صرخة طفلة في “قهوة الفنار”.. ج2 حكايات شروق خالد
الراجل مكنش قادر حتى يتنفس من قفشة إيد جابر اللي زي المنجلة في ياقته. حاول يعيّر صوته بالزعاق تاني وقال: “أنا هوديكم في داهية.. سيبوني بقولكم دي بنتي!”
في اللحظة دي، واحد من الرجالة بتوع المكن، اسمه “عمر”، قرب منه وحط إيده الثقيلة على كتف الراجل وضغط عليها لحد ما خلاه يكش، وقال له بنبرة كلها تهديد: “صوتك ميعلاش هنا يا شاطر.. إنت في قهوة الفنار، يعني صوتك لو عِلي، رجليك مش هتشيلك برة الشارع ده.”
الراجل لما شاف العشر رجالة محاوطينه وكلهم عينيهم بتطق شرار، وعافيتهم ترد الروح، بدأ يتهد ويبان عليه الخوف الحقيقي. نزل عينه الأرض وبدأ يغير نبرته: “يا رجالة استهدوا بالله، الموضوع مش زي ما إنتوا فاهمين.. البنت دي شقية ومبتسمعش الكلام وأنا كنت بأدبها بس.”
جابر زقه لورا خلاه يقع على الكرسي الخشب اللي جنبه، وقال له بصوت حاد زي الموس: “التأديب ده تعمله على نفسك لما تسترجل.. إنما تمد إيدك على حتة لحمة حمراء ملهاش ذنب، يبقى إنت محتاج اللي يربيك.” لفت جابر وشه للقهوجي وقاله: “عملت إيه في التليفون يا رجب؟”
رجب القهوجي هز راسه وقال: “كلمت المأمور بنفسي يا معلم جابر، والبوكس على وصول.. مش هيأخروا خمس دقايق.”
الراجل لما سمع سيرة البوكس والمأمور، وشه اصفّر وبقى يدور بعينيه على أي هربة، حاول يقوم عشان يجري ناحية الباب، بس اتنين من الرجالة سدوا السكة بجسمهم وكتفوا إيديه ورا ضهره وثبتوه في مكانه.
في الوقت ده، جابر رجع قعد على ركبته قدام ليلى، اللي كانت لسه بتترعش بس عينيها مكنتش بتفارق جابر، كأنها شافت فيه البطل اللي كانت بتحلم بيه في حكاياتها. جابر قلع الجاكيت الجلد الثقيل بتاعه، وحوطه حوالين كتافها الصغيرة، الجاكيت كان واصل لحد رجليها ومغطيها بالكامل.
قالت له بصوت مبحوح وهي بتبكي: “هو.. هو هياخدني تاني؟”
جابر مسك إيدها الصغيرة بين إيديه الكبار وقال لها بكل ثقة: “على ج*ثتي يا ليلى.. طول ما جابر الجبل فيه النفس، الراجل ده مش هيشوف وشك تاني.. النجدة زمانها جاية، وهتاخد حقك منه وحق كل شبر أزرق في دراعك ده.”
ومفيش دقيقتين، وصوت سارينة البوكس ظهر من أول الشارع، والأموار الحمراء والزرقاء بدأت تنور على الإزاز المبلول بتاع القهوة. دخل أمين الشرطة ومعاه عساكر، وأول ما شافوا المنظر والمعلم جابر واقف، الأمين قال: “خير يا معلم جابر؟ البلاغ جيلنا من عندك.”
جابر شاور على الراجل اللي مكلبشينه الرجالة وقال: “الراجل ده متبهدل من الإنسانية يا فندم.. عادم بنته من الضرب وعلامات صوابعه معلمة في لحمها، والبنت مستجيرة بينا هنا.”
الأمين بص لدراع ليلى وبص للراجل باحتقار، وقال للعساكر: “هاتوه ورايا على البوكس.. واطلبوا الإسعاف تيجي تكشف على البنت وتعمل تقرير طبي.”
وهما بيشدوا الراجل برة، كان عمال يبص لـ ليلى بغل، بس ليلى المرة دي مستخبتش.. هي وقفت ورا جابر وبصت للراجل بكل شجاعة، كأنها بتقول له إن زمن الخوف انتهى.
بعد ما الراجل ركب البوكس ومشي، القهوة كلها صقفت لجابر والرجالة. جابر أخد ليلى في حضنه وشالها، وقال للرجالة بتوعه: “دوروا المكن يا رجالة.. إحنا هنحصل البنت على المستشفى ومش هنفارقها لحد ما نطمن إنها راحت لمكان أمين وأهلها اللي بجد يستلموها.”
خرج جابر وشايل ليلى في حضنه تحت المطر، والموتوسيكلات دارت كلها وعملت صوت زلزل المكان.. صوت مكانش بيخوف ليلى المرة دي، بل كان صوت الأمان اللي هي بقالها سنين مستنياه.
وصل جابر والرجالة المستشفى العام، وصوت المكن وهو داخل ورا بعضه خلّى الأمن والدكاترة كلهم يقفوا على رجل. جابر نزل من على مكنته وهو لسه شايل ليلى، اللي كانت نامت من كتر التعب والخوف وهي دافنة وشها في كتافه.
دخل بيها الاستقبال، والدكتورة النابطشية جريت عليهم: “خير يا حاج؟ البنت مالها؟”
جابر نزل ليلى بالراحة على السرير الطبي وقال بصوت واطي عشان متصحاش: “البنت دي جاية من جحيم يا دكتورة. أبوها -لو ينفع يتقال عليه أب- كان ناهش لحمها بالضرب. عايزك تعملي تقرير بما يرضي الله، يوديه ورا الشمس وميخليهوش يشم الشمس تاني.”
الدكتورة أول ما رفعت كم الجاكيت وشافت دراع ليلى، عينيها دمعت وبصت لجابر وقالت: “حسبي الله ونعم الوكيل.. ده مش ضرب تأديب، ده تعذيب ممنهج! متقلقش يا حاج، التقرير ده هثبت فيه كل خربوش وكل كدمة قديمة وجديدة.”
في الوقت ده، البوكس وصل والمأمور بنفسه نزل ومعاه الراجل المتكتف. المأمور دخل وجرى على جابر: “منور يا معلم جابر، رجالتك قاموا بالواجب وزيادة. الراجل ده طلع مسجل ومعروف في منطقته بمعاملته السودة لبيته، والنيابة أخطرتنا بالتحقيق فوراً.”
جابر بص للراجل اللي كان واقف وعينه في الأرض من الخزي، وقال للمأمور: “البنت دي أمانة يا باشا.. القانون لازم يجيب لها حقها، والنيابة لازم تضمن إنها تروح لوالدتها لو موجودة، أو لدار رعاية ترحم طفولتها.”
مرت الساعات، وليلى بدأت تفوق. فتحت عينيها لقت نفسها في أوضة نظيفة، وفي إيدها كنيولا ومحاليل، وجنبها جابر قاعد على الكرسي الخشب وهو لابس نضارته وبيقرأ في مصحف صغير. أول ما حست بحركته، ابتسمت من غير ما تحس.
جابر قفل المصحف وبص لها بحنان: “صحيتي يا بطلة؟ حمد الله على السلامة.”
ليلى بصت حواليها وقالت بصوت ضعيف: “هو مشي؟ مش هيجي هنا؟”
جابر طبطب على راسها وقال لها بكل ثقة: “خلاص يا ليلى.. الراجل ده مابقاش ليه عين يرفعها في وشك. النيابة أمرت بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق، والتقرير الطبي قفل القضية عليه. ومتقلقيش، إحنا وصلنا لوالدتك، وعرفنا إنها كانت بتدور عليكي بقالها سنة بعد ما خطفك منها وحرمها منك، وهي جاية في السكة من المحلة دلوقتي عشان تاخدك في حضنها.”
دموع ليلى نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة. حطت إيدها الصغيرة فوق إيد جابر الخشنة وقالت له: “شكراً يا عمو جابر.. أنا كنت دايماً بدعي ربنا يبعت لي حد ينقذني، وربنا بعتك إنت وأصحابك.”
جابر ابتسم وعينيه لمعت بالدموع، وقال لها: “ربنا مبيسبش حد يا بنتي.. وإحنا مكنش ينفع نشوفك ونعدي الناحية التانية.”
بعد ساعتين، الباب اتفتح ودخلت أم ليلى، وهي بتجري وبتصرخ بلهفة: “بنتي! يا حبيبة قلبي!”.. اترمت في حضنها وقعدوا يعيطوا هما الاتنين في مشهد بكّى كل الدكاترة والممرضات اللي واقفين.
الأم لفت لجابر والرجالة اللي كانوا واقفين برة الأوضة، وبأست إيد المعلم جابر وهي بتشكرهم وتدعي لهم بطول العمر. جابر انسحب بالراحة مع رجالته، وخرجوا برة المستشفى.
الجو برة كان بدأ يروق، والمطر وقف، والشمس بدأت تطلع من بين السحاب وتنون الشوارع. الرجالة دوروا المكن بتاعهم، وجابر ركب مكنته وأخد نفس طويل، وحس إن الـ تلات العادي ده، مكنش عادي أبداً.. ده كان اليوم اللي ربنا اختارهم فيه عشان ينقذوا روح بريئة ويزرعوا الأمان في قلب طفلة.
صرخة طفلة في “قهوة الفنار”.. ج2
حكايات شروق خالد