دفنا امي بفلوس الجيران بقلم صابرين محمد

دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط… لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.
والله العظيم لحد النهارده مش عارفة ألوم نفسي ولا ألومها.
أمي طول عمرها بتقول إن الحال على قده بتبيع فطاير وعيش في السوق يومين في الأسبوع وتلف على البيوت تساعد الستات في التنضيف عشان توفر حق الدوا والأكل
وكل ما أقولها يا أمي اشتري لنفسك حاجة عدلة.
كانت تضحك نفس الضحكة المكسورة اللي عمرها ما فارقت وشها وتقول
أنا كويسة يا بنتي أهم حاجة أنتِ تاكلي وتشبعي.
وكنت بصدقها.
كنت فاكرة فعلًا إن أمي ماعندهاش غير اللي في جيبها.
لحد اليوم اللي ماتت فيه.
أمي ماتت على سرير المستشفى وإيديها كانت ساقعة بشكل عمره ما هيفارق خيالي ورجليها كانوا ورمين من التعب والمرض.. وأنا قاعدة جنبها ماسكة إيدها وبقولها متسبنيش لكنها سابتني.
ولما دفناها والله العظيم ما كان معايا فلوس الجنازة كاملة.
الجيران هما اللي وقفوا جنبي واحد دفع تمن الكفن وواحد جاب الأكل وواحدة ساعدتني في مصاريف العزا.
وأخويا سامح كان أول واحد يسأل على البيت مش على أمي.
بعد الدفنة بيومين بس دخل عليا وقال
بصي يا هناء… البيت ده قديم وخربان نبيعه ونقسم تمنه وخلاص.
بصيتله كأني أول مرة أشوفه وقولت
إحنا لسه راجعين من المقابر.
مراته نهلة ضحكت وقالتهو يعني الست الله يرحمها كانت سايبة إيه؟ ده البيت واقع أصلاً.
ساعتها حسيت إن النار ولعت جوايا لكني سكت لأني كنت تعبانة وموجوعة ومكسورة.
ومن يوم ما أمي تعبت وأنا شايلة كل حاجة لوحدي أنا اللي كنت بجيب دواها وأكشف عليها وأبات جنبها في المستشفى.
أما أخويا فكان بيقول
انا معايش مليم اتصرفي أنتي.
وأحتفظت بكل الرسائل دي كل كلمة كل موقف كل إهانة. يمكن علشان جوايا كان حاسس إن يوم الحساب جاي.
وفي ليلة بعد العزا كنت قاعدة لوحدي في البيت. البيت كان ساكت بشكل يخوف.
ريحة القهوة البايتة لسه موجودة وطرحتها

لسه معلقة ورا الباب.
وكأنها هتدخل دلوقتي وتقولي اعمليلي كوباية شاي يا بنتي.
ورغم إني كنت بموت من التعب فضلت ألف بعيني في البيت.
وفجأة عيني وقعت على مفتاح صغير جدًا مربوط فيه شريط أحمر.
المفتاح ده كان مع أمي طول عمرها وأنا صغيرة كنت أسألها
بيفتح إيه يا أمي؟
فتضحك وتقول
حاجات أحسن تفضل مقفولة.
افتكرت كلامها وحسيت بقشعريرة غريبة.
وفي اليوم اللي بعده وأنا برتب البيت المطر بدأ ينزل والسقف القديم بدأ يسرّب مية زي عادته.
طلعت أحط جردل تحت النقطة اللي بتنقط وساعتها لاحظت حاجة غريبة.
حتة صاج في السقف شكلها مختلف طلعت فوق الكرسي وبعدين فوق الترابيزة ومديت إيدي جوه الفتحة ولمست حاجة ملفوفة.
سحبتها وكانت علبة صاج قديمة متربة عليها قفل صغير.
قلبي كان بيدق بشكل مرعب طلعت المفتاح الأحمر وحطيته والقفل اتفتح من أول مرة.
فتحت العلبة ولقيت جواها دفتر بنك وظرف أصفر وصورة قديمة.
مسكت الصورة الأول والله العظيم إيدي كانت بتترعش.
لأن الست اللي في الصورة كانت أمي. بس مش أمي اللي أعرفها.
ست شيك جدًا. لابسة فستان أبيض وشعرها متظبط وحواليها ناس شكلهم من عالم تاني خالص.
قلبت الصورة ولقيت اسم عمري ما سمعته قبل كده. اسم مش اسم أمي.
ساعتها فتحت دفتر البنك وفي اللحظة دي حسيت إن روحي خرجت مني.
لأن الرقم اللي قدامي كان بالملايين. ملايين!أمي اللي كانت بتعد الجنيهات قبل ما تشتري الدوا.
أمي اللي كانت تقول معنديش. أمي اللي دفناها بتبرعات الناس.
كان عندها ملايين وقبل ما أستوعب اللي شوفته موبايلي رن.
كان أخويا سامح. رفضت أرد.
بعدها بثواني بعت رسالة صوتية. شغلتها وفجأة سمعت صوت مراته وهي بتقول من بعيد
هو لقى الصندوق ولا لسه؟
وفي نفس اللحظة سمعت أخويا يهمس بصوت خلّى الدم يتجمد في عروقي
صابرين_محمد
دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط… لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.
سامح قال بصوت واطي وهو فاكر إن التسجيل اتقفل
متتكلميش في التليفون يا نهلة… لو هناء عرفت قبل ما نلحق نتصرف هتبقى مصيبة.
وقبل ما يكمل قفلت الرسالة.
فضلت باصة للموبايل ثواني طويلة. قلبي بيدق بعنف، وإيدي ماسكة دفتر البنك كأنه هيختفي لو سيبته.
إزاي أخويا يعرف بالصندوق؟
وإزاي يعرف إنه موجود أصلًا؟
أنا نفسي ماكنتش أعرف عنه أي حاجة!
فتحت الظرف الأصفر بسرعة. كان جواه مجموعة ورق قديم مترب، وبعض الإيصالات، وخطاب مكتوب بخط إيد أمي.
أول سطر فيه كان
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجودة.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن اللي شد انتباهي أكتر إن أمي ماكملتش الكلام عن نفسها، ولا عن الفلوس.
كتبت جملة واحدة بس تحتها
أوعي تثقي في أي حد يطلب منك الدفتر قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
الحقيقة كاملة؟
قعدت أدوّر في باقي الورق.
لقيت عقود قديمة جدًا، وأسماء ناس معرفهاش، وختم شركة مقفولة من سنين.
وفجأة وقعت من بين الأوراق ورقة صغيرة مطوية أربع مرات.
فتحتها.
كانت عبارة عن أرقام وتواريخ وأسماء.
وفي آخر الورقة اسم واحد بس كنت أعرفه كويس…
سامح.
أخويا.
اسمه متكرر أكتر من مرة.
وتحته أرقام كبيرة.
عشرات الآلاف.
وفي جنب كل رقم كلمة واحدة
سُدد.
اتسمرت مكاني.
أخويا كان بياخد فلوس من أمي؟
طب ليه كان دايمًا يقول إنه عمره ما أخد منها جنيه؟
وليه كانت بتشتغل لحد آخر يوم في عمرها؟
الأسئلة كانت بتزيد بشكل جنوني.
وفي اللحظة دي سمعت صوت باب البيت الخارجي بيتفتح.
اتجمدت.
أنا كنت قافلة الباب بنفسي.
قمت بهدوء وبصيت من شق الباب.
ولقيت سامح واقف في الصالة.
معاه نهلة.
وبيتكلموا بصوت واطي.
نهلة قالت
دوري كويس… أكيد مخبياه هنا.
سامح رد بعصبية
أنا متأكد إنها كانت حاطاه فوق… أمي عمرها ما غيرت مكانه.
قلبي وقع.
هم مش جايين يعزّوني.
هم جايين يدوروا على حاجة.
نفس الحاجة اللي لقيتها.
رجعت بسرعة وخبيت الدفتر والظرف تحت هدومي، وقبل ما ألحق أتحرك سمعت صوت خطواتهم بتقرب من أوضة أمي.
خطوة…
ورا خطوة…
لحد ما وقفوا قدام الباب بالضبط.
وسمعت سامح يقول
لو الصندوق اتفتح فعلاً… يبقى هناء عرفت السر اللي أمي خبّته عننا أكتر من تلاتين سنة.
ساعتها بالذات…
وقبل ما أستوعب معنى كلامه…
وقع من داخل الظرف مفتاح تاني.
أصغر من الأول.
ومربوط فيه ورقة صغيرة جدًا مكتوب عليها بخط أمي
الخزنة الحقيقية مش في البيت بصيت لشهادة الميلاد أكتر من مرة.
الاسم فعلًا ماكنش اسم أمي… ولا اسم جدي… ولا أي اسم سمعته قبل كده.
رفعت عيني للحاج منصور وقلت
أنا مش فاهمة حاجة.
تنهد الراجل تنهيدة طويلة وقال
وأنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
وقبل ما يشرح، سحب صورة قديمة من الملف.
الصورة كانت بالأبيض والأسود.
فيها راجل وقور لابس بدلة، وست كبيرة شكلها من عيلة ميسورة، وبينهم طفلة صغيرة.
الطفلة دي كانت أمي.
مفيش شك.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس الملامح.
لكن الناس اللي واقفين معاها عمرهم ما ظهروا في أي صورة عندنا.
سألته بسرعة
مين دول؟
الحاج منصور مسح على الصورة بحنان وقال
دي كانت أول عيلة عاشت معاها فاطمة.
أول عيلة؟
الكلمة نزلت عليّ زي الصاعقة.
قلت
يعني إيه أول عيلة؟
قبل ما يرد، فتح الملف على صفحة تانية.
كانت قصاصة جريدة قديمة جدًا.
عنوانها كان كبير وعريض
حادث مأساوي يودي بحياة رجل أعمال وزوجته.
وتحت الخبر صورة لنفس الراجل والست اللي كانوا في الصورة.
إيدي بدأت ترتعش.
الحاج منصور قال بهدوء
الحادث ده حصل من سنين طويلة… وفي الليلة دي حياة ناس كتير اتغيرت.
فضلت ساكتة.
فكمل
بعد الحادث بأيام اختفت طفلة صغيرة كانت الوريثة الوحيدة لكل اللي أهلها سابوه.
حسيت إن قلبي وقف.
قلت
تقصد…
لكنه رفع إيده وقال
اسمعي للآخر.
فتح الملف على صفحة تالتة.
وهنا لقيت مستندات رسمية وخطابات ومحاضر قديمة.
كلها بتتكلم عن أملاك وأراضي وحسابات مالية.
وأسماء أصحابها كانت نفس الأسماء اللي في الجريدة.
لكن أغرب حاجة كانت موجودة في آخر الملف.
وصية مكتوبة بخط اليد.
في آخرها توقيع.
ولأول مرة أشوف توقيع أمي الحقيقي.
مش باسم فاطمة.
ولا باسم الست اللي ربتنا وعاشت وسطنا طول عمرها.
بل باسم مختلف تمامًا.
اسم مكتوب بخط واضح
ليلى عبد الرحمن السيوفي.
بصيت للحاج منصور مذهولة.
قلت
أمي اسمها

ليلى؟
هز رأسه ببطء.
وقال
وده لسه أول سر.
في اللحظة دي بالذات رن تليفوني.
كان سامح.
للمرة العاشرة تقريبًا.
قفلت المكالمة.
لكن بعدها وصلت رسالة.
فتحتها.
وكان فيها صورة.
مجرد صورة واحدة.
أول ما شفتها شهقت.
لأن الصورة كانت للصندوق اللي لقيته فوق السقف.
متصوّر من جوه البيت.
ومكتوب تحتها
متتحركيش من مكانك… إحنا عارفين إنتِ فين.
رفعت رأسي بسرعة للحاج منصور.
لقيته شاحب اللون بشكل مخيف.
وأول ما وريته الرسالة، قام واقف بصعوبة وقال
لا… يبقى وصلوا قبل ما كنت متوقع.
قلت بارتباك
مين؟
لكن بدل ما يجاوب، اتجه ناحية دولاب قديم في آخر الغرفة.
وطلع منه ظرف مختوم بالشمع الأحمر.
وسلمهولي وهو بيقول
لو حصل أي حاجة… افتحي الظرف ده بس بعد ما توصلي للمكان اللي أمك كانت مخبياه.
بصيتله وقلت
أي مكان؟
فرد بصوت منخفض
الخزنة الحقيقية.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت عربية وقفت بعنف قدام البيت.
وبعدها مباشرة…
خبطات قوية جدًا على الباب الخارجي فضلت أبص للمفتاح الصغير والورقة اللي متعلقة فيه وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع.
الخزنة الحقيقية مش في البيت.
الكلمات كانت قصيرة… لكنها قلبت كل حاجة.
برّه الأوضة، سامح ونهلة كانوا بيفتشوا في البيت كأنهم حافظين أماكنه حتة حتة.
سمعت نهلة بتقول
أكيد كانت مخبياها هنا. الست دي عمرها ما كانت بتثق في حد.
رد سامح بعصبية
اسكتي… ودوري.
في اللحظة دي خدت قرار.
حطيت المفتاح والورق في جيبي، ولميت الدفتر والصورة والخطاب في شنطة صغيرة، وخرجت من باب الأوضة فجأة.
سامح اتخض أول ما شافني.
وقال بسرعة
إنتِ هنا؟
بصيتله من غير ما أرمش.
بتدوروا على إيه؟
نهلة اتلخبطت وقالت
ولا حاجة… بنشوف لو محتاجة مساعدة.
ابتسمت ابتسامة باردة.
بعد ما العزا خلص؟
محدش رد.
لكن عيون سامح كانت بتلف في الأوضة كلها.
كأنه بيدور على حاجة معينة.
بعد دقائق خرجوا، لكن قبل ما يمشي، وقف عند باب البيت وقال
لو لقيتي أي أوراق تخص أمي… لازم أشوفها.
أول ما الباب اتقفل وراهم، حسيت إن الجملة دي أكدت شكوكي.
هو عارف.
وعارف أكتر مني بكتير.
في الصبح بدري، قعدت أقلب في الورق من أول وجديد.
لحد ما لقيت حاجة ماخدتش بالي منها.
خلف الصورة القديمة كان فيه ختم باهت وعنوان مكتوب بخط صغير.
العنوان كان في مدينة تانية بعيدة عن بلدنا بحوالي ساعتين.
وتحت العنوان كلمة واحدة
الأمانة.
قلبي دق بعنف.
فتحت الخطاب مرة تانية.
وقريت كل كلمة بتركيز.
وهنا لاحظت إن بعض الكلمات تحتها خطوط بالقلم الأحمر.
لما جمعت الكلمات اللي تحتها خطوط ورا بعض، طلعت جملة غريبة
اسألي الحاج منصور.
اسم جديد.
عمري ما سمعته قبل كده.
قعدت أفكر ساعات.
لحد ما افتكرت فجأة.
الحاج منصور!
راجل عجوز كان بييجي عند أمي كل سنة مرة أو مرتين.
كان يقعد معاها عشر دقايق ويمشي.
ولما كنت أسألها عنه كانت تقول
ده راجل أمين.
وبس.
ولا عمرها شرحت أكتر من كده.
بعد يومين سافرت على العنوان.
رحلة كاملة وأنا حاسة إني ماشية ورا خيوط لغز أكبر مني.
وصلت منطقة قديمة جدًا.
وشارعت ضيق كله بيوت عتيقة.
وسألت على الحاج منصور.
الناس بصت لبعضها باستغراب.
واحد منهم قال
الحاج منصور؟
قلت
أيوه.
سكت ثواني وقال
إنتِ تقربي للحاجة فاطمة؟
اتجمدت.
فاطمة كان اسم أمي الحقيقي.
الاسم اللي مكتوب على الصورة القديمة.
قلت بسرعة
أيوه… بنتها.
الراجل بصلي نظرة طويلة وقال
يبقى تعالي معايا.
مشيت وراه لحد بيت قديم جدًا.
ولما دخلت لقيت راجل كبير في السن قاعد على كرسي خشب.
أول ما شافني وقف بالعافية.
وعيونه دمعت.
وقال جملة خلت جسمي كله يقشعر
أخيرًا… فاطمة نفذت الوعد.
وقبل ما أسأله أي حاجة، مد إيده تحت الطاولة وطلع ملف سميك جدًا.
وحطه قدامي.
وقال
الملف ده مستنيكي من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
ثم فتح أول صفحة فيه…
ولقيت شهادة ميلاد قديمة جدًا…
لكن الاسم المكتوب فيها ماكانش اسم أمي…
ولا اسم أي حد من عيلتنا بصيت للكلمة أكتر من مرة.
المخزن رقم 17.
لا أعرف مخزن إيه… ولا فين… ولا ليه أمي عمرها ما جابت سيرته.
رفعت الورقة للحاج منصور.
أول ما شافها، اتغيرت ملامحه.
وقال
كنت خايف تسيبلك الورقة دي.
سألته بسرعة
ليه؟
رد بعد تردد
لأن المخزن 17 هو أول مكان هتعرفي منه الحقيقة… والحقيقة عمرها ما كانت سهلة.
واحد من الرجالة اللي واقفين قال
إحنا ضيعنا وقت كفاية.
لكن الحاج منصور تجاهله.
وقعد يقلب في الملفات لحد ما طلع مفتاح نحاس كبير.
كان عليه رقم 17 محفور بخط واضح.
سلمهولي.
وقال
العنوان موجود جوه الظرف الأحمر… بس أوعي تفتحيه هنا.
خرجت من البيت وأنا حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن حياتي القديمة.
الرجالة فضلوا واقفين يبصوا عليا.
ولا واحد منهم حاول يمنعني.
وده كان أغرب من أي حاجة.
كأنهم عايزينني أكمل.
كأن الطريق ده مرسوم من زمان.
في الطريق رجعت أبص في مراية العربية اللي كنت راكباها.
وفجأة لمحت عربية بيضاء ماشية ورانا.
في الأول قلت صدفة.
لكن بعد نص ساعة…
كانت لسه ورايا.
ولما العربية وقفت عند محطة بنزين…
العربية البيضاء وقفت هي كمان.
هنا بدأت أقلق فعلًا.
وصلت بلد صغيرة على أطراف المدينة.
وهناك فتحت الظرف الأحمر لأول مرة.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها عنوان قديم جدًا.
ومعاه جملة قصيرة
لو لقيتي المخزن فاضي… يبقى في حد سبقك.
قلبي انقبض.
ركبت أول مواصلة وكملت.
بعد ساعة تقريبًا وصلت لمنطقة كلها مخازن قديمة ومصانع مقفولة.
فضلت ألف لحد ما لقيت لوحة معدنية صدية مكتوب عليها
17
الباب كان ضخم ومغبر.
واضح إنه متفتحش من سنين.
طلعت المفتاح النحاس.
وحطيته في القفل.
في الأول ما اتحركش.
لفيته تاني بكل قوتي.
وفجأة…
تك!
القفل اتفتح.
دفعت الباب.
وصوت صريره دوى في المكان كله.
دخلت بحذر.
كان المخزن مظلم.
والتراب مغطي كل حاجة.
لكن بعد كام خطوة لمحت حاجة غريبة.
في وسط المخزن كانت فيه عربية قديمة جدًا متغطية بمشمع سميك.
وجنبها عشرات الصناديق الخشبية المقفولة.
وقبل ما أقرب منها…
سمعت صوت خافت ورايا.
استدرت بسرعة.
مفيش حد.
لكن الصوت اتكرر.
زي صوت أنين.
أو حد بيحاول يتكلم.
مشيت ناحية الصوت.
لحد ما وصلت لباب صغير في آخر المخزن.
الباب كان مستخبي ورا رفوف قديمة.
فتحت الباب.
ونزلت درجات ضيقة لتحت الأرض.
كل ما أنزل درجة، قلبي يدق أسرع.
لحد ما وصلت لغرفة صغيرة.
وهناك…
اتجمدت مكاني.
لأن الحائط كله كان متغطي بصور.
مئات الصور.
صور لأمي.
في أعمار مختلفة.
وفي أماكن مختلفة.
ومع ناس كتير ما أعرفهمش.
لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتميد بيا…
إن في نص الحائط كانت فيه صورة حديثة نسبيًا.
متصورة من أقل من سنة.
وأمي واقفة فيها. ..
وبجانبها شخص كنت متأكدة إني أعرفه كويس جدًا.
شخص كنت فاكرة إنه عمره ما قابل أمي في حياته.
سامح.
أخويا.
وكان في إيده نفس الدفتر اللي لقيته فوق السقف الخبطات زادت لدرجة إن البيت كله اتهز.
الحاج منصور بص ناحية الباب، وبعدين بصلي نظرة عمري ما هنساها.
وقال بسرعة
اسمعيني كويس يا بنتي… أيًا كان اللي هيحصل دلوقتي، متسلميش الظرف ده لحد.
مسكت الظرف بإيدي بقوة.
وقبل ما أسأله، راح ناحية شباك صغير مطل على الشارع.
أول ما بص برّه، وشه اتغير.
وقال
هما فعلاً.
قلبي وقع.
مين هما؟
لكنه ما ردش.
راح ناحية مكتبة خشب قديمة، وسحب كتاب ضخم من مكانه.
فجأة سمعت صوت تكة.
وجزء من الحائط اتحرك ببطء.
اتسعت عيني من الصدمة.
كان فيه تجويف صغير جوه الحائط.
طلع منه صندوق معدني أسود.
الصندوق ده كان أقدم من أي حاجة شفتها في البيت.
وحاطط عليه نفس العلامة اللي كانت محفورة على المفتاح الصغير.
الحاج منصور حطه قدامي وقال
أمك قالت لو جيتي هنا بنفسك، يبقى الصندوق ده بقى بتاعك.
وقبل ما ألمسه…
الباب الخارجي اتفتح بعنف.
ودخل تلات رجالة.
مش شكل بلطجية ولا حرامية.
لابسين لبس عادي جدًا.
لكن نظراتهم كانت مخيفة.
واحد منهم قال
مساء الخير يا حاج منصور.
الغريب إن الحاج منصور ما اتفاجئش.
كأنه كان مستنيهم.
الراجل كمل
فات وقت طويل.
رد الحاج منصور
وأهو جه اليوم اللي كنتوا خايفين منه.
فضلت واقفة مش فاهمة حاجة.
لحد ما الراجل لمحني.
وساعتها قال
دي بنت فاطمة؟
الحاج منصور رد
أيوة.
الراجل سكت ثواني.
وبعدين قال جملة خلتني أتجمد
يبقى هي آخر شخص يعرف الحقيقة.
في اللحظة دي، واحد من الرجالة لمح الظرف اللي في إيدي.
ملامحه اتغيرت فورًا.
وقال
الظرف ده لازم يتسلم.
تراجعت خطوة لورا.
وقلت
ليه؟
لكن محدش جاوب.
وفجأة الحاج منصور ضرب بعصاه الأرض بقوة.
وقال بصوت عالي لأول مرة
كفاية!
الكل سكت.
حتى الرجالة.
وبعدين بصلي وقال
اسمعي يا هناء… أمك ما كانتش بتخبي الفلوس عشان البخل.
ابتلعت ريقي.
فكمل
ولا كانت فقيرة أصلًا.
سألته
أمال ليه عاشت العمر ده كله بالشكل ده؟
تنهد وقال
لأنها كانت بتنفذ وعد.
وفتح الصندوق الأسود.
جواه عشرات الملفات.
وصور.
وعقود.
ودفاتر قديمة.
وفي المنتصف كانت فيه خريطة مطوية بعناية.
ولما فتحها…
ظهر عليها عشرات العلامات الحمراء.
وأسماء قرى ومناطق مختلفة.
وفي أسفل الخريطة جملة مكتوبة بخط أمي
الأمانة لا تخص شخصًا واحدًا.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت
يعني إيه الكلام ده؟
الحاج منصور طلع دفتر صغير من الصندوق.
وفتحه على

أول صفحة.
وكانت عبارة عن قائمة طويلة جدًا.
مئات الأسماء.
جنب كل اسم مبلغ مالي.
وتاريخ.
وملاحظات.
ناس مرضى.
أيتام.
أرامل.
طلبة.
وعمال.
وأسر كاملة.
كلهم كانت أمي كاتبة جنب أسمائهم تفاصيل دقيقة جدًا.
كأنها كانت بتتابع حياتهم سنة بسنة.
بصيت للحاج منصور بذهول.
فقال
أمك كانت بتدير حاجة أكبر بكتير من اللي متخيلاه.
وفي اللحظة دي، وقعت من بين صفحات الدفتر ورقة صغيرة جدًا.
التقطتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها بخط أمي
لو وصلتي للمرحلة دي… متصدقيش كل اللي هتسمعيه عني.
وتحت الجملة مباشرة…
كان فيه عنوان جديد.
ومفتاح مرسوم جنبه بالقلم.
لكن أكثر حاجة رعبتني كانت الكلمة الأخيرة المكتوبة أسفل الورقة
ابدئي من المخزن رقم 17 اتسمرت قدام الصورة.
قربت منها خطوة… واتنين…
مفيش شك.
سامح فعلًا.
نفس الجاكيت الرمادي اللي كان بيلبسه دايمًا، ونفس الساعة اللي جبتها له أمي هدية من سنين.
لكن تاريخ الصورة المكتوب في الركن خلاني أدوخ.
الصورة متصورة قبل وفاة أمي بثمان شهور بس.
يعني في الوقت اللي كان بيقولي فيه إنه مش بيسأل عنها، ومش فاضي يزورها، كان واقف معاها هنا.
في المكان السري ده.
مديت إيدي ونزعت الصورة من الحائط.
ولقيت وراها ظرف صغير.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه ورقة واحدة بخط أمي.
مكتوب فيها
لو وصلتي للصورة دي، يبقى عرفتي إن سامح كان يعرف جزء من الحقيقة… لكن مش كلها.
وقفت مكاني.
يعني أمي كانت قاصدة ألاقي الرسالة دي.
كملت قراءة.
سامح أخطأ، لكنه ليس أخطر من تبحثين عنه.
ابتلعت ريقي.
وأكملت.
الخطر الحقيقي يعرف مكان المخزن رقم 17.
في اللحظة دي بالذات…
سمعت صوت باب المخزن الرئيسي بيتفتح فوق.
بقوة.
ثم خطوات.
أكتر من شخص.
اتوترت فورًا وأطفأت كشاف الموبايل.
الخطوات كانت بتقرب.
واحد قال
فتشوا المكان كله.
واحد تاني رد
هي لازم تكون هنا.
قلبي كان هيقف.
بصيت حواليّ بسرعة.
ولقيت صندوق حديد صغير تحت مكتب قديم.
سحبته ناحيتي.
كان مقفول.
لكن الغريب إن نفس المفتاح النحاس اللي فتح المخزن دخل فيه بسهولة.
لفيته.
واتفتح.
جواه شريط كاسيت قديم.
ومعاه دفتر مذكرات صغير.
وفي أول صفحة من الدفتر كانت جملة واحدة
الحقيقة تبدأ من التسجيل.
في اللحظة نفسها، وصل صوت الخطوات لآخر السلم المؤدي للغرفة.
كان فاضل ثواني ويشوفوني.
أخذت الدفتر والشريط بسرعة.
وبصيت أدوّر على أي مخرج.
وفجأة لاحظت فتحة تهوية كبيرة خلف رف الصور.
دفعت الرف بكل قوتي.
فتح جزء من الحائط.
وظهر ممر ضيق جدًا.
دخلت فيه بصعوبة.
وبعد ثوانٍ سمعت الناس يدخلوا الغرفة اللي كنت فيها.
واحد منهم قال بعصبية
كانت هنا!
ورد الثاني
دوروا على الدفتر… أهم حاجة الدفتر.
فضلت ماشية في الممر المظلم لحد ما وصلت لباب معدني صغير.
فتحته.
ولقيت نفسي خارج المخزن من الجهة الخلفية.
جريت من غير ما أبص ورايا.
لحد ما وصلت لبيت قديم مهجور قريب من المكان.
دخلته أستخبى.
وهناك أخيرًا فتحت دفتر المذكرات.
الصفحات الأولى كانت كلها تواريخ وأسماء.
لكن في منتصف الدفتر لقيت صفحة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب بخط أمي
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فمعناه أن الأمانة بدأت تنتقل إليك.
وتحتها مباشرة قائمة من 18 رقمًا.
كل الأرقام عليها علامة …
إلا رقم واحد فقط.
رقم 18.
وبجواره عبارة قصيرة أربكتني أكثر من أي شيء
لا تسلمي الصندوق الثامن عشر لأحد… حتى سامح فضلت أبص للجملة دي وقت طويل.
لا تسلمي الصندوق الثامن عشر لأحد… حتى سامح.
مش إلا سامح…
لا.
حتى سامح.
يعني أمي كانت قاصدة تكتبه بالاسم.
قفلت الدفتر للحظة وحاولت أرتب أفكاري.
كان واضح إن فيه 18 صندوق أو أمانة أو حاجة متقسمة على مراحل.
سبعتاشر منهم حصل فيهم علامة .
وفاضل واحد بس.
الصندوق رقم 18.
وهو اللي الكل بيدور عليه.
سامح.
الرجالة.
الحاج منصور.
وحتى أمي كانت مرتبة كل حاجة عشانه.
وأنا لسه سرحانة سمعت صوت موتور عربية وقف بره البيت المهجور.
اتجمدت.
وبطلت نفس.
وبعد ثواني وصلني صوت باب العربية بيتقفل.
ثم خطوات.
شخص واحد بس.
مش مجموعة.
قربت من الشباك المكسور وبصيت بحذر.
واتفاجئت.
كان سامح.
لوحده.
وشكله مش طبيعي.
هدومه متبهدلة.
وشعره منكوش.
وكأنه بيدور عليا من ساعات.
وفجأة سمعته بينادي
هناء!
سكت.
ثم قال بصوت مبحوح
عارف إنك هنا.
ما رديتش.
فكمل
اسمعيني خمس دقايق بس… وبعدين اعملي اللي إنتِ عايزاه.
كان ممكن أمشي من الباب الخلفي.
لكن فضولي غلبني.
خرجت بحذر وأنا ماسكة الدفتر في شنطتي.
أول ما شافني ارتاح بشكل غريب.
وقال بسرعة
الحمد لله إنك بخير.
بصيتله بحدة.
إنت كنت بتراقبني؟
هز رأسه بالنفي.
أنا كنت بحاول أوصلك قبله.
سألته
قبل مين؟
لكن قبل ما يجاوب، مد إيده في جيبه وطلع صورة قديمة.
وراهالي.
أول ما شفتها اتسمرت.
كانت صورة لأمي.
وشخص واقف جنبها.
لكن الشخص ده ماكنش سامح.
وماكنش الحاج منصور.
كان راجل تاني خالص.
في الخمسينات من عمره.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط أمي
صاحب الصندوق الثامن عشر.
رفعت عيني بسرعة.
مين ده؟
سامح بلع ريقه.
وقال
السبب الحقيقي لكل اللي بيحصل.
ثم أضاف
والراجل ده… المفروض إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي كله.
وقبل ما أسأله أي سؤال…
رن موبايله.
نظر للشاشة.
وفجأة سحب اللون من وشه.
قلت
في إيه؟
وراني الشاشة.
كانت رسالة مجهولة.
فيها صورة حديثة جدًا.
صورة متصورة من بره البيت المهجور اللي إحنا واقفين قدامه.
يعني حد بيراقبنا دلوقتي.
وتحت الصورة جملة واحدة
اتأخرتوا… الصندوق رقم 18 اتفتح أنا وسامح بصينا لبعض في نفس اللحظة.
أول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية أحس إنه مرعوب بجد.
مش بيمثل.
مش بيدور على فلوس.
مرعوب.
خطف الموبايل من إيدي وبص للصورة مرة تانية.
الصورة كانت متصورة من مكان قريب جدًا.
قريب للدرجة اللي خلتنا نلف حوالينا بسرعة.
لكن الشارع كان فاضي.
مفيش حد.
ولا عربية.
ولا أي حركة.
سامح قال بصوت متوتر
مستحيل.
سألته
إيه اللي مستحيل؟
قال
الصندوق 18 ماكانش ينفع يتفتح.
ليه؟
سكت ثواني.
ثم قال
لأن مفتاحه مش موجود.
فتحت شنطتي بسرعة وطلعت الدفتر.
وقلبت في الصفحات.
لحد ما وقعت ورقة صغيرة ماكنتش شايفاها قبل كده.
الورقة كانت ملزوقة بين صفحتين.
فتحتها.
وكانت عبارة عن رسم بسيط.
18 مربع مرسومين جنب بعض.
17 منهم عليهم علامة .
أما المربع الأخير فكان فاضي.
وتحته جملة قصيرة
آخر أمانة لا تُفتح بمفتاح.
سامح شاف الجملة واتغير وشه.
قلت
إنت فاهم حاجة؟
هز رأسه ببطء.
أكتر مما تتخيلي.
لكن قبل ما يكمل…
سمعنا صوت انفجار خفيف جاي من بعيد.
لفينا بسرعة.
وفي الأفق ناحية المخزن رقم 17 طلع عمود دخان أسود.
قلبي وقع.
المخزن!
حد دخل بعدنا.
أو بيحاول يمحي أي أثر.
سامح شدني من إيدي.
لازم نمشي حالًا.
ركبنا عربية أجرة بسرعة.
وطول الطريق كان ساكت.
لحد ما وصلنا لطريق زراعي بعيد.
فجأة طلب من السواق يقف.
نزلنا.
وكان قدامنا بيت صغير قديم.
مهجور من بره.
لكن واضح إنه متستخدم.
طلع سامح مفتاح من جيبه وفتح الباب.
دخلت وراه.
وأول ما دخلت اتفاجئت.
البيت كله مليان ملفات.
وصور.
وخرائط.
وعلى الحائط الرئيسي كانت فيه خريطة كبيرة لمصر.
عليها 18 دائرة حمرا.
17 منهم متشطب عليهم.
والدائرة الأخيرة بس هي اللي متعلم عليها بسهم أسود.
قربت من الخريطة.
ولقيت السهم بيشير لمكان واحد.
قرية صغيرة جدًا.
اسمها مألوف بشكل غريب.
فضلت أبص للاسم ثواني.
ثم شهقت.
لأنها كانت نفس القرية اللي اتولدت فيها أمي.
أو الست اللي كنت فاكراها أمي.
سامح قال
هناك البداية… وهناك النهاية.
ثم مشى ناحية مكتب قديم.
وفتح درج سفلي.
وطلع ملف بني سميك.
عليه بخط يد أمي
يفتح بواسطة هناء فقط.
مدهولي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
أول صفحة كانت رسالة.
مكتوب فيها
يا هناء…
إذا وصلتي للملف ده، يبقى معناه إن حد سبقنا للصندوق الثامن عشر.
كملت قراءة بسرعة.
متخافيش من الحقيقة… لكن خافي من الشخص اللي هيحاول يغيّرها.
ثم الصفحة اللي بعدها كانت عبارة عن صورة.
صورة حديثة جدًا.
متصورة قبل وفاة أمي بأسابيع قليلة.
وأول ما شفت الشخص اللي واقف جنبها…
وقعت الصورة من إيدي.
لأن الشخص ده…
كنت شوفته قبل كده.
مش في الصور القديمة.
ولا في الملفات.
لكن في يوم دفنة أمي نفسها.
كان واقف بعيد وسط الناس.
يراقب الجنازة.
وبمجرد ما لمحني يومها…
اختفى وقعت الصورة من إيدي، وفضلت أبص لها على الأرض.
نفس الوش.
نفس النظرة الحادة.
راجل متوسط العمر، شعره فيه شوية شيب، ولابس جلابية عادية جدًا تخليه يبان واحد من أهل البلد.
لكن أنا متأكدة إني شوفته يوم الدفنة.
كان واقف بعيد عند سور المقابر.
ولما بصيت له وقتها، لف ومشي بسرعة.
سامح التقط الصورة وسألني
إنتِ عرفتيه؟
قلت
كان في جنازة أمي.
اتجمد مكانه.
متأكدة؟
هززت رأسي.
فتح الملف بسرعة وقلب عدة صفحات.
ثم أخرج صورة أقدم لنفس الرجل.
وتحتها اسم مكتوب بخط أمي
محمود عزت.
وتحت الاسم جملة قصيرة
آخر شخص قابلته قبل إخفاء الأمانة الأخيرة.
ساد الصمت في الغرفة.
ثوانٍ طويلة.
ثم لفت انتباهي شيء غريب.
في آخر الصورة الحديثة كان فيه انعكاس زجاجي.
كبرت الصورة وقربتها من عيني.
وكان واضح إن أمي كانت واقفة أمام واجهة محل أو مبنى.
وفوقها لافتة.
نصف الاسم فقط ظاهر.
…واني
فضلت أركز.
ثم انتفض سامح فجأة.
الميناء الجواني!
بصيت له باستغراب.
قال
مكان قديم على أطراف القرية… كان مخزن غلال زمان.
ثم سكت وأضاف
وهو المكان الوحيد اللي ما لقيناهوش في سجلات أمي.
في اللحظة دي رن هاتف البيت الأرضي.
اتخضيت.
البيت

مهجور من بره، فمين ممكن يتصل؟
سامح رد.
وسكت.
ثم سمعته يقول
مين؟
وبعد ثوانٍ تغير لون وجهه.
ووضع السماعة ببطء.
قلت
مين كان؟
رد بصوت منخفض
ما قالش اسمه.
قال إيه؟
نظر إليّ مباشرة.
وقال
قال إن هناء لازم تروح الميناء الجواني لوحدها.
شعرت ببرودة تسري في جسمي.
وبعدين؟
ابتلع ريقه.
وقال إن الوقت انتهى.
وقبل أن أسأله أي شيء آخر، لفت نظري شيء خلف الملف.
جيب سري صغير داخل الغلاف.
فتحتُه.
ولقيت مفتاحًا قديمًا من البرونز.
ومعه قصاصة ورق.
مكتوب عليها بخط أمي
إذا وصل المفتاح إليكِ، فمعناه أن الصندوق الثامن عشر لم يُسرق…
توقفت أنفاسي وأنا أكمل القراءة.
…بل اختار صاحبه الجديد.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت للمفتاح في إيدي.
وفي اللحظة نفسها…
سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام البيت.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
وبعدها مباشرة…
وصل إلينا صوت طرق هادئ جدًا على الباب.
ثلاث طرقات متتالية.
كأن الطارق واثق تمامًا أن من بالداخل يعرفه أنا وسامح اتبادلنا النظرات.
الغريب إن الطرقات ماكنتش عنيفة ولا مستعجلة.
بالعكس…
كانت هادئة بشكل مخيف.
تك… تك… تك.
ثم ساد الصمت.
سامح اتحرك ناحية الشباك بحذر.
بص من فتحة صغيرة بين الستاير القديمة.
وفجأة رجع خطوة لورا.
قلت بسرعة
مين؟
لكنه ما ردش.
وشه كان شاحب.
كررت السؤال.
فقال
راجل واحد.
ومين يعني؟
بلع ريقه وقال
محمود عزت.
اتجمدت مكاني.
نفس الاسم اللي في الصورة.
نفس الراجل اللي شوفته في جنازة أمي.
لكن ده مستحيل.
حسب الملفات، الراجل ده المفروض مختفي من سنين طويلة.
رجعت الطرقات تاني.
ثلاث طرقات بنفس الهدوء.
ثم وصل صوت من بره الباب
يا هناء… أمك قالتلي إن اليوم ده هييجي.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي كله.
الصوت كان ثابت.
هادئ.
وصادق بشكل غريب.
سامح صاح فجأة
متفتحيش الباب!
لكن الراجل بره رد فورًا
وأنت بالذات مالكش حق تمنعها.
ساد صمت ثقيل.
ثم أضاف
لأنك عارف إن الحقيقة ناقصة.
الكلمات دي أصابت سامح في مقتل.
واضح إنه فعلاً مش عارف كل حاجة.
بعد لحظات طويلة من التردد…
قربت من الباب.
وسألت
إنت مين؟
جالي الرد فورًا
أنا آخر شخص أوصتله أمك قبل وفاتها.
قلبي دق بعنف.
فتحت الباب ببطء.
وكان واقف قدامي.
نفس الراجل اللي في الصورة.
لكن أقرب.
وأوضح.
وفي عينيه حزن غريب.
مش أول ما دخل بص على الملفات.
ولا على المفتاح.
ولا حتى على سامح.
أول حاجة عملها إنه طلع صورة قديمة من جيبه ومدهالي.
مسكتها.
ولما بصيت فيها…
شهقت.
الصورة كانت لأمي.
لكن أصغر بسنين كتير.
واقفة قدام نفس المخزن رقم 17.
وجنبها شاب صغير.
ولما دققت أكتر…
عرفته.
كان الحاج منصور وهو شاب.
وعلى ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة بخط أمي
البداية كانت هنا… لكن النهاية في الصندوق.
محمود عزت قال بهدوء
كلكم فاكرين إن الصندوق الثامن عشر فيه فلوس أو أوراق.
ثم هز رأسه.
لكن محدش فيكم فهم وصية أمك.
سألته بسرعة
أمال فيه إيه؟
نظر للمفتاح البرونزي اللي في إيدي.
ثم قال
قبل ما أجاوبك… لازم تعرفي حاجة.
وسحب ظرفًا صغيرًا من جيبه.
كان أصفر وقديم.
وعليه اسم واحد فقط.
هناء.
اتسعت عيناي.
ده إيه؟
قال
أمك سلمتهولي من شهرين.
شهرين؟!
وقالتلي ما أديهوش ليكي إلا لما تلاقي المفتاح ده.
بصيت للظرف.
كان مختوم بالشمع الأحمر.
نفس الختم اللي شفته قبل كده على أوراق أمي.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
وجواه رسالة قصيرة جدًا.
قصيرة لدرجة إنها كانت سطرين فقط
يا هناء…
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فاعلمي أن الصندوق الثامن عشر ليس شيئًا يُمتلك… بل مسؤولية تُسلَّم.
وتحت الرسالة مباشرة…
كان فيه عنوان جديد.
عنوان ما شافوش سامح قبل كده.
ولا الحاج منصور.
ولا أي اسم ظهر في الملفات.
لكن أكثر حاجة صدمتني…
إن العنوان كان مكتوب تحته بخط كبير وواضح
لا تذهبي إلى هذا المكان إلا إذا كنتِ مستعدة لمعرفة لماذا عشتُ فقيرة رغم أنني كنت أملك الملايين مسكت الرسالة وفضلت أبص للكلمات وقت طويل.
طول الرحلة كلها كنت فاكرة إن السر عبارة عن فلوس مخبأة، أو ميراث ضايع، أو أملاك محدش يعرف عنها حاجة.
لكن كل ما قربت من الحقيقة، اكتشفت إن أمي كانت بتخبّي حاجة أكبر من كده بكتير.
في اليوم التالي، رحت للعنوان اللي كتبته.
كان مبنى قديم على أطراف محافظة بعيدة.
لا عليه اسم واضح، ولا لافتة كبيرة.
مجرد باب حديدي بسيط.
لما دخلت، اتفاجئت بعشرات الملفات المرتبة بعناية.
وصور.
وسجلات.
وحسابات بنكية.
وفي آخر القاعة كانت لوحة كبيرة مكتوب عليها
صندوق الأمانة.
وهنا بدأ محمود عزت يحكي الحقيقة كاملة.
من أكتر من ثلاثين سنة، أمي ورثت ثروة ضخمة جدًا بعد وفاة عائلتها الأصلية.
لكنها شافت بعينيها إزاي الفلوس فرقت بين الأقارب، وخربت بيوت، وخليت الناس تتصارع على الميراث.
وفي نفس الوقت كانت بتشوف مرضى مش لاقيين علاج، وأرامل مش لاقيين أكل، وطلبة بيتركوا تعليمهم بسبب المصاريف.
وقتها أخدت قرار عمرها كله.
قرار محدش فهمه.
ولا حتى أقرب الناس ليها.
حولت أغلب ثروتها لصندوق خيري سري يساعد المحتاجين بشكل مباشر، من غير ما يعرفوا مين اللي بيساعدهم.
كانت تتابع الحالات بنفسها.
وتزور الناس بنفسها.
وتكتب أسماءهم في الدفاتر اللي لقيتها.
وال صندوق اللي اكتشفتهم ماكانوش صناديق فلوس.
كانوا 17 مشروعًا صغيرًا موزعين في أماكن مختلفة
مخابز.
ورش.
مشاغل خياطة.
مساعدات تعليم.
علاج مرضى.
كل مشروع كان بيصرف على عشرات الأسر.
أما الصندوق الثامن عشر…
فماكانش صندوقًا أصلًا.
كان إدارة كل الأمانة دي.
المسؤولية كلها.
عشان كده أمي كتبت
لا يُمتلك… بل يُسلَّم.
أما سامح؟
فالحقيقة إنه كان يعرف جزءًا من السر.
أمي كانت بتستعين به أحيانًا في توصيل مساعدات أو إنهاء أوراق، لكنه مع الوقت بدأ يفكر في الفلوس نفسها أكتر من الهدف منها.
ولما اكتشفت ده، أبعدته عن التفاصيل.
عشان كده كان بيحاول يوصل للصندوق.
ظنًا منه إن فيه ثروة مخبأة.
ولما شاف كل المستندات بعينيه، انهار.
لأنه أدرك إن الست اللي كان بيعتبرها فقيرة طول عمرها كانت بتصرف ملايين… لكن على الناس، مش على نفسها.
بعد أسابيع، جمعنا كل الملفات.
وراجعنا كل الحسابات.
واكتشفنا إن آلاف الأسر استفادت من أموال أمي على مدار السنين.
ناس اتعالجت.
وناس اتعلمت.
وناس فتحت بيوت واترزقت.
من غير ما تعرف حتى اسم الشخص اللي ساعدها.
وفي آخر ملف وجدته، كانت آخر رسالة منها
يا هناء…
لو وصلتي لهنا، يبقى أنا نجحت أخبي عنكم الفلوس وأظهرلكم القيمة الحقيقية ليها.
المال لو فضل في البنك هيكبر.
لكن لو دخل قلب محتاج، هيعيش بعد صاحبه بسنين طويلة.
سامحيه لو أخطأ.
وكَمّلي الطريق لو تقدري.
ولو ماقدرتيش، سلّمي الأمانة لحد أمين.
لأن دي مش ثروة… دي مسؤولية.
أقفلت الرسالة وأنا ببكي.
لأول مرة منذ وفاة أمي ماحسّتش إنها سابتني.
بالعكس.
حسيت إنها كانت بتحضرني للمهمة دي من زمان.
وبعد سنة كاملة، وقفنا قدام مبنى جديد اتبنى باسم
مؤسسة فاطمة للأمانة والخير.
نفس اسم أمي اللي عرفه الناس.
الاسم اللي عاشت وماتت به.
أما الملايين اللي كانت مخبياها؟
فماحدش ورثها.
لأنها من البداية ماكنتش ملكها وحدها.
كانت أمانة…
وأخيرًا عرفت ليه دفناها بفلوس الجيران.
لأنها اختارت طول عمرها إنها تكون سبب في ستر غيرها…
قبل ما تفكر في نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *