قصة الملياردير لقي عاملة النظافة بترسم برج ال 12 مليار

قال بصوت هادئ يحمل نبرة ټهديد مبطنة
يا أهلاً يا سليم بيه… كنت متوقع ألاقيك في الشقة أو في المكتب الرئيسي، مش هنا في ضلمة الدور ال الساعة 2 ونص الفجر.
سليم لم يتحرك إنشاً واحداً. أردف بنبرة حادة
المفروض إنك قدمت استقالتك وسلمت الكارت الذكي للشركة، بتعمل إيه هنا في المبنى بتاع المحطة الخدمية في الوقت ده؟ ومين سمحلك بالدخول؟
ابتسم مروان ابتسامة باهتة، وخطا خطوة للداخل وهو يشير بيده لحارسيه ليقتربا
أتوقع إنك لقيت باقي الملفات التالفة على السيرفر، وجاي تلم المطبوعات الورقية المتبقية بنفسك. بس ما كنتش متوقع تلاقي المُساعِدة دي معاك.
حاول مروان النظر من خلف كتف سليم ليرى نادية، لكن سليم خطى خطوة أخرى ليغطيتها بالكامل.
قال سليم بصوت خفيض ونبرة تسعى لكسب الوقت
حديد درجة 50 بدلاً من درجة 65 في مركز نقل الأحمال الرئيسي يا مروان؟ ووفرت كام في الميزانية؟ 200 مليون؟ 300 مليون جنيه تسربوا لحسابات شركات توريد وهمية باسم قرايبك في الخارج؟
توقفت ابتسامة مروان. أظلمت ملامحه، وقال بحدة
الموضوع مش مجرد 200 مليون يا سليم بيه… الموضوع إن البرج ده مكنش هيقع النهاردة ولا السنة الجاية. الحديد درجة 50 كان هيستحمل الأحمال العادية لمدة 10 سنين على الأقل! وبعد 10 سنين، الشروخ الهيكلية كان هيتم تفسيرها على إنها هبوط طبيعي في التربة أو إجهاد حراري غير متوقع، والشركة كانت هتستلم التعويض من شركات التأمين بالمليارات!
نادية، من خلف سليم، أخرجت رأسها ببطء وقالت بنبرة هندسية جافة وصارمة
ده لو مكنش البرج مخصص إنه يشيل منصة المشاهدة والمستشفى التخصصي في الأدوار العليا يا مهندس. الحسابات اللي أنت عدلتها غفلت عن إجهاد القص الأفقي الناجم عن الرياح في الشتاء. البرج مش هيستحمل 10 سنين… البرج ده يميل ويحصل فيه اڼهيار جزئي في القواعد الوسطى عند أول عاصفة بجهة 80 كيلومتر في الساعة. يعني خلال شهرين من تشغيله.
صُدم مروان. نظر لنادية باستحقار وذهول
أنتِ مين؟ ومين سمحلك تفتحي بؤك هنا؟
رد سليم بقوة
دي المهندسة نادية عبد السلام يا مروان… العاملة اللي بتمسح العرق من ورا القرف والسړقة اللي عملتها أنت وفريقك. اللي اكتشفت الخلل في الأوراق اللي رميتوها في الفرم.
تراجع مروان خطوة ونظر للحارسين وقال بأمر مباشر
هاتوا الكراسة والورق اللي معاهم… وأطردوا الست دي بره المبنى، والورق ده كله يتقطع ويترسل للمحرقة فوراً.
تقدم الحارسان بخطوات سريعة.
لكن سليم كان أسرع. أخرج هاتفه المحمول من جيبه الداخلي، ورفع الشاشة المضاءة في وجه مروان.
كانت شاشة الهاتف تعرض بثاً مباشراً ومكالمة فيديو مفتوحة.
قال سليم بثبات
المكالمة دي مفتوحة مع اللواء رئيس لجنة الفحص الهندسي للجهات السيادية، ومع المباحث العامة. وكل كلمة اتسجلت، والصور اللي في كراسة نادية اتبعتت إلكترونياً
لنسخة سحابية مشفرة من 5 دقائق.
ارتعد مروان. صړخ بصوت هيستيري
أنت بتكدب! السيرفرات مقطوعة والشبكة مش شغالة في الأدوار العالية دي!
ابتسمت نادية وهزت رأسها وهي تشير لوصلة صغيرة معلقة في حزامها
أنا موصلة جهاز تقوية شبكة لاسلكي محمول على كابل الصيانة الراسي من ساعتين… كل دقيقة كنا بنقفها هنا، كان في ملف بيترفع.
سمع الجميع أصوات أجهزة اللاسلكي والصفارات القادمة من أسفل البرج. أضواء سيارات الشرطة الزرقاء والحمراء بدأت تشتعل وتنعكس على الزجاج الخارجي للبرج المظلم.
أدرك مروان أن اللعبة انتهت تماماً. سقطت خوذته على الأرضية الخرسانية، وتراجع إلى الخلف حتى أسنده الحارسان اللذان رفعت أيديهما استسلاماً فور سماعهما أصوات أقدام رجال الشرطة وهم يصعدون سلالم الطوارئ بسرعة.
صباح اليوم التالي 900 صباحاً
في الدور ال، داخل المكتب الرئيسي للملياردير سليم المنشاوي…
كانت الشمس تشرق على سماء القاهرة، وتسللت أشعتها الدافئة من خلال الواجهات الزجاجية الضخمة للبرج.
جلس سليم خلف مكتبه العريض، وأمامه ملف ضخم ومجموعة أوراق جديدة. وعلى الكرسي المقابل له، كانت تجلس نادية عبد السلام. كانت ترتدي بذلة عمل رسمية بسيطة، وشعرها مرفوع بعناية، وامامها كوب من القهوة الساخنة.
وضع سليم قلمه على المكتب، ونظر إليها باحترام شديد
التقرير النهائي للجنة الهندسة السيادية نزل من ساعة. للأسف، هنضطر نوقف العمل في البرج لمدة 4 أشهر، وهنكسر ونستبدل كافة الكمرات والقواعد في 12 دوراً وسطيين عشان نزرع صلب درجة 65 ودرجة 80.
نادية هزت رأسها بالمرغوب
ده الخيار الوحيد الصح يا سليم بيه. التكلفة الإضافية والوقت أفضل بمليون مرة من کاړثة بشړية وهندسية.
سليم ابتسم، ثم فتح ملفاً أسود أمامه وقال
أنا سألت عنك في إدارة الموارد البشرية وفي نقابة المهندسين.
سكتت نادية، فنظر إليها وتابع
أنتِ خريجة هندسة إنشائية جامعة القاهرة، دفعة 2015، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. وأحداث شخصية وضغوط عائلية صعبة هي اللي أجبرتك تسيبي المجال وتشتغلي في شركة النظافة المتعاقدة مع البرج عشان توفري مصاريف علاج والدتك.
نادية نزلت عينها للأرض بنبل وهدوء
الحياة أوقات بتفرض علينا مسارات مش بنختارها… بس الشغف والعلم مش بيموتوا.
سحب سليم ورقة رسمية مختومة بختم الشركة ومجلس الإدارة، ودفعها عبر المكتب نحوها
المناقصة والتعديلات الإنشائية للمشروع هتكلفنا حوالي 400 مليون جنيه، لكن بفضلك أنتِ وفرتي على الشركة 12 مليار جنيه وسمعة شركة اتبنت في 30 سنة.
نظرت نادية للورقة. كان قراراً إدارياً صادراً بتعيينها
رئيس قطاع الجودة والجوانب الإنشائية والمراجعة الفنية لجميع مشاريع مجموعة المنشاوي للتطوير.
رفعت عينها بذهول
سليم بيه… ده منصب كبير جداً، وأنا…
قاطعها سليم بنبرة حاسمة وقوية
وأنتِ الشخص الوحيد في المبنى ده اللي كان عنده الضمير والكفاءة إنه يسهر بقطعة طباشير في الضلمة عشان يحمي حياة الناس. المنصب ده مش مجاملة، ده حقك، وحق البرج ده إنه يتبنى بعقول شريفة
زي عقلك.
تنفس سليم براحة، ونظر من زجاج مكتبه الشاهق لنيل القاهرة الممتد أمامهما، وقال بابتسامة صادقة
دلوقتي بس، أقدر أقول إن البرج ده حيعدي ويبقى أطول
وأقوى علامة في البلد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية والضمير الحي ربنا بينصر صاحبهم في النهاية

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *