امي وبنتي

حصري لصفحة روايات رولا
لما أمي قالتلي ببرود: “اقفلي عليها في أوضتها فوق، هي مش شغلة”، عشان تضيّف 40 واحد في فيلتنا في الريف بمناسبة عيد جوازهم، في الوقت اللي بنتي للسه راجعة من مستشفى 57357 بعد عملية زرع نخاع وممنوع تحت أي ظرف تتعرض لأي زحمة أو عدوى.. في اللحظة دي بالذات، سكوت رهيب نزل عليا.
​”حاضر يا ماما، اللي تشوفيه.”
​أمي افتكرت سكوتي ده استسلام ورضوخ.
​على يوم الجمعة بالليل، كنت نفذت طلبها وحضرت الفيلا بالظبط زي ما طلبت.. بس بطريقتي. لميت كل كراسي الترابيزات والمشمعات اللي كانوا مخزنينها في الجراج، كل أزايز الشربات والزينة اللي جابوها، وكل هدومهم اللي سايبيينها في أوض الضيوف. حطيت كل حاجتهم في عربية نقل ووديتها مخزن متأجر باسم أبويا في آخر البلد. وبعدها غيرت كود البوابة الكهرومغناطيسية، غيرت كل كالونات الأبواب الخارجية، وعلقت يافطة كبيرة ورسمية على البوابة: “ملكية خاصة – ممنوع الدخول نهائياً تحت طائلة القانون”.
​الفيلا دي ملكي أنا. مش “بيت العيلة”، ولا “عزبة العيلة” اللي يتباهوا بيها قدام الناس.
​من سبع سنين، أنا اللي اشتريت البيت والأرض اللي حواليه من تيتة الله يرحمها بفلوسي وبسعر السوق كامل. ساعتها أمي وأبويا رفضوا يشتروها وقالوا عليها “بيت قديم ومكركب وأرض بور ملهاش لازمة في أطراف الساحل التاني في المريوطية”. بس أول ما أنا جددتها وخليتها جاردن وفيلا تحفة، بقوا يسموها “فيلتنا”.
​يوم السبت الساعة تسعة الصبح، وصلت عربية أبويا الجراند سيراتو الفضية، ووراها اتوبيسين سياحة كبار شايلين المعازيم، ومعاهم عربية الشيفات بتوع البوفيه ومحل الورد.
​بس أول ما وصلوا، لقوا الظابط محمد رئيس مباحث النقطة واقف مستنيهم بنفسه جنب البوابة.
​أنا كنت واقفة ورا إزاز الصالة، وبنتي “ليلى” نايمة في أوضتها المعقمة فوق. الدكاترة كانوا واضحين معايا: أي ميكروب صغير في الفترة دي ممكن يضيع حياتها.
​أمي نزلت من العربية وهي لابسة فستان أوف وايت ومجهزة نظرة الفخامة والسيطرة.
​بصت للظابط وقالت باستعلاء: “في إيه يا حضرة الظابط؟ البوابة مقفولة ليه؟”
​الظابط رفعلها اليافطة والورق: “يا فندم، صاحب المزرعة بلغ رسمياً بسحب أي إذن بالدخول ليكوا أو للضيوف.”
​أمي بصتله بذهول: “أنا أمها!”
​رد ببرود: “الأمومة مش وثيقة ملكية يا فندم.”
​أبويا قرب وهو بيشاور على البيت بضيق: “بس إيناس وافقت تنضفلنا المكان وتجهزه!”
​طلعت أنا على جاردن الفيلا من جوه ووقفت ورا السلك: “أنا فعلاً فضيته يا بابا.. فضيته من كل حاجة تخصكم.”
​أمي بصتلي والضيوف ابتدوا ينزلوا من الاتوبيسات ويتهامسوا.
​ابتسمتلي أمي بقلة حيل وسخرية: “إنتِ بتبهدلي نفسك قدام الناس ليه؟ افتحي البوابة بلاش شغل أطفال.”
​”مش هفتح.”
​ابتسامتها اختفت تماماً.
​مسكت الحديد بتاع البوابة وبقت تزعق إن أملاك العيلة ما تنفعش تتسرق من بنت قاسية ومش متربية. الظابط حذرها تبعد، بس هي مدت إيدها من بين الحديد وتحاول تكتب الكود القديم اللي حافظاه.
​في اللحظة دي، ليلة ظهرت ورا شباك أوضتها فوق.. كانت باينة تعبانة ووشها أصفر ولابسة الكمامة الطبية.
​أمي رفعت رأسها وشافتها.
​راحت شاورتا عليها وزعقت للناس: “أهو! البنت فوق اهي في أوضتها! مفيش مشكلة أساساً! مش معطلانا في حاجة!”
​حتى الظابط نفسه تسكّب ووقف مصدوم من الجمود اللي في صوتها.
​طلعت تليفوني من جيبي، وشغلت الميكروفون على أعلى صوت، وشغلت الفويس نوت اللي أمي بعتهالي إمبارح بالليل:
​”لو إيناس رخمت وما فتحتش، هندخل من باب المطبخ اللي ورا، هي مش هتقدر تعمل هيصة ولا تفضحنا قدام الناس والضيوف.”
​الظابط محمد بص لأمي بالنظرة الأخيره.
​وقالها بهدوء حاسم: “اتفضلي معايا يا مدام.. حطي إيديكي ورا ظهرك.”
أمي مكنتش مستوعبة في الأول إن الظابط محمد بيتكلم بجد.
​ضحكت ضحكة قصيرة وسخيفة، كأنه بيقول نكتة بايخة في وقت مش مناسب. وبصت للضيوف اللي واقفين جنة الأتوبيسات، كأنها مستنية حد منهم يتدخل أو يلحقها.
​بس مفيش مخلوق اتتحرك.
​قالتله بنبرة لؤم: “يا محمد يا بني.. ده إنت عارف عيلتنا وشايفني بؤكبر من زمان!”
​رد عليها الظابط بحسم: “عشان كده أنا بديكي أخر فرصة تتمالكي نفسك وتتعاوني معايا.”
​صرخت فيه: “إنت مش ممكن تقبض عليا في يوم عيد جوازي!”
​”أقدر أقبض عليكِ بتهمة محاولة اقتحام ملكية خاصة بعد ما اتبلغتي رسمياً بعدم التواجد.”
​أبويا دخل في النص وهو بيتنفض: “يا جماعة نهدى شوية، المدام بس محروق دمها.”
​الظابط بص لأبويا وقال: “يا حاج، ارجع ورا لو سمحت.”
​أمي نزلت إيدها أخيراً، بس رفضت تماماً تحطها ورا ظهرها. وبقت تصرّ إن أنا اللي وزّيت الظابط ورشيته، وإن الفويس نوت دي متقطعة ومفهومة غلط. وفي وسط ما هي بتهرتل وتزعق، قرب مسئول بوفيه الفرح بفرخة الورق اللي في إيده.
​قال بقلق: “يا جماعة إحنا لازم ندخل خلال عشر دقائق، التلاجات والتجهيزات محتاجة كهرباء الفيلا.”
​رديت عليه ببرود: “مفيش أي حفلة هنا.”
​بص لأمي باستغراب: “بس مدام إلهام دفعت العربون وأكدت معايا العنوان إمبارح بالليل!”
​وش أبويا اتغير فجأة وبص لأمي: “عربون إيه؟”
​مسئول البوفيه قال رقم كبير يخض، لدرجة إن الضيوف اللي واقفين برة بدأوا يتهامسوا ويبرقوا.
​أمي صرخت فيه: “انت اسكت خالص!”
​ودي كانت المفاجأة التانية في اليوم.. أبويا كان فاكر إن مصاريف الحفلة والعزومة دي كلها مدفوعة من حوشتهم في البنك. اتاري أمي كانت سحبت قرض كبير بضمان شقتهم من وراه من غير ما تقوله، عشان بس تعمل شو ومظاهر كدابة قدام القرايب ولاد الذوات وتكسر مناخيري قدامهم.
​بتاع الورد عايز فلوسه، بتوع الفراشة والمزيكا عايزين حسابهم، وشركة الأتوبيسات بتطالب بفلوس المشوار.. والضيوف بدأوا يسألوا بعض بكسوف لو كان الأفضل يركبوا ويرجعوا.
​فضحتها وانكشافها قدام الناس تحول لغل وشر.
​شاورت عليا من ورا الحديد وهي بتترعش: “بنتك الفاشلة دي هي اللي كرهتك فينا وقوّتك علينا!”
​”ليلى” مكنتش واقفة عند الشباك خلاص.. جارتنا الأبلة ميرفت، كانت ممرضة أورام متقاعدة، أخدتها لأوضة النوم اللي ورا بعيد عن الهيصة والدوشة. الأبلة ميرفت كانت الزائرة الوحيدة اللي الدكاترة سمحوا بوجودها مع بنتي.
​رديت على أمي: “إنتِ اللي قلتيلي اقفلي على بنت عيانة ومناعتها صفة في أوضتها فوق عشان عزومتك.. بلاش تعيشي دور الأم الحنونة دلوقتي.”
​أمي قربت من البوابة تاني بتهور.
​الظابط محمد مسك إيدها بالراحة، لفها، وحط الكلبشات في إيدها. بقت تصرخ باسمي وتتهمني إني دمرت جوازها وسمعتها وأهم يوم في حياتها.
​أبويا كان واقف بيتفرج عليها وهي بتتكلبش من غير ما يحرك ساكن ولا يدافع عنها.
​بعدها بصلي بصة انكسار وسألني بصوت واطي: “حاجتنا فين يا إيناس؟”
​طلعتله وصل المخزن المتأجر ورقة الاستلام.
​بص للورقة بذهول: “إنتِ نقلتي كل حاجة؟”
​”إنتوا اللي طلبتوا مني أفضيلكم المكان خالص.”
​بص ناحية الأتوبيسات، والضيوف اللي واقفين محتارين، ومراته اللي متكلبشة.. كتافه نزلت للتقيل وحسيت إنه كبر عشر سنين في لحظة جوة بدلتهم الغالية.
​الظابط ممشاش بيها على القسم.. بعد ما هديت، عملها محضر إثبات حالة وتعهد بعدم التعرض ورخص خروج بضمان أبويا، مع تحذير شديد إن أي محاولة لرجوعهم هنا من غير إذن كتابي هتوديهم التخشيبة.
​قبل ما يمشوا، أمي قربت من سلك البوابة وقالتلي بصوت وزيز زي الحية: “الحكاية دي لسه ممشيتش.. ومش هتنتهي هنا.”
​وكان عندها حق.
​على يوم الاثنين الصبح، كانت لفت على القرايب والعيلة كلها وتقولهم إن أنا اللي عملت التمثيلية دي عشان أستولى على الفيلا، وأحرمهم من حفيدتهم، وأعاقبهم عشان بيحبوا بنتي!
​وعلى يوم الثلاثاء، كانت راحت لمكتوب محامي كبير.
​يوم الأربع، وصلي إعلان رسمي على يد محضر.. أبويا وأمي رافعين ق\ضية بيطالبوا بإلغاء عقد الفيلا وأحقيتهم في الملكية!
​بس اللي مكنوش يعرفوه.. إن تيتة الله يرحمها مسبتليش بس العقد المسجل.
​تيتة كانت سايبالي جواب مقفول بالشمع الأحمر..
وجوة الجواب ده، كان السبب الحقيقي اللي خليتها ترفض تبيع الفيلا لبنتها من الأساس!
الجواب ده تيتة كانت كتباه بإيدها قبل ما تتوفى بسنة، وادته للمحامي بتاعها ووصته: “الجواب ده يفضل مكتوم عليه لحد ما ييجوا في يوم ويحاولوا ينهبوا منك الفيلا يا إيناس.”
​يوم الخميس الصبح، كنت قاعدة في مكتب الأستاذ حسام المحامي بتاعي، ومعايا الجواب. لما فتحناه وقرأناه، أنا وهو اتصدمنا من حجم الغل والتزوير اللي أمي كانت مخبياه طوال السنين دي.
​تيتة كاتبة في الجواب إن أمي زمان، قبل ما تبيعلي الفيلا بكتير، حاولت تزوّر توقيع تيتة على عقد تنازل ونقل ملكية للبيت وللأرض، ولما تيتة اكتشفت اللعبة، هددتها إنها هترفع عليها ق\ضية تزوير وتفضحها. أمي ساعتها اتسحبت وعملت فيها الضحية، ومن يومها تيتة حذرتها إن الفيلا دي مش حتاخد فيها متر واحد، وكتبت الجواب ده ومرفق معاه العقد المزيف القديم بتوقيع أمي وبصمتها وشيكات بدون رصيد كانت سحباهم باسم تيتة!
​يوم الجلسة الأولى في المحكمة..
​أمي دخلت وهي ساحبة أبويا وراها، ولابسة أسود في أسود ومتقمصة دور الأم المظلومة اللي بنتها العاقة رمتهوم في الشارع وحرمتهم من حفيدتهم المريضة.
​المحامي بتاعها قام وبدأ يخطب ويقول إن العقد اللي معايا كان صورياً وإن الأرض ملكية عائلية موروثة، وإن أنا استغليت كبر سن الجدة وغفلتهم عشان أكتب البيت باسمي.
​القاضي بص للأستاذ حسام المحامي بتاعي وقال: “عندك رد يا أستاذ؟”
​حسام قام بمنتهى الثبات وطلع ملف أسود: “يا سيادة القاضي، إحنا مش بس بنقدم العقد المسجل ومستندات السداد البنكي بالكامل بسعر السوق وقت الشراء.. إحنا بنقدم كمان حافظة مستندات وجواب موثق من المرحومة الجدة، ومعاه العقد المزيف اللي حاولت المدعية تزويره سنة 2015 عشان تستولى على نفس العقار.”
​أمي وشها اتقلب زي القماش الأبيض القديم.
​أبويا بصيلها بذهول: “تزوير إيه يا إلهام؟! إنتِ عملتي إيه من ورايا؟”
​المحامي بتاعنا كمل: “وبناءً عليه، إحنا مش بس بنطالب برفض الدعوى، إحنا بنطالب بإحالة المدعية للنيابة العامة بتهمة البلاغ الكاذب، وبنقدّم محضر شرطة رسمي واعترافات مسجلة بمحاولتها اقتحام الفيلا وتعريض حياة طفلة صغرى خاضعة لعملية زرع نخاع للخطر المباشر.”
​القاضي بص للورق، وبعدها بص لأمي بنظرة نارية خلتها تترعش في مكانها. ما فاتش 10 دقائق إلا وكان الحكم الصادر: رفض الدعوى، وإلزام المدعين بالمصاريف، وتحويل الفويسات والمستندات للنيابة للتحقيق في التعدي والبلاغ الكاذب.
​أمي خرجت من القاعة وهي بتمشي زي المجاذيب. الضيوف اللي كانوا جايين الفرح وعرفتهم العيلة باللي حصل قطعوا علاقتهم بيها. والبنوك بدأت تطالب أبويا بسداد القرض اللي أمي سحبته بضمان الشقة، وأبويا اضطر يبيع عربيته وحتة أرض حيلته عشان يغطي مصايبها، ومن يومها وهو ساب البيت وقاعد عند أخته في الصعيد ومطلقها رسمياً.
​دلوقتي، بعد ست شهور..
​أنا قاعدة في جاردن الفيلا، ليلى بنتي قامت بالسلامة والمناعة بتاعتها تحسنت جداً، وبقت بتجري في الجنينة وبتضحك بصوت عالي من غير كمامة ولا خوف.
​البوابة المقفولة بالحديد والكود الجديد مش بس حمت الفيلا.. دي حمت حياتنا ونضفتها من كل مريض وفاكر إن صلة الدم تديله الحق يدمر غيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *