سمعت خبط جوزها بقلم زيزي احمد
سمعت خبط جوزها من جوه النعش… واكتشفت إن ولادها كانوا مستنيين الحرق عشان يخلصوا عليه
وقف أحمد جنب نعش أبوه وقال بصوت واطي وهو بيبص للناس لو حد سأل… أمي مش بقت في كامل قواها، ومينفعش تاخد أي قرار لوحدها.
في اللحظة دي، الحاجة فاطمة حسّت إن رجليها مش شايلينها.
سرادق العزا كان مليان ورد أبيض، وشموع، والناس داخلة طالعة تدعي للمرحوم. وفي النص كان راقد الحاج عبد الرحيم… جوزها اللي عاش معاها ستة وأربعين سنة.
عبد الرحيم كان راجل عصامي. بدأ حياته بورشة صغيرة، وبعد سنين تعب بقى عنده كذا مصنع، وعمارة، وأراضي، وربّى ولاده على إن الرزق بييجي بالتعب.
وكان دايمًا يقول الفلوس مبتغيرش الناس… هي بس بتكشف حقيقتهم.
لكن الظاهر إن ولاده أحمد ومحمود فهموا الجملة بالعكس.
كانوا لابسين أسود شيك، واقفين يستقبلوا المعزين وكأنهم في اجتماع شغل، وكل واحد فيهم حافظ دوره.
الناس كانت تهمس يا حرام الست فاطمة… الحمد لله إن ولادها حواليها.
ابتسمت فاطمة ابتسامة مكسورة.
ولادها؟
من شهور وهم ساحبين منها كل حاجة.
مرة خدوا مفاتيح عربيتها بحجة إنها كبرت في السن.
وبعدين بقوا يراجعوا حساباتها في البنك.
وبعدها أحمد بقى يقولها كل شوية متمضيش على أي ورقة غير لما أشوفها.
أما محمود فكان كل يوم يقترح يجيب لها ممرضة، مع إنها كانت بتطبخ وتمشي وتعمل كل حاجة بنفسها.
الحاج عبد الرحيم كان واخد باله.
وقبل وفاته بأيام قال لها خلي بالك يا فاطمة… اللي يستعجلك على الإمضا، يبقى عايز يمنعك تفكري.
وبعدها بثلاث أيام…
وقع فجأة جنب سفرة الأكل.
فنجان القهوة اتكسر على الأرض.
والدكتور سامح وصل قبل الإسعاف، كشف عليه بسرعة وقال دي أزمة قلبية… البقاء لله.
ومن ساعتها أحمد استلم كل حاجة.
العزا.
الدفنة.
وحتى ميعاد الحرق… لأنه قال إن أبوه أوصى بكده.
فاطمة عمرها ما سمعت جوزها قال الكلام ده.
بعد ما الشيخ خلص الدعاء، قربت من النعش.
بصت في وش جوزها من خلال الزجاج وهمست سيبتني لوحدي ليه يا عبد الرحيم؟
وفجأة…
عبد الرحيم فتح عينيه.
اتجمد الدم في عروقها.
بصلها برعب… وكأنه بيستنجد بيها.
وبعدين رفع صباعه على شفايفه…
إشارة واحدة.
اسكتي.
في اللحظة دي جه أحمد من وراها وقال مالك يا أمي؟
اتلخبطت وقالت يمكن تعبت شوية.
مسكها محمود من دراعها جامد وقال ابعدي عن النعش… إنتِ مرهقة.
لكن فاطمة كانت متأكدة.
هي شافت اللي شافته.
ولما الليل دخل، والناس بدأت تقل، أحمد جاب لها كباية ينسون وقال اشربي… هيريح أعصابك.
قربت الكوباية من مناخيرها.
ريحة اليانسون كانت موجودة…
لكن كان فيه ريحة مُرّة غريبة… نفس الريحة اللي كانت طالعة من فنجان القهوة قبل ما عبد الرحيم يقع.
عملت نفسها شربت…
وسابت السائل ينزل في منديل مستخبي في إيدها.
بعدها محمود دخل وحط قدامها قرص أبيض.
وقال الدكتور سامح قال تاخديه قبل النوم.
حطته في بقها…
ولما خرجوا، جريت على الحمام ورمته.
وهي راجعة، سمعت صوتهم بيتكلموا برا الأوضة.
أحمد قال بصوت واطي الدكتور هييجي بدري الصبح بالشهادة… والمحامي جهز توكيل أمي.
رد محمود وهو متوتر ولو أبويا فاق قبل…؟
قاطعه أحمد بسرعة مستحيل… السم كفاية، ولو محصلش… النار هتخلص الباقي.
حست فاطمة إن الأرض بتميد بيها.
ماكانوش بيودعوا عبد الرحيم…
كانوا حابسينه حي جوه النعش…
ومستنيين الحرق يخلص عليه لو السم فشل وووو
بقلم_زيزي_احمد
اتجمدت فاطمة مكانها أول ما سمعت الهمسة.
المفتاح… قبل ما يلاقوه…
بصت حواليها بسرعة، لكن السرادق كان شبه فاضي، وآخر المعزين كانوا خارجين.
مدت إيدها ناحية النعش، ولمست الخشب بخفة، فجالها نفس الصوت مرة تانية، أضعف من الأول
المخزن… تحت الميزان…
قبل ما تقدر ترد، دوّى صوت أحمد من آخر القاعة
يا أمي! بتعملي إيه هناك؟
سحبت إيدها بسرعة، ولفت ناحيته وهي بتحاول تخبي ارتباكها.
قالت بهدوء
كنت بودعه.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
كفاية كده… العربية مستنية تنقل النعش.
لكن فاطمة لاحظت حاجة غريبة.
العربية اللي واقفة برا ماكنتش عربية نقل موتى.
كانت عربية نقل بضائع مقفولة، من غير أي علامة أو اسم.
وده زوّد شكها أكتر.
في اللحظة دي، دخل الدكتور سامح ومعاه حقيبة سوداء صغيرة، وبص لأحمد وقال بصوت منخفض
لازم نتحرك بسرعة… الوقت مش في صالحنا.
رد أحمد
ولا يهمك… أمي هتطلع مع خالتي، وإحنا هنخلص الإجراءات.
فاطمة فهمت إنهم بيحاولوا يبعدوها عن النعش.
وافقت من غير اعتراض، لكن أول ما خرجوا للحوش، ادعت إنها نسيت مسبحتها جوه.
رجعت تجري قبل ما حد يمنعها.
دخلت القاعة، ولأول مرة بقت لوحدها مع النعش.
طلعت المفتاح النحاسي من جيبها، وكانت مستغربة هيستخدمه في إيه.
لكن وهي بتبص في جوانب النعش، لمحت فتحة صغيرة جدًا مخفية تحت إطار الزجاج.
جربت المفتاح…
لف مرة واحدة.
صدر صوت تك.
وانفتح درج سري رفيع في جانب النعش.
جواه ظرف تاني، ومسجل صوت صغير.
ضغطت على زر التشغيل.
وانطلق صوت عبد الرحيم، وكأنه كان متوقع اللحظة دي
يا فاطمة… لو سمعتي الرسالة دي، يبقى الخطة اللي كنت خايف منها بدأت. أحمد ومحمود فاكرين إن السر في الورق والأملاك… لكن الحقيقة إن في حاجة أهم بكتير مستخبية تحت المخزن القديم. الحاجة دي لو ظهرت، هتكشف جريمة اتدفنت من أكتر من خمسة وعشرين سنة… جريمة غيرت مصير العيلة كلها.
وقبل ما يكمل التسجيل…
انفتح باب القاعة بعنف.
ورفع أحمد صوته وهو بيصرخ
أمي… ابعدي عن النعش!
وفي نفس اللحظة، انطفأت كل الأنوار، وغرق المكان في ظلام تام…
ثم سُمعت صرخة قوية من خارج السرادق، أعقبها صوت ارتطام عنيف، كأن شخصًا سقط على الأرض…كانت فاطمة واقفة مكانها، قلبها بيدق بعنف، وهي بتحاول تستوعب اللي سمعته.
ولو أبويا فاق قبل…؟
الجملة كانت بتتردد في ودانها كأنها صدى.
يعني عبد الرحيم لسه عايش…
رجعت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح لأول مرة من سنين. فتحت الدولاب، ومدت إيدها في درج قديم كان عبد الرحيم مانع أي حد يقرب منه.
كانت فاكرة إنه فاضي…
لكن وهي بتلمس الخشب، حسّت بحاجة بارزة من تحت بطانة الدرج.
شدتها بهدوء…
طلعت علبة حديد صغيرة عليها تراب، ومقفولة بقفل قديم.
وفوق الغطا ورقة صغيرة بخط عبد الرحيم.
لو وصلتي للعلبة دي… يبقى أنا كنت عارف إنهم هيستعجلوا.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
لكن قبل ما تفتح العلبة، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الأوضة.
أحمد.
خبّت العلبة بسرعة تحت الملاية، وقعدت على السرير.
دخل أحمد بابتسامة باردة وقال
لسه منمتيش يا أمي؟
قالت وهي بتحاول تثبت صوتها
النعاس مش جاي.
بص حواليه كأنه بيفتش عن حاجة، وبعدين قال
بكرة يوم طويل… لازم ترتاحي.
ولما خرج، سابت الباب موارب.
كان واضح إنه متعمد.
استنت لحد ما خطواته بعدت، وفتحت العلبة.
جواها ماكانش فيه دهب… ولا فلوس.
كان فيه فلاشة صغيرة… ومفتاح نحاس قديم… وظرف مختوم بالشمع الأحمر.
فتحت الظرف الأول.
كانت أول جملة فيه
أوعي تثقي في شهادة وفاة يجيبها الدكتور سامح… لأنه من سنة كاملة مبقاش دكتور العيلة.
وتحتها صورة.
الصورة كانت لعبد الرحيم واقف قدام مكتب، ومعاه راجل كبير في السن، ووراهم خزنة حديد ضخمة.
على ضهر الصورة مكتوب
السر الحقيقي مش في المصانع… السر تحت المخزن القديم.
وفي نفس اللحظة، وصل لفاطمة صوت خبط خافت…
مرة…
واتنين…
وتلاتة…
الخبط كان جاي من ناحية قاعة العزاء.
خرجت تمشي على أطراف صوابعها، والمكان كله هادي.
كل ما كانت تقرب من النعش، الخبط كان بيعلى.
وقبل ما توصل بخطوتين، شافت محمود خارج من باب جانبي وهو شايل جركن معدني كبير، وحاول يخبّيه أول ما لمحها.
ابتسم بتوتر وقال
دي مواد تنظيف يا أمي… هننضف المكان بعد ما الناس تمشي.
لكن فاطمة لمحَت على الجركن علامة حمراء مكتوب عليها بخط
لمحة نيوز
كبير
مواد سريعة الاشتعال.
ساعتها اتأكدت إنهم مش مستنيين الصبح…
كانوا ناويين ينهوا كل حاجة الليلة.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه…
إن السر اللي خبّاه عبد الرحيم من سنين، ماكانش مجرد ثروة.
كان دليل يقدر يقلب أحمد ومحمود من ورثة أغنياء…
إلى متهمين في جريمة أكبر بكتير مما يتخيلوا.
وفي اللحظة اللي فاطمة مدت إيدها ناحية النعش…
سمعت صوت عبد الرحيم من جوه، بصوت ضعيف جدًا
المفتاح… قبل ما يلاقوه…ساد الظلام لثوانٍ، لكن بالنسبة لفاطمة كانت كأنها ساعات.
ضمت جهاز التسجيل والظرف إلى صدرها، وهي تسمع أصوات جري وصريخ برة السرادق.
بعد لحظات، اشتغلت لمبة طوارئ خافتة بلون أصفر، وكشفت منظر أربك الجميع.
أحمد كان واقف مذهول، ومحمود راكع على الأرض جنب واحد من العمال بعد ما اتزحلق وهو بيجري.
لكن فاطمة لاحظت شيئًا أهم.
النعش… مكانه اتغيّر.
اتحرك سنتيمترات قليلة، رغم إن محدش كان واقف جنبه.
في اللحظة دي، دوّى خبط خفيف من الداخل.
ثم خبطتان.
ثم ثلاث خبطات متتالية.
كان نفس الإيقاع اللي عبد الرحيم كان بيستخدمه زمان وهو بيخبط على باب الورشة لما يحب ينادي العمال.
فهمت فاطمة إنه بيحاول يوصل لها رسالة.
لكن أحمد صاح بعصبية
اقفلوا النعش كويس… محدش يقرب منه!
استغرب الحاضرون من انفعاله، لكنه تدارك نفسه بسرعة وقال
أقصد… احترموا حرمة الميت.
بينما كان الجميع منشغلًا، دسّت فاطمة جهاز التسجيل داخل عباءتها، وأخفت الظرف تحت ملابسها.
وفجأة، دخل رجل مسن يسند نفسه على عصا.
ماكانش حد متوقع حضوره.
بمجرد ما شافته فاطمة، اتسعت عيناها.
كان عم حسن…
أقدم شريك لعبد الرحيم، والراجل اللي اختفى من أكتر من عشرين سنة بعد ما باع نصيبه وسافر.
اقترب ببطء من النعش، ووضع كفه عليه، ثم قال بصوت هادئ
عبد الرحيم… نفذت اللي اتفقنا عليه، بس واضح إن الوقت سبقنا.
التفت أحمد نحوه بحدة وقال
حضرتك تقصد إيه؟
ابتسم عم حسن ابتسامة غامضة، وأخرج من جيبه ظرفًا مختومًا بنفس الشمع الأحمر الموجود على الظرف الذي وجدته فاطمة.
وقال أمام الجميع
أبوك سلمني الظرف ده من خمس سنين، وقال لي لو موتي جه في ظروف غريبة… سلّمه لفاطمة وبس.
تغير لون وجه أحمد.
أما محمود، فبدأ العرق يتصبب من جبينه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما قال عم حسن
وأحب أقول لكم حاجة كمان… المخزن القديم اللي بتدوروا عليه من شهور، فاضي.
صمت الجميع.
ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى أحمد
لأن عبد الرحيم نقل السر كله من زمان… لمكان مستحيل يخطر على بال أي حد.
في تلك اللحظة، قبض أحمد على يده بغضب، وهمس لمحمود
يبقى لازم نلاقي المفتاح اللي مع أمي… قبل ما عم حسن ينطق بكلمة زيادة.
وفاطمة أدركت أن المفتاح النحاسي الذي تخفيه لم يكن مفتاح خزنة…
بل كان مفتاح السر الذي يسعى الجميع للوصول إليه، وأن الليلة لم تبدأ أخطارها الحقيقية بعد قبضت فاطمة على المفتاح داخل جيبها بقوة، حتى شعرت أن حوافه حفرت في كفها.
كانت تنظر إلى عم حسن، وكأنها تنتظر منه كلمة تطمئنها.
لكنه لم ينطق.
اكتفى بالنظر إلى أحمد ومحمود نظرة طويلة، ثم قال
فيه وصية أخيرة… لكن مش هتتفتح غير في المكان اللي عبد الرحيم حدده.
حاول أحمد يتماسك وقال بابتسامة مصطنعة
أكيد هننفذ وصية أبويا.
رد عم حسن بهدوء
لا… لأن الوصية بتقول إن وجودك إنت أو أخوك يبطل تنفيذها.
ساد صمت ثقيل.
الناس بدأت تبص لبعضها باستغراب، وأحمد حس إن الموقف بيفلت من إيده.
ابتسم بسرعة وقال
أكيد في سوء فهم.
لكن عم حسن أخرج ورقة مطوية من جيبه، ورفعها قدام الموجودين دون أن يفتحها.
وقال
دي نسخة من تعليمات عبد الرحيم، ومكتوب فيها بالحرف لو حاول أي حد يستعجل فتح التركة أو حرق الجثمان قبل مرور المدة المحددة، اعرفوا إن في حاجة مستخبية.
ارتبك محمود، وقال بعصبية
هو حضرتك بتتهمنا بحاجة؟
رد عم حسن
أنا مبتهمش حد… أنا بنفذ أمانة.
وفي تلك اللحظة، اهتز هاتف فاطمة داخل جيبها.
نظرت إلى الشاشة.
رقم غير مسجل.
ترددت ثواني، ثم ردت.
جاءها صوت رجل هادئ يقول
أنا مقدرش أتكلم كتير… لكن افتحي جهاز التسجيل من الدقيقة الرابعة.
وانقطع الخط فورًا.
تجمدت في مكانها.
هي لم تخبر أحدًا أنها عثرت على جهاز تسجيل.
إذن… من المتصل؟
استغلت انشغال الجميع، وخرجت إلى غرفة جانبية.
أخرجت جهاز التسجيل، وقدمت المؤشر إلى الدقيقة الرابعة.
انطلق صوت عبد الرحيم
لو وصلتي للجزء ده يا فاطمة، يبقى فيه شخص هيحاول يساعدك من غير ما يعلن نفسه. ثقي فيه، لأنه الوحيد اللي عرف الحقيقة كاملة… لكن خلي بالك، الحقيقة اللي هتعرفيها مش هتكون عن الفلوس ولا المصانع.
توقف التسجيل لحظة، ثم أكمل
أحمد ومحمود مش بيدوروا على ثروة وبس… هما بيدوروا على ملف قديم، لو خرج للنور، هتتغير حياة ناس كتير، وهيظهر سبب اختفاء ثلاثة رجال من شركاء المصنع من خمسة وعشرين سنة.
شعرت فاطمة بقشعريرة.
طوال عمرها كانت فاكرة إن الشركاء سافروا للخارج.
لكن يبدو أن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
وقبل أن تسمع بقية التسجيل…
انفتح باب الغرفة ببطء.
وظهر شخص يقف في الظلام.
لم تستطع تمييز ملامحه.
لكنه قال جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقها
لو عايزة تنقذي عبد الرحيم… تعالي معايا حالًا… لأن الوقت خلاص بيخلص تراجعت فاطمة خطوة للخلف، وهي تضم جهاز التسجيل إلى صدرها.
حدقت في الرجل الواقف عند الباب، لكن الإضاءة الخافتة كانت تخفي ملامحه.
قالت بحذر
إنت مين؟
رد بصوت منخفض
أنا واحد كان مدين لعبد الرحيم بعمره كله… ومفيش وقت للشرح.
ترددت للحظة.
لكنها تذكرت الخبط اللي سمعته من جوه النعش، وتذكرت نظرة عبد الرحيم وهو بيطلب منها تسكت.
خرجت خلف الرجل من باب جانبي يؤدي إلى ساحة خلف السرادق، بعيدًا عن أعين أحمد ومحمود.
هناك كانت تقف سيارة قديمة.
فتح الرجل بابها، وأخرج منها حقيبة جلدية سوداء.
ناولها لفاطمة وقال
عبد الرحيم سلّمني الحقيبة دي من ست شهور، وقال لي لو حصل لي حاجة فجأة، متسلمهاش غير لفاطمة.
فتحت الحقيبة بسرعة.
لم تجد أموالًا ولا عقود ملكية.
وجدت دفترًا قديمًا، وساعة جيب فضية، ومجموعة مفاتيح مختلفة الأحجام.
وفوقهم ظرف مكتوب عليه بخط عبد الرحيم
السر مش في اللي جوه النعش… السر في اللي خرج منه.
ارتبكت فاطمة.
كيف خرج شيء من النعش وهو لم يُفتح أصلًا؟
وقبل أن تسأل، قال الرجل
عبد الرحيم كان دايمًا يحسب لكل خطوة. من أسبوع طلب مني أصنع نسخة مطابقة للنعش.
شهقت فاطمة.
نسخة؟
أومأ برأسه وقال
كان شاكك إن حد هيحاول يتخلص منه بسرعة. لكنه كان بيجهز خطة يكشف بيها الحقيقة.
وفي هذه اللحظة، دوّى صوت سيارات تقترب من السرادق.
التفت الرجل بسرعة، وقال
هما عرفوا إنك خرجتي.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف فاطمة برسالة قصيرة من رقم مجهول.
فتحتها، فوجدت سطرًا واحدًا فقط
إياكِ تفتحي الدفتر قبل ما توصلي للمخزن القديم… لأن أول صفحة فيه هي السر اللي الكل مستعد يقتل عشانه.
رفعت رأسها لتنظر إلى الرجل…
لكنها فوجئت بأنه اختفى تمامًا، كأنه تبخر في الظلام.
ولم يبقَ في مكانه سوى عصاه الخشبية… وعليها نفس العلامة المحفورة الموجودة على المفتاح النحاسي الذي تركه لها عبد الرحيم.
في تلك اللحظة، أدركت فاطمة أن السر الذي كانت تظنه متعلقًا بالميراث…
أكبر بكثير، وأن كل خطوة تخطوها من الآن قد تكشف الحقيقة… أو توقعها في أخطر فخ في حياتها حملت فاطمة العصا الخشبية، وقلبتها بين يديها.
كانت العلامة المحفورة عليها عبارة عن دائرة يتوسطها مفتاح صغير، وتحتها ثلاثة أرقام
7 14 3
في البداية ظنت أنها مجرد أرقام عشوائية، لكن عندما فتحت مجموعة المفاتيح التي
كانت داخل الحقيبة، وجدت أن كل مفتاح يحمل رقمًا صغيرًا.
المفتاح رقم 3… هو الوحيد الذي يحمل نفس الرمز المحفور على العصا.
أخفته بسرعة داخل ملابسها.
وفي هذه الأثناء، كان أحمد قد اكتشف اختفاء أمه.
قال لمحمود بغضب
دور عليها… قبل ما توصل لأي حاجة!
رد محمود بقلق
ولو عرفت مكان الملف؟
صرخ أحمد
ساعتها كل اللي عملناه هيروح!
سمعت فاطمة الكلام من خلف سور السرادق، فابتعدت في صمت.
لكن قبل أن تخطو خطوات قليلة، لمحَت رجلًا يجلس داخل سيارة متوقفة على بُعد أمتار، يراقب المكان بمنظار صغير.
لم يكن من أهل العزاء.
ولم يكن من الشرطة.
وما إن لاحظ أنها رأته، حتى أنزل المنظار، وأشار لها بيده أن تختبئ.
بعد ثوانٍ فقط، خرجت سيارة سوداء مسرعة من خلف السرادق، وكادت تصدمها لولا أنها ابتعدت في اللحظة الأخيرة.
نزل أحمد من السيارة وهو ينظر حوله بعصبية.
كان واضحًا أنه بدأ يفقد أعصابه.
لكن المفاجأة جاءت من داخل السرادق.
ارتفع صوت أحد الرجال وهو يصرخ
النعش… النعش مفتوح!
التفت الجميع ناحية القاعة، وجروا إليها.
أما فاطمة، فوقفت مكانها، وقد تجمدت أنفاسها.
إذا كان النعش قد فُتح…
فمن الذي فتحه؟
وهل عبد الرحيم ما زال بداخله؟
أم أن الشخص الذي كان يطرق من الداخل نجح في الخروج قبل أن يصل إليه أحد؟
وفي خضم الفوضى، وصلها تسجيل صوتي جديد على هاتفها من الرقم المجهول.
ضغطت تشغيل.
فجاءها صوت عبد الرحيم، هذه المرة أكثر وضوحًا
يا فاطمة… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أول مرحلة نجحت. لكن افتكري كويس… متصدقيش كل اللي حواليكي، حتى الناس اللي جاية تساعدك. لأن السر الكبير مش بس مخفي… السر متقسم بين ثلاث مفاتيح، وكل مفتاح مع شخص مختلف.
توقفت الرسالة فجأة.
وفي اللحظة نفسها، ظهر محمود على بُعد خطوات منها.
كانت عيناه مثبتتين على يدها…
ثم قال بصوت بارد
لقيت المفتاح يا أمي… ولا لسه؟تسارعت أنفاس فاطمة، لكنها لم تُظهر خوفها.
نظرت إلى محمود وقالت بثبات
أي مفتاح؟ أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه.
اقترب منها خطوة، وعيناه لا تفارقان حقيبة الجلد التي كانت تحملها.
قال
أبويا كان دايمًا يخبي كل حاجة في مفاتيح… وأنا متأكد إنه سابلك حاجة.
قبل أن يمد يده نحو الحقيبة، دوى صوت أحمد من داخل السرادق
محمود… تعالى بسرعة!
التفت محمود للحظة، فاستغلت فاطمة الفرصة وابتعدت وسط الزحام.
دخلت غرفة صغيرة كانت تُستخدم لحفظ أدوات الضيافة، وأغلقت الباب خلفها.
فتحت الدفتر القديم لأول مرة، لكنها تذكرت الرسالة
إياكِ تفتحي الدفتر قبل ما توصلي للمخزن القديم.
أغلقت الدفتر فورًا.
لكن شيئًا صغيرًا سقط من بين صفحاته دون أن تنتبه.
التقطته بسرعة.
كانت خريطة مرسومة بالقلم الرصاص، وفي أحد أركانها دائرة حمراء مكتوب بجوارها
بئر الورشة القديمة.
وفي أسفل الخريطة جملة بخط عبد الرحيم
اللي يدور في المخزن هيضيع عمره… البداية الحقيقية تحت البئر.
شعرت فاطمة أن كل ما قيل عن المخزن كان مجرد تمويه.
في تلك اللحظة، سمعت صوت ارتطام قوي بالخارج، ثم صراخ الناس.
فتحت الباب بحذر.
وجدت الجميع متجمعين حول النعش.
اقتربت ببطء، لتسمع أحد العمال يقول وهو يرتجف
الغطا كان مقفول… ولما فتحناه… لقيناه فاضي!
ساد الصمت.
حتى أحمد نفسه بدا مذهولًا، وكأنه لم يكن يتوقع ما رآه.
صرخ أحد المعزين
إزاي نعش مقفول يفضى؟!
ورد آخر
إحنا كنا واقفين قدامه طول الوقت!
وسط الفوضى، لمحَت فاطمة ورقة مطوية داخل النعش الفارغ.
حاول أحمد يلتقطها، لكن عم حسن كان الأسرع.
فتحها، وقرأ أول سطر، فتغير لون وجهه.
ثم رفع رأسه ببطء وقال
عبد الرحيم كتب… اللي يدور عليّا في النعش عمره ما هيلاقيني… دوروا على الحقيقة، مش على الجسد.
وقبل أن يكمل قراءة بقية الرسالة، انطفأت الأنوار مرة أخرى…
وسُمعت من خارج السرادق صفارة قطار قديم، رغم أن أقرب محطة كانت تبعد عشرات الكيلومترات.
نظر عم حسن إلى فاطمة وقال بصوت خافت
بدأ السر يشتغل… والمرحلة اللي بعدها أخطر من كل اللي فات.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا ثانيًا، مطابقًا للمفتاح الذي معها تمامًا، وهمس
لسه فاضل مفتاح واحد… وصاحبه لحد دلوقتي محدش يعرف هو مين تبادلت فاطمة وعم حسن النظرات في صمت.
المفتاح الثاني كان يلمع في يد عم حسن، بينما كانت هي تخفي المفتاح الأول داخل عباءتها.
قالت بصوت مرتجف
يعني عبد الرحيم كان مخطط لكل ده؟
تنهد عم حسن وقال
من يوم ما اكتشف إن حد بيفتش مكتبه كل ليلة… عرف إن الخطر بقى جوه البيت، مش من بره.
في هذه اللحظة، اقترب أحمد وهو يحاول يبدو هادئًا.
قال
يا عم حسن… الورقة دي تخص العيلة، ومن حقنا كلنا نعرف اللي فيها.
طيّ عم حسن الورقة ووضعها في جيبه وقال
هتعرفوا… لكن في الوقت اللي عبد الرحيم اختاره.
اشتعل الغضب في عيني أحمد، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئًا أمام الحاضرين.
بعد انتهاء العزاء، أصرت فاطمة أن تعود إلى البيت القديم، البيت الذي بدأت فيه حياتها مع عبد الرحيم قبل عشرات السنين.
دخلت غرفته، وكل شيء كان كما تركه.
الساعة الحائطية القديمة…
المكتبة الخشبية…
ومصحفه المفتوح على نفس الصفحة.
جلست على كرسيه، وفجأة لفت انتباهها أن عقارب الساعة متوقفة عند السابعة وأربع عشرة دقيقة.
تذكرت الأرقام المحفورة على العصا
7 14 3
وقفت بسرعة، وأنزلت الساعة من الحائط.
وجدت خلفها تجويفًا صغيرًا في الحائط، بداخله ظرف مغلق.
فتحته، فوجد ورقة واحدة فقط، مكتوب فيها
لو وصلتي للورقة دي، يبقى عرفتي معنى أول رقمين… أما الرقم الثالث، فهتعرفيه لما تفتحي باب الورشة بالمفتاح رقم 3.
وفي أسفل الورقة عبارة أخرى
إوعي تدخلي الورشة لوحدك… لأن اللي مستخبي هناك مش مجرد دليل… ده شاهد.
شهقت فاطمة.
شاهد؟
يعني فيه شخص يعرف الحقيقة منذ كل هذه السنوات؟
وفي تلك اللحظة، دوّى جرس الباب بقوة.
فتحت الخادمة الباب، ثم جاءت مسرعة وهي ترتجف.
قالت
يا حاجة… فيه راجل واقف بره، بيقول إنه كان شغال عند الحاج عبد الرحيم من ثلاثين سنة.
خرجت فاطمة بسرعة.
كان الرجل عجوزًا، تبدو عليه آثار التعب والسفر.
بمجرد أن رآها، أخرج من جيبه صورة قديمة.
كانت الصورة لعبد الرحيم… وعم حسن… ورجل ثالث مجهول.
وأشار إلى الرجل الثالث وقال
الناس كلها فاكرة إنه مات من خمسة وعشرين سنة…
سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر حوله بحذر
…لكن الحقيقة إنه لسه عايش، وهو الوحيد اللي يعرف عبد الرحيم اختفى فين أخذت فاطمة الصورة بيد مرتعشة، وظلت تحدق في وجه الرجل الثالث.
كانت ملامحه مألوفة بشكل غريب، لكنها لم تستطع أن تتذكر أين رأته.
قال العجوز وهو يخفض صوته
اسمه الحاج منصور… وكان شريك عبد الرحيم من أول يوم فتحوا الورشة. لكن في يوم واحد، اختفى من حياة الناس كلها، والكل صدق إنه مات.
سألته فاطمة بسرعة
ولو هو عايش… فين؟
هز رأسه وقال
معرفش مكانه… لكن عبد الرحيم كان يقابله كل سنة في نفس اليوم، ونفس الساعة.
أخرج من جيبه ورقة صفراء مطوية، وسلمها لها.
دي آخر أمانة طلب مني أوصلها ليكي.
فتحت فاطمة الورقة، فوجدت سطرًا واحدًا فقط
لو غبت… دوري على منصور عند أول مكان بدأنا فيه الحلم.
في تلك اللحظة، شهق عم حسن، الذي كان قد خرج خلفها، وقال
الورشة القديمة!
لكن قبل أن يكمل كلامه، انطلق صوت محرك سيارة بقوة.
التفت الجميع.
كانت سيارة سوداء تقف أمام البيت، وانطلقت مسرعة بمجرد أن رأت عم حسن.
قال عم حسن بقلق
هما بيراقبونا… لازم نسبقهم.
بعد أقل من نصف ساعة، وصلت فاطمة وعم حسن إلى الورشة القديمة.
المكان كان مهجورًا، والأتربة تغطي كل شيء، لكن اللافتة الخشبية القديمة ما زالت معلقة
فوق الباب.
أخرجت فاطمة المفتاح رقم 3.
أدخلته في القفل.
لفّ مرة…
ثم مرتين…
وفجأة انفتح الباب وحده، رغم أنه كان يبدو صدئًا منذ سنوات.
دخل الاثنان بحذر.
في آخر الورشة كانت توجد ماكينة خياطة صناعية قديمة، هي أول ماكينة اشتراها عبد الرحيم عندما بدأ حياته.
اقترب عم حسن منها وقال
دي عمرها ما كانت هنا… حد رجعها مكانها.
وعندما حركها قليلًا، ظهر تحتها غطاء حديدي صغير في الأرض.
فتحاه بصعوبة.
فوجئا بسلم ضيق ينزل إلى غرفة تحت الأرض.
لكن قبل أن ينزلا، سمعا صوتًا يأتي من الأسفل…
صوت رجل مسن يقول بهدوء
استني يا فاطمة… انزلي لوحدك.
تجمد عم حسن في مكانه.
أما فاطمة، فاتسعت عيناها.
لأنها تعرفت على الصوت فورًا…
كان صوت عبد الرحيم.
لكن السؤال الذي أرعبها أكثر من أي شيء آخر
إذا كان عبد الرحيم في الغرفة تحت الأرض… فمن هو الشخص الذي كان داخل النعش طوال الوقت؟نزلت فاطمة درجات السلم وهي تكاد لا تشعر بقدميها.
كل خطوة كانت تقربها من الصوت الذي ظنت أنه لن تسمعه مرة أخرى.
وعندما وصلت إلى آخر السلم، رأت بابًا خشبيًا نصف مفتوح.
دفعته ببطء…
فوجدت عبد الرحيم جالسًا على كرسي، شاحب الوجه، لكنه حي.
صرخت باسمه، وارتمت تبكي بين يديه.
قال بصوت ضعيف
الحمد لله… عرفتي توصلي قبل ما يضيع كل شيء.
بعد لحظات دخل عم حسن، وهو لا يكاد يصدق عينيه.
أما عبد الرحيم فبدأ يحكي الحقيقة.
قال إنه قبل أيام من وفاته المعلنة، اكتشف أن أحمد ومحمود يدسان له مادة سامة بجرعات صغيرة داخل القهوة حتى يبدو موته طبيعيًا.
ولم يواجههما، بل قرر أن يكشف الحقيقة بالدليل.
اتفق مع عم حسن ورجل أمين كان يعمل معه منذ سنوات على تنفيذ خطة معقدة.
وفي الليلة التي سقط فيها بعد شرب القهوة، نقلوه سرًا إلى الغرفة القديمة تحت الورشة، بينما وُضع في النعش مجسم طبي شديد الشبه به، صُنع خصيصًا لهذا الغرض.
وكانت الأصوات التي سمعتها فاطمة من داخل النعش تصدر من جهاز صغير سجله عبد الرحيم مسبقًا، حتى يلفت انتباهها ويجعلها تشك فيما يحدث حولها.
أما حكاية الحرق، فكان أحمد ومحمود يضغطان لإنهاء كل الإجراءات بسرعة، لأنهما كانا يعتقدان أن الدليل الوحيد ضدهما موجود مع والدهما.
لكن عبد الرحيم كان قد أخفى كل الأدلة في أماكن مختلفة، وجعل الوصول إليها لا يتم إلا إذا تعاونت فاطمة مع عم حسن.
فتح عبد الرحيم الدفتر القديم.
كانت بداخله تقارير معمل تثبت وجود السم في بقايا القهوة، وصور لكاميرات مراقبة داخل المكتب، وتسجيلات صوتية كاملة، ومستندات تثبت محاولات تزوير توكيلات والاستيلاء على الممتلكات.
قال وهو ينظر إلى فاطمة
أنا ما كنتش بدور على حماية فلوسي… كنت بدور أعرف ولادي هيفضلوا ولادي، ولا الطمع غيّرهم.
خرج الثلاثة من الورشة واتجهوا مباشرة إلى قسم الشرطة، وسلموا كل الأدلة.
وبعد تحقيقات طويلة، ثبتت محاولة قتل عبد الرحيم، وتزوير بعض المستندات، ومحاولة الاستيلاء على أمواله، فأُلقي القبض على أحمد ومحمود، ونالا عقابهما وفق القانون.
أما الدكتور سامح، فقد ثبت أنه وقّع على أوراق طبية غير صحيحة مقابل المال، فتمت محاسبته أيضًا.
وبعد شهور، عاد عبد الرحيم إلى بيته، لكن هذه المرة لم يعد يهتم بالمصانع ولا بالأراضي.
جمع العمال الذين بدأ معهم من الصفر، ووزع جزءًا كبيرًا من ثروته في صندوق خيري يحمل اسم والديه، ليساعد المرضى والطلاب وأسر العمال.
ثم جمع أفراد العائلة وقال لهم
الثروة ممكن تتبني من جديد… لكن الثقة لو اتكسرت، صعب ترجع.
ابتسمت فاطمة لأول مرة منذ شهور، ونظرت إلى زوجها، وقد أدركت أن أغلى ميراث تركه لم يكن المال…
بل الحقيقة التي كشفت الوجوه، والعدل الذي أعاد لكل صاحب حق حقه.
تمت.