فاديه ٢ بقلم امانى سيد
بس المرة دي، الحزام وهو نازل على جسمي، مكسرنيش.. بالعكس، صحى فيا حاجة كانت ماتت من سنين. لما شفت الحزام وهو بيتحرك ناحيتي، وصوت صرخة ابني المرعوب وهي بتهز حيطان الأوضة، حسيت بنار قادت في دمي عَمِت عيني عن الخوف. المرة دي مكنتش بدافع عن نفسي.. أنا “فادية” اللي قررت المرة دي تحمي حتة من قلبها.
قبل ما الحزام يلمسني، مديت إيدي وبكل قوة جوايا مسكته وقفشته في الهوا. “سالم” اتصدم، عينيه برقت ومبقاش مصدق إن فادية الخايبة المكسورة قادرة ترفع عينها فيه، ولا تمسك إيده.
بصيت في عينيه بكل غل وقهر السنين اللي فاتت، وقولتله بصوت طالع من وسط ضلوعي زي الرعد: “ورب العزة يا سالم، لو مديت إيدك عليا تاني، أو لمحتك بتقرب من ابني، لأكون مخلصة عليك ومودياك في داهية.. أنا مَبقاش فيا حتة سليمة تخاف عليها، واللي بايعة عمرها مابتخافش من الموت”.
زقيت إيد سالم بكل عزمي لورا، لدرجة إنه اتطوح خطوتين من الصدمة. جريت على ابني، أخدته في حضني وقومته، وبصيت لسالم وقولتله: “أبويا بايعني؟ طظ فيكم أنتوا الاتنين! أنا من النهاردة ماليش أب، ولا ليا جوز.. أنا ضهر نفسي، وضهر ابني، والباب اللي اتقفل في وشي، أنا ههده على دماغكم”.
دخلت الأوضة، لميت بطاقتي وأوراق ابني في شنطتي، وأخدت الواد في إيدي وخرجت للصالة. سالم كان واقف مكانه زي الصنم، لسه مش مستوعب الست اللي واقفه قدامه دي ومين جاب لها القوة دي كلها. جيت أمشي، لقيت تليفونه بيرن على التربيزة، والست إياها بتتصل.. مسكت التليفون ورزيته في الأرض مية حتة تحت رجله وقولتله: “اشبع بيها واشبع بيك يا سالم.. بس ابنك ده، لو فكرت تقرب منه، هتشوف مني وش عمرك ما تخيلت إنه موجود في الدنيا”.
فتحت الباب وخرجت، ورزعت الباب ورايا بكل قوتي.. رزعة قفلت بيها كتاب الذل والكسرة للأبد. ونزلت السلم وأنا سانده ابني على كتفي، مشيت في الشارع وأنا حاسة لأول مرة إن الهوا بيدخل صدر فادية بجد. مكنتش عارفة هروح فين، ولا هجيب حق الدوا والأكل منين، بس كان عندي يقين واحد مالي قلبي: لو هنام أنا وابني على الرصيف، هيبقى أرحم بمية مرة من جحيم سالم وقسوة أبويا.. أنا مش هكسر دماغي تاني، أنا هبنيها من جديد عشان خاطر ابني.
لما نزلت الشارع، “سالم” كان باصص من الشباك وعلى وشه ضحكة ثقة عميا، كان متأكد إن رجليّ مش هتاخدني غير على بيت أبويا زي كل مرة، وإنها مسألة ساعتين بالكتير وأبويا هيتصل بيه ويقوله: “تعالى خُدها اهي اتكسرت وجبسها هيرجعها”. مكنش يعرف إن “فادية” اللي خرجت المرة دي، واحدة تانية خالص غير اللي دخلت بيته من سنين.
دُست على وجعي، وسندت ابني اللي كان دبلان في حضني من السخونية، وشاورت لأول تاكسي قابلني. السواق بص لوشي المتورم وعيني الزرقا بخضة، وقالي: “على فين يا مدام؟”
قولتله بنبرة حديد مفيهاش أي رعشة: “على أقرب مستشفى عام”.
دخلت الطوارئ وجسمي كله بيترعش من الألم، بس عقلي كان صاحي ومرتب خطوتي الجاية بالمسطرة. الدكتورة أول ما شافتني وشافت المنظر، طلبت الممرضين فوراً، وبدأت تكشف عليا وتكتب التقرير الطبي. فضلت تثبت كل كدمة، وكل جرح، والزرقان اللي مالي ضهري ودراعي من حزام سالم. طلبت منها التقرير ممضي ومختوم بختم المستشفى.. التقرير ده مكنش مجرد ورقة، ده كان حبل المشنقة اللي هلفه حوالين رقبة الجبروت اللي عيشت فيه.
في نفس الوقت، الممرضة أخدت ابني، وعملت له كمادات وعلقت له محلوك وخافض حرارة لحد ما جسمه هدي ونَفَسه ارتاح، وأنا عيني عليه وبقول في سري: “خلاص يا قلب أمك، الأيام اللي كنت بتترعش فيها في الزاوية انتهت”.
أخدت التقرير الطبي في إيدي، وضميت ابني اللي بدأ يفوق ويصلب طوله، وخرجت من المستشفى ووجهتي واضحة.. مش بيت أبويا، ولا حارة أعرفها.. أنا وجهتي كانت “قسم الشرطة”.
دخلت القسم وأنا رافعة راسي، مبقتش شايفة نظرات الشفقة من الناس قلة قيمة، بقيت شايفاها وقود بيخليني أصر على حقي أكتر. دخلت على مكتب رئيس المباحث، حطيت التقرير الطبي وبطاقتي وقسيمة الجواز على مكتبه، وقولتله بكل ثبات:
ـ “أنا اسمي فادية.. وعايزة أعمل محضر تعدي وشروع في قتل ضد جوزي، سالم.. وده التقرير الطبي اللي بيثبت كلامي”.
الظابط بص للتقرير وبص لوشي، وهز راسه وبدأ يكتب المحضر. في اللحظة دي، حسيت لأول مرة إني باخد حقي بإيدي، وإن القانون اللي هيجيبلي حقي أرحم بمية مرة من “أصول” أبويا اللي كانت بتدبحني وتسلّمني لجلادي.
الظابط كان بيكتب المحضر وكل جرة قلم منه كانت بتداوي حتة من كرامتي اللي اتهانت. سألني عن التفاصيل، وعن الستات اللي بيكلمهم ويضربني قدامهم، وعن منعه للمصاريف وعلاج الواد. حكيت كل حاجة بأعلى صوت وبمنتهى الثبات، مفيش دموع، مفيش ركوع.. الخوف مات واندفن تحت بلاط المستشفى.
بعد ما خلصت وأخدت رقم المحضر، الظابط بصلي باحترام وقالي: “تقدري تتفضلي يا مدام فادية، والمحضر ده هيتحول للنيابة فوراً، وهينزل له أمر ضبط وإحضار”.
خرجت من القسم وأنا حاسة إن الأرض شيلاني، الهوا بقا له طعم تاني. في اللحظة دي، تليفوني رن.. بصيت على الشاشة لقيت اسم “أبويا”.
اتنفست ببطء ورديت، جالي صوته الزاعق والمليان غضب: “أنتِ فين يا فادية؟ جوزك اتصل بيا وقالي إنك هربتي من البيت بقالك ساعات! أنتِ ما بتتوبيش؟ فاكرة نفسك هتروحي فين؟ ارجعي على بيت جوزك قبل ما يطلقك وتيجي تقعدي في قرابيزنا هنا!”
ضحكت.. ضحكة أول مرة تخرج من قلبي من سنين، ضحكة قوية هزت سكووت الشارع، وقولتله بنبرة ناشفة زي الحجر:
ـ “مش هيرجعني يا بابا، ومش هطلق.. عشان جوزي اللي أنت بايعني ليه وبتشرب الشاي وهو بيشتم في تربيتي، زمان أَمين الشرطة بيخبط على بابه دلوقتي عشان يجيبه متبلبش في بوكس القسم”.
أبويا صوته اتكتم من الصدمة، وقبل ما ينطق بكلمة كملت:
ـ “أنا عملت له محضر تعدي وشروع في قتل بتقرير طبي يوديه ورا الشمس. ومن النهاردة، لا أنا هروح لبيت جوز ولا هعتب بيت أب.. أنا وابني هنبني حياتنا بعيد عنكم وعن قسوتكم.. اقفل يا بابا، واشرب شاي براحتك”.
قفلت السكة في وشه، وعملت له “بلوك” وهو وسالم في نفس اللحظة. بصيت لابني اللي كان ماسك في إيدي وباصصلي وعينيه فيها نظرة أمان عمري ما شفتها فيه قبل كده، وقولتله: “يلا يا قلب أمك.. يلا نروح نشوف مكان نظيف ننام فيه،
كلمنى المحامى
و طمني وقالي إن “سالم” خلاص انقفل عليه باب الحجز في القسم، وهيبيت هناك للعرض على النيابة الصبح ومنها للمحكمة. في اللحظة دي، حسيت إن البيت اللي انطردت منه واتهنت فيه بقا حقي أنا وابني، طالما الجلاد بايت ورا القضبان.
أخدت ابني ورجعت على شقتي. فتحت الباب ودخلت، بس المرة دي مكنتش خايفة ولا حاسة بالذل؛ الشقة كانت فاضية من غِلّه وصوته البجح. حميت ابني وأكلته واديته دواه، ونيمته في سريره وهو مطمن، ولأول مرة من سنين أنام وأنا مش حاطة إيدي على قلبي مستنية كف يصحيني.
تاني يوم العصر، جرس الباب رن بخبطات وسير غاضب عرفته على طول.. ده “أبويا”.
فتحت الباب ووقفت في النص، سدة العتبة برجلي ومخلتهوش يخطّي خطوة جوه. وش أبويا كان قالب ألوان، وعينيه بتطق شرار وقالي بزعيق هز السلم:
ـ “أنتِ اتجننتي يا فادية؟ بقا تودي جوزك القسم وتبيتيه في الحجز يا خايبة؟ عايزة تفضحينا وتجيبي لأبوكي الكلام في القهوة وسط الرجالة؟ غوري هاتي هدومك ولمي ابنك واخلصي عشان نروح نتنازل عن المحضر ده قبل ما يتنقل المحكمة ويتحبس بجد!”.
بصيت له بكل برود، ومن غير ما اتهز شعرة واحدة مني، قولتله بنبرة حجرية:
ـ “رجلِك مش هتعتب الشقة دي يا بابا.. وسالم مش هتنازل له عن المحضر، وهيتعرض على المحكمة وهيتحبس، والتقرير الطبي اللي معايا يوديه في داهية”.
أبويا رفع إيده بغشم وعينه برقت وقالي: “أنتِ هتقفي قصادي وتكسري كلامي؟ أنا هربيكي من جديد هنا قبل ما جوزك يخرج!”.
قبل ما إيده تنزل، مسكت تليفوني ورفعته في وشه وقولتله بصوت حاد وزي الموس:
ـ “ورحمة أمي يا بابا، لو فكرت تمد إيدك عليا أو تقربلي، لأكون طالبة النجدة وحبساك معاه في نفس الحجز وبنفس التهمة! أنا عملت محضر في جوزي ومبقتش أخاف من حد، والتقرير الطبي الجاي هعمله فيك أنت لو ملممتش نفسك وخرجت من هنا.. القانون مبيحميش اللي بيرموا بناتهم للذبح يا بابا، وأنا مش هسمحلك تكسرني تاني”.
أبويا إيده وقفت في الهوا، وبص لوشي وعيني اللي مبقاش فيها نقطة خوف واحدة.. عِرف إن فادية المكسورة الخانعة ماتت. نزل إيده وهو بيترعش من الصدمة والغل، وقالي وهو بيلف ضهره: “أنتِ مش بنتي.. وأنا غاسل إيدي منك ليوم الدين”.
رزعت الباب في وشه بكل قوتي، وسندت ضهري عليه وأنا ببتسم وبخد نَفَس طويل وعميق.. حسيت ساعتها إني مش بس حميت ابني، أنا حميت نفسي وهديت الحيطة المايلة اللي كانت هتقع فوق دماغي.
دخلت الصالة وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل، انتصار بطعم الحرية. بصيت على ابني اللي كان صاحي وقاعد على الكنبة، باصصلي وعينيه ماليانة انبهار وأمان، وكأنه لأول مرة يشوف أمه قوية وواقفة على رجليها. جريت عليه، أخدته في حضني وبكينا.. بس المرة دي دموعنا كانت بتغسل قهر السنين اللي فاتت، مش دموع عجز وخوف.
تاني يوم الصبح، نزلت مع المحامي ورحنا المحكمة عشان نتابع الجلسة. “سالم” جه في الكلابشات، ووشه في الأرض، عينه مكسورة ومبقاش فيه حتة من جبروت الراجل اللي كان بيستعرض رجولته بالضرب والشتيمة قدام الستات. أول ما عينه جت في عيني، شاف فادية تانية خالص؛ ست رافعة راسها، مفيش في عينيها ذرة خوف ولا تراجع.
المحامي قدم التقرير الطبي، والظابط شهد بواقعة الضرب، والقاضي مأخدوش فيه ثانية.. أمر بتجديد حبسه على ذمة القضية، وبكده سالم بقا رسمي ورا القضبان، والشقة بقت من حقي بقوة القانون كحاضنة لابني.
خرجت من باب المحكمة وأنا ماسكة إيد ابني وببص للسما. الشمس كانت طالعة قوية، وكأنها بتنور طريقي الجديد. مكنش معايا فلوس كتير، بس كان عندي العزيمة إني أنزل وأشتغل وأشيل نفسي وابني من غير ما أحتاج لقرش من سالم ولا لـ “حِمية” من أبويا اللي باعني.
طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن الست لما تتعوج تتكسر زي ما أبويا قال، بس عرفت إن الست لما بتميل، بتقوم وتصلب طولها بنفسها، ومحدش بيجبسها غير كرامتها. من اليوم ده، قفلت صفحة الماضي ورميت مفتاحها في البحر، وبدأت أكتب أول سطر في حياتي الجديدة.. حياة فادية وابنها، حياة مفيهاش غير الأمان والسلام.
مرت الشهور، والشقة اللي كانت زمان جحيم وسجن، بقت جنة صغيرة دافية ومفيهاش صوت زعيق ولا خوف. اشتغلت ونزلت السوق، وربنا فتحها عليا من وسع؛ لقمة عيشي بقت مغموسة بالكرامة، والقرش اللي كنت بشحت دوا ابني بيه، بقيت بجيبه بدراعي وبعرقي وأنا رافعة راسي فوق في السما.
سالم في حبسه بقا زي الفأر المزنوق، كل شوية يبعتلي ناس وأقارب يبوسوا إيدي عشان أتنازل، ويعرضوا عليا فلوس ومؤخر وشروط تضمن إني أرجع ملكة في بيتي.. بس أنا كنت برد عليهم بكلمة واحدة: “فادية اللي كنتوا بتكسروها ماتت واندفنت، والست لما بتعرف طعم الحرية والكرامة، مفيش مال في الدنيا يرجعها للقفص تاني”.
أما أبويا، فـ عِرف قيمتي لما لقى الناس في المنطقة بتتكلم عن البنت اللي وقفت بطولها وحمت ابنها وهدت الجبروت، وعِرف إن كلمته اللي كان فاكرها سيف مابقتش تجرحني. حاول يبعتلي قرايب يصالحوني ويقولولي “ده أبوكي ومفيش ضفر بيطلع من اللحم”، فقولتلهم: “اللحم اللي رماني للكلاب تاكله ميزعلش لما الكلاب تتفضح.. أنا ماليش غير ابني، والباب اللي اتقفل في وشي زمان، أنا نسيت مكانه أصلاً”.
في ليلة من الليالي، كنت قاعدة في الصالة، وابني قاعد جنبي بيذاكر وهو بيضحك، وجسمه ردت فيه الصحة والأمان. بصيت لملامحه ولقيت وشه منور ومبقاش فيه الخوف اللي كان بيخليه يترعش من أي خبطة باب.
قومت ووقفت قدام المراية، بصيت لوشي اللي الكدمات اختفت منه تماماً، ووعيني اللي رجع فيها لمعان الحياة. ابتسمت لنفسي وقولت: “يا فادية، أبوكي كان بيقول الست لما تتعوج تتكسر وجبسها هتتعدل.. بس أنتِ أثبتّي للدنيا كلها إن الست لما بتميل، بتقف وتصلب طولها بنفسها، ومحدش بيجبس كرامتها غير دراعها وقوتها”.
حطيت إيدي على كتف ابني وأنا باصة لبكرة بكل أمل، وعارفة إن اللي جاي كله بتاعي أنا وبس، ومفيش راجل في الدنيا هيقدر يكسر عيني ولا يلوي ضهري تاني.
