من اجل خطيبتى

آخر مرة شفتها فيها… كنت راجع شايل 3 أكواب عصير ليمون وكيس بطاطس كان برد وخلاص فقد طعمه، والغريب إن دي أكتر لحظة فاكرها بكل تفاصيلها الدقيقة؛ شكل الموج وهو بيضرب في الصخر، ريحة اليود المختلطة برائحة الفشار المقلي، والضحكة البعيدة للأولاد الستة اللي كانوا بيجروا ورا بعض على الرملة الناعمة. كنا واخدين أولادها البحر، آخر فسحة قبل الدراسة ما تبدأ بأيام قليلة، ووقتها لسه ماكناش اتجوزنا، كنا مجرد اتنين مخطوبين بيحاولوا يبنوا جسر من الأمان فوق أنقاض ماضٍ قاسي، لكن بالنسبة لي، ومن أول يوم شفتهم فيه، كانوا بقوا ولادي اللي ما خلفتهمش. الولد الكبير، يوسف، كان عنده تسع سنين بس، وكان دايمًا يبصلي بنظرة غريبة مش بتاعة سنه، نظرة حذرة مليانة تساؤلات، كأنه مستني يشوف الراجل ده هيفضل معانا بجد ويتحملنا… ولا هيهرب ويسيبنا زي كل اللي قبله؟ وقت الضهر، الشمس كانت حامية جدًا، منال بصتلي وابتسمت ابتسامتها الهادية الدافية اللي بتنسيني الدنيا وقالت أنا هفضل مع العيال هنا تحت الشمسية… روح أنت هات الأكل قبل الزحمة ما تزيد عند الكشك. روحت كشك الأكل اللي عند آخر الممشى، المشوار ما أخدش مني أكتر من 12 دقيقة بالظبط، كنت بحاسب بسرعة وعيني على الممر الطويل، ورجعت

وأنا مستعجل عشان نلحق ناكل سوا. رجعت… لقيت الأولاد الستة لسه بيلعبوا في الرمل، بيحفروا خندق صغير وبيضحكوا بصوت عالي، الفوطة بتاعتها الملونة كانت في مكانها على الكرسي الخشب، والنضارة الشمسية جنب صندوق التبريد الصغير، وحتى الرواية اللي كانت بتقراها مفتوحة على الصفحة رقم 114 ومتحركتش من مكانها… بس هي… اختفت تمامًا كأن الأرض انشقت وبلعتها في ثانية واحدة.
في الأول، افتكرتها نزلت المية تعوم أو راحت تشتري حاجة تانية للأولاد، لكن لما لفيت عيني في كل مكان وملمحتش أثرها، قلبي انقبض فجأة وحسيت برعب غريب بيسري في عمودي الفقري. لمحت يوسف، ابنها الكبير، واقف عند أول خط المية، جسمه كله كان بيترعش، وشه كان أصفر زي الليمونة، واقف متجمد ومش قادر يتحرك خطوة واحدة وكأنه شاف شيطان. جريت عليه، مسكت كتفه وهزيته براحة وسألته بنبرة قلقانة يوسف… مامتك فين؟ راحت فين يا حبيبي؟ ما ردش عليا ولا بكلمة واحدة، بس عينه كانت بتبص في الفراغ، شفايفه كانت بتتحرك من غير ما تطلع أي صوت، وصوابع إيده الصغيرة كانت بتعصر شورت البحر بتاعه برعب. قبل غروب الشمس، الشاطئ كله كان مقلوب، المنقذين، والناس اللي بتصيف، وإدارة القرية السياحية، والشرطة اللي وصلت بعد بلاغي، الكل كان بيدور عليها في كل شبر، الغواصين نزلوا المية بمركب صغيرة وكشافات قوية مع تراجع الضوء، وقبل نص الليل، المحقق قعد معايا وقال بنبرة خالية من المشاعر إن الأغلب إنها غرقيت بسبب سحب المية المفاجئ في المنطقة دي، وإن الجثة ممكن تاخد أيام عشان تظهر… لكن الأيام بقت أسابيع، والأسابيع بقت شهور، وجثتها عمرها ما اتلاقت ولا ظهر لها أي أثر على أي شاطئ.
كان ممكن بكل بساطة أمشي وأكمل حياتي، وأكيد ناس كتير من أهلي وأصحابي كانوا متوقعين مني أعمل كده ويقنعوني إن دي مش مسؤوليتي؛ ساعتها كان عندي 29 سنة بس، في عز شبابي وبداية طريقي المهني، ولسه ماكنتش جوزها رسمي، وماكانش فيه أي ورقة أو قانون أو صلة دم تربطني بالأولاد الستة دول. لكن لما رجعت بيهم البيت ليلة الحادثة، وشفتهم نايمين جنب بعض في الصالة من الخوف، ماسكين في هدوم بعض وبيعيطوا في صمت، ماقدرتش أسيبهم، حسيت إن لو مشيت هكون قتلتهم للمرة التانية بعد أمهم. قررت أتحمل المسؤولية كاملة؛ بعت عربيتي اللي كنت محوش تمنها بالعافية عشان أسدد ديون الإيجار وأوفر لهم حياة كريمة، واشتغلت في شفتين؛ الصبح مهندس في شركة صيانة صغيرة، وبالليل بنزل أشتغل في توصيل الطلبات والترجمة المستقلة لغاية الفجر، واتعلمت إزاي أجهز لهم أكل المدرسة، وأغسل الهدوم، وأهتم بكل تفصيلة صغيرة في حياتهم، من أول تطعيمات الصغيرين لحد دروس الرياضة والمذاكرة، وكنت بقعد جنب سرير كل واحد فيهم لما يصحى بالليل من كابوس مرعب، أطمنه وأقوله أنا هنا… مش هسيبكم أبدًا.
من غير ما أحس بالوقت وهو بيسرق عمري… عدّت عشر سنين كاملة، عشر سنين اتحولت فيها من الشاب الوسيم ذو التسعة وعشرين عامًا، لراجل تظهر في شعره خيوط الفضة، وتجاعيد التعب حوالين عينه تحكي قصة صراع يومي مرير لتربية ستة أنفس صاروا هم محور كوني. وفي يوم جمعة هادي، بعد ما الكل نزل يشوف مشاويره، رجع يوسف، الابن الكبير اللي بقى عنده دلوقتي 19 سنة وطالب في السنة الأولى بكلية الهندسة، ودخل الشقة ولقاني نايم على بطني تحت حوض المطبخ، غرقان في المية والمواسير القديمة بحاول أصلح ماسورة بتسرب يمين وشمال والعدة متبهدلة حواليا. وقف ساكت شوية عند باب المطبخ، يتأملني وأنا بعافر مع المية، كان خلاص بقى راجل طويل، عريض المنكبين، لكن لسه في عينه نفس النظرة القديمة الحذرة الحزينة، نفس نظرة عين أمه منال الله يرحمها. بصلى وقال بصوت هادي ومرتعد شوية، صوت هز كياني ورجعني عشر سنين لورا يا بابا… أعتقد إنك تعبت كتير، وجه الوقت اللي لازم تعرف

لمحة نيوز

فيه الحقيقة الكاملة عن أمي… الحقيقة اللي شلتها في قلبي وكنت بموت بيها كل يوم.
نزلت المفتاح الإنجليزي من إيدي، وسكتت تمامًا، وحسيت كأن الهوا اتسحب من المطبخ؛ قعدت على الأرض المبلولة، وبصيت ليوسف وقولتله بنبرة مرتعشة حقيقة إيه يا يوسف؟ أمك غرقت في البحر من عشر سنين والشرطة قفلت الملف، إيه اللي أنت مخبيه عليا طول السنين دي؟ يوسف قفل باب المطبخ وراسه في الأرض، دموعه بدأت تنزل بغزارة وهو بيفتكر ليلة الشاطئ المشؤومة، وقعد على كرسي صغير وقالي أمي ما غرقتش يا بابا… أمي اتخطفت قدام عيني، وأنا اللي سكت عشان أحميك وأحمي إخواتي. الكلمة وقعت عليا كالقنبلة، حسيت بضربات قلبي سريعة لدرجة مروعة، وسألته اتخطفت؟! إزاي ومين اللي خطفها وليه ما نطقتش وقتها؟! تنهد يوسف تنهيدة طويلة ومؤلمة وبدأ يحكي القصة اللي غيرت كل مفاهيمي عن السنين اللي عشتها.
يوسف قال قبل ما أمي تتعرف عليك، كانت متجوزة من راجل غامض وخطير جدًا، راجل شغال مع شبكات تهريب دولية وآثار، وكان بيعاملها بمنتهى القسوة ولما قررت تهرب منه بالعيال بعد ما عرفت بلاويه، هددها بالقتل وقتل أولادها. قدرت تهرب وتغير مكان إقامتها وتغير أسمائنا بمساعدة محامي قديم، وعاشت في رعب دائم لحد ما ظهرت أنت في حياتها.

أمي حبتك بجد يا بابا، شافت فيك المنقذ والراجل اللي هيحمينا، لكن الماضي ما بيسيبش حد في حاله. يوم الشاطئ، لما أنت روحت تجيب الأكل، ظهروا تلاتة رجالة ضخام من ورا الشماسي، واحد منهم كان معاه مسدس كاتم للصوت ومخبيه تحت الفوطة، مسك أمي من دراعها بقوة، والتاني جه وقالي بصوت واطي ومرعب لو نطقت بكلمة واحدة أو ناديت على خطيبها لما يرجع، هنموت إخواتك كلهم دلوقتي قدامك، وهنقتل الراجل الطيب اللي رايح يجيب الأكل. أمي بصتلي وهي بتعيط وقالتلي بهمس سريع اسكت يا يوسف… حافظ على إخواتك وخلي بالك من فارس… فارس هو اللي هيحميكم. أخدوها ومشيوا بسرعة وركبوها عربية سودا كانت واقفة على الطريق السريع ورا الشاطئ، وأنا وقفت مكاني مشلول من الرعب، خايف أتكلم تقتلونا وتقتل إخواتي، ولما رجعت أنت وسألتني، الخوف جمد لساني واكتفيت بالصمت.
وقفت على رجلي وأنا مش مصدق، الدموع غطت عيني وصدمتي كانت فوق أي احتمال، عشر سنين وأنا عايش على وهم الغرق، عشر سنين ومنال عايشة أو ميتة في مكان تاني بسبب مجرمين! سألته بصوت مخنوق وليه بتقولي الكلام ده دلوقتي يا يوسف؟ بعد عشر سنين كاملة؟ يوسف مد إيده في جيبه وطلع مفتاح صغير صدئ وقالي لأن من أسبوع بس، وأنا بنظف الكتب القديمة بتاعة أمي اللي شلتها في الكرتونة اللي في السندرة، لقيت جواب مخفي ورا غلاف كتاب الرواية اللي كانت بتقراه على الشاطئ، جواب كانت كاتباه ليك وسايباه في البيت تحسبًا لليوم اللي هيحصل فيه ده، ومعاه المفتاح ده لصندوق حديدي مدفون في شقتنا القديمة اللي كنا مأجرينها زمان. الجواب بيقول إن جوزها الأولاني سجنها في مكان مهجور برة البلد، لكنها كتبت إنها لو غابت، لازم يوسف يطمن إنك فضلت معانا ومستحيل تسيبنا قبل ما يسلمك السر ده… وهي كانت واثقة إنك مش ه تتخلى عننا. أخدت الجواب والمفتاح وإيدي بتترعش، وفتحت الجواب لأقرأ خط يدها الدافئ الذي أعاد إليّ روحًا ظننتها تلاشت، وكانت كلماتها واضحة فارس، حبيبي الوحيد، لو بتقرأ الكلام ده فمعناه إني مش موجودة، وإني اضطررت للتضحية بنفسي عشان تعيش أنت والأولاد في سلام. الصندوق اللي مع يوسف مفتاحه فيه مستندات تدين طليقي بالكامل وتهد إمبراطوريته، سلمها للجهة السيادية اللي مكتوب اسمها في الورق، هما بس اللي هيقدروا يحموا أولادي ويجيبوا حقي… أنا أسفة إني دخلتك في حياتي المليانة ضلمة، بس كنت عارفة إنك النور الوحيد.
حضنت يوسف بقوة وبكينا سوا بكاء طال كبته لعشر سنوات كاملة، بكاء غسل كل التعب والمرارة، وعرفت في اللحظة دي إن تضحيتي بالسنوات العشر الماضية لم تكن عبثًا، بل كانت أعظم معركة خضتها في حياتي؛ معركة حماية ستة أرواح بريئة صاروا الآن درعي وسندي في الحياة. قررت من تلك اللحظة ألا أهدأ حتى أفتح ذلك الصندوق، وأسلم المستندات للعدالة، وأبحث عن منال أينما كانت، لأثبت لها وللأبد أن الحب الصادق لا تمحوه السنين، ولا تكسره قوى الشر، وأننا سنظل عائلة واحدة، يربطنا عهد قطعناه بالدم والدموع والوفاء المطلق.
لم يكن الصندوق الحديدي مجرد قطعة من المعدن الصدئ، بل كان بوابةً إلى جحيمٍ مررنا بجواره لعشر سنوات دون أن ندري.
في تلك الليلة، لم ينم أحد في بيتنا الصغير. كان الأطفال الآخرون الذين كبروا الآن وصاروا شباناً وشابات ملأوا البيت بحركتهم يشعرون أن هناك زلزالاً صامتاً يضرب غرفتهم، لكنهم احترموا نظراتي ونظرات يوسف الواجمة، وظلوا يراقبوننا من بعيد بنظرات قلقة طالما عهدتها فيهم منذ طفولتهم.
أخذت يوسف في سيارتي المستعملة التي اشتريتها بالتقسيط قبل عامين، وانطلقنا تحت جنح الظلام إلى حينا القديم. كانت الشوارع هادئة، يلفها ضباب خفيف ورطوبة خانقة. وصلنا إلى البناية القديمة التي كنا نقطنها قبل عشر سنوات. الشقة في الطابق الأرضي كانت مهجورة ومغلقة منذ رحيلنا عنها، فمالكها القديم توفي وظلت متنازعاً عليها بين الورثة.

تسللنا عبر النافذة الخلفية للمطبخ، تماماً كما كنا نفعل حين ننسى المفاتيح في غابر الأيام.
كان المكان يفوح برائحة التراب والذكريات المتروكة لعوامل الزمن. توجهنا مباشرة إلى الغرفة الصغيرة التي كانت منال تتخذها مكاناً للخياطة وإصلاح الملابس. تحت البلاطة الرابعة بجانب النافذة، كما وصفت في مذكراتها المخفية، حفرت بأصابع عارية غطاها الغبار والتراب، حتى ارتطم ظفري بقطعة حديدية قاسية.
سحبت الصندوق. كان صغيراً وثقيلاً بشكل يثير الريبة.
أدخلت المفتاح الصدئ في القفل، ودرته ببطء. سُمع صوت طقة معدنية حادة قطعت سكون الشقة المهجورة. فتحت الغطاء، لتتصاعد رائحة ورق قديم مختلطة بالرطوبة. بالداخل، كانت هناك حزم من الأوراق الرسمية، صور فوتوغرافية التقطت على عجل في موانئ وحاويات شحن، ودفتر صغير يضم حسابات بنكية بأسماء مستعارة، وجهاز تخزين سحابي فلاش ميموري قديم الطراز.
تفحصت الأوراق تحت ضوء كشاف هاتفي المحمول. تجمدت الدماء في عروقي وأنا أقرأ أسماء شركات واجهة تعمل في مجال الاستيراد والتصدير، وأسماء مسؤولين كبار متورطين في تسهيل دخول شحنات مشبوهة عبر الموانئ البحرية، وشحنات أسلحة ومواد محظورة تُهرّب تحت غطاء بضائع غذائية. في نهاية الأوراق، كان هناك تفويض رسمي قديم لجهة سيادية عليا يُديرها شخص يُدعى العميد

رأفت.
بينما كنت أطالع الأوراق، اهتز هاتف يوسف فجأة برنين مكتوم. نظرنا إلى الشاشة برعب؛ كان الرقم المتصل مجهولاً تماماً وغير مسجل.
أشرت ليوسف بالهدوء، وضغطت على زر الرد وفتحت مكبر الصوت.
جاءنا صوت رجالي غليظ، أجش، ونبرته باردة كشفرة الحلاق
عشر سنين يا يوسف… عشر سنين مستنيين اللحظة اللي تمد فيها إيدك على الصندوق ده. كنا عارفين إنك مش هتفتحه إلا لما تكبر وتثق في الراجل اللي رباك. ودلوقتي… الصندوق بقى معاكوا.
شلت المفاجأة لساني، لكنني تمالكت نفسي وصحت بصوت متهدج
أنت مين؟! وفين منال؟!
ضحك الصوت ضحكة قصيرة ميتة
أنا طليقها يا باشمهندس… الرجل اللي دفع تمن هروبها غالي جداً. منال عاشت السنين اللي فاتت دي كلها في مكان يحبه قلبك، مكان مقفول عليها كويس عشان تدفع تمن سرقتها للورق ده. لو عايز تشوفها صاحية تاني، وتضمن إن الست عيال اللي تعبت في تربيتهم ما يرجعوش جثث في أكياس سودا… بكرة الساعة 3 الفجر تكون واقف عند الميناء القديم، الرصيف رقم 4. تجيب الصندوق معاك، وتيجي لوحدك. لو لمحت طيف حكومة أو حركة غريبة… اعتبر عيلتك كلها انتهت.
انقطع الخط، وترك خلفه رنيناً متواصلاً وصمتاً أطبق على صدورنا كالجبل.
نظر إليّ يوسف وعيناه تفيضان بالرعب والغضب
يا بابا… هنعمل إيه؟ ده هيموتنا كلنا! ده مش هيرحم أمي ولا هيرحمنا لو أخد الورق!
وضعت يدي على كتفه بقوة أستمدها من عشر سنوات من الكفاح والصبر. نظرت في عينيه الشبيهتين بعيني منال وقلت له بلهجة لم يعرفها فيّ من قبل، لهجة رجل قرر أن يحرق الأرض تحت أقدام من تجرأ على لمس عائلته
الورق ده مش هيتسلم للمجرم ده يا يوسف. الورق ده هيروح للجهة اللي أمك طلبت نسلمه ليها. والعميد رأفت… أنا هعرف أوصل له قبل الفجر.
أخذنا الصندوق وانطلقنا بأقصى سرعة. تذكرت أنني مهندس صيانة سابق وعملت لفترة في منشآت خدمية تابعة للدولة، وكان لي صديق قديم يعمل في قطاع الاتصالات العسكرية. تواصلت معه على الفور، وبصوت يملؤه الرجاء الممزوج بالخطر، طلبت منه فك شفرة الرقم المجهول وتحديد موقع المكالمة الأخيرة، وفي نفس الوقت تتبع اسم العميد رأفت في السجلات الرسمية.
بعد ساعتين من القلق القاتل، في شقة آمنة تخص صديقي، أضاءت الشاشة بموقع المكالمة كانت صادرة من مزرعة مهجورة على أطراف طريق الإسكندرية الصحراوي. أما المفاجأة الأكبر، فكانت أن العميد رأفت قد ترقى وصار الآن لواءً يشغل منصب رئيس جهاز مكافحة الجريمة المنظمة والأمن القومي بالمنطقة الشمالية.
لم أتردد ثانية واحدة. تحركت بسيارتي إلى مقر الجهاز. عند البوابة، اعترضني الحرس بأسلحتهم، لكنني صرخت فيهم بأعلى صوتي وأنا أرفع الصندوق الحديدي والخطاب القديم
قولوا للواء رأفت… صندوق منال الشافعي وصل… والأمانة لازم تتسلم في إيده شخصياً دلوقتي!
خلال دقائق، تبدلت المعاملة تماماً. اقتيدت إلى مكتب فاخر ذي جدران مبطنة، ليجلس أمامي رجل ذو شعر أبيض كثيف، وعينين حادتين كالصقر. نظر إليّ اللواء رأفت طويلاً، ثم نظر إلى الصندوق والخطاب، وتنهد تنهيدة عميقة وقال
عشر سنين وأنا بدور على الصندوق ده… وعشر سنين والكل فاكر إن منال ماتت غرقانة. أنت مين يا بني؟
قصصت عليه الحكاية كاملة؛ تضحيتي، تربيتي للأولاد الستة، لحظة الخطف، ومكالمة التهديد التي تلقيناها قبل ساعات. كان اللواء رأفت يستمع والدم يغلي في عروقه، حتى ضرب بيده على المكتب بقوة جعلت الأقلام تهتز
طليقها سليم الهواري… هرب برا البلد ورجع من سنتين باسم مستعار ونفوذ جديد، وكنا بنراقب تحركاته لكن ما كانش معانا دليل مادي يربطه بشبكة التهريب الدولية. الورق اللي في الصندوق ده هو حبل المشنقة اللي هنلفه حوالين رقبته ورقبة كل اللي بيحموه.
نظرت إليه بترقب وقلت
يا فندم… هو مهدد بقتل منال بكرة الساعة 3 الفجر لو ما سلمتوش الورق في الميناء. أنا هروح… بس عايز مراتي ترجعلي وترجع لولادها.
بص لي اللواء رأفت بنظرة تقدير واحترام شديدين، وقال
أنت راجل بمليون راجل يا فارس. ضحيت بشبابك عشان ولاد مش ولادك، وحافظت على الأمانة.

بكرة… إحنا اللي هنسلم سليم الهواري للعدالة، بس الخطة هتتنفذ بطريقتنا.
تم تجهيز قوة من النخبة والعمليات الخاصة التابعة للجهاز. وضعوا في ملابسي أجهزة تتبع دقيقة وميكروفون مخفي كزرار في قميصي. تم نسخ محتويات الصندوق بالكامل للاحتفاظ بالأدلة، ووُضعت أوراق مزورة داخل الصندوق الأصلي لتبدو كأنها الأصلية تماماً.
عند الساعة 245 فجراً، كانت الأجواء في الميناء القديم مرعبة. الظلام دامس، وصوت ارتطام أمواج البحر المتسخة بهياكل السفن الصدئة يبعث القشعريرة في الأبدان. كانت الأضواء الصفراء الباهتة للميناء تتراقص على وجه الماء.
وقفت وحيداً عند الرصيف رقم 4، أحمل الصندوق بيدي المرتعشتين، ليس خوفاً على حياتي، بل خوفاً من أن تفشل الخطة وتضيع منال للأبد.
فجأة، ظهرت كشافات سيارتين دفع رباعي سوداء من بين الحاويات الضخمة. توقفت السيارات، وترجل منها أربعة رجال مسلحين، يتقدمهم رجل في الخمسينيات من عمره،

يرتدي معطفاً طويلاً أسود، ملامحه قاسية وباردة؛ إنه سليم الهواري.
بص لي بسخرية وقال
أهلاً بالبطل… المهندس الطيب اللي قرر يلعب دور الأب المثالي لعشر سنين. برافو عليك… ربيتهم كويس ووفرت عليا مصاريفهم وتعبهم.
قلت بصوت مرتفع غاضب ليسمعني رجال العمليات الخاصة عبر الميكروفون
سليم… فين منال؟ أنا جبت الصندوق والورق كامل… سلمني منال الأول.
أشار سليم لأحد رجاله، ففتح الباب الخلفي لإحدى السيارات. سحبوا امرأة نحيلة، يغطي الشيب شعرها، تلبس ملابس رثة، وعلى وجهها علامات التعب والتعذيب لسنوات. لكن بمجرد أن رأتني، لمعت عيناها ببريق لم يمت، وصرخت بصوت مبحوح
فارس!!! مشيت ليه يا فارس؟ خليهم يقتلووني بس أنت والعيال تعيشوا!
سالت دموعي رغماً عني، لكنني تماسكت وقلت لسليم
سيبها تمشي خطوتين ناحيتي… وأنا هرميلك الصندوق.
ضحك سليم وقال ارمي الصندوق الأول يا مغفل.
رميت الصندوق على الأرض ليتدحرج ويستقر تحت قدميه. انحنى أحد رجاله والتقطه وفتحه، وأومأ برأسه لسليم مؤكداً أن الأوراق بالداخل.
في تلك اللحظة، دفع سليم منال بقسوة على الأرض وقال لرجاله ببرود مريع
صفيهم هما الاثنين… وارموهم في البحر… المرة دي الغرق هيكون حقيقي.
وقبل أن يرفع المسلحون أسلحتهم، انطلقت رصاصة قناص من مكان مجهول لتخترق كتف الرجل الذي كان يوجه سلاحه نحوي. تلاها انفجار قنابل صوتية وإضاءة مبهرة عمت المكان، واقتحمت سيارات العمليات الخاصة المدرعة الساحة من كل الجوانب كالإعصار.
صاحب القوة عبر مكبرات الصوت
اثبت مكانك أنت وهو! المكان كله محاصر!
حاول سليم الهواري الهروب والوصول لسيارته، لكنني رميت بنفسي عليه بكل ما أوتيت من قوة وتعب السنين العشر الماضية، وطرحته أرضاً وشللت حركته حتى انقض عليه رجال الأمن وقيدوه.
جريت نحو منال، ارتميت في حضنها وهي تبكي وتصرخ باسمي، وضممتها إلى صدري بقوة وكأنني أعوض عشر سنوات من الفراق والانتظار والدموع. همست في أذنها وهي ترتجف بين ذراعي
خلاص يا منال… الكابوس انتهى… والعيال مستنيينك في البيت… كبروا وبقوا رجالة وبنات زي الورد ويشرفوا.
في صباح اليوم التالي، في بيتنا الصغير الذي شهد معاناتنا وصبرنا، كانت الشقة ممتلئة بالدموع والضحكات والأحضان التي لا تنتهي. التف الأولاد الستة حول أمهم التي عادت من الموت، يقبلون يديها ورأسها، بينما كنت أقف عند الباب أراقب المشهد وعيني تدمع فرحاً.
اقترب مني يوسف، وحضنني بقوة وقال بصوت ممتلئ بالامتنان
شكراً يا بابا… أنت مش بس ربيتنا وحميتنا… أنت رجعتلنا الحياة ورجعتلنا أمنا.
نظرت إلى عائلتي المكتملة الآن، وعرفت أن كل قطرة عرق، وكل ليلة سهر، وكل تضحية قدمتها في شبابي، كانت رخيصة جداً أمام هذه اللحظة التي انتصر فيها الحق والوفاء على الخوف والظلم. وبدأنا معاً، كعائلة واحدة حقيقية، كتابة الفصل الأول من حياتنا الجديدة تحت ضوء الشمس الدافئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *