البيت كان هادي
حصري لصفحة روايات رولا
«البيت كان هادي وجوزي شريف بره، وأنا واقفة عند طرف السرير بطبق غسيل يوسف. على التسريحة، كان فيه طرحة حرير بتاعة أمي ملفوفة زي القطة النايمة، ولسة ريحتها فيها نفحة فل وياسمين، رغم إنه عدى ٣ شهور على يوم ما دفناها.
رفعتها لوشي وشميتها بسرعة، قبل ما ألحق أمنع نفسي.
«ماما، أنتِ بتعيطي تاني؟»
كان يوسف واقف على باب الأوضة، لابس فر فردتين شراب مش زي بعض، واحدة زرقاء وواحدة مقلمة، وماسك علبة عصير كأنها كاس البطولة.
«لا يا حبيبي.. بَشِم ريحة تيتة بس.»
«تيتة ريحتها ورد وفل.»
«فعلاً يا حبيبي.»
دخل الأوضة ببطء وطلع قعد على السرير، وساعتها لمحتها تاني.. لحسة بوهية فضي على جنب صباعه الكبير، ناشفة ومقشرة، وخط تاني بوهية على كوعه، وأنا أحلف إنه ما كانش موجود لما حميته امبارح بالليل.
«يوسف.. إيه ده؟»
«ألوان يا ماما!»
«أنا شايفه إنه ألوان.. بس منين؟»
«درس الرسم!» شريف نادى وهو جاي من الطرقة، وظهر وراه ماسك فنجان القهوة بإيد والموبايل بالإيد التانية. «المس شغالة معاهم الأسبوع ده في موضوع الفضاء والمجموعات الشمسية.. نجوم وكواكب وهيصة.»
ابتسملي ابتسامته ديك.. ابتسامة صغيرة، دافية، ومستخبية في زوايا بؤه، كأنه شايل سر ومش عايزه ينكب.
«بس البوهية دي شكلها ماسك أوي.. هي مش بتطلع بالماية والسابون؟»
«أنتِ عارفة ابنك في البانيو بيعمل إيه.. بيطرطش الماية في كل حتة في الحمام إلا على جسمه!»
«لا أنا استحميت كويس!» يوسف صرخ بصوت عالي ونط من على السرير وجري على السلم.
شريف قرب مني وباس دماغي.. بوسة سريعة ودافية.
«شكلِك تعبانة ومفرهدة يا فريدة.»
«أنا كويسة.»
«عيد جوازنا فاضل عليه ٣ أيام.. هنكمل ١٠ سنين سوا. هنعمل حاجة ولا هتعملي نفسك ناسية زي كل سنة؟»
«مش ناسية والله.»
«طب تمام.»
بص في موبايله تاني بنفس الابتسامة الهادية، وحطه في جيبه الخلفي قبل ما ألمح الشاشة فيها إيه.
«أنا نازل أعمل مشوار ساعة كده ورادد على طول.. ورايا مصلحة.»
«أربع الصبح؟ أنت مش عندك شغل في الشركة؟»
«حاجة بسيطة وسريعة كده ومش هتعطلني.. أوعدك.»
شفت عربيته وهي ماشية وقعدت أقول لنفسي إني بأوفر وبفكر بغباوة.
الحزن بيخلي البني آدم يشوف خيالات. أمي الله يرحمها كانت دايماً تقول: «الشك ده يا بنتي حب تايه مش لاقي حتة ينزل فيها»، ومؤخراً أنا حبي ملوش أي مكان.
بالليل، كنت طالعة أحط الفوط في أوضة الضيوف فوق، بس باب الأوضة مافتحش.
«شريف؟» ناديت عليه. «هي أوضة الضيوف مقفولة ليه؟»
«مقفولة؟» رد عليا وهو تحت في الصالة. «يمكن كالونها علّق ولا حاجة.. هبقى أطلع أبص عليه كمان شوية.»
«معاك المفتاح؟»
«في حتة هنا في البيت.. سيبك منها دلوقتي وما تشغليش بالك.»
وقفت مسكت المقبض شوية حلوين. وبعدين مشيت، عشان ده اللي المفروض الست العاقلة تعمله.. الست اللي بتثق في جوزها.
تاني يوم العصر، كنت خلاص أقنعت نفسي إن مفيش حاجة.
«لبن، وتفاح، وعيش، وحاجة نعملها للغدا.. افتكر معايا يا يوسف، ماشي؟» قولتله وأنا بربطله حزام الأمان في عربية السوبر ماركت.
«لبن، وتفاح، وعيش!» قعد يغنيها وهو بيلعب برجله.
«شاطر يا حبيبي.»
السوبر ماركت كان زحمة وفي حركة العصر العادية.. صوت العجل بتاع العربيات، وعيل بيعيط في الممر اللي جنبنا، وأغنية شغال صوتها واطي في السماعات فوق.
نقيت كرتونة لبن، حطيتها في العربية، ووقفت في طابور الكاشير.
ولأول مرة من أسابيع، حسيت بحاجة فكت في صدري.. إحساس شبه الهدوء.
يوسف كان قاعد في العربية بيلعب برجله ويدندن مع نفسه، وأنا بصيت في ساعتي وبفكر أطبخ إيه في عيد جوازنا.
وفجأة.. يوسف اتسمر في مكانه.
وشد كمي بـقـوة.
«ماما.. ماما بصي!»
صوت مكنة الكاشير بتصفر ورايا، بس الصوت كان بعيد كأنه في دنيا تانية.
يوسف لسة بيشد في كمي، ومشور بصباعه الصغير ناحية المخبوزات.
«شايفاها يا حبيبي.. وطي صوتك شويه بس.»
«بس دي هي!» قالهالي وصباعه الصغير لسة مشاور. «دي التانت اللي بتجي بيتنا لما بتروحي الشغل! بتلعب في الأوضة اللي فوق!»
إيدي اتعصرت على كرتونة اللبن لدرجة إن الكرتونة اتعفست في إيدي.
حطيتها على السير قبل ما أفرتكها خالص.
الست اللي عند الفرن ما كانتش لفت وشها لسة.
كانت بنت صغيرة.. يمكن ٣٠ سنة.
لابسة فستان أخضر قصير، وشعرها الأسود مرفوع بـعشوائية، وشايلة شنطة قماش على كتفها.
ما كنتش شايفه وشها.. وما كنتش عارفة هل أنا اصلاً عايزة أشوفه ولا لأ.
«يوسف يا حبيبي..» ووطيت شوية عشان عيني تبقى في مستوى عينه. «يعني إيه بتلعب؟»
«ألعاب يعني!» قالها بمنتهى البساطة وهو بيلعب برجله. «بس بابا قال لي ده سر.. ومتقولش لماما.»
«أنت أهو لسة قايلي!»
بؤه اتفتح.. وبعدين قفله. عينيه وسعت بنفس الخضة بتاعة العيل اللي عنده ٥ سنين لما يكتشف إنه عك وغلط غلطة كبيرة.
«أنا ما كانش قصدي والله..» قالهالي بـهمس.
١٠ سنين.. ١٠ سنين من أيام الجمعة والبحب والمواساة وشريف اللي كان بيمسح على ضهري لما ما بعرفش أنام بعد عزا أمي.
١٠ سنين.. وابني بيقلي إن فيه ست بتيجي بيتي وأنا في الشغل!
الكاشير قالت حاجة.. ما سمعتهاش.
«يا فندم؟ الحساب ٤٢٠ جنيه.»
إيدي اترعشت وأنا بطلع الفيزا.. وقعت مني، رفعتها، وحطيتها على المكنة بـإيد مش راضية تقف عن الترعش.
المكنة صفرت آلان السحب.
الكاشير حطت اللبن والعيش في الشنطة، وحطتهم في العربية من غير ما تبصلي.
«ماما.. أنتِ زعلانة؟»
«لا يا حبيبي.»
«بس شكلِك زعلان ومضايق.»
«مش زعلانة منك أنت.»
بصراحة.. ما كنتش زعلانة من حد لسة.
كنت في مكان أبرد من الزعل.. مكان حسيته متخدر، كل ذكرة حلوة مع جوزي كانت بتترتب من جديد عشان تبقى دليل إدانة ضدّه.
البوهية اللي على صوابع يوسف.. ضحكة شريف وتكبيره للموضوع.. باب أوضة الضيوف المقفول بـالمفتاح.. ابتسامته للموبايل الصبح وأنا بصب القهوة.
أمي بقالها متوفية ٣ شهور.
٣ شهور وأنا أقول لنفسي إن القلقة اللي في البيت دي مجرد حزن.. مجرد إني مش متقبلة الفراق.
بصيت على ظهر الست دي تاني.
كانت ماسكة رغيف عيش، وتقلب فيه كأنها بتقرأ المكونات.
«يوسف..» قولتله بصوت واطي. «التانت دي جت عندنا كام مرة؟»
قعد يعد على صوابعه، تاه في العد، وبدأ تاني.
«كتير أوي! بس بتيجي وأنتِ في الشغل بس.. وبتجيب معاها الشنطة الطويلة دي.»
«شنطة طويلة إيه؟»
«اللي فيها العصيان دي.»
عصيان.. فرَش رسم يمكن؟ ولا حاجة تانية؟ دماغي ما كانتش راضية تثبت على أي حاجة منطقية.
زقيت العربية ناحية الباب.. وبعدين وقفت.
رجلي اتسمرت.
ممكن أخرج عادي.
ممكن أركب يوسف العربية، ونروح البيت، وأعمل نفسي ما سمعتش حاجة.
ممكن أواجه شريف بالليل في المطبخ تحت إضاءة البيت الهادية.
أو ممكن أألف دلوقتي حالا، على بعد ٣ متر من ست غريبة يمكن تكون عارفة عن جوازي أكتر مني، وأسألها بنفسي.
«ماما؟»
«ثانية واحدة يا حبيبي.»
غمضت عيني.
افتكرت أمي لما كانت بتقول: «الحاجة اللي تستاهل تعرفيها.. اعرفيها النهاردة مش بكرة.»
لفت العربية ورجعت.
رجلي كانت تقيلة كأنها مش ملكي وأنا ماشية ناحية قسم المخبوزات. يوسف سكت خالص، حاسس باللي فيا زي ما العيال الصغيرة بتحس بالمشاكل.
٣ متر.. مترين.. متر.
«لو سمحتي..» صوتي خرج أرفع وأضعف مما كنت عايزه.
الست ما لفتش.
«لو سمحتي!» قولت تاني.
بصتلي، وهي ماسكة العيش في إيدها.
عينيها جمدت عليا، وبعدين نزلت على يوسف.. وفيه حاجة ظهرت في عينيها. استيعاب.. استيعاب هادي ومخطوف زي ما تبص على عيل شفته في صورة قبل كده.
وبعدين بصتلي تاني، وفهمت أنا مين.
«أوه..» قالتها بصوت واطي.
«أنتِ تعرفي ابني؟»
حطت العيش بالراحة كأنها بتشتري لنفسها كام ثانية.
«أنا…» بلت شفايفها. «أنا بتهيألي المفروض تتصلي بجوزك.»
«أنا بسألك أنتِ!»
ما ردتش.
صوت اسمه في بؤها كان كفيل يكسر حاجة جوايا.
كنت حاسة بيوسف بيبصلي، وحاسة بالسوبر ماركت كله بيزن حوالينا، وما كنتش عارفة أطلع كلمة واحدة من بؤي.
هي شافت ده.
مهما كان اللي شافته على وشي، هي شافته، ووشها اتغير للين.. حاجة شبه الشفقة أو الخوف عليا.
ابتسمتلي.. ابتسامة صغيرة ودافية ومش مفهومة.
وما كنتش عارفة، وأنا واقفة هناك مع ابني وكرتونة اللبن، هل دي ابتسامة واحدة غريبة بتهديني، ولا ابتسامة الست اللي بتنهي حياتي في السر.
«أنتِ مين؟» سألتها.
صوتي طلع واطي، ومكسور، ومخنوك.
«نعم؟»
«أنتِ.. مين؟» أخدت خطوة لقدام، قربت منها لدرجة إن رجل يوسف خبطت في جنبي. «ابني بيقول إنك بتيجي بيتي لما أكون في الشغل.. أنتِ مين بقى؟»
تعبير وشها اتغير.. مش ذنب، بس ثبات وحذر. بصت تحت ليوسف، وبعدين بصتلي تاني.
«أنا اسمي نورا..» قالت بصوت هادي. «أنا بعمل شغل لشريف.. شغل خاص، وهو طلب مني ما أقولش لأي حد.. وأنا أديته كلمة.»
شغل خاص.
الكلمة دخلت في صدري زي الس\كينة.
يوسف كان ساكت خالص في العربية، بيبصلي بعينيه الواسعة دي اللي بيعملها لما الكبار بيتكلموا بصوت يخوف.
«ماما؟»
«مفيش حاجة يا حبيبي.»
ما كانش مفيش حاجة.. كان فيه كل حاجة.
بصيت لنورا ثانية طويلة، بقيت بحفظ وشها، البوهية اللي تحت ظفرها، والضفيرة المبهدلة على كتفها.
وبعدين لفت العربية وجريت بره السوبر ماركت.
«ماما؟» يوسف سألني.
ما ردتش.. كنت بزق العربية لغاية العربية في الباركينج.
ربطت يوسف في الكرسي بإيدين مش راضية تقف عن الترعش.
قعدت على الكرسي ورزعت الباب، وطلعت الموبايل وطلبت شريف.
أدا جرس.. وبعدين فويس ميل.
طلبت تاني.. فويس ميل. ثالث مرة.. المسج الصوتية تقولي سيب رسالة، وما كنتش عارفة أقول كلمة واحدة تناسب اللي أنا فيه.
«هو بابا فين؟» يوسف سأل من الكرسي اللي ورا.
«مش عارفة يا حبيبي.»
«هو بابا عمل حاجة غلط؟»
بصيت عليه في المراية اللي قدام.
«ليه بتقول كده؟»
تردد.. وقعد يعض شفايفه من جوه زي ما شريف بيعمل بالضبط لما يفكر.
«أصل.. أنا ما كانش المفروض أقول على التانت.»
«عارفة يا حبيبي.»
«بابا قال دي مفاجأة.. وقال لو قولت، المفاجأة هتبوظ.»
السكة للبيت أخدت ٧ دقايق، بس حسيتها ٧ سنين.
كنت طول الطريق بتخيل أوضة الضيوف اللي فوق.
وصلنا البيت، سيبت الأكل في العربية وشيلت يوسف على وركي ودخلت بيه.
«اقعد هنا..» قولتله وأنا بحطه على الكنبة وشغلتله التلفزيون. «ماما طالعة تشوف حاجة فوق.»
طلعت السلم درجتين درجتين.
باب أوضة الضيوف مقفول.
هزيت المقبض بـقوة.
لفيته بكل قوتی.
سندت دماغي على الخشب وبحاول أتنفس.
«شريف..» هسست بيها، لمين مش عارفة. «أنت عملت إيه؟»
صوت خطوات ورايا.. خطوات صغيرة. يوسف طلع ورايا، ماسك في السور بإيد واحدة.
«ماما..» قالها بـهمس عالي من بتاع الأطفال ده. «أنا ما كانش المفروض أقول.»
«يوسف يا حبيبي.. انزل تحت أرجوك.»
«بس فيه مفاجأة جوه!» طلع أخر درجتين. «المفتاح مع بابا في شنطة الشغل بتاعته.. قال لي هو والتانت بس اللي ينفع يفتحوا عشان المفاجأة لسة مكملتش.»
غمضت عيني.
كل الخيوط اتجمعت وجمعت لوحة أنا خلاص رسمتها في دماغي.. باب مقفول.. مفتاح مستخبي مني.. ست بتيجي وأنا مش موجودة.. ابن متلقن كلام يقوله وما يقولوش.. وجوز مابيردش على التليفون.
قعدت على أول السلم فوق.. يوسف قعد جنبي وسند راسه الصغير على دراعي.
«أنتِ زعلانة يا ماما؟»
«مش زعلانة منك.»
«زعلانة من بابا؟»
ما ردتش.
نزلت تحت وقعدت على أول درجة من السلم تحت، بحفظ الجمل اللي ما كنتش أتمنى أقولها في يوم من الأيام.
أنا عايزة نتفصل.
أظن المفروض تبيّت في أي مكان تاني النهاردة.
أرجوك ما تكدبش عليا.. مش النهاردة، ولا الأسبوع ده.
١٠ سنين.. عيد جوازنا كان السبت.. كنت جايباله ساعة حافرة عليها كلام.
يوسف جاب أرنبه الفرو وقعد في حضني من غير ولا كلمة.
ده الجزء اللي كسرني بجد.. أكتر من الباب المقفول، وأكتر من الست اللي بالفستان القصير.
هو حاسس إن فيه حاجة غلط، وبيرقعها بأرنب لعبة.
وفجأة.. الموبايل اتهز في جيب بنطلوني.
ما كنتش عايزة أبص.. ولما بصيت، إيدي جمدت.
دي كانت صورة جيا لي من شريف.
صورة لأوضة الضيوف من جوه، متصورة من على الباب.. نص الحيطة متغطي بضربات فرشة باللون الأزرق والبني الدافئ.. بداية لرسومات وش بني آدم.
وش ست.
عينين طيبة أعرفها في أي حتة في الدنيا.
عينين أمي.
وتحت الصورة.. كان كاتب ٤ سطور:
«أنا صورت دي امبارح.»
«ما كنتش جاهز أوريهالك لسة.»
«ارجعي البيت واطلعي الأوضة فوق..»
«بحبك.»
فتحت الصورة تاني.
البوهية الزرقاء..
النجوم الفضي..
اللحسة اللي على صباع يوسف..
أوضة الضيوف المقفولة..
إيدين نورا اللي مليانة بوهية..
كل حبل شكت فيه وحولته لدليل خيانة في دماغي.. اترتب تاني في ثانية عشان يبان على حقيقته.
حطيت إيدي على بؤي.
«يا نهار أسود..»
الكلمة طلعت بالعافية.
أنا كنت غلطانة.. مش غلطانة شوية، أنا كنت فاهمة كل حاجة بالعكس خالص!
بصيت ليوسف.
كان مكمش على الكنبة بالأرنب بتاعه، وبيفص فيا بـعلقة وقلق.
«ماما؟»
بلعت الريق اللي ناشف في زوري.
«تعالى يا حبيبي..» قولتله بصوت هادي ومكسور. «نرجع السوبر ماركت تاني.»
مال براسه.
«عشان نشوف تانت بتاعة الألوان؟»
هزيت راسي.
«أيوه.. بتهيألي لازم أعتذر لها.»
بعد ٢٠ دقيقة، لقيت نورا في باركينج السوبر ماركت، بتمسح إيدها بقماشة مليانة ألوان وبتحط حاجتها في شنطة عربية بيضاء صغيرة.
رجلي كانت بتترعش وأنا ماشية ناحيتها.
«أنا آسفة جداً..» قولهالها قبل ما تكسر بوشها ليا بالكامل. «أنا قولت كلام يزعل.. أنا افتكرت…»
نورا ابتسمت.. ابتسامة هادية ومش مستعجلة.
«شريف جالي من ٤ شهور..» قالتلي. «جابلي علبة جزم فيها صور مامتك الله يرحمها كلها.. وطلب مني أرسمها على حيطة الأوضة عشان تشوفي وشها كل يوم قبل ما تنامي.»
عينيا اتملت دموع.. يوسف مسك في بنطلوني وكاتم نفسه.
«والنجوم..» نورا قالتها وهي بتوطي في مستوى يوسف.. طلعت فرشة رفيعة من شنطتها وحطتها في إيده الصغير. «باباك قال للبطل الصغير ده إن تيتة كانت بتحب النجوم أوي.. وكان بيتسحب ويطلع فوق يساعدني وأنا برسمهم.»
يوسف ماسك الفرشة كأنه ماسك حاجة مقدسة.
«أنا ما قولت لهاش على السر والله!» يوسف قالها بـهمس.
«أنت ما قولتليش على الجزء المهم..» نورا قالتله. «أنت شلت الجزء الحلو لـبالليل.»
روحت البيت وإيدي بتهتز على الدريكسيون.. شريف كان مستنيني على العتبة بره، وشه أصفر وبتكتك.
«أنا آسف..» قالها. «كان المفروض…»
«طلعني فوق..» قولتله.
فتح باب الأوضة بالمفتاح.
أمي كانت بتبصلي من على الحيطة.. نفس عينيتها اللي فاكراها وهي واقفة في شباك المطبخ، وفوقيها السقف مليان نجوم فضي نصها مكملش.
قعدت على الأرض وعيطت.. عيطت زعل وارتياح بطريقة ما عيطتهاش من ٣ شهور من يوم ما ماتت.
شريف قعد جنبي على ركبه.
«ما كنتش عارف أوصلك إزاي..» قالها. «أنتِ سكتِ خالص ودخلتي في قوقعة بعد الوفاة.»
«عارفة..» قولهالو بـهمس. «أنا سكت عن نفسي كمان.»
يوسف طلع على السرير، وحط الفرشة في علبة البوهية الفضي الصغيرة.
«ماما..» قالها. «تعالي كملي معايا أخر نجمة.»