انتقام ليلة العمر حكايات انجى الخطيب
مشيت في “القاعة” والد*م نازل من شفتي اللي كانت مجروحة من القلم اللي ضربهولي خطيبي ، وطرحة الفستان متقطعة. “خالد” – خطيبي – بص لأصحابه وضحك بصوت عالي وقال: “كان لازم أفكرها مين كلمته اللي بتمشي قبل ما نكتب الكتاب”. القاعة كلها ضحكت، حتى حماتي “مدام ماجدة” كانت بتضحك وهي بتعدل طرحتها. أنا معيطتش . وصلت بهدوء عند بوكيه الورد بتاعي، طلعت فلاشة صغيرة، ووصلتها بسرعة في اللابتوب اللي كان قدام المأذون عشان يعرض صورنا. همست لنفسي: “تعالى نشوف التذكير الحقيقي بقى”، وفجأة الشاشة الكبيرة اللي في القاعة نورت بكل اللي عملوه فيا.
#انجي_الخطيب
أول نقطة دم نزلت على إيدي قبل ما يلحق “خالد” يكمل كلامه. وأنا ماشية في القاعة كان الكل شايف شفتي المجروحة، والطرحة المتبهدلة، وأثر صوابعه اللي لسه معلمة على وشي..
أبويا مات من تلات سنين، فكنت ماشية لوحدي.. لـ”خالد”، الراجل اللي كان مفروض يكون سندي، واللي قضى الليلة اللي قبل الفرح بيثبتلي إنه يقدر يوجعني من غير ما يسيب أثر كدمات واضحة في وشي. كان واقف في القاعة لابس بدلة شيك، وشكله “ابن ناس” بيخلي قسوته تبان كأنها مجرد “هيبة”.
شفت أمه “ماجدة” من أول صف، كانت لابسة طقم حرير غالي. هي اللي رتبت الفرح، وهي اللي اختارت المأذون، وهي اللي حطت ملف جلد جنب علبة الشبكة. الملف ده كان فيه توكيلات بيحولوا لي أسهمي في “شركة والدي للمستلزمات الطبية” لشركة العيلة بتاعتهم.
”خالد” مال على أصحابه لما قربت: “كانت محتاجة تذكير مين راجل البيت قبل ما نكتب”. أصحابه ضحكوا، و**”ماجدة”** ضحكت. والضحك انتشر في القاعة، أصل الناس اللي فاكرة نفسها فوق الكل دايماً بتفتكر إن سكوت المظلوم موافقة، وإن قسوتهم نوع من أنواع التسلية.
معيطش.
عدلت بوكيه الورد وبصيت في عين “خالد” وقلتله بهدوء: “خلصت كلامك؟”
ابتسم بسخرية: “لسه بدري”.
المأذون كح وقال: “يا جماعة خلينا نخلص عشان الوقت”.
”خالد” ضغط على إيدي المصابة وهو ماسك الورد: “هتمضي علي القسيمة ، وبعدين تبتسمي للكاميرات”، همس لي بتهديد.
اللي مايعرفوش “خالد” إني اشتغلت 8 سنين مراجعة حسابات جنائية قبل ما أرث شركة أبويا. كنت عارفة إزاي أجيب الملفات الممسوحة، وأرجع التحويلات اللي متدارية، وأبني أدلة مايقدرش أقوى محامي يهدها.
#انجي_الخطيب
بقالهم 6 شهور بيسرقوا فلوس من الشركة عن طريق موردين وهميين. وبقالهم أسبوعين بيضغطوا عليا عشان أتنازل عن الإدارة. وقبل الفرح بـ 12 ساعة، كانوا فاكرين إن الضرب والترهيب اللي عملوه معايا هيخليني أضعف وأمضي الورق.
بس ماكنش ده اللي حصل.
جوه بوكيه الورد كان فيه فلاشة عليها كشوفات حسابات بنكية، تسجيلات لكاميرات المراقبة، وتهديدات مسجلة، وفيديو واحد بس “خالد” كان يدفع عمره عشان يمسحه. “إيمان” صاحبتي، كانت واقفة ورايا بتلات خطوات، وشها أصفر بس ثابتة. وتحت الشال بتاعها، كانت موصلة الموبايل بتاعها بـ “نسخة احتياطية” وبلاغ طوارئ مباشر لمحامي الشركة.
”خالد” مد إيده للملف الجلد عشان يطلعهولي.
وأنا مديت إيدي للورد.
كشر وقال: “بتعملي إيه؟”
مسكت الفلاشة وقلت بصوت واطي بس مسموع للكل:
“هدي للناس دي… التذكير اللي يستحقوه”.
وقبل ما حد يلحق يوقفني، لفيت للجهاز اللي بيعرض الصور. “إيمان” وقفت حاجز بيني وبين أصحابه. المأذون وقف مذهول وأنا بدخل الفلاشة، والأنوار في القاعة اتغيرت والشاشة بدأت تعرض الحقيقة اللي هتنهي كل شيء…
#انجي_الخطيب
الصورة بدأت تتغير، مفيش صور الخطوبة ولا الرومانسية الكدابة اللي كانوا متوقعينها، الشاشة دلوقتي بتعرض ملفات إكسيل تقيلة، وتواريخ تحويلات بنكية بملايين، وفجأة صوت خالد في الفيديو ملى القاعة وهو بيهدد الموردين عشان يزوروا فواتير التوريد، الصوت كان واضح وجاي من مكتبه في الشركة، صوت “ماجدة” وهي بتقوله “برافو يا خالد.. الشركة بقت في جيبنا ومحدش هيقدر يفتح بقه”. الصمت خيم على القاعة كأنه مية متلجة اترمت على الكل، خالد وشّه اتغير لونه وبقى أبيض زي الجبس، وعينه بقت بتتحرك بجنون في القاعة، حاول يهجم ناحية اللابتوب بس “إيمان” صرخت في الميكروفون اللي كان في إيدها وقالت بصوت قوي ومسموع لكل الناس: “البوليس في الطريق، والسيستم كله دلوقتي متسيفر على سيرفرات النيابة، حركة واحدة وهتتفتح عليك بلاغات تانية بجريمة التعدي والضرب اللي صورتها كاميرات الفندق الخارجية”، ماجدة قامت من مكانها زي المذعورة، كانت بتحاول تلم الشنط بتاعتها والملفات الجلد، بس الضيوف اللي كانوا بيضحكوا من دقيقة، دلوقتي بقوا واقفين بيصوروا بالموبايلات، والكلمات بدأت تطلع من كل حتة “حرامية”، “دي شركة أبوها”، خالد وقف مذهول، بصلي وأنا واقفة قدامه بشموخ، دمي لسه نازل بس ملامحي كانت صخر، قلتله بصوت هادي يقطع دوشة القاعة: “الراجل اللي بجد مش اللي يمد إيده على واحدة عشان يكسرها، الراجل اللي بيعرف يحمي بيته، وأنت لا حميتني ولا حميت مستقبلك، القسيمة اللي كنت مستني أمضيها دي كانت هتبقى طوق نجاتك، بس دلوقتي هي بقت قيد في إيدك”، في اللحظة دي، دخلت قوة أمنية من باب القاعة الرئيسي، خالد كان بيبصلي بنظرة كلها كره، بس ورا الكره ده كان فيه خوف، خوف من اللي جاي، وخوف من المجهول، أنا رميت طرحة الفستان المقطعة على الأرض، وطلعت بره القاعة من غير ما أبص ورايا، المطر كان بدأ ينزل بره، غسل بقايا الدم اللي على وشي، وأنا ماشية في الشارع، حسيت لأول مرة من سنين إني حرة، لا خالد ولا عيلته ولا فلوسهم يقدروا يمسوني تاني، لأني ببساطة كنت عارفة إني كتبت لنفسي بداية جديدة، بداية بتبدأ من تحت الصفر، بس المرة دي، أنا اللي ماسكة القلم، وأنا اللي بكتب الفصل الجاي، ومن غير ما استنى حد يديني الإذن، ركبت عربيتي وسقت بأقصى سرعة، وعارفة إن بكرة هيطلع شمس جديدة، شمس مش مسروقة، شمس بتاعتي أنا وبس.
……..
أول ما وصلت لبيتي القديم، البيت اللي أبويا كان سايبهولي ومقفول بقالي سنين، دخلت وقفلت الباب ورايا وكأن العالم كله اتمسح. رميت مفاتيح العربية على الترابيزة وقعدت في الأرض، لحظة انهيار؟ لا.. دي كانت لحظة تفريغ، الدموع اللي حبستها في القاعة نزلت أخيرًا، بس مش ضعف، دي كانت دموع التخلص من حمل تقيل بقاله شهور بيضغط على صدري.
الموبايل في إيدي مبيسكتش، رسائل من أرقام غريبة، مكالمات من محاميين الشركة، وحتى رسايل تهديد من “ماجدة” اللي لسه فاكرة إنها تقدر ترهبني وهي محبوسة. رميت الموبايل بعيد، ودخلت غسلت وشي في الحمام، بصيت في المراية لشفتي المجروحة، لمستها بإيدي وابتسمت ابتسامة باهتة.. دي مش جرح، دي “علامة” بداية الحرب.
تاني يوم الصبح، الشمس دخلت من شباك الأوضة، قمت غيرت هدومي، لبست طقم عملي، وبدأت أجهز نفسي. التليفون رن، كانت “إيمان”، ردت وهي بتنهج: “إنجي، انتي فين؟ الدنيا مقلوبة في الشركة، والموظفين اللي كانوا بيخافوا يتكلموا بدأوا يبعتوا شهاداتهم للنيابة، وخالد وأمه اتحبسوا ٤ أيام على ذمة التحقيق”.
رديت بهدوء وثبات: “مش مهم الحبس يا إيمان، المهم إننا نسترد الشركة، والناس اللي اتظلمت تاخد حقها. أنا في طريقي للشركة، عايزة كل الملفات اللي في الفلاشة تكون جاهزة على مكتبي، النهاردة هنبدا نكتب القصة من أول وجديد، بس المرة دي، إحنا اللي أبطالها.. مش ضحاياها”.
قفلت السكة وأنا باصة لبرة، الشارع هادي، والناس ماشية بتدور على رزقها، وأنا المرة دي رايحة أواجه الدنيا بوش مكشوف، من غير طرحة فستان، ومن غير “خالد”، ومن غير خوف. ركبت عربيتي، ودست بنزين، وفي المراية شفت انعكاس واحدة تانية.. واحدة اتعلمت إن أقوى سلاح في إيد الست هو ذكاؤها، وإنه مهما طال ليل الظلم، الحقيقة دايماً بتنور في آخر القاعة.
وصلت قدام بوابة الشركة، وقفت للحظة، شفت الموظفين واقفين بيستنوني، عيونهم فيها نظرة تساؤل بس كمان فيها بريق أمل، نزلت من العربية، مشيت خطوات واثقة، وعرفت إن الفصل اللي جاي هيكون أقوى فصل في روايتي.. رواية إنجي الخطيب اللي مابتنكسرش.
……..
دخلت الشركة، الرخام اللي في الأرض كان بيعكس صورتي، مكنتش المخطوبة المكسورة اللي خرجت من القاعة امبارح، كنت “إنجي الخطيب” اللي جاية تسترد عرش أبوها. الموظفين اللي كانوا بيترعشوا من سيرة خالد وأمه، كانوا واقفين صفين، الصمت كان مسيطر، بس عيونهم كانت بتراقب كل خطوة.
طلعت مكتبي، مكتب “المدير العام”. دخلت، لقيت إيمان مستنياني ومعاها تيم المحامين. إيمان بصتلي بلهفة وقالت: “إنجي، المحامي بيقول إنهم بيحاولوا يطلعوا بكفالة، وماجدة بتبعت رسايل تهديد إنها هتحرق كل حاجة لو مخرجوش”.
بصيت للملفات اللي على المكتب، اتنهدت وبدأت أرتب الأوراق اللي تثبت كل جنيه اتسرق. “ماجدة فاكرة إنها لسه في القاعة، فاكرة إن التهديد بيمشي معايا”، قلتها ببرود وأنا بفتح اللابتوب بتاعي. “خلي المحامي يبعت كل التسجيلات اللي معانا للنيابة العامة فوراً، مش بس اللي عرضناه في الفرح.. عايزة كل حاجة، حتى المكالمات اللي سجلوها وهما بيخططوا لإفلاسي”.
في اللحظة دي، الموبايل بتاع مكتب إيمان رن. كان اتصال من “قسم الشرطة”. إيمان خدت الموبايل، وبصتلي بذهول وقالت: “ده محامي ماجدة.. عايز يقابل حضرتك شخصياً، بيقول إنهم مستعدين يتنازلوا عن أي سهم في الشركة مقابل إننا نسحب البلاغات”.
ابتسمت، ابتسامة باردة جداً. “قوليله ييجي”، قمت وقفت وبصيت من إزاز المكتب الكبير اللي بيطل على المصنع بتاعنا. “عايزة أشوفهم وهما بيحاولوا ينقذوا اللي باقي من كرامتهم”.
بعد ساعة، دخل المحامي، كان واضح عليه التوتر. قعد قدامي وبدأ يتكلم عن “سوء التفاهم” وعن “مصلحة الشركة”. قاطعته بحدة: “سوء تفاهم؟ خالد ضربني يوم فرحي، وحاول يسرق مجهود والدي، وأمك كانت شريكة في كل قرش اتسرق.. دي مش سوء تفاهم، دي جريمة”.
طلع المحامي عقد تنازل عن أسهمهم، وقال بصوت مهزوز: “دي ورقة بتنقل كل أسهمهم باسمك، بشرط إننا نسحب بلاغ السرقة”.
بصيت للورقة، بصيت للسنين اللي سرقوها من عمري، وبصيت لإيمان اللي كانت واقفة ورايا بتشجعني بعينيها. مسكت القلم، بس مكنتش همضي عشان أسحب البلاغ. كتبت بخط عريض على العقد: “مقبول كـ تعويض عن الخساير، بس البلاغ هيفضل مفتوح، القانون ياخد مجراه في التعدي والضرب”.
المحامي وقف مذهول: “بس ده معناه إنهم هيدخلوا السجن!”
رديت وأنا بلم الأوراق: “ده معناه إن العدل لسه موجود، اتفضل بره، المكتب ده من اللحظة دي ممنوع يدخله أي حد ملوش حق فيه”.
خرج المحامي، وبقيت أنا وإيمان في المكتب. حسيت براحة كبيرة، مش بس عشان الشركة رجعت، لكن عشان أخيراً، قفلت باب “خالد” في وشي للأبد. بدأت أراجع جداول الإنتاج، وبدأت أخطط لإعادة هيكلة الشركة. الحياة رجعت تدب في عروقي، والقصة اللي بدأت بدمعة، كملت بخطوة واثقة نحو المستقبل.
……..
حسيت بتقل ضخم انزاح من على صدري، بس كنت عارفة إن الحرب لسه في أولها. ماجدة مش هتسكت، وخالد اللي متعود ياخد كل حاجة بالدراع مش هيقبل الهزيمة بسهولة.
يومين عدوا، والشركة بقت خلية نحل. بدأت أرجع الثقة للموظفين اللي عانوا من تسلط خالد، وفتحت قنوات تواصل مباشرة مع الموردين الحقيقيين اللي “خالد” كان بيحاول يقطع علاقتهم بينا. فجأة، المكتب اللي كان هادي اتملى بخبط على الباب. إيمان دخلت ووشها مخطوف، وفي إيدها “تابلت” عليه خبر عاجل.
إنجي، بصي.. خالد ومحاميته عملوا “فيديو” لايف من جوه الحبس، طالعين فيه بيمثلوا دور “الضحية”، بيقولوا إني أنا اللي كنت بسرق الشركة، وإني لفقّت لهم التهم دي عشان “خالد” قرر يفسخ الخطوبة!
قربت من التابلت، خالد كان بيعيط بدموع تماسيح، وماجدة واقفة وراه بتبان بمظهر “الأم المقهورة”. الكومنتات كانت مقسومة، جزء بيشتم فيا، وجزء بيستغيث ويسأل: “هي الحقيقة فين؟”.
ضحكت ضحكة مكتومة، الضحكة اللي بتيجي لما العدو يغلط غلطة عمره. خالد فاكر إن الدنيا لسه بتمشي بالصوت العالي والتمثيل، نسي إن “إنجي الخطيب” مش بس ست بتعرف تكتب روايات، دي مراجعة حسابات جنائية بتقدر تطلع “البصمة الرقمية” لأي كدبة.
قلت لإيمان بصوت هادي: “افتحي لي اللايف، وهاتي لي كل الفيديوهات اللي سجلناها من مكتبه، وتحديداً الفيديو اللي كان بيحاول يمسحه”.
طلعت في “لايف” من صفحة الشركة الرسمية. القاعة كانت فاضية إلا مني ومن إيمان. الكاميرا اشتغلت، ولقيت الأعداد بتزيد بالآلاف في ثواني. بصيت للكاميرا مباشرة، لا كنت لابسة فستان فرح ولا كنت حاطة ميكب يخفي أثر الجرح، بالعكس، كنت سايبة الجرح زي ما هو، عشان يكون “الشاهد” الوحيد على قسوتهم.
قلت بصوت ثابت: “يا جماعة، بدل ما نضيع وقت في الكلام، أنا مش هرد بدموع.. أنا هرد بالأرقام. اللي في الفيديو ده حاولوا يسرقوا تاريخ، والنهارده، هوريكم الفاتورة اللي دفعوها”.
بضغطة زرار، عرضت على الشاشة اللي ورايا صور الفواتير المزورة، وسجل المكالمات اللي بيثبت إن خالد هو اللي أصدر أوامر التحويلات. وفي لحظة ذروة المشاهدة، عرضت الفيديو اللي “خالد” كان بيدفع عمره عشان يمسحه.. فيديو بيظهر فيه خالد وهو بيضرب موظف في المخازن عشان يوافق يوقع على شحنة مضروبة.
الكومنتات قلبت، وبدل “التعاطف” مع خالد، بقت دعوات عليه وعلى أمه. الموبايل في مكتبي مبيفصلش، مكالمات من ناس كانت خايفة تتكلم، أخبار إن النيابة استدعتهم تاني بناءً على الأدلة الجديدة اللي نشرتها.
قفلت اللايف، ولقيت إيمان بتبصلي بذهول وقالت: “إنجي، إنتي دمرتيهم تماماً.. ماجدة دلوقتي جالها انهيار عصبي في الحبس”.
بصيت من الشباك للسما، وقلت: “العدل مش انتقام يا إيمان.. العدل هو إن كل واحد ياخد تمن اللي عمله. خالد وأمه اختاروا الطريق ده، ودلوقتي لازم يمشوا فيه للآخر”.
فجأة، تلفوني رن.. رقم غريب. رديت، كان صوت أبوه لخالد، الراجل اللي كان دايماً بيحاول يبعد عن مشاكل مراته وابنه. “يا إنجي، كفاية.. الولد اتدمر، والشركة بتتشهر.. تعالي ننهي ده في مكتبي، مش في النيابة”.
بصيت للكرسي اللي بقعد عليه كل يوم، الكرسي اللي بقى رمزي للنجاة، ورديت: “المكتب ده مبيتدخلهوش غير أصحابه الحقيقيين يا عمي.. وكنت أتمنى يكون فيه حد فيهم يستحق.. بس للأسف، مفيش”.
قفلت السكة، ورجعت أكمل شغلي. المعركة خلصت، بس الحكاية لسه بتبدأ. هل تفتكري يا إنجي إن دي كانت نهاية “خالد”، ولا ممكن يظهر حد تاني يحاول يهد اللي بنيتيه؟
…….
مرت الأيام، والهدوء اللي ساد الشركة كان “هدوء ما قبل العاصفة” بالنسبة لي، لأني عارفة إن في عالم البزنس، الخصم اللي بيخسر كل حاجة بيبقى أخطر من الأول. خالد وأمه اتحكم عليهم فعلياً، لكن الشائعات بدأت تطلع في السوق إن فيه “مستثمر مجهول” بدأ يشتري ديون الشركة من الموردين اللي كانوا متعاونين مع خالد، وبدأ يحاصرني من ناحية تانية، ضغوط مالية عشان يخلوني أعلن إفلاسي وأبيع الشركة بفتات الفلوس.
قعدت في مكتبي بالليل، الإضاءة خافتة، ومعايا “إيمان” بنراجع كشوف الحسابات الجديدة اللي مبعوتة لي. فجأة، إيمان سكتت وهي بتبص في اللابتوب، وشها جاب ألوان: “إنجي.. دي مش صدفة، الشخص اللي بيشتري الديون دي هو نفس المحامي اللي كان بيمثل خالد، والشركة اللي بيشتروا من خلالها هي ‘شركة واجهة’ متسجلة باسم حد غريب، بس الرقم الضريبي.. الرقم الضريبي بتاعها مرتبط بـ ‘نيرمين’، بنت خالة خالد!”
عضيت على شفتي، نيرمين.. البنت اللي كانت دايماً بتعمل نفسها غلبانة وبتشتكي من قسوة ماجدة، طلعت هي “الذراع الخفي” اللي بيدير اللعبة من بره السجن. خالد كان الواجهة اللي بنشوفها، بس نيرمين كانت “العقل المدبر” اللي بيخطط لكل خطوة في الظل، يمكن كانت بتستنى خالد يقع عشان تاخد كل حاجة على الجاهز.
إيمان سألت بقلق: “هنعمل إيه؟ دي لو سيطرت على الديون، هتقدر تجمد حسابات الشركة وتوقف الإنتاج”.
قمت وقفت، لميت شعري لورا، وبصيت للمراية اللي متعلقة في المكتب، الجرح اللي على شفتي كان لسه موجود، بقايا ذكرى من ليلة الفرح، بس في عيوني النهاردة كان فيه نار تانية خالص. “نيرمين فاكرة إنها أذكى من خالد وماجدة لأنها استنت للآخر، بس هي وقعت في غلطة واحدة.. هي نسيت إني مراجعة حسابات، وإني بعرف أقرأ ‘لغة الأرقام’ أكتر من أي حد”.
طلعت فلاشة تانية من درج المكتب، كانت “خزينة الأسرار” اللي خدتها من مكتب والد الله يرحمه قبل ما خالد يمسك الإدارة. “إيمان، اتصلي بالمحامي بتاعنا، وقوليله يجهز بلاغ جديد، بس المرة دي مش سرقة.. المرة دي ‘غسيل أموال’ وتستر على جرائم مالية. نيرمين كانت بتمضي على أوراق التحويلات دي، وفيه توقيعها موجود في ملفات قديمة كنت مخبياها”.
إيمان بصتلي بانبهار: “انتي كنتي حاسبة لكل ده من زمان؟”
رديت بابتسامة واثقة: “الكاتب الشاطر هو اللي بيعرف يكتب نهاية لكل شخصية، ونيرمين قررت تدخل الرواية في وقت غلط”.
سحبت الورق، وبدأت أكتب “الخطة” اللي هتخلي نيرمين تندم إنها فكرت تلعب في ملاعبي. مش بس هسترد ديوني، أنا هكشف كل واحد ساعدهم، وهحول الشركة لكيان محدش يقدر يهزه. وفي الوقت اللي كانت فيه نيرمين بتحتفل بانتصارها الوهمي، كنت أنا بجهز “الفصل الأخير” اللي هيتكتب فيه سقوطها هي كمان.
بصيت لإيمان وقلت: “الصبح، أول ما البورصة تفتح، هنعلن عن مشروع جديد، مشروع هيجبر كل الموردين إنهم يرجعوا يتعاملوا معانا بضمانات الدولة.. واللى يبيع ديونه لنيرمين، هيخسر فلوسه، لأن الشركة هتبدأ تصفية لكل الالتزامات المشبوهة”.
سندت على المكتب، ونفست الصعداء. الحرب اللي بدأت في قاعة فرح، كبرت وبقت حرب كيان، بس أنا بقيت جاهزة، وأسلحتي مش بس ذكائي، دي كمان “الحقيقة” اللي ماحدش يقدر يقف قدامها.
…….
في صباح يوم السبت، الكل كان مستني في البورصة وفي مكاتب الشركة. نيرمين دخلت الشركة بخطوات واثقة، لابسة أغلى ما عندها، وفاكرة إنها جاية تستلم “التركة” بعد ما ضيقت الخناق عليا. كانت ماشية في الممرات وبتبتسم للموظفين اللي كانوا بيبصولها باستغراب وخوف.
فتحت باب مكتبي من غير ما تخبط، وبصتلي وهي بتقول بسخرية: “إنجي حبيبتي، واضح إنك تعبتي، الديون اللي عليكي بقت تقيلة، والقرار دلوقتي في إيدي.. إما تمضي التنازل وتسلمي الشركة، يا إما نعلن إفلاسك قدام الكل”.
قمت من على الكرسي بهدوء، ومسكت كوباية قهوتي وبصيتلها ببرود. “أهلاً يا نيرمين.. اتفضلي اقعدي، بس قبل ما تقعدي، لازم تعرفي إن فيه ضيوف مستنيينك في الصالون اللي بره”.
نيرمين ضحكت: “ضيوف؟ مين؟ الصحافة؟ أنا جاهزة أعلنها ليهم”.
”لأ.. مش الصحافة يا نيرمين، دول مباحث الأموال العامة”.
في اللحظة دي، اتجمدت ملامحها. الباب اتفتح ودخل اتنين من الضباط، ومعاهم إيمان شايلة ملف تقيل جداً. إيمان حطت الملف على المكتب وقالت بصوت واضح: “ده كشف كامل بكل عمليات غسيل الأموال اللي تمت تحت اسم ‘شركة الواجهة’ اللي بتديريها، بما فيها توقيعك على تحويلات الموردين الوهميين”.
نيرمين حاولت تتكلم، بس صوتها طلع مخنوق: “أنا.. أنا معملتش حاجة، ده خالد هو اللي كان بيخطط!”.
قربت منها ووقفت قدامها مباشرة، وبصيت في عينيها اللي كان بياكلها الرعب: “خالد كان أداة يا نيرمين، بس إنتي كنتِ المحرك. الفلاشة اللي كانت في بوكيه الورد في الفرح، مكنتش بس فيها فيديوهات خالد، كان فيها ‘سجل محادثاتك’ معاه، وخططكم اللي كنتوا بتبعتوها لبعض على الإيميل المشفر”.
نيرمين حاولت تجري ناحية الباب، بس الضباط كانوا أسرع منها. وهي بتتسحب ومكلبشة في إيد الضابط، بصتلي بنظرة كلها حقد ويأس، وصرخت: “مش هتتهني بيها يا إنجي! الشركة دي هتفضل ملعونة!”.
وقفت عند الباب، وبصيتلها بابتسامة نصر حقيقية: “الشركة دي بقت ‘البيت’ اللي بيبني نفسه من أول وجديد، اللعنة كانت فيكم انتوا، وبخروجكم.. البيت أطهر”.
الشركة هديت، الموظفين بدأوا يرجعوا لشغلهم، والتوتر اللي كان محاوطنا شهور بدأ يتبدد. قعدت على الكرسي، وفتحت درج المكتب، طلعت ورقة كانت مكتوب عليها اسم شركتي الجديد اللي كنت بجهز له في السر، وأخدت القلم، وكتبت التاريخ بخط واضح.
إيمان دخلت المكتب، وبصتلي بابتسامة: “الناس بره بتسأل، إيه الخطوة الجاية يا إنجي؟”
بصيت للنافذة اللي بتطل على القاهرة، وشفت شمس الغروب بتلون السما بألوان بداية جديدة، ورديت: “الخطوة الجاية إننا ننجح، ننجح لدرجة إنهم ينسوا الحكاية دي، ويتذكروا بس إن ‘إنجي الخطيب’ هي اللي وقفت وخدت حقها وحق كل اللي اتظلموا”.
رميت القلم، ومسحت “علامة الجرح” اللي كانت لسه مأثرة في شفتي بمنديل، الجرح خف، والندبة اللي كانت بتفكرني بالوجع، بقت بتفكرني بالقوة. النهاية مكنتش في القاعة، النهاية كانت هنا.. في مكتبي، وأنا ببدأ أول يوم في حياة حقيقية، أنا اللي كاتبة سيناريوهاتها، وأنا اللي بطلتها.
#انجي_الخطيب
تمت
حكايات انجى الخطيب