يوم فرحى

يوم فرحى لحظه دخول القاعه اتفاحئت بأخت جوزى لابسه فستان ابيض شبه بتاعى وبتحتفل بعيد ميلادها وواخده تورته فرحى حاطه عليها شمع بعدد سنين عمرها و صحابها والمعازيم بيحتفلوا معاها ومشغلين اغانى عيد ميلاد ورقص
يوم فرحي.. الليلة اللي المفروض أكون فيها ملكة ومحط أنظار الكل. كنت واقفة ورا باب القاعة، قلبي بيدق بسرعة، وماسكة في إيد جوزي وأنا حاسة إن الدنيا مش سيعاني من الفرحة. الموسيقى بدأت، والباب اتفتح ببطء.. وكنت مستنية أشوف نظرات الإعجاب والترحيب في عيون المعازيم.
لكن أول ما رجلي عتبت القاعة، الصدمة شلتني في مكاني. الإضاءة مكنتش متوجهة عليا، والمعازيم مكنوش باصينلي أصلاً! كلهم كانوا متجمعين في نص الصالة، حوالين تورتة تلات أدوار، ومشغلين أغاني عيد ميلاد ورقص.. وفي وسطهم كانت أخت جوزي.
مكنتش بس بتحتفل بعيد ميلادها في ليلة عمري، الصدمة الأكبر إنها كانت واقفة في نص القاعة ولابسة فستان أبيض منفوش، يكاد يكون نسخة طبق الأصل من فستان فرحي! كانت بترقص وتضحك بكل برود وسط صحابها، وكأن القاعة قاعتها، والليلة ليلتها هي مش ليلتي. في اللحظة دي، لفيت وبصيت لجوزي وأنا مش قادرة أستوعب كمية البجاحة، ومستنية أشوف رد فعله..
كملت صدمتي لما ركزت في التورتة اللي متجمعين حواليها.. مكنتش مجرد تورتة عيد ميلاد عادية، دي كانت تورتة فرحي أنا! التورتة اللي بقالي شهور بندف في تفاصيلها، واخترت شكلها، ودققت في كل دور فيها عشان تكون مميزة.
لقيتها واقفة بقمة البجاحة، ماسكة السكينة وميرنا أخت جوزي بتقطعها مع صحابها، والمعازيم بيصقفو لها ويهيصوا، وكأنهم بيحتفلوا بـ “العروسة” الجديدة. وفي اللحظة دي، بدأت الصورة توضح في دماغي.. الموضوع مكنش صدفتين ورا بعض، دي خطة مدروسة عشان تتسرق مني ليلتي بالكامل؛ فستاني، وتورتي، وفرحتي.
أول ما عيني جت في عينها، ميرنا مالمحتش في وشها أي علامة كسوف أو إحراج، بالعكس، بصتلي وابتسمت ابتسامة صفرا، ورفعت إيدها بالسكينة وهي بتشاورلي عشان أروح أتصور معاها!
لفيت لجوزي وأنا حاسة إن الدم غلي في عروقي، وسألته بنبرة كتمت فيها صرخة مكتومة: “التورتة دي بتعمل إيه هنا يا طارق؟ وأختك بتعمل إيه بفستان الفرح ده؟
طارق بصلي وهو بيبلع ريقه، وبان في عينه التوتر والارتباك اللي كان بيحاول يداريهم ورا ابتسامة باهتة مش راكبة على الوش خالص. فرك إيده في بعضها وقال بنبرة واطية وهو بيميل عليا عشان محدش يسمعنا: “معلش يا حبيبتي.. عدي الليلة.. ميرنا لقت إن عيد ميلادها جاي يوم فرحنا بالظبط، فقالت تفرح معانا وتعمل مفاجأة.. ومكنتش أعرف موضوع الفستان ده والله، افتكرتها جايبة فستان عادي!”
“تفرح معانا؟!” الكلمة طلعت مني مكتومة وزي الفحيح، وجسمي كله كان بيرتعش من كتر الغيظ. “دي سرقت فرحتي يا طارق! دي لابسة أبيض زيي وبتطفي شمع على تورتة فرحي اللي دافعين دم قلبنا فيها! وأنت كنت عارف؟”
سكوته ونظرته الأرض أكدتلي إنه كان عنده علم، أو على الأقل اتدبس ووافق عشان “ميزعلش أخته الحيلتة”. في اللحظة دي، ميرنا سابت السكينة ومشت وسط زفة صحابها وهي بتجر فستانها الأبيض المنفوش بكل فخر، وقربت مننا والابتسامة الصفرا لسه مرسومة على وشها المستفز.
وصلت لعندي، وبمنتهى البرود مدت إيدها تبوسني وتقول بصوت عالي عشان الكل يسمع: “مبروك يا عروسة! منورة فرحي.. أقصد فرحكم! معلش بقى شاركتك في التورتة، بس قولت نوفر ونفرح كلنا في ليلة واحدة، ولا إيه يا طارق؟” وبصت لأخوها وهي بتغمز له بثقة تامة إنها محمية فيه.
المعازيم كانوا باصين علينا، في ناس عيونها فيها شفقة، وناس تانية بتهمس وتضحك، والمصور واقف بيسجل المهزلة دي فيديو وكاميرته متوجهة علينا. الدنيا لفت بيا، وبصيت لفستاني الأبيض، وبعدين لفستانها، وللتورتة اللي اتبهدلت قبل ما حتى ندخل القاعة. كان قدامي طريقين: يا إما أعيط وأنهار وأضيع ليلتي خالص، يا إما أوريهم العروسة اللي بجد ممكن تعمل إيه لما حد يفكر يدوس لها على طرف في ليلتها.
بصيت لطارق وقولتله ببرود قاتل هزّه من جوه: “لو المخروبة دي ما اتلمتش حالا، والفستان ده اتشال من قدامي، أنا هقلب الفرح ده جنازة، وأنت أول واحد هتزعل يا طارق.”
طارق وشه جاب ألوان، وبصلي برعب وهو شايف عيني بتطق شرار، وعارف كويس إن النبرة الهادية دي وراها بركان لو اتفتح هيحرق القاعة باللي فيها. مسك إيدي بسرعة وضغط عليها وهو بيتوسل ب عينه: “أبوس إيدك يا أماني، بلاش فضايح، الناس بتبص علينا والمصور شغال.. هلم الموضوع والله، بس مش هنا، تعالي نقعد في الكوشة الأول.”
“كوشة؟!” قولت الكلمة بسخرية وأنا بزيح إيده عني بقوة: “هو أنت لسه شايف إن في فرح عشان أقعد في الكوشة؟ أختك واخدة مكان العروسة، والمعازيم بتهنيها هي! مفيش قعاد يا طارق قبل ما المسخرة دي تخلص.”
ميرنا كانت واقفة على بعد خطوتين، بتعدل فستانها الأبيض المنفوش بغرور وتلقح كلام على صحابها: “أصل في ناس قماصين ومبيحبوش يشوفوا حد مبسوط.”
هنا بقى فيوزات دماغي ضربت تماماً. الدموية دي مكنش ينفع معاها أدب ولا أصول. سبت طارق واقف زي التمثال، وأخدت خطوتين سريعين ناحية ميرنا. فستاني كان بيجر ورايا، وصوت كعبي كان بيرن في أرضية القاعة وسط الهدوء اللي بدأ يسود فجأة لما الناس حست إن الأجواء بدأت تتكهرب.
وقفت قدامها بالظبط، كنت أطول منها وأنا لامة طراحي وواقفة بكبرياء العروسة المجروحة في ليلتها. بصيت لها من فوق لتحت بقرَف، وقولت بصوت جهوري مسمع لنص القاعة: “كل سنة وأنتِ طيبة يا ميرنا.. بس معلش، أصل أنا في بيتي وجامعتي اتعلمت إن الأصول مبتتجزأش، والبجاحة ليها حدود.”
وشها اتخطف، وصحابها سكتوا تماماً. كملت وأنا ببتسم نفس ابتسامتها الصفرا: “التورتة دي تورتة فرحي أنا وطارق، اللي دفعنا تمنها وشقينا فيها. فستانك الأبيض ده ملوش مكان هنا غير لو كنتِ العروسة، وبما إنك مش العروسة، فمنظر كدة بقا شبه الكومبارس اللي مش لاقي دور يلعبة.”
التفتت للمصور اللي كان واقف مذهول ومبرق، وراحت النبرة مني تماماً وبقت أمر عسكري: “نزل الكاميرا دي حالا، والأغاني دي تقف.. الفرح ده مش هيكمل غير لما المسرحية الهزلية دي تنتهي.”
طارق جيري عليا ووشه في الأرض من الكسوف، وحماتي بدأت تتحرك من بعيد ووشها مقلوب.. الليلة اللي كان المفروض تكون ليلة العمر، اتحولت لساحة حرب، وأنا مكنتش ناوية أطلع منها خسرانة.

حماتي وصلت وهي بتنهج، وفستانها السواريه بيجر وراها، وبدل ما تيجي تطيب خاطري أو تلم بنتها، لقيتها بتبصلي بعين قوية وبتقول بنبرة كلها لوم: “جرى إيه يا أماني؟ مالك داخلة حامية كدة ليه وعاملة شوشرة؟ دي أخت العريس الصغير وكله يومين في السنة بتفرح فيهم، جرى إيه لو فرحنا معاها؟ كبري مخك وبلاش تكتفي النكد علينا من أولها!”
نكد؟ أنا اللي بنكد؟! في اللحظة دي حسيت إن الغضب سد وداني، وبقيت شايفة الكل باللون الأحمر. بصيت لحماتي وقولتلها بضحكة سخرية عالية لفتت نظر باقي القاعة: “نكد؟ يعني بنتك تسرق فستاني وتورتتي وتعمل ليلتي عيد ميلادها وتقوليلي نكد؟ الأصول يا طنط بتقول إن بنتك جاية تخرب فرح ابنك، وأنتِ بدل ما تبروزي الأدب، جاية تشجعيا!”
التفت لطارق اللي كان واقف وشه جايب ألوان، باصص للأرض زي العيل الغلطان ومش قادر ينطق بكلمة، خايف من أمه وزعلان على أخته، ومستخسر فيا ليلتي. قولتله وأنا بشاور على ميرنا وأمها: “شايف يا طارق؟ شايف الأصول؟ أنا لحد هنا وجبت آخري.”
ميرنا لما لقت أمها ظهرها، رجعت تتدلع وتتكلم بمياعة: “يا مامي سيبك منها، دي واحدة غيورة ومعقدة، أنا قولت لطارق وهيوافق، صح يا تيتو؟”
كلمة “تيتو” دي كانت الرصاصة الأخيرة اللي نسفت أي خط رجعة. بصيت لطارق وقولتله ببرود وثبات هز القاعة كلها: “طارق.. قدامك دقيقة واحدة بالثانية. يا إما أختك دي تاخد أمها وفستانها الكومبارس ده وتطلع بره القاعة حالا، يا إما المأذون اللي بره ده يدخل يطلقنا قبل ما نكتب الكتاب، وأنا هأخد فستاني وتورتتي وأروح مع أهلي، وساعتها خلي ‘تيتو’ يكمل الفرح مع أخته العروسة الجديدة!”
الصمت حل على القاعة لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت هترن. حماتي بقها اتفتح من الصدمة، وميرنا الابتسامة اختفت من على وشها وبدأت تبرق برعب، وطارق بصلي وهو مش مصدق إن “أماني” الهادية العاقلة ممكن تبيع كل حاجة في لحظة عشان كرامتها.
طارق ملامحه اتجمدت، والدم هرب من وشه تماماً. لقى نفسه فجأة قدام اختيار ملوش ثالث: يا إما يبيع الليلة ويخسرني وخسارته هتبقى بجلاجل قدام المعازيم وأهلي اللي بدأوا يلاحظوا الهرجلة ويتحركوا ناحيتنا، يا إما يقف راجل وياخد موقف يحجم بيه أخته وأمه.
حماتي زعقت بصوت واطي ومكتوم وهي بتهز إيد طارق: “أنت سامع البت بتقول إيه يا طارق؟ دي بتهددك في ليلة فرحك! أوعى تتهز لها، خليها تمشي وتوريني هتعمل إيه!”
ميرنا هنا بدأت تتوتر بجد، الضحكة اختفت، وبقت تبص لصحابها اللي بدأوا ينسحبوا لورا خطوة بخطوة عشان يخرجوا بره المشهد.
طارق بص لأمه، وبعدين بص لميرنا، وفجأة النبرة المهزوزة اللي كان بيتكلم بيها اختفت. لقى كرامته وكرامة فرحه بتضيع. أخد نفس طويل وبص لأخته وقال بزعيق هز أرجاء المكان: “ميرنا! لمي صحابك واطلعي بره القاعة حالا.. مش عايز أشوف وشك هنا بالفستان ده!”
ميرنا برقت وعينها اتملت دموع: “أنت بتطردني يا طارق؟ عشان دي؟”
“دي مراتي!” طارق رد عليها بصوت أعلى صدمها وصدم أمه. “دي العروسة، وأنتِ بوظتي فرحتنا وبجاحتك زادت عن حدها. قسماً بالله يا ميرنا لو ما اختفيتي من قدامي حالا بمسخرتك دي، لا هكون أخوكي ولا أعرفك، ويلا بره!”
حماتي لطمت على صدرها وقالت بصوت مجروح: “بتطرد أختك في يوم عيد ميلادها عشان خاطرها يا طارق؟ ماشي يا ابن بطني.. احنا ماشيين ومشيالكم القاعة واسعة!”
أخدت بنتها من إيدها، وميرنا كانت بتجر فستانها الأبيض المنفوش وراها وهي بتعيط من الكسوف بعد ما اتقلبت السحر على الساحر، وبقوا المعازيم بيبصوا عليهم بنظرات تشفي وهمس مالي الصالة.
طارق لف ليا، كان نفسه مكسور ووشه وعينه مليانين أسف. قرب مني ومسك إيدي الاتنين وقدام كل الناس وطى راسي وباسها وقال بنبرة مسموعة: “حقك عليا يا أماني.. ليلتك مش هتبوظ، وأنا أسف إن طوعتهم من الأول.. أنتِ العروسة الوحيدة لقلبي وعيني.”
أهلي وصلوا وسندوني، والموسيقى رجعت تشتعل تاني بس المرة دي بأغنية دخلتنا اللي اخترتها.. لفيت للمصور وقولتله بابتسامة نصر هزت القاعة: “اضبط كادرك بقا يا كابتن.. واشطب على كل اللي فات، العروسة الحقيقية دخلت.”

المزيكا علت، وأنوار القاعة اللي كانت مطفية رجعت تنور وتتحرك فوق راسي وفوق فستاني، وكأن القاعة نفسها كانت مستنية اللحظة اللي يرجع فيها الحق لأصحابه. طارق مسك إيدي وجرّني براحة ناحية الكوشة، ونظرة عينه كانت كلها محاولة لاسترضائي، وكأنه بيحاول يمسح بكل طريقة الدقائق السخيفة اللي فاتت.
المعازيم سقفوا بحرارة، وصحابي وأهلي اتلموا حوالينا وبدأوا يرقصوا ويهيصوا عشان يخرجوني من المود، والزفة بدأت تاخد مجراها الطبيعي. طارق مسبش إيدي ثانية واحدة، كان كل شوية يميل عليا يهمس في ودني: “والله العظيم ما كنت أعرف إنها هتوصل للبجاحة دي.. فداكي أي حاجة يا أماني، المهم تكوني مبسوطة.”
أنا كنت ببتسم وبرقص، بس من جوايا كان في جرح صغير مش قادر يلتئم بسهولة؛ فكرة إن ليلة عمري كانت هتروح هدر لولا إني وقفت وخدت حقي بجرأة.
لفيت عيني على التورتة اللي كانت مركونة على جنب، الأدوار التلاتة اللي اتعلم عليهم بسكينة ميرنا. شاورت للمسؤول عن البوفيه وقولتله ببرود وثقة: “التورتة دي تتدخل جوه، مش عايزة أشوفها في الصالة.. وهاتوا تورتة تانية من عندكم للتقطيع.”
الراجل نفذ كلامي فوراُ في ثواني، ودخلت التورتة المتبهدلة، ونزلوا مكانها تورتة تانية شيك تليق باللحظة. وقفت أنا وطارق، ومسكنا السكينة سوا، وبصيت في عينه وقولتله بصوت واطي: “احنا بنبدأ صفحة جديدة يا طارق.. من اللحظة دي، مفيش مخلوق هيشاركني فيك، ولا في حاجتي.”
طارق ابتسم وضغط على إيدي وقطعنا التورتة وسط تشجيع وصريخ الفرحة من كل الموجودين. الليلة كملت، ورقصنا لحد الفجر، ورغم كل اللي حصل، طلعت من القاعة وأنا حاسة إني مش بس كسبت جوزي.. أنا كسبت احترامي وكرامتي، وعرفتهم كلهم إن أماني مش البنت اللي يتسرق منها فرحتها وتكتفي بالسكوت!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *