فستاني الأبيض وثمن الكبرياء ج2 حكايات شروق خالد
الجزء الثالث:
كريم وقف مكانه وكأنه اضرب بالقلم، عينه رايحة جاية بين ورق المحامي وبين شنطة هدومه اللي في الأوضة. بدأ ينهج وصوته اتغير تماماً من العصبية للرعب، وقرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي: “نيرمين.. أرجوكي اسمعيني بس، والله كل اللي عملته كان غصب عني، البورصة هي اللي خربت بيتي وكنت هروح في داهية، قولت هعدي الأزمة وأرجع كل حاجة من وراكي من غير ما تحسي!”
شيلت إيده عني بمنتهى القرف وقولتله: “تعدي الأزمة؟ تقوم تزوّر إمضائي يا كريم؟ تسرقني؟ وأنا اللي كنت مأمناك على حياتي وفلوسي؟”
وقع على الركبة وبدأ يعيط بالدموع: “أنا أسف.. أنا عارف إني غلطت، بس وحياتك عندي بلاش قضية التزوير دي، دي فيها سجن وضياع مستقبلي.. أمي لو عرفت الحقيقة هيجرالها حاجة، أبوس إيدك بلاش فضايح في وسط العيلة، اعتبريها كبوة وأنا مستعد أكتبلك وصولات أمانة بكل مليم!”
بصيتله وأنا حاسة إن الراجل اللي كنت فاكراه سند وظَهر طلع أصغر بكتير من إني حتى أنتقم منه. قولتله بنبرة حاسمة: “قدامك ساعتين يا كريم، دقيقة زيادة وهتلاقي البوليس هنا وهو اللي هيطلعك”.
سابني ودخل الأوضة زي العيل المكسور، وبدأ يلم هدومه في الشنط وهو بيعيط ويدعي على الأيام. وفي وسط ما هو كان بيلم حاجته، موبايله اللي سابه على ترابيزة الصالة بدأ يرن.. الشاشة نورت باسم “مكتب أستاذ فريد – العقارات”.
أنا مكنتش ناوية أبص، بس الرنة كانت ورا بعض، وفي حركة تلقائية مسكت الموبايل وفتحت الخط من غير ما أتكلم.
صوت الراجل جه من الناحية التانية مستعجل: “يا بشمهندس كريم.. الشقة بتاعة التجمع الخامس اللي حضرتك شاريها باسم والدتك الاستاد ليلى، القسط بتاعها متأخر وميعاده فات من أسبوع، والشركة هتبدأ تاخد إجراءات سحب الشقة لو مدفعتش كاش بكرا الصبح”.
الدنيا لفت بيا.. شقة في التجمع؟ وباسم أمه؟
قفلت السكة في وش الراجل من غير ما أنطق، ودخلت على كريم الأوضة وهو بيقفل الشنطة، رميت الموبايل في وشه وقولتله: “شقة التجمع اللي باسم أمك دي.. مدفوع مقدمها منين يا كريم؟”
كريم أول ما سمع الجملة، الشنطة وقعت من إيده، ووشه اتقلب ألوان.. وبان عليه إنه خلاص اتكشف على الآخر.
قولتله بصوت زلزل الأوضة: “أنت مكنتش بتسدد ديون البورصة.. أنت كنت بتاخد الفلوس اللي بتسرقها مني ومن ورايا، وتروح تشتري بيها شقق وتكتبها باسم الست والدتك! اللي كانت واقفة في مطبخي بالأمس بتقولي ابنها دافع دم قلبه ومأكلني ومشربني!”
كريم لسلّس ومبقاش عارف يقول إيه: “نيرمين.. دي.. دي كانت تأمين لأمي عشان لو جرالي حاجة..”
قاطَعته وأنا بفتح الباب على آخره: “برة.. برة حياتي كلها.. وحق كل مليم أخدته، والشقة اللي باسم أمك دي، هاخدهم بالقانون، وهخلي العيلة كلها تعرف ابن ليلى البار كان بيجيب فلوس الشقق منين!”
شال شنطه وخرج يجري من الباب وهو مش ملاحق على فضيحته. قفلت الباب ورايا، وسندت ضهري عليه، ولأول مرة من سنين.. أخدت نفسي بجد، وحسيت إن الستارة نزلت على أكبر كدبة وعشتها.
حكايات شروق خالد
الجزء الرابع والأخير:
بعد ما كريم خرج والباب اتقفل وراه، البيت فجأة بقى واسع وهادي.. هدوء يشبه هدوء المعركة بعد ما تخلص. قعدت على الكنبة وأنا حاطة راسي بين إيديا، مش زعلانة عليه، لاء.. أنا كنت زعلانة على الـ 3 سنين اللي ضاعوا من عمري مع بني آدم بالرخص ده، بني آدم كان بياكل من خيري وهو وأمه، وفي الآخر يتمنظروا عليا.
لكن مكنش فيه وقت للعياط؛ الحرب مكنتش لسة خلصت.
المحامي بتاعي، أستاذ عادل، كلمني بعد ساعتين بالظبط. قولتله على كل اللي عرفته عن شقة التجمع الخامس. الراجل ضحك وقالي: “يا مدام نيرمين، ده هو كده رما نفسه في حبل المشنقة بإيده! الفلوس اللي تحولت من حسابك لحسابه في الفترة دي كلها كانت بتدخل وتخرج في نفس اليوم لحساب شركة العقارات.. دي قضية غسيل أموال ونصب عيني عينك، والشقة دي هتحجز عليها المحكمة لصالحك فوراً كتعويض”.
مرت 3 أيام.. وفي اليوم الرابع، جالي تليفون من رقم كريم. مكنتش هرد، بس قولت أشوف آخرتها إيه. فتحت الخط، ولقيت صوت ليلى حماتي هو اللي بيرن في ودني، بس المرة دي مكنش صوت الست القوية اللي بتعرّض كتافها وتطرد وتزعق.. الصوت كان مكسور، ودموعها مغرقاها:
“نيرمين.. يا بنتي.. أنا بكلمك وأنا وبوس تراب رجلك.. بلاش فضايح، كريم ابني اتمسك في المكتب قدام زمايله ومهندسين الشركة بتهمة التزوير، والشرطة أخدته.. أرجوكي تنازلي عن المحضر، إحنا ملناش غيره، وده ابنك برضه وجوزك وعِشرتك!”
قولتلها بنبرة أبرد من التلج: “ابني وجوزي؟ لا يا ليلى، ده كان الحرامي اللي مشغلينه عندي في البيت.. ونسيتي تقوليلي يا حماتي، الشقة بتاعة التجمع، شركة العقارات بعتتلك ورقة الحجز ولا لسة؟”
الست صرخت ولطمت على الناحية التانية: “يا خراب بيتي! الشقة؟ هتاخدي شقتي يا نيرمين؟ دي اللي هقعد فيها لما أموت!”
قولتلها: “دي بفلوسي أنا.. والرخام اللي كنتِ واقفة تتمنظري عليه بكعبك في مطبخي، أهو ابنك هيقعد يتمنظر برضه، بس على برش السجن.. سلام يا ليلى”.
قفلت السكة في وشها وعملت للبلوك رقم واحد في حياتي.
بعد شهرين..
كل حاجة رجعت لمكانها الصح. المحكمة حكمت بحجز الشقة بتاعة التجمع لصالحي، وكريم أخد حكم بالسجن بتهمة النصب والتزوير وسرقة أموال مؤتمن عليها. العيلة كلها عرفت الحقيقة، والناس اللي ليلى كانت بتقعد تتمنظر قدامهم، بقوا هما اللي بيبصولها بشفقة وبيتكلموا عليها من ورا ضهرها.
أنا واقفة النهاردة في نفس المطبخ، الرخام بيلمع، والحنفية مابتنزلش ولا نقطة مية.. كله اتصلح. لابسة فستان أبيض جديد تماماً، مفيش فيه ولا قطع، ومفيش حد يقدر يلمسه.
بصيت لكاميرا المراقبة اللي عند الباب، وابتسمت وأنا بأخد نفسي وبقول في سري: “الحكاية مش حكاية بيت يا ليلى.. الحكاية حكاية أصل.. والأصل عمره ما بيشترى بفلوس مسروقة”.
*(وهنا الستارة نزلت على حكاية نيرمين وكريم.. حكاية بتعلمنا إن الحق مابيموتش، وإن المغرور كدبه دايماً بيكشفه..
فستاني الأبيض وثمن الكبرياء ج2
حكايات شروق خالد