صرخة طفلة في “قهوة الفنار”..ج1 حكايات شروق خالد
الباب بتاع “قهوة الفنار” اتفتح هبّ هبدة جامدة لدرجة إن مفصلاته القديمة صرخت، وكل اللي قاعدين لفوا وشهم ناحية الباب.
كان بعد الظهر في يوم تلات عادي جداً، من الأيام اللي بتعدي من غير ما تسيب أي علامة في ذاكرة حد. صوت مكينات القهوة كان بيشلوش ورا النصبة، والمطر بينقّط على الإزاز البراني. المكان كله كانت ريحته زيت مقلي، وخشب قديم، وريحة بن محروق من كتر القعدة على السبرتاية.
وفجأة.. البنت الصغيرة دخلت.
مكانش سنها يزيد عن تمن سنين.
الجاكيت الجينز اللي لابساه كان واسع أوي على كتافها الكنزة، وكم منه كان نازل مغطي إيدها وزيادة. كوتشيها كان مفكوك، ورباطه متبهدل طين ومجرجر على أرضية الخشب، كأنها جريت لمسافة طويلة ومبقاش فارق معاها حاجة. وشها كان مخطوف وباهت من الساقعة، بس عينيها كانت واسعة ومبرقة بطريقة ملهاش علاقة بالجو برة.
مبصتش للبلديات اللي واقفين.
ولا حتى بصت للشباب اللي بيلعبوا طاولة.
هي مشيت خط مستحيل ناحية آخر القهوة، مكان ما في عشرة من أصحاب الموتوسيكلات التقيلة قاعدين تحت فلانة قديمة وعلم مصر صغير متعلق بجنب لوحة إعلانات القهوة.
الرجالة دول مكانش صوتهم عالي.
وده اللي الناس دايماً بتفهمه غلط عنهم. صح هما بيركبوا مكن تقيل وبلبسوا جاكيتات جلد متقشرة، بس كانوا بيقعدوا في حالهم، ويدفعوا الحساب بزيادة، وإيديهم دايماً واضحة قدام الكل، ومبيجوش جنب المشاكل إلا لو المشاكل هي اللي جت لحد غلبان مش قادر يشيل شيلته.
أكبر واحد فيهم رفع راسه الأول.
“جابر”، الملقب بـ “الجبل”، كان فيه خط جرح قديم عند فكه، وشعره غازيه الشيب، وإيديه باين عليها شقى السنين في تصليح المواتير، وشيل الهموم اللي عمره ما فكر يشرحها لحد. كان عايش في البلد دي من زمان والناس عارفة عنه حاجتين: مبيبدأش بخناقة، ومبيغمضش عينه عن عيل خايف.
البنت وقفت قدامه بالظبط.
وقالت بصوت واطي وهي بالعافية بتطلع النفس: “أرجوك.. ساعدني.”
جابر حط كوباية الشاي من إيده من غير ما تعمل صوت. موقفش فوق راسها ولا حسسها بالخوف، لقى نفسه بيميل لقدام بالراحة، وحط كوعه على ركبته، ونزل بمستواه لحد ما بقت عينيه في عينيها.
وقال لها بصوت حنين وواطي لدرجة إن القهوة كلها ميلت عشان تسمع: “يا بنتي إنتي في أمان دلوقتي.. اسمك إيه؟”
دقنها بدأت تترعش وقالت: “ليلى.”
“ماشي يا ليلى،” جابر خطف نظرة سريعة للقهوجي، ورجع بص لها تاني: “إيه اللي حصل؟”
في ثانية، بصت لكل راجل قاعد على الترابيزة دي، كأنها بتوزن بعينيها الصغيرين هل الكبار دول لسه ينفع نثق فيهم ولا لأ. وبعدين، رفعت كم الجاكيت حتة صغيرة عشان توريهم دراعها.
الجو في القهوة اتقلب تماماً.
فيه سكوت بيكون من باب الأدب، وفيه سكوت بيكون عشان الحقيقة المرة ظهرت في النور. السكوت ده كان تقيل. المكينة في ركن القهوة لسه بتطلع نور، والمطر لسه بينقّط على الإزاز، وورا النصبة فيه حاجة بتكتك كأنها مش فاهمة إيه اللي قطع هدوء المكان.
العلامات الزرقاء والخرابيش اللي في دراعها مكنتش بتاعة حادثة واحدة عابرة.
دي كانت ألوان وأشكال.. حتة مصفّرة عند الأطراف، وزراق غامق ناحية المعصم، وعلامة قديمة بتهرب فوق الكوع، واخدة شكل صوابع إيد واضحة وصريحة، مفيش حد أمين ينفع يقول عليها “وقعت على الأرض”.
واحد من الرجالة ورا جابر زق الكرسي لورا بسرعة لدرجة إن رجلي الخشب عملت صوت مزعج على الأرض.
وبرطم بصوت مخنوق: “المنظر ده ميصحش.. ده ميرضيش ربنا.”
جابر رفع إيده لفوق من غير ما يلف وشه. مش عشان يسكته بقسوة، لأ، عشان يثبت القهوة كلها ويهدي اللعب.
الغضب ساهل لما تشوف عيل بيتوجع، بس السيطرة على النفس هي الصعبة، وساعات السيطرة دي هي الحاجة الوحيدة اللي بتخلي العيل الخايف ميهربش تاني.
كاز على سنانه، بس صوته فضل حنين: “ليلى، هسألك سؤال واحد، ومش لازم تجاوبي بسرعة.. مين اللي عمل فيكي كده؟”
دموعها نزلت على وشها من غير ما تطلع صوت.
وهزت راسها جامد بالرفض.
“مش المفروض أقول.”
البلديات اللي واقفة جنب النصبة حطت إيدها على بوقها من الصدمة. القهوجي مد إيده ناحية التليفون عشان يطلب النجدة، بس وقف، وفضل عينه على جابر مستني الخطوة الجاية. الساعة القديمة اللي على الحيطة كانت مشيرة لـ اتنين وربع بعد الضهر، وبتكتك كأنها بتبصم اللحظة دي في التاريخ. جابر لمح كل حاجة: العلامات، الرباط المتطين، والطريقة اللي ليلى بتبص بيها ناحية الشبابيك مش ناحية الباب.
سألها: “إنتي قولتِ ‘مش المفروض’، مين ‘إحنا’؟”
صوابع ليلى الصغيرة ضغطت جامد على كم الجاكيت.
وعينيها راحت ناحية الشباك البراني، مكان ما الموتوسيكلات والعربيات النص نقل واقفة تحت المطر.
وبعدين قربت منه أكتر، لدرجة إن مفيش حد سمعها غير جابر والرجالة اللي جنبه بالظبط.
وهمست: “لازم نفضل ساكتين.. عشان لو عرف إني جيت هنا…”
جابر ماتحركش ولا حركة.
ولا أي حد في القهوة اتهز.
وفجأة ليلى لفت وشها ناحية الباب كأنها سمعت صوت رجلين برة مفيش حد تاني سمعها، وهمست—
حكايات شروق خالد
وهمست بـ رعب: “هو جيه.. برة.”
القهوة كلها سكتت سكتة موت. جابر رفع عينه وبص للشبابيك المحملة مية مطر، ولمح خيال راجل طويل، لابس كاب ومداري وشه، نازل من عربية ربع نقل، وبيقفل الباب وراه بهبدة هزت الشارع. الراجل مكنش بيمشي عادي، كان بيتحرك بعصبية وعينيه بتلف في المكان كأنه بيدور على صيد هربان منه.
ليلى لفت وجريت استخبت ورا ضهر جابر، مسكت في الجاكيت الجلد بتاعه بكل قوتها، وجسمها كله كان بيتنفض زي العصفور اللي مبلول من المطر.
جابر محركش رمش. بص للرجالة بتوعه بنظرة عين واحدة، نظرة هما حافظينها وعارفين معناها كويس. الرجالة اللي كانوا قاعدين مفرودين، كلهم اتعدلوا.. اللي كان بيلعب طاولة ساب القشاط من إيده، واللي كان بيشرب شاي حط الكوباية بالراحة، ومن غير شوشرة ولا صوت، عشر رجالة كتافهم عريضة بقوا حيطة سد مابين ليلى والباب.
الباب اتفتح تاني، بس المرة دي دخل منه راجل وشه مليان غل وعرق، هدومه متبهدلة، وبصوت جهوري وزعيق هز الحيطان قال: “ليلى! إنتي هنا؟”
القهوة كلها ماردتش عليه. القهوجي وقف ورا النصبة ومسك عصاية الشيشة، والزبائن اللي قاعدين على الكراسي لفو وشهم الناحية التانية كأنهم مش شايفينه، محدش عبره بكلمة.
الراجل قدم خطوتين جوة، وعينيه بدأت تلمح الجاكيت الجينز الواسع المستخبي ورا جابر. دمه فار وزعق وهو بيقرب: “أنا مش بكلمك يا بت؟ تعالي هنا! حسابك معايا في البيت.. سيبوها دي بنتي وأنا أدري بمصلحتها.”
جابر قفش في إيد ليلى الصغيرة عشان يطمنها، وبعدين قام وقف بطوله. جابر كان طويل وعريض، وعضلات إيديه المحفرة بالشقى كانت هيبة لوحدها. بص للراجل بعين باردة زي التلج، وقال بصوت هادي بس يرعب:
“بنتك؟”
الراجل حاول يبان جامد وميخافش: “آه بنتي.. وإنت مالك؟ وسع كده من طريقها.”
جابر قدم خطوة واحدة، وبقى وشه في وش الراجل، ومسك دراع ليلى بالراحة ورفع الكم، وورى القهوة كلها العلامات والزراق اللي فيه وقال له:
“إنت اللي عملت فيها كده؟”
الراجل وشه جاب ألوان، وبدأ يتلجلج في الكلام ويبرق: “إنت.. إنت هتدخل في خصوصيات الناس ولا إيه؟ دي بنتي وأنا بربيها!”
جابر من غير ما ينطق ولا كلمة، مسك الراجل من ياقة قميصه بـ إيد واحدة ورفعه من على الأرض كأنه قشاية، وبص له بعيون كلها شرار وقال له:
“الرجالة م تمدش إيدها على عيل صغير يا فندم.. والبلد دي مفيهاش حد بيربي بالمنظر ده. إنت مش هتلمس شعرة منها تاني.”
وفي ثانية، القهوجي كان طلب شرطة النجدة، والرجالة بتوع الموتوسيكلات حوطوا الراجل ومنعوه حتى إنه يتحرك أو يهرب برة القهوة. الراجل كان عمال يزعق ويشتم، بس صوته كان بيضيع وسط نظرات الغضب اللي في عين كل واحد في المكان.
جابر نزل على ركبته تاني لـ ليلى، ومسح دموعها بصباعه الخشن وقال لها بابتسامة حنينة:
“خلاص يا ليلى.. السر خلاص مابقاش سر، ومحدش هيقدر يمد إيده عليكي من النهاردة طول ما إحنا عايشين.”
صرخة طفلة في “قهوة الفنار”..ج1
حكايات شروق خالد
