفت في الشهر السابع، وده دخل فريدة في حالة حزن واكتئاب شديد أثر على صحتها أكتر وأكتر.
كنت بلف بيها على الدكاترة، وكلهم كانوا بيقولوا إن قلبها ضعيف ولازم تلتزم الراحة التامة.
بعد سنة كاملة من جوازنا، جه وقت الولادة. دخلت المستشفى وهي بتترعش من الخوف، مسكت إيدي وقالتلي خلي بالك من ابننا يا سليم.. لو جرا لي حاجة، افتكر إني حبيتك أوي. قاطعتها وأنا ببوس إيدها وبقولها هتقومي بالسلامة يا عمري وهنربيه سوا.
لكن الدكتور خرج بعد ساعتين، ووشه خالي من أي تعبير يبشر بالخير. قالي بنبرة أسف البقاء لله.. المدام جالها هبوط حاد في الدورة الدموية أثناء الولادة.. قدرنا ننقذ الطفل، لكن هي راحت.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. صرخت، ووقعت في الأرض، ومش فاكر أي حاجة تانية لحد ما لقيت نفسي واقف وسط المدافن، بندفن حلمي اللي مالحقتش أعيشه، وبودع الإنسانة اللي ملأت دنيتي حب في شهور معدودة.
التراب لسه مالي إيدي، وريحة المدافن والوداع مأثرة على كل نفس طالع مني. سنة واحدة.. سنة واحدة بس هي كل اللي عشته معاها. كنت واقف قدام قبرها، ركبي مش شايلاني، ودموعي بتنزل تحرق وشي. مش قادر أصدق إن فريدة خلاص بقت تحت التراب، وإن الضحكة اللي كانت بتنور دنيتي من سنة واحدة بس، انطفت للأبد.
حسيت ب برودة غريبة في الجو رغم إننا كنا في عز الظهر، الدنيا

اسودت في عيني، وكنت منهار حرفياً، لدرجة إني مكنتش سامع صوان العزا ولا الناس اللي بتطبطب على كتفي وبتقولي شد حيلك. في اللحظة دي، مفيش أي كلام في الدنيا كان ممكن يصبرني.
وسط الوجع اللي كان عاصر قلبي، لمحت خيال صغير واقف على بعد خطوات مني. ركزت بعيني اللي مليانة دموع، لقيت طفل عنده حوالي عشر سنين، لبسه مبهدل شوية، وواقف مش مبطل عياط.. عياط بهستيريا، جسمه كله بيترعش من كتر البكا، وكأنه بيموت من الوجع. منظر الولد كسر قلبي اكتر. قولت في نفسي يا حبيبي يا ابني، صدمة الموت صعبة على الكبار، فما بالك بالعيال الصغيرة.
قربت منه بخطوات تقيلة، وحطيت إيدي على كتفه وبقيت أطبطب عليه وأنا بحاول أجمع صوتي الرايح
انت كمان لك حد اتوفى هنا يا حبيبي؟ مين اللي فارقك وسابك بالوجع ده كله؟
الولد رفع عينه اللي كانت حمرا زي الدم من كتر البكا، وبصلي بنظرة كلها كسرة وخوف، وإيده اترعشت وهو بيشاور بصباعه الصغير على القبر اللي أنا لسه دافن فيه روحي.. قبر فريده مراتي.. وقال الجملة اللي خلت جسمي يتجمد في مكانه، والدم يهرب من عروقي
ده قبر أمي!!!!!! هي ماتت النهاردة؟
اتسمرت في مكاني. والأرض بدأت تلف بيا، وحسيت إن صدري بيتفرغ من الهوا. أمك مين؟! انا الزوج الاول في حياة فريده يبقى الولد ده يقصد ايه ؟؟
قام يمشي مسكت فيه بقوه وقلت..استنى هنا انت قولت ايه
الولد مسح دموعه بضهر ايده وقال…انا لازم امشي بابا مستنيني قال لي متتأخرش
بابا؟؟؟
جسمي كله اتنفض ونطقت بالعافيه
وابوك ده مين …والاقيه فين ؟
بس الصدمة دي كانت ولا حاجة قصاد اللي قاله بعد كده !!!!!
زهرة_الربيع
القصه مذهله للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار
دفنت مراتي بعد سنه واحده من جوازنا وكنت عند قبرها منهار حرفيا لماشوفت طفل حوالي عشر سنين مش مبطل عياط وهيموت…قولت له انت كمان لك حد اتوفى هنا يا حبيبي..شاور على قبر مراتي وقال الجمله اللي خلت جسمي يتجمد من الصدمه…ده قبر امي !!!!!!
الولد بص حواليه بخوف، وكأنه ندم إنه اتكلم. حاول يفلت إيده من بين صوابعي وهو بيقول بصوت مرتعش
بابا قالّي ما أكلمش حد… ولو اتأخرت هيزعل.
شدّيت على كتفه أكتر وقلبي بيدق بعنف.
اسمه إيه؟ قولّي اسم أبوك!
الولد بلع ريقه وبص للأرض ثواني طويلة، وبعدها قال
اسمه… حسام.
الاسم وقع على وداني غريب. عمري ما سمعت فريدة ذكرته قبل كده.
وحسام ده ساكن فين؟
في البيت… بيتنا.
بيتكم فين؟
الولد رفع عينه وبصلي باستغراب
عند ماما… الشقة اللي كانت عايشة فيها قبل ما تتجوزك.
اتجمدت مكاني.
قبل ما ألحق أسأله أكتر، سمعت صوت راجل بينادي من بعيد
يوسف!
الولد انتفض.
لفيت بسرعة ناحية الصوت، وشوفت راجل واقف عند بوابة المدافن. طويل، لابس نضارة سودا، ووشه مخنوق بالتوتر.
أول ما شافني ماسك الولد، اتحرك ناحيتنا بخطوات سريعة.
الولد جري عليه فورًا وهو بيعيط
بابا!
الراجل حضنه بسرعة، لكن عينه كانت عليّا طول الوقت.
وصل قدامي وقال ببرود غريب
شكراً إنك خليت بالك منه.
كنت حاسس إن الدنيا كلها بتدور.
مين حضرتك؟
بصلي لحظة طويلة قبل ما يرد
السؤال الأهم… إنت مين بالنسبة لفريدة؟
اتعصبت وصرخت
أنا جوزها!
ساعتها حصل شيء غريب جدًا…
ملامحه اتغيرت فجأة.
وشه شحب.
وكأن الكلمة نزلت عليه صدمة هو كمان.
بص للولد… وبعدين بص للقبر.
وبصلي تاني.
وقال بصوت منخفض
مستحيل…
إيه اللي مستحيل؟!
سكت ثواني، وبعدها مد إيده في جيبه وطلع صورة قديمة مهترية من كتر ما اتطوت واتفتحت.
ناولني الصورة.
أول ما بصيت فيها حسيت إن قلبي وقف.
الصورة كانت لفريدة…
فريدة وهي أصغر شوية.
شايلة طفل رضيع بين إيديها.
وجنبها نفس الراجل اللي واقف قدامي دلوقتي.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش الصورة…
الصدمة كانت التاريخ المكتوب بخط إيد فريدة على ظهرها
أول صورة لعيلتنا الصغيرة… أنا وحسام ويوسف.
رفعت عيني ببطء ناحية الراجل.
إيدي كانت بتترعش.
وقبل ما أنطق بأي كلمة، قال جملة خلت عقلي كله يدخل في دوامة
فريدة ما كانتش مراتك الأولى يا سليم…
لكن صدقني…
ولا كانت مراتي أنا كمان.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا أصفر قديمًا، مختومًا باسم فريدة بالكامل، وقال
هي كانت مستنية اليوم ده من سنين… وقالتلي ما أفتحوش إلا بعد موتها.
وأول ما شفت اسم المرسل المكتوب أسفل الظرف…
حسيت إن الكارثة الحقيقية لسه ما بدأتش أصلًا…مديت إيدي للظرف وأنا مش حاسس بنفسي.
بصيت على الاسم المكتوب أسفل الظرف، وحسيت رعشة سرت في جسمي كله.
إلى من سيبحث عن الحقيقة بعد رحيلي.
مافيش اسم مرسل.
مافيش عنوان.
بس خط فريدة… أنا متأكد منه.
رفعت عيني ناحية حسام وقلت بعصبية
يعني إيه؟! إنت بتقول إيه؟! والولد ده مين؟!
حسام أخد نفس طويل وقال
لو كنت عارف الحقيقة كاملة، مكنتش جيت النهارده.
أمال تعرف إيه؟
أعرف إن فريدة طلبت مني أحافظ على يوسف مهما حصل… وإنها كانت خايفة من شخص معين.
شخص مين؟
قبل ما يرد، يوسف شد هدوم أبوه بخوف وقال
بابا… الراجل ده.
بصينا كلنا في نفس اللحظة.
عند آخر الممر بين القبور كان واقف شخص لابس جلابية غامقة، وبيتابعنا من بعيد.
أول ما أخد باله إننا شوفناه، لف وبدأ يمشي بسرعة.
حسام جري وراه فجأة وهو بيصرخ
استنى!
من غير تفكير جريت أنا كمان.
عدينا بين القبور والممرات الضيقة، لكن الراجل كان سابقنا بخطوات.
وفجأة اختفى.
اختفى كأنه اتبخر.
وقفنا نلهث وإحنا بندور حواليه.
لحد ما حسام لمح حاجة على الأرض.
ورقة مطوية.
التقطها بسرعة وفتحها.
ملامحه اتغيرت فورًا.
خطفتها من إيده.
كانت مكتوب فيها جملة واحدة
لو عايزين تعرفوا مين فريدة بجد… دوروا في بيت أمها.
رجعنا نبص لبعض في صمت.
بيت أمها.
الشقة القديمة.
الشقة اللي اتقال لي إنها اتباعت بعد وفاة والدتها.
لكن حسام هز رأسه وقال
لا… ما اتباعتش.
يعني إيه؟
لأن فريدة كانت بتدفع إيجارها كل شهر لحد آخر شهر في حياتها.
اتسعت عيني من الصدمة.
مستحيل… كانت بتروح هناك إمتى؟
ده اللي لازم نعرفه.
في نفس الليلة، وقفنا قدام العمارة القديمة.
الساعة كانت قرب منتصف الليل.
الدنيا هادية بشكل مخيف.
طلعت المفتاح اللي كان معايا ضمن حاجات فريدة الشخصية.
المفتاح اللي عمري ما عرفت هو بتاع إيه.
جربته في باب الشقة.
وبمجرد ما دخل المفتاح مكانه…
دار بسهولة.
كأن الباب كان مستنينا.
فتحنا الباب ببطء.
التراب مغطي الأثاث.
والهوا تقيل.
لكن الغريب إن في أوضة واحدة بس كانت نضيفة بشكل واضح.
كأن حد كان بيستخدمها لحد أيام قليلة.
دخلنا الأوضة.
لقينا مكتب خشب صغير.
وفوقه صندوق معدني مقفول.
وعلى الصندوق صورة لفريدة.
وتحت الصورة ورقة مكتوب عليها
إذا وصلتم إلى هنا، فمعنى ذلك أني مت فعلًا… والحقيقة أخيرًا لازم تظهر.
نظرت لحسام.
ونظر هو ليا.
ثم مددت يدي ببطء نحو الصندوق…
وفي اللحظة اللي لمست فيها القفل…
سمعنا صوت خطوات ثقيلة قادمة من داخل الشقة نفسها.
مع إننا كنا متأكدين إن المكان كان فاضي تمامًا…!اتجمدنا إحنا الاتنين مكاننا.
الصوت كان واضح جدًا…
خطوة… خطوة… خطوة…
جاية من آخر الطرقة المظلمة.
يوسف كان واقف ورا حسام، مسك إيده بقوة وهمس بخوف
بابا… فيه حد هنا.
بصيت ناحية الطرقة، وحاولت أقنع نفسي إن ده صوت جيران أو صوت جاي من شقة تانية، لكن كل خطوة كانت بتقرب أكتر.
حسام مسك أول حاجة وقعت تحت إيده، عصاية خشب كانت جنب المكتب.
وفجأة…
ظهر خيال شخص عند آخر الممر.
ملامحه مش باينة.
واقف ساكت.
بيراقبنا.
صرخت
مين هناك؟!
ما ردش.
ثواني طويلة عدت.
بعدها الشخص خرج للنور خطوة واحدة.
ولما شفت وشه حسيت بصدمة جديدة.
كان بواب العمارة القديم.
الراجل العجوز اللي كنت بشوفه زمان وأنا رايح وجاي أيام ما كنت بخطب فريدة.
قال بصوت متقطع
أخيرًا… حد فتح الأوضة دي.
حسام قرب منه بحذر
إنت بتعمل إيه هنا؟
العجوز بص ناحية صورة فريدة وقال
كنت مستني اليوم ده.
مستني إيه؟
مستني أوفي بوعدي ليها.
كل كلمة كان بيقولها كانت بتزود غموض الموضوع.
قرب من المكتب، ومد إيده المرتعشة ناحية الصندوق المعدني.
وقال
فريدة قالتلي لو حصلها حاجة… وما رجعتش تاني… أسلمكم المفتاح ده.
وأخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا نحاسيًا.
المفتاح كان مطابق تمامًا لقفل الصندوق.
حطّه في إيدي.
وقال
لكن قبل ما تفتحوه… لازم تعرفوا إن اللي جوه هيغير كل حاجة تعرفوها عنها.
قلبي كان بيدق بجنون.
حطيت المفتاح في القفل.
لفيته ببطء.
تك.
القفل اتفتح.
رفعت الغطا.
جوا الصندوق كان فيه
مجموعة صور قديمة.
ملف أوراق سميك.
فلاشة صغيرة.
ومظروف أبيض كبير مكتوب عليه
إلى سليم.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت المظروف بسرعة.
وكان أول سطر في الرسالة
سليم… لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا فشلت إني أقولك الحقيقة بنفسي.
بلعت ريقي بصعوبة وكملت القراءة.
أول حاجة لازم تعرفها… إن يوسف ابني فعلًا.
رفعت عيني ناحية الولد.
الولد كان واقف مذهول زينا.
أما أنا فحسيت إن الأرض انسحبت من تحت رجلي.
لكن السطر اللي بعده كان
لمحة نيوز

أخطر بكتير.
لكن الشخص اللي مسجل في الأوراق على إنه أبوه… مش أبوه الحقيقي.
وقبل ما أكمل باقي الرسالة…
سمعنا فجأة صوت تكسير زجاج قوي من الصالة.
كلنا انتفضنا.
لفينا بسرعة.
ولقينا شباك الشقة متكسر.
وفي وسط الأرضية حجر ملفوف حوالين ورقة.
فتح حسام الورقة بسرعة.
ولون وشه اختفى تمامًا.
خطفته من إيده.
وكان مكتوب فيها
اقفلوا الملف قبل ما تموتوا زي فريدة.
ثم في آخر الورقة…
كان فيه اسم واحد فقط.
اسم شخص كنت أعرفه جيدًا جدًا…
شخص كنت بثق فيه أكتر من أي حد في الدنيا.
لكن لحظة ما قرأت الاسم…
عرفت إن اللي حصل لفريدة ربما ما كانش وفاة طبيعية أصلًا فضلت باصص للاسم ثواني طويلة، وعيني مش مصدقة اللي شايفاه.
الاسم كان
الدكتور شريف.
دكتور النساء والتوليد اللي تابع حمل فريدة من أول يوم.
نفس الدكتور اللي خرج يوم ولادتها وقال لي البقاء لله.
حسام خطف الورقة من إيدي تاني وقرأ الاسم، وبعدها رفع عينه ناحيتي وقال
إنت تعرفه؟
هززت راسي ببطء.
ده الدكتور اللي كان متابع حالتها كلها.
ساعتها البواب العجوز شهق فجأة.
شريف؟!
بصينا له كلنا.
كان وشه شاحب بشكل غريب.
إنت تعرفه كمان؟
قعد على أقرب كرسي وكأنه فقد قوته مرة واحدة.
شوفت الراجل ده أكتر من مرة هنا.
هنا فين؟
في الشقة دي.
سكتنا كلنا.
حسام قرب منه بسرعة
إمتى؟
آخر مرة كانت قبل حوالي سنة وشهرين… قبل جوازك من فريدة بأيام.
قلبي بدأ يخبط بقوة.
كان بيعمل إيه هنا؟
العجوز هز رأسه.
معرفش… بس كان فيه خناقة كبيرة بينه وبين فريدة.
خناقة على إيه؟
سمعت فريدة بتصرخ فيه وتقول مش هسمحلك تاخده مني.
بصيت ناحية يوسف تلقائيًا.
والعجوز كمل
وبعدها الراجل خرج وهو متعصب جدًا.
عمّ الصمت المكان.
كل قطعة من الأحجية كانت بتخلي الصورة أعقد.
فتحت الملف اللي كان جوه الصندوق بسرعة.
أول كام ورقة كانوا أوراق طبية قديمة.
تحاليل.
تقارير مستشفيات.
وأوراق حضانة.
لكن فجأة سقطت صورة من بين الأوراق.
التقطتها.
وأول ما بصيت فيها حسيت إن أنفاسي وقفت.
الصورة كانت لفريدة.
حامل في الشهور الأخيرة.
لكن التاريخ المطبوع أسفل الصورة كان من إحدى عشرة سنة.
إحدى عشرة سنة!
يعني قبل ما أعرفها بسنين طويلة.
وقبل ما يوسف يتولد مباشرة.
قلبت الصورة من الخلف.
وكان مكتوب بخط فريدة
لو حصل لي حاجة… أوعوا تصدقوا كل اللي اتقال لكم.
في اللحظة دي مد حسام يده للفلاشة.
لازم نشوف اللي عليها.
رديت بسرعة
عندي لابتوب في البيت.
بعد أقل من ساعة كنا قاعدين في شقتي.
يوسف نايم من التعب على الكنبة.
أما أنا وحسام فكنا قدام شاشة اللابتوب.
وصلنا الفلاشة.
ظهر عليها ملف فيديو واحد فقط.
اسمه
الحقيقة.
ضغطت تشغيل.
ظهرت فريدة على الشاشة.
ملامحها كانت متعبة.
وعينيها مليانة خوف.
واضح إن الفيديو متصور قبل وفاتها بفترة قصيرة.
بصت للكاميرا وسكتت ثواني.
ثم قالت
لو الفيديو ده اشتغل… يبقى معناه إن في حاجة حصلت لي.
أنا فريدة…
والكلام اللي هقوله دلوقتي ممكن يودي ناس كتير السجن.
أنا اتجوزت سليم وأنا بحبه فعلًا…
لكن كان فيه سر كبير مقدرتش أقوله.
بلعت ريقي وأنا متسمر قدام الشاشة.
فريدة كملت وهي بتبكي
يوسف ابني… وأنا عمري ما كذبت لما قلت كده.
لكن أبوه الحقيقي…
مش حسام.
ولا أي شخص ممكن تتوقعوه.
أنا أخدت السر ده معايا سنين طويلة علشان أحميه.
وفجأة سمعنا صوت طرق عنيف جدًا على باب الشقة.
دق! دق! دق!
لدرجة إن يوسف صحي مفزوع من النوم.
وقف الفيديو تلقائيًا لما اللابتوب وقع من إيد حسام.
رجعت الدقات أقوى.
ثم صوت رجل من خلف الباب
افتح يا أستاذ سليم… إحنا من الشرطة.
بصيت لحسام.
وبص هو ليا.
لأننا الاتنين عرفنا في نفس اللحظة إننا ما بلغناش الشرطة أصلًا…
وإن الشخص الوحيد اللي كان يعرف إننا بنشوف الفيديو دلوقتي…
هو الشخص اللي بيحاول يمنع الحقيقة من الظهور لفّينا بسرعة ناحية باب السطح.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت سامعه في وداني.
الباب اتفتح ببطء…
وظهر منه شخص.
لكن الصدمة إنه ماكانش واحد من الرجال اللي تحت.
كانت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض بالكامل، وبتتنفس بصعوبة كأنها طلعت السلالم جري.
أول ما شافت يوسف، دموعها نزلت فورًا.
وقالت
الحمد لله… لسه معاكم.
حسام وقف قدام يوسف بحماية.
إنتِ مين؟
الست بصت له ثواني وقالت
أنا الوحيدة اللي فاضلة تعرف الحقيقة كاملة.
وقبل ما حد يسألها، طلعت من شنطتها صورة قديمة جدًا.
ناولتها لي.
الصورة كانت لفريدة وهي صغيرة، يمكن عندها 18 أو 19 سنة.
واقف جنبها راجل أنيق في الأربعينات.
أشرت عليه
مين ده؟
الست أغمضت عينيها وقالت
ده السبب في كل اللي حصل.
اسمه إيه؟
مش مهم تعرفوا اسمه دلوقتي… المهم تعرفوا إنه كان راجل غني جدًا وصاحب نفوذ.
حسام نفد صبره
يوسف ابنه؟
الست سكتت.
ثم قالت
لا.
نظرت ليوسف.
ثم أضافت
لكن يوسف مرتبط بيه أكتر مما تتخيلوا.
في اللحظة دي سمعنا أصوات أقدام طالعة السلم بسرعة.
واضح إن الناس اللي تحت بدأت تطلع للسطح.
الست قربت مني بسرعة وحطت في إيدي ظرف صغير.
المفتاح اللي معاك يفتح خزنة.
خزنة فين؟
في المكان اللي فريدة كانت بتروحه سرًا كل شهر.
أي مكان؟
المكتبة القديمة عند محطة مصر.
بصينا لها باستغراب.
مكتبة؟!
هزت رأسها.
تحت المكتبة فيه مخزن قديم… وفيه الخزنة.
الأصوات كانت بتقرب أكتر.
فقالت بسرعة
لو عرفتوا اللي جوه الخزنة، هتعرفوا ليه فريدة كانت عايشة بخوف كل السنين دي.
وفجأة…
توقف كلامها.
حدقت خلفي مباشرة.
وشها فقد لونه.
استدرت بسرعة.
ولقيت عند باب السطح الدكتور شريف.
واقف بهدوء غريب.
ومعه رجلان.
الدكتور شريف ابتسم وقال
الحقيقة إنكم تعبتوا نفسكم كتير.
شد يوسف نحوي بخوف.
أما الست الكبيرة فكانت ترتجف.
لأنها عرفته فورًا.
الدكتور أخذ خطوة للأمام وقال
كان ممكن كل ده ينتهي من زمان… لو فريدة سمعت الكلام.
ثم نظر إلى يوسف نظرة طويلة.
وأضاف
الولد ده هو آخر قطعة في الموضوع كله.
سكت لحظة.
ثم قال جملة جعلت الجميع يحدق فيه بذهول
لأن يوسف… مش الطفل اللي كنتم فاكرينه أصلًا.
وفي نفس اللحظة، مد يده داخل جيبه وأخرج ورقة قديمة مختومة رسميًا، وقال
وعندي الدليل. لكن قبل ما تشوفوه، لازم تعرفوا إن فريدة أخفت عنكم الحقيقة لمدة أكتر من عشر سنين…!تجمد الدم في عروقي.
الدقات استمرت بقوة.
افتح يا أستاذ سليم… الشرطة!
حسام قرب من العين السحرية بحذر وبص منها ثواني.
رجع وهو مكشر.
فيه اتنين واقفين فعلًا… لابسين ملابس مدنية.
يعني شرطة؟
معرفش… بس لو شرطة حقيقية كانوا ورّونا كارنيهات من الأول.
الدقات زادت.
افتح الباب فورًا!
في اللحظة دي، سمعنا صوت إشعار خارج من اللابتوب.
بصيت للشاشة.
الفيديو كان لسه مفتوح.
لكن ظهر ملف جديد فجأة.
ملف ماكنش موجود من شوية.
اسمه
افتحني لو وصلوا قبل ما أخلص كلامي.
حسيت بقشعريرة.
ضغطت عليه بسرعة.
ظهر تسجيل صوتي لفريدة.
صوتها كان مرتعش
سليم… لو بتسمع الرسالة دي، يبقى الوقت خلص.
الشخص اللي بدوروا عليه مش بعيد عنك.
هو أقرب مما تتخيل.
وأوعى تثق في أي حد هيقول إنه جاي يساعدك.
حتى لو كان لابس صفة رسمية.
حتى لو كان معاه أوراق.
الدقات على الباب بقت أعنف.
أما أنا فكنت مركز مع كل كلمة.
في درج المكتب القديم اللي في أوضة النوم، فيه مفتاح.
المفتاح ده هيوصلك للحاجة اللي حاولوا يخفوها أكتر من عشر سنين.
لكن خلي بالك…
في حد كان بيراقبني من يوم ما اتجوزتك.
وفي حد عرف إني سجلت الفيديوهات دي.
التسجيل انتهى فجأة.
عم الصمت.
ثواني فقط.
ثم…
رن تليفون حسام.
كلنا انتفضنا.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد بحذر
ألو؟
جاله صوت راجل كبير في السن
لو عايزوا تعيشوا… اخرجوا من باب السطح حالًا.
وشوفوا مين واقف تحت العمارة.
الخط اتقفل.
أنا وحسام بصينا لبعض.
في اللحظة دي سمعنا صوت معدني عند باب الشقة.
كأن حد بيحاول يفتح القفل من بره.
ما استنيناش.
جرينا ناحية أوضة النوم.
فتحت درج المكتب بسرعة.
وفعلًا…
كان فيه مفتاح صغير مربوط بسلسلة فضية.
خدته وجريت.
طلعنا السلم لحد السطح.
والهواء البارد ضرب وشوشنا أول ما فتحنا الباب.
قربنا من سور السطح وبصينا تحت.
وكانت الصدمة…
عربية إسعاف واقفة.
وعربية شرطة.
وعدد من الناس متجمعين.
لكن اللي جمدنا مكاننا فعلًا…
إن الدكتور شريف نفسه كان واقف تحت.
وبيتكلم مع الرجال اللي عند باب العمارة.
وفجأة رفع رأسه لفوق.
وكأنه كان عارف مكاننا بالضبط.
وبص ناحيتنا مباشرة.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة وباردة.
وبعدها رفع إيده ببطء…
وأشار على يوسف.
كأنه بيقول
أنا جاي أخده.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت باب السطح بيتفتح خلفنا ببطء…!الدكتور شريف رفع الورقة قدامنا، والهواء كان بيقلب أطرافها.
أنا كنت حاسس إن أعصابي خلاص وصلت لآخرها.
صرخت فيه
انطق! إيه الحقيقة؟!
ابتسم ابتسامة باردة وقال
الحقيقة إنكم طول الوقت بتدوروا في الاتجاه الغلط.
ومد الورقة ناحيتي.
خطفتها من إيده بسرعة.
كانت صورة من شهادة ميلاد قديمة.
لكن قبل ما أركز في التفاصيل، الست الكبيرة صرخت فجأة
كداب! أوعى تصدق أي حاجة يقولهالك!
الدكتور شريف بصلها باحتقار.
بعد كل السنين دي لسه بتحاولي تخبي؟
الأصوات اختلطت ببعض.
حسام شد يوسف وراه.
وأما أنا فبدأت أقرأ الورقة.
لكن قبل ما أوصل للسطر المهم…
هبّت نسمة قوية.
الورقة طارت من إيدي.
وجريت وراها غريزيًا قبل ما تقع من فوق السطح.
لحقتها في آخر لحظة.
لكن وأنا بمسكها…
وقعت عيني على اسم مكتوب أسفلها.
اسم ماكنتش متوقع أشوفه أبدًا.
اسم فريدة.
لكن مش بصفتها أم.
ولا بصفتها زوجة.
كان مكتوب قبل اسمها
الوصية القانونية على الطفل.
تجمدت.
رفعت عيني ناحية يوسف.
ورجعت للورقة.
ثم ليوسف.
ومرة تالتة للورقة.
معنى الكلام ده إن…
فريدة لم تكن مسجلة كأم الطفل في المستند ده.
كانت فقط الوصية عليه.
في اللحظة دي حسام شهق.
لأنه فهم زيي بالضبط.
أما يوسف فكان واقف حائرًا، مش فاهم حاجة من اللي بتتقال.
الدكتور شريف قال بهدوء
أخيرًا بدأتوا تقربوا.
لكن قبل ما يكمل…
جاء صوت صفارات سيارات من الشارع.
كتير.
قوية.
ومتقربة بسرعة.
كلنا بصينا من فوق السطح.
وشفنا عربيات شرطة حقيقية داخلة الشارع.
مش عربية واحدة.
أكتر من عربية.
ولأول مرة من بداية الليلة، لاحظت إن ملامح الدكتور شريف اتغيرت.
الابتسامة اختفت.
والقلق ظهر في عينيه للحظة.
الست الكبيرة همست
وصلوا…
بصيت لها بسرعة.
مين؟
ردت وهي بتتنفس بصعوبة
الناس اللي فريدة كانت مستنياهم من سنين.
وفي اللحظة نفسها، أخرجت من جيبها مفتاحًا ثانيًا يشبه المفتاح اللي معايا تمامًا.
وقالت
الخزنة اللي في المكتبة ما فيهاش الحقيقة كلها.
الحقيقة كلها محتاجة المفتاحين مع بعض.
ثم وضعت المفتاح في يدي.
وأضافت بصوت مرتجف
وفريدة كانت عارفة إن اليوم ده هييجي… علشان كده قسمت السر نصين.
وفجأة دوى صوت طلق ناري من أسفل العمارة.
دوّى في المكان كله.
يوسف صرخ.
وحسام جذبه إليه.
أما الدكتور شريف فالتفت ناحية باب السطح للحظة واحدة فقط…
اللحظة التي استغلها أحد الرجلين الواقفين معه.
إذ نظر إليه وقال
إحنا لازم نمشي حالًا.
هنا أدركت لأول مرة أن الرجلين لم يكونا يحميانه…
بل كانا يراقبانه.
وأن اللعبة أكبر بكثير مما كنا نتخيل.
لكن قبل أن يتحرك أي شخص، سقط من جيب الدكتور شريف شيء صغير على الأرض.
شيء لم يلاحظه أحد غيري.
انحنيت بسرعة والتقطته.
كان مفتاحًا إلكترونيًا صغيرًا.
وعليه ملصق قديم باهت.
مكتوب عليه ثلاثة كلمات فقط
غرفة 317 الأرشيف.
فرفعت رأسي ببطء…
وعرفت أن وجهتنا القادمة لن تكون المكتبة فقط قبضت على المفتاح الإلكتروني بقوة وخبيته في جيبي قبل ما حد يلاحظ.
الدكتور شريف كان مشغول باللي بيحصل تحت العمارة، لكني لمحته فجأة يتحسس جيوبه بسرعة.
واضح إنه اكتشف إن المفتاح اختفى.
عيناه دارتا بيننا كلنا.
لثانية واحدة حسيت إنه هيعرف إني أنا اللي أخدته.
لكن قبل ما يتكلم، اندفع عدد من الرجال إلى السطح.
كانوا بملابس رسمية بالفعل.
أحدهم أشهر بطاقته وقال
محدش يتحرك!
عمّ الارتباك المكان.
الدكتور شريف رجع خطوة للخلف.
والست الكبيرة أطلقت تنهيدة ارتياح لأول مرة.
الرجل اقترب مباشرة من الدكتور شريف وقال
بقالنا سنين بندور وراك.
اتسعت عينا شريف.
إنتوا فاهمين غلط…
الكلام ده هتقوله بعدين.
بدأ الرجال يحيطون به، لكن فجأة…
صوت يوسف قطع كل شيء.
استنوا!
كلنا بصينا له.
كان واقف في مكانه، ووجهه شاحب.
ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.
سلسلة فضية.
علّاقة قديمة على شكل قلب.
وقال بصوت مرتعش
ماما ادتهالي قبل ما تموت.
أنا وحسام تبادلنا النظرات.
يوسف أكمل
وقالت ما أفتحوش غير لما يبقى كل الناس موجودين.
الست الكبيرة شهقت.
والدكتور شريف شحب وجهه بشكل مخيف.
هنا عرفت إن الحاجة الصغيرة دي أهم مما كنا متخيلين.
فتح يوسف القلادة بصعوبة.
كان بداخلها ورقة مطوية صغيرة

جدًا.
أخرجها بحذر.
فتحناها.
وكان مكتوب بخط فريدة
إذا وصلتوا للمرحلة دي… يبقى محدش فيكم عرف الحقيقة كاملة.
بلعت ريقي.
وكملت القراءة.
لا تصدقوا أي رواية واحدة. لا روايتي، ولا رواية شريف، ولا أي شخص آخر.
نظرت للدكتور شريف.
كان مركزًا على الورقة وكأنه يعرفها.
ثم جاء السطر التالي
الحقيقة موجودة في الأرشيف… غرفة 317.
اتسعت عيناي فورًا.
غرفة 317!
نفس الرقم المكتوب على المفتاح الإلكتروني.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
وفي الملف رقم 24 ستجدون الاسم الحقيقي للشخص الذي بدأت بسببه كل هذه المأساة.
ساد الصمت.
ثم قالت الست الكبيرة ببطء
الملف 24…
مستحيل.
التفتُّ إليها.
إنتِ تعرفيه؟
أغمضت عينيها.
كنت أتمنى عمره ما يخرج للنور.
وفي تلك اللحظة بالذات، رفع الدكتور شريف رأسه وقال لأول مرة بنبرة مختلفة تمامًا عن كل الليلة
لو وصلتوا للملف ده… حياتكم كلها هتتغير.
ثم نظر مباشرة إليّ.
وقال
وساعتها يا سليم هتعرف إن وفاة فريدة ما كانتش أكبر كذبة في القصة…
كانت مجرد البداية.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفي.
رقم مجهول.
للمرة الثانية تلك الليلة.
ترددت للحظة.
ثم ضغطت على زر الإجابة.
جاءني صوت امرأة مسنة، متوتر ومليء بالخوف
أستاذ سليم؟
أيوة.
اقفل الخط ومتتكلمش.
تجمدت في مكاني.
ثم همست
أنا الممرضة اللي كانت مع فريدة يوم ولادتها…
وفي حاجة لازم تعرفها قبل ما تروح غرفة 317.
ثم سكتت ثانية واحدة فقط…
وقالت الجملة التي جعلت يدي ترتعش وتسقط الهاتف تقريبًا
فريدة… ما ماتتش في يوم الولادة بالطريقة اللي قالهالك الدكتور اتجمدت مكاني.
الهاتف كاد يفلت من إيدي فعلًا.
بصيت للدكتور شريف تلقائيًا.
كان واقف بعيد شوية، لكن أول ما لمح نظرتي، فهم إن في حاجة اتقالت لي.
الممرضة كملت بسرعة وكأنها خايفة حد يقطع المكالمة
اسمعني كويس يا أستاذ سليم، معنديش وقت.
إنتِ بتقولي إيه؟! فريدة ماتت قدامي!
لا… اللي شوفته بعد كده. لكن وقت ما خرج الدكتور وقال إنها ماتت، كانت لسه عايشة.
حسيت إن الأرض بتنهار من تحتي.
إزاي؟!
لأن الدكتور خرج من غرفة العمليات قبل ما كل الإجراءات تخلص أصلًا.
قلبي كان بيخبط بجنون.
وبعدين؟
الممرضة أخذت نفسًا مرتعشًا.
حصلت مشادة كبيرة في أوضة جانبية. أنا سمعت جزء منها.
بين مين ومين؟
بين الدكتور شريف وشخص تاني جه المستشفى في نص الليل.
مين الشخص ده؟
معرفش اسمه… لكن كل اللي في المستشفى كانوا بيتعاملوا معاه بخوف شديد.
سكتت لحظة.
ثم قالت
وبعد ساعة تقريبًا… اختفت فريدة من القسم.
شهقت دون إرادة.
اختفت؟!
أيوة.
بس أنا استلمت شهادة الوفاة!
والشهادة دي لازم تعرف مين اللي أصدرها.
في اللحظة دي انقطع الصوت فجأة.
ألو؟ ألو؟!
لكن الخط اتقفل.
حاولت أتصل تاني.
الهاتف مغلق.
رفعت رأسي.
كل الموجودين كانوا باصين لي.
حسام قرب بسرعة
قالت إيه؟
قبل ما أرد…
الدكتور شريف قال بهدوء غريب
قالتلك إن فريدة ما ماتتش وقت الولادة؟
لفيت ناحيته بصدمة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
توقعت كده.
صرخت فيه
إنت عارف؟!
أكتر مما تتخيل.
الرجال اللي كانوا مراقبينه شدوا عليه.
بلاش ألعاب.
لكن شريف لم يهتم.
كان مركزًا عليّ أنا فقط.
وقال
المشكلة إنك بتسأل السؤال الغلط يا سليم.
أمال السؤال الصح إيه؟
اقترب خطوة واحدة.
ثم قال
لو فريدة ما ماتتش وقت الولادة…
فمين الشخص اللي اتدفن في قبر فريدة؟
ساد صمت مرعب فوق السطح.
حتى الهواء كأنه وقف.
بصيت ناحية حسام.
ثم ناحية يوسف.
ثم للقبر اللي دفنت فيه مراتي قبل ساعات.
وفجأة أدركت شيئًا لم يخطر على بالي من بداية القصة.
أنا…
لم أرَ وجه فريدة بعد إعلان الوفاة.
المستشفى قالت إن حالتها لا تسمح.
والدفن تم بسرعة غير طبيعية.
والكفن كان مغلقًا.
رجعت أنظر للدكتور شريف.
ولأول مرة منذ بداية الأحداث، لم أرَ في عينيه سخرية أو تهديدًا…
بل رأيت خوفًا.
خوفًا حقيقيًا.
ثم قال بصوت منخفض
روحوا لغرفة 317.
شوفوا الملف 24.
ولو بعد ما تقرأوه فضلتوا مقتنعين إن فريدة ماتت…
ابقوا ارجعوا اسألوني.
ثم التفت إلى الرجال الواقفين معه وقال
خلاص… أنا تعبت من الهروب.
لكن قبل أن يتحرك أحد، دوى صوت رسالة جديدة على هاتفي.
فتحتها بسرعة.
كانت من رقم مجهول.
لا تحتوي إلا على صورة واحدة.
صورة حديثة جدًا.
واضح أنها ملتقطة خلال الأيام القليلة الماضية.
ولما كبرت الصورة…
شعرت بأنفاسي تتوقف.
لأن المرأة الظاهرة فيها كانت فريدة.
بنفس ملامحها.
بنفس ابتسامتها.
وبنفس الخاتم الذي ألبستها إياه يوم زفافنا.
وتحت الصورة جملة قصيرة
لو عايز تشوفها حية… متروحش الشرطة.
وبأسفل الرسالة عنوان مكتوب بدقة…
عنوان مكان لم يخبرنا عنه أحد من قبل حدقت في الصورة غير مصدق.
كبرتها مرة واتنين وثلاثة.
الخاتم هو هو.
الندبة الصغيرة اللي كانت جنب حاجبها الشمال موجودة.
حتى الإيشارب اللي لابساه كنت أنا اللي اشتريتهولها قبل شهور.
حسام خطف الهاتف من إيدي.
ظل ينظر للصورة طويلًا.
ثم قال بصوت خافت
لو دي صورة متفبركة… فمتقنة بشكل مخيف.
أما يوسف فكان واقف مرتبكًا.
يعني ماما عايشة؟
سؤاله ضربني في قلبي.
لأني لأول مرة من يوم دفنها حسيت إن جزء مني عايز يصدق.
لكن جزء تاني كان خايف من الحقيقة.
الست الكبيرة اقتربت ونظرت للصورة.
وفجأة شحب وجهها.
لا…
إيه؟
المكان ده أنا أعرفه.
رفعت عيني بسرعة.
تعرفيه؟
أشارت إلى المبنى الظاهر خلف فريدة في الصورة.
ده بيت قديم على أطراف المدينة… كان مملوك لشخص واحد بس.
مين؟
سكتت.
ثم قالت
صاحب الملف 24.
في تلك اللحظة شعر الجميع بأن كل الطرق بدأت تلتقي في نقطة واحدة.
غرفة 317.
الملف 24.
البيت الموجود في الصورة.
وصاحب النفوذ الغامض الذي يتكرر ذكره منذ البداية.
أحد الرجال الرسميين قال بحزم
لازم نتحرك فورًا.
لكن المفاجأة جاءت من الدكتور شريف نفسه.
رفع رأسه وقال
لو رحتوا العنوان الأول… هتضيعوا.
ليه؟
لأن ده اللي هم عايزينه.
وهم مين؟
ابتسم ابتسامة مرهقة.
الناس اللي خلت فريدة تعيش مستخبية سنين.
الست الكبيرة همست
يبقى عرفوا إنها ظهرت.
شريف نظر إليها.
ثم قال
لا… هم عرفوا إن سليم بدأ يقرب للحقيقة.
ساد الصمت.
ثم مد شريف يده نحوي.
أخرج ورقة مطوية من جيبه.
دي خريطة الأرشيف.
أحد الرجال حاول منعه.
لكنه قال
خلاص… انتهى كل شيء.
ناولني الورقة.
وعليها مخطط قديم لمبنى كبير.
وفي زاوية الخريطة كانت دائرة حمراء حول
غرفة 317
وتحتها ملاحظة بخط يد
الملف 24 ليس باسم صاحبه الحقيقي.
شعرت بقشعريرة.
يعني حتى الاسم الموجود داخل الملف قد يكون مزيفًا.
وفجأة…
رن هاتف يوسف.
كلنا التفتنا إليه.
الولد نظر للشاشة بخوف.
ثم قال
الرقم ده أعرفه.
مين؟
ماما كانت بتكلمني منه أحيانًا.
تجمد الجميع.
إيه؟!
يوسف هز رأسه.
لما كانت تسافر.
حسام أمسكه من كتفيه.
تسافر فين يا يوسف؟
معرفش… كانت بتقولي متسألش.
اتسعت أعيننا جميعًا.
لأن يوسف كان يتحدث وكأن الأمر عادي.
وكأن فريدة كانت تتواصل معه خلال السنوات الماضية فعلًا.
ضغط يوسف على زر الرد.
ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
ثوانٍ مرت.
ثم جاء صوت امرأة.
صوت جعل قلبي يتوقف.
صوت فريدة.
واضح.
حي.
وحقيقي.
قالت بصوت مرتجف
يوسف… لو إنت سامعني، يبقى الأمور خرجت عن السيطرة.
بدأت دموعي تنزل دون أن أشعر.
أما حسام فجلس ببطء على أقرب كرسي.
وفريدة أكملت
سليم لو موجود… اسمعني كويس.
أنا آسفة.
آسفة عن كل حاجة.
لكن لو عايز تعرف الحقيقة كاملة…
ما تروحش للعنوان اللي بعتوهولك.
وما تفتحش الملف 24 لوحدك.
لأن فيه شخص واحد وسطكم…
مش الشخص اللي بيقول إنه هو.
ثم انقطع الصوت فجأة.
وعاد الصمت.
لكن هذه المرة لم ننظر إلى الخارج.
ولم نفكر في غرفة 317.
لأننا جميعًا كنا ننظر لبعضنا البعض…
ونسأل نفس السؤال المرعب
مين الشخص الموجود بيننا الآن… واللي بيخفي هويته الحقيقية؟ساد صمت ثقيل فوق السطح.
كل واحد فينا بقى يبص للتاني وكأنه بيشوفه لأول مرة.
أنا.
حسام.
الست الكبيرة.
الدكتور شريف.
الرجال اللي جم معاه.
حتى يوسف نفسه.
فريدة قالت بوضوح
فيه شخص وسطكم مش الشخص اللي بيقول إنه هو.
الجملة دي قلبت كل حاجة.
أحد الرجال قال بعصبية
محدش هيتحرك من مكانه.
لكن الدكتور شريف ضحك لأول مرة من بداية الليلة.
ضحكة قصيرة ومرة.
متأخرين.
تقصد إيه؟
أقصد إن الشخص ده بيلعب بيكم من أول يوم.
نظرت إليه بغضب.
لو تعرفه قول مين هو!
لكن شريف هز رأسه.
لو قلته دلوقتي محدش هيصدقني.
في اللحظة دي رن هاتفي مرة أخرى.
رسالة جديدة.
من نفس الرقم المجهول.
فتحتها بسرعة.
وكان فيها صورة واحدة.
صورة التُقطت منذ دقائق فقط.
تجمدت في مكاني.
لأن الصورة كانت لنا نحن.
على السطح.
أنا وحسام ويوسف والست الكبيرة.
الصورة متصورة من مكان قريب جدًا.
يعني…
في شخص كان يراقبنا الآن.
في هذه اللحظة.
وتحت الصورة مكتوب
اسألوا الست الكبيرة عن اسمها الحقيقي.
رفعت رأسي ببطء.
كل الأنظار اتجهت نحوها.
الست تراجعت خطوة.
وشها فقد لونه.
حسام قال بحدة
يعني إيه؟
مفيش.
اسمك إيه؟
أمينة.
ده اسمك الحقيقي؟
سكتت.
هنا فقط فهمنا.
الدكتور شريف أغمض عينيه وكأنه كان ينتظر اللحظة دي.
أما الست الكبيرة فجلست ببطء على الكرسي.
وقالت بصوت متعب
لا.
شهق يوسف.
أما أنا فشعرت بقشعريرة.
يبقى اسمك الحقيقي إيه؟
أغمضت عينيها ثواني.
ثم قالت
اسمي… نادية.
الاسم وقع كالحجر.
لكننا لم نفهم معناه.
إلا عندما أكملت
نادية فؤاد.
فجأة تغير وجه الدكتور شريف.
لأول مرة رأيته مصدومًا فعلًا.
والست قالت
وأنا مش مجرد شاهدة على اللي حصل.
أنا كنت جزء منه.
جزء من إيه؟
نظرت إلى يوسف بعينين مليئتين بالدموع.
ثم قالت
لأني الممرضة اللي استلمت الطفل يوم ولادته.
صمت.
ثم أضافت
يوم ما اتولد يوسف… كان فيه طفل تاني اتولد في نفس الليلة.
بدأ قلبي يدق أسرع.
طفل تاني؟
أيوة.
وبعدين؟
انهمرت دموعها.
وبعدها حصلت أوامر بتبديل الملفات.
تجمد الجميع.
حتى الهواء اختفى من المكان.
ملفات مين؟
رفعت رأسها ببطء.
وقالت
ملفات الطفلين.
يوسف اتراجع خطوة.
أما حسام فبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
ثم همست نادية
من يومها وأنا مش عارفة الطفل اللي قدامي ده…
هو فعلًا يوسف…
ولا الطفل التاني.
سقط الصمت على الجميع.
لكن قبل أن نستوعب ما سمعناه…
وصلت رسالة جديدة على هاتف يوسف.
هذه المرة لم تكن صورة.
ولا عنوانًا.
كانت كلمة واحدة فقط
وصلوا.
وفي نفس اللحظة…
انطفأت كل أنوار الشارع أسفل العمارة دفعة واحدة.
وغرق المكان كله في ظلام كامل.
ثم سمعنا صوت مصعد العمارة يصعد ببطء…
ويتوقف عند السطح توقف المصعد عند السطح.
طنّ.
الصوت البسيط ده كان مرعب أكتر من أي حاجة حصلت الليلة كلها.
الظلام غطى المكان بالكامل، وما بقاش ظاهر غير أضواء بعيدة جاية من الشوارع المجاورة.
كلنا ثبتنا أنظارنا على باب المصعد.
لا أحد بيتكلم.
لا أحد بيتحرك.
ثم…
بدأ الباب يفتح ببطء.
شششش…
ظهر أولًا حذاء أسود.
ثم رجل طويل القامة نزل من المصعد.
وخلفه شخص تاني.
والثالث…
كانت امرأة.
أول ما شافتها نادية، أطلقت شهقة قوية وكادت تقع من الصدمة.
مستحيل…
الرجل الأول رفع رأسه ونظر إلينا بهدوء غريب.
ثم قال
بقالنا سنين بندور على نهاية الحكاية دي.
الدكتور شريف شحب وجهه.
إنت…
أيوة.
وسكت.
لكن واضح إنهم يعرفوا بعض.
الرجل اقترب أكثر.
وفي الضوء الخافت قدرت أشوف ملامحه.
كان في أواخر الخمسينات.
هيبة غريبة.
ونظرة باردة جدًا.
أما المرأة الواقفة خلفه فكانت تحمل حقيبة جلدية سوداء.
تقدمت للأمام ووضعتها على الأرض.
ثم فتحتها.
وأخرجت ملفًا سميكًا.
مكتوب عليه بخط أحمر كبير
24
الملف 24.
الملف اللي الكل بيدور عليه.
الرجل نظر إليّ مباشرة.
سليم؟
أيوة.
قبل ما الملف ده يتفتح، لازم تختار.
أختار إيه؟
تعرف الحقيقة… أو تحتفظ بالوهم الجميل اللي عشت بيه سنة كاملة.
صرخت فيه
كفاية ألغاز! فريدة فين؟!
لأول مرة تغيرت ملامحه.
وبص ليوسف.
ثم قال
السؤال الصح مش فين فريدة؟
الصمت خيّم على المكان.
ثم أكمل
السؤال الصح هو…
مين فريدة أصلًا؟
شعرت كأن أحدهم ضربني في صدري.
لكن قبل أن أتكلم، فتحت المرأة الملف.
وأخرجت منه صورة قديمة جدًا.
ثم سلمتها لي.
نظرت إليها…
وتجمدت.
الصورة كانت لفريدة فعلًا.
لكن عمرها فيها لا يزيد عن عشر سنوات.
وبجانبها طفلة أخرى.
نسخة طبق الأصل منها.
نفس الوجه.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
توأم.
رفعت رأسي ببطء.
والرجل قال
لأن الحقيقة اللي محدش عرفها…
إن فريدة كان عندها أخت توأم.
وواحدة منهم اختفت من أكتر من عشرين سنة.
أما الثانية…
فهي اللي دخلت حياتك.
نظر الجميع إلى الصورة.
أما أنا فشعرت أن كل ما عرفته عن زوجتي بدأ ينهار قطعة قطعة.
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.
لأن المرأة فتحت الصفحة التالية من الملف.
وأخرجت شهادة رسمية.
وضعتها أمامي.
وفي خانة الاسم كانت مكتوبة جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
الاسم الحقيقي لفريدة غير معروف.
وفي أسفل الصفحة…
كان هناك اسم آخر بالكامل.
اسم امرأة لم أسمع به في حياتي.
المرأة التي قيل إنها فريدة…
لم تكن مسجلة بهذا الاسم أصلًا.
وفي اللحظة التي حاولت فيها قراءة الاسم كاملًا…
جاء صوت مألوف جدًا من خلفنا

أخيرًا وصلتوا للجزء الصح من القصة.
التفتنا جميعًا.
وتوقفت أنفاسي.
لأن صاحبة الصوت…
كانت امرأة تشبه فريدة بشكل لا يُصدق التفتُّ ببطء.
قلبي كان بيخبط بعنف لدرجة إني حسيت إن الكل سامعه.
المرأة كانت واقفة عند مدخل السطح.
نفس الطول.
نفس العينين.
نفس ملامح فريدة.
حتى طريقة وقفتها.
للحظة، عقلي رفض يصدق أي تفسير غير واحد.
همست
فريدة…
الدموع نزلت من عيني دون إرادة.
لكن المرأة هزت رأسها ببطء.
لا يا سليم.
تجمدت في مكاني.
إيه؟
أنا مش فريدة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا نادين.
نظرت إلى الصورة اللي في الملف.
ثم إليها.
ثم للصورة مرة أخرى.
كانت الطفلة الثانية.
التوأم.
الشخص الذي قيل إنه اختفى منذ أكثر من عشرين سنة.
نادية جلست على الكرسي وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
أما الرجل صاحب الملف 24 فتنهد وقال
وأخيرًا… بقت كل الأطراف موجودة.
لكن نادين قاطعته فورًا
لا.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
لسه أهم شخص مش موجود.
مين؟
أجابت دون تردد
فريدة.
ساد الصمت.
شعرت أن رأسي سينفجر.
يعني إيه؟! من ساعة وإنتوا بتقولوا فريدة ماتت… وبعدين عايشة… وبعدين مش هي… وبعدين في توأم… إيه الحقيقة؟!
نادين أغمضت عينيها.
ثم قالت
الحقيقة إن فريدة موجودة.
تجمد الجميع.
حتى الدكتور شريف رفع رأسه بسرعة.
إنتِ متأكدة؟
أيوة.
فين؟
نظرت نادين ناحية يوسف.
ثم قالت
هي اللي بعتت الرسائل.
أنا وحسام تبادلنا النظرات.
إذًا فريدة هي فعلًا صاحبة الرقم المجهول.
هي صاحبة الصور.
هي صاحبة المكالمات.
لكن السؤال الأكبر ظل قائمًا.
إذا كانت حية…
فلماذا اختفت؟
ولماذا تركت ابنها؟
ولماذا سمحت لنا ندفن قبرًا باسمها؟
نادين أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
لأنها كانت مقتنعة إن ظهورها هيقتل ناس.
في تلك اللحظة دوى صوت رسالة جديدة.
لكن هذه المرة لم تصل لهاتفي.
وصلت لهاتف الرجل صاحب الملف 24.
فتحها.
وتغير وجهه فورًا.
مستحيل.
إيه؟
رفع الهاتف أمامنا.
كانت صورة حديثة التُقطت منذ ثوانٍ فقط.
صورة لنا جميعًا فوق السطح.
لكن هذه المرة ظهر فيها شيء لم ننتبه له.
شخص واقف خلف خزان المياه الكبير في آخر السطح.
شخص يراقبنا.
كبرنا الصورة.
ومع كل تكبير كانت الملامح تظهر أكثر.
ثم أكثر.
ثم أكثر.
وفجأة…
شهق الدكتور شريف.
وسقط الهاتف تقريبًا من يد الرجل.
أما نادين فوضعت يدها على فمها.
لأن الشخص المختبئ خلف الخزان…
لم يكن غريبًا.
ولم يكن مجهولًا.
كان شخصًا يفترض أنه مات منذ سنوات طويلة.
الشخص الذي بدأت قصته مع فريدة قبل أكثر من عشر سنوات.
والاسم المكتوب في الملف 24 نفسه.
وفي اللحظة التي التفتنا فيها جميعًا نحو خزان المياه…
لم نجد أحدًا هناك.
لكن على الأرض، مكان وقوفه، كانت ورقة واحدة فقط.
ورقة مطوية.
وعليها بخط واضح
لو عايزين الحقيقة كلها… هاتو فريدة بنفسها.
ثم في أسفل الورقة سطر أخير جعل الرعب يتسلل إلى قلوب الجميع
لأن فريدة هي الوحيدة اللي تعرف مين يوسف فعلًا ساد صمت طويل فوق السطح.
كل الأسرار، كل المطاردات، كل الملفات والرسائل، كانت بتلف حوالين سؤال واحد
مين يوسف فعلًا؟
بعد ساعات من التوتر والجدال، وافقت نادين أخيرًا إنها تقول المكان اللي كانت فريدة مستخبية فيه.
وفي صباح اليوم التالي، اتحركنا كلنا للمكان.
بيت قديم معزول على أطراف المدينة.
قلبي كان بيدق بعنف طول الطريق.
مش عارف أنا رايح أقابل مراتي اللي دفنتها بإيديا…
ولا رايح أقابل أكبر كذبة في حياتي.
وصلنا.
نادين فتحت الباب.
ودخلت تنادي
فريدة… خلاص… انتهى الهروب.
ثواني مرت.
ثم خرجت امرأة من إحدى الغرف.
ولما شفتها…
عرفت فورًا.
كانت فريدة.
حية.
قدامي.
بلحمها ودمها.
وقعت على ركبتي من الصدمة.
أما هي فبكت.
بكت كما لم أرها تبكي من قبل.
وقالت
سامحني يا سليم.
لم أستطع الرد.
كنت بين الغضب والفرحة والصدمة.
بعد ساعات طويلة من الكلام…
ظهرت الحقيقة كاملة.
منذ أكثر من عشر سنوات، كانت فريدة تعمل متطوعة في دار رعاية أطفال.
وفي ليلة معينة، وقع حادث كبير أدى إلى فقدان أوراق طفل رضيع مجهول الهوية.
الطفل كان يوسف.
لا أحد عرف أهله الحقيقيين.
وفريدة تعلقت به واعتبرته ابنها.
لكن أشخاصًا أصحاب نفوذ حاولوا استخدام الطفل لاحقًا لأسباب تتعلق بميراث وثروة قديمة مرتبطة بعائلة كبيرة.
ولما رفضت فريدة تسليمه، بدأت سنوات من التهديدات والمطاردات.
أما حسام، فلم يكن زوجها.
كان مجرد شخص ساعدها في إخفاء يوسف.
وأما الدكتور شريف، فكان يعرف جزءًا من الحقيقة، لكنه أخفى أشياء كثيرة خوفًا على نفسه.
وعندما حملت فريدة من سليم، شعرت أن الخطر عاد من جديد.
وبعد ولادتها، اكتشفت أن هناك من يراقبها ويقترب من الوصول إلى يوسف.
لذلك رتبت خطة اختفائها.
الشخص الذي دُفن لم يكن فريدة، بل امرأة مجهولة توفيت في المستشفى في الليلة نفسها، وتم استغلال الفوضى لإخفاء أثر فريدة وإنقاذ يوسف.
كانت خطة خاطئة ومؤلمة، لكنها ظنت أنها الحل الوحيد.
أما الملف 24…
فكشف أخيرًا أن يوسف لم يكن وريثًا لثروة ولا ابنًا لشخصية نافذة كما ظن الجميع.
بل كان طفلًا ضائعًا اختلطت حوله الأكاذيب والشائعات حتى تحولت حياته إلى لغز كبير.
وفي النهاية، لم تكن القضية قضية مال أو نفوذ.
كانت قضية أم ضحت بعمرها كله لتحمي طفلًا اعتبرته ابنها.
بعد شهور طويلة، أُغلقت التحقيقات.
واختفت الأسماء الغامضة من المشهد.
وبقي القرار الأصعب في حياة سليم.
هل يسامح فريدة؟
هل يغفر لها أنها جعلته يعيش مأساة دفنها وهي حية؟
مرت الأيام…
ثم الشهور…
وفي يوم هادئ، كان سليم جالسًا في حديقة المنزل يراقب يوسف وهو يلعب.
اقتربت فريدة وجلست بجانبه.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت
لو رجع بيا الزمن… كنت هقولك الحقيقة.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
ولو رجع بيا الزمن… كنت هختارك برضه.
انهمرت دموعها.
وأمسكت يده.
وفي تلك اللحظة، ركض يوسف نحوهما وهو يضحك.
احتضناه معًا.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
لم يعد يهم من يكون يوسف.
ولا من أين جاء.
ولا ماذا تقول الملفات.
لأن الحقيقة الوحيدة التي بقيت هي
أن العائلة لا يصنعها الدم دائمًا… بل يصنعها الحب والوفاء والتضحية.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *