فستاني الأبيض وثمن الكبرياء ج1 حكايات شروق خالد
لما حماتي قطعت فستاني الأبيض في نص المطبخ، صرخت في وشي وقالت: “ابني هو اللي دافع دم قلبه في كل حاجة في البيت ده!”.. جوزي كان واقف جنبها وحاطط إيده في جيبه، ومطقش بولا كلمة.. ولا حرف. عشان كده تاني يوم الصبح، لما جيت أبص في كاميرا المراقبة وشوفت مفتاحها مبيفتحش الباب، همست وقولت: “يا ليلى.. البيت ده عمره ما كان بتاعه اصلاً”.. ودي كانت أول كدبة بس أكشفها.
ليلى قطعت فستاني الأبيض من النص في نص المطبخ، وصوت القماش وهو بيتقطع كان حامي أوي لدرجة إنه حسسني إن جلدي هو اللي بيتقطع. جوزي، كريم، كان واقف جنبها وحاطط إيده في جيبه، وبيتفرج على أمه وهي بتهزأني وبتصغرني وكأني واحدة غريبة دخلت حياته بالغلط!
ليلى زعقت وهي ماسكة حتة من الفستان المقطوع في إيدها: “ابني هو اللي دافع دم قلبه في كل حاجة في البيت ده! كل حاجة.. السقف اللي داريكي، والأكل اللي بتاكليه، والعيشة المرقوعة اللي عاملاها لنفسك وعايشة فيها!”
المطبخ حله السكوت، ومكنش مسموع غير صوت نقطة مية بتنزل من الحنفية. كنت واقفة حافية على رخام المطبخ، حاطة إيدي على فستاني المتبهدل، ومبرقة لكريم.
*كنت بقول في سري: “انطق.. قول أي حاجة”.*
بص في الأرض.
مطقش بولا كلمة.
ليلى أول ما شافت نظراتي، ركبتها الضحكة.. افتكرت إن سكوته ده معناه إنها كسبت الجولة.
قربت مني وقالت: “ده إنتي المفروض تبوسي إيدك وش وضهر.. قبل كريم إنتي مكنتيش تسوي حاجة”.
كنت هضحك.. والله كنت هضحك في وشها.
عشان الرخام اللي هي واقفة عليه بكعبها ده؟ بتاعي بفلوسي. البيت اللي بتتنطط فيه بمفتاحها اللي معاه نسخة منه؟ بتاعي. حتى أسهم الشركة اللي كريم بيقعد يتمنظر بيها في العزومات؟ بتاعتي، طالعة من ورث كريم ميعرفش عنه حاجة عشان عمره ما كلّف نفسه يقرا ورقة. حتى “فلوس العيلة” اللي ليلى بتذلني بيها طلعت كلها منظرة على الفاضي، وديون، وكدب في كدب.
بس أنا اتعلمت حاجة واحدة في الـ 3 سنين جواز دول: البني آدم المغرور بيكشف ورقه بسرعة أول ما يحس إن اللي قدامه ملوش ضهر ومكسور.
عشان كده نزلت عيني في الأرض، وخليت صوتي يترعش وقولت: “أنا مش عايزة مشاكل”.
كريم أخد نفسه براحة وكأني أخيرًا قولت الكلام الصح اللي على هواه.
ليلى رفعت راسها لفوق وتنكّت: “أيوة كده.. بكرا بقى هتيجي وتعتذريلي وبإيد الكُل.. قدام العيلة كلها”.
بصيت لجوزي وقولتله: “هو ده اللي أنت عايزه يا كريم؟”
بلع ريقه وقال: “يمكن ده الأحسن يا نيرمين.. أمي برضه كانت مضغوطة الفترة اللي فاتت”.
*مضغوطة!*
قطعتلي فستاني.. وقالت عليا ماليش لازمة.. وهو كل اللي هامّه يطبطب على زعلها هي!
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتجمدت ومبقتش حاسة بحاجة خالص.
هزيت راسي وقولت: “ماشي”.
ليلى ضحكت ضحكة صفرا وقالت: “شايفة؟ أهو بتتعلم بالهداوة”.
ليلتها، كريم دخل نام في أوضة الضيوف بعد ما قالي “إنتي نكدية وبتاخدي الأمور بحساسية زيادة”. قعدت لوحدي في مكتبه، وكنت لسة بال فستان المتبهدل، وفتحت الفايل اللي المحامي بتاعي بعتهولي من أسابيع.
عقد ملكية الشقة.. تسجيلات كاميرات المراقبة.. كشوفات الحسابات البنكية.. إمضاءات مزورة.. وقروض ميعرفش عنها حاجة.
وبالموبايل، غيرت كالون الباب الإلكتروني وأنا قاعدة مكاني.
الساعة 7:04 الصبح، صوت مفتاح ليلى كان بيخربش في الباب ومنفعش يفتح.
من شاشة كاميرا المراقبة، شوفت وشها وهو بيتقلب والغل والحيرة باينين عليه.
قربت من الشاشة وهمست: “يا ليلى.. البيت ده عمره ما كان بتاعه اصلاً”.
حكايات شروق خالد
الجزء الثاني:
سيبت ليلى تخبط على الباب زي ما هي عايزة، وقفلت الشاشة وأنا جوايا راحة غريبة مبقتش حاساها من سنين. كريم صحي على صوت خبط أمه الهستيري، جري على الصالة وهو بيفرك في عينه وزعق: “نيرمين! في إيه؟ ومين اللي بيخبط على الصبح كده؟”
قولتله برود تام وأنا بشرب قهوتي: “دي والدتك.. روح افتحلها، أصل المفتاح بتاعها مابقاش شغال”.
بصلي باستغراب وجري فتح الباب. ليلى دخلت الممر وهي وشها أحمر من الغل وزعقت: “إيه القرف ده يا كريم؟ الكالون ماله؟ بقالي ساعة واقفه على الباب والمفتاح مابيلفش!”
كريم بصلي وهو مش فاهم حاجة: “في إيه يا نيرمين؟ هو الكالون باظ ولا إيه؟”
حطيت فنجان القهوة على الترابيزة وقومت وقفت، حطيت إيدي في وسطى وقولتلهم بابتسامة باردة: “لا مباظش.. أنا اللي غيرت الشفرة بتاعة الكالون الإلكتروني من الموبايل بالليل. وأظن ده بيتي، ومن حقي أقرر مين يدخل ومين لا.. صح ولا أنا غلطانة؟”
ليلى عينها كانت هتطلع من مكانها وصوتها علي أكتر: “بيتك؟ بيت مين يا عين أمك؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ البيت ده بيت ابني.. هو اللي شقيا وتعب فيه ودفع دم قلبه عشان يجيبلك الرخام اللي أنتِ واقفة تتمنظري عليه ده!”
كريم دخل في النص وقال بعصبية: “نيرمين! إيه الجنان اللي على الصبح ده؟ أنتِ إزاي تتجرأي وتغيري الكالون من ورايا؟ وإزاي تقولي على البيت بيتك؟ أنتِ اتجننتي؟”
بصيت لكريم بكل قرف، وطلعت الفايل اللي كنت قهرت نفسي عليه طول الليل، ورميته على السفيرة قدامهم.
وقولتله: “افتريشن يا كريم.. افتح الورق ده واقرا بنفسك عشان تعرف مين فينا اللي مجنون.. ومين اللي عايش في بيت مش بيته”.
كريم مسك الفايل وإيده بتترعش، وأمه وقفت جنبه وهي بتبص للورق بعين كلها غل، لكن أول ما كريم بدأ يقلب في العقود وكشوفات الحساب، ملامح وشه اتغيرت تمامًا.. والدم هرب من عروقه.
“إيه.. إيه ده؟” كريم قالها وهو صوته بيروح.
قولتله وأنا بقرب منه وعيني في عينه: “ده عقد الملكية الأصلي للشقة دي، اللي مدفوع تمنها بالقرش من حساب الورثبتاعي.. باسمي أنا يا كريم. مش باسمك أنت ولا باسم عيلتك الكريمة اللي مابتفصلش منظرة وكدب”.
ليلى اتوترت بس حاولت تعمل شجيعة: “كدب! ورق مزور! ابني مهندس كبير وبيقبض بالشيء الفلاني، وهو اللي شاري كل حاجة هنا!”
ضحكت بصوت عالي وقولتلها: “ابنك المهندس الكبير ده يا حماتي، واخد تلات قروض بضمان الشغل ومزور إمضتي على ورق عشان يسدد ديون البورصة اللي خسر فيها كل فلوووسه.. والشركة اللي كان بيقعد يتمنظر بأسهمها في وسط العيلة؟ الأسهم دي كانت متحولة لحسابي من تلات سنين كضمان لفلوس تانية استلفها مني قبل الجواز ومردهاش!”
كريم نزل راسه في الأرض ومطقش، ملامحه كانت شبه ملامح العيل اللي اتمسك وهو بيسرق.
بصيت لليلى وقولتلها: “يعني ابنك الحيلتين.. عايش في بيتي، وبياكل من خيري، ومستلف فلوسه مني، وفوق كل ده مزور إمضائي عشان يداري خيبته وديونه.. وفي الآخر جايين تقطعي فستاني في مطبخي وتقوليلي ابنك دافع دم قلبه؟”
ليلى بصت لكريم وهي مصدومة: “انطق يا كريم! قول إنها بتكدب! أنت مديون؟ الشقة دي مش بتاعتك؟”
كريم معرفش يرد، السكوت اللي سكتُهولي بالأمس لما أمه بهدلتني، رِجِعله تاني.. بس المرة دي سكوت الخزي والعار.
التفت لليلى وقولتلها: “ودلوقتي.. اتفضلي برة بيتي. ومفتاحك ده ارميه في أقرب صفيحة زبالة.. عشان لو شوفت وشك هنا تاني، هطلبلك البوليس بتهمة التعدي على ملكية غيرك”.
ليلى بصتلي بنظرة مليانة غل وخوف في نفس الوقت، وأخدت شنطتها وجريت على برا وهي بتلطم.
لفيت لكريم وقولتله ببرود: “وأنت يا كريم.. قدامك بالظبط ساعتين. تلم فيهم كل هدومك وحاجتك، وتطلع برة حياتي.. وقضية التزوير وسرقة الفلوس هتوصلك للمكتب بكرا الصبح”.
حكايات شروق خالد