رجعت من
واحدة صاحبتي. ولما خلصت الفلوس، بدأت أخيط طول اليوم والليل. كنت بشتغل عشان أسدد، بس كل ما أسدد حاجة، يظهر طلب جديد.
وإنتِ ليه ما قلتيليش؟
ابتسمت ابتسامة مكسورة.
كنت بكلمك، بس كل مرة كنت بتقول لي إنك في مأمورية ومش عايز تقلقني. وأنا ما كنتش عايزة أكون سبب في إنك تتعب هناك.
سكتنا.
وبعدين سألتها
طب موضوع الكهربائي ده؟
منى رفعت عينيها.
اسمه عماد. ده مش كهربائي بس. ده ابن خالتي، وبيشتغل في مكتب محاماة في القاهرة. كنت بطلب منه يساعدني أعرف الفلوس دي بتروح فين.
يعني أمي وأختي كانوا عارفين إنه بييجي؟
أيوه. وكانوا كل مرة يشوفوه يقولوا إنه عشيقي. عشان محدش يسأل هو بييجي ليه.
قمت من مكاني فجأة.
طب والضرب؟ مين عمل فيك كده؟
منى ما ردتش.
بس دموعها نزلت.
وقتها فهمت إن السؤال ده كان أصعب من كل اللي فات.
اللي حصل في اليوم اللي قبله
منى كانت قاعدة في الصالة بتخيط فستان لواحدة من الجيران، لما سارة دخلت عليها.
قومي معايا.
على فين؟
أوضة ماما.
منى حطت القماش على رجليها.
عندي شغل لازم أخلصه.
سارة قربت منها، وخطفت القماش من إيدها.
إنتِ لسه هتعملي فيها محترمة؟ إنتِ فاكرة إننا مش عارفين كل حاجة؟
عارفين إيه؟
الفلوس اللي بتاخديها من الرجالة.
منى قامت من مكانها.
أنا مش هاخد منك كلام بالشكل ده.
سارة صفعتها.
وبعدها دخلت الحاجة نوال، وهي ماسكة ماكينة قص شعر قديمة.
خلاص يا سارة. سيبيها لي.
منى رجعت لورا.
إنتوا عايزين مني إيه؟
أمي قفلت باب الأوضة، وقالت
عايزينك توقّعي على ورقة.
ورقة إيه؟
تنازل عن نصيب أحمد في البيت.
منى بصت لها بذهول.
أحمد مش هنا. وأنا ما ليش حق أتنازل عن حاجة باسمه.
سارة ضحكت.
هو مش هيعرف. وبعدين إحنا مش بنسرقه. إحنا
بنحافظ على حقنا.
أنا مش هوقّع.
أمي قربت منها.
يبقى هتندمي.
منى حاولت تخرج، لكن سارة وقفت قدام الباب.
اللي حصل بعدها كان سريعًا ومهينًا.
شدوا شعرها، وضربوها، وقصوا شعرها بالمقص، وبعدها أجبروها تقعد على الأرض.
ولما حاولت تصرخ، أمي قالت لها
اصرخي براحتك. الناس هتسمع إنك بتتخانقي معانا عشان الفلوس.
لكن منى كانت أذكى منهم.
قبل ما ياخدوها للأوضة، كانت خبّت الكشكول في حلة الرز.
وسجلت كل حاجة فيه.
كل مبلغ.
كل اسم.
كل تهديد.
وكل مرة أمي أو سارة حاولوا يجبرواها على توقيع.
رجعت أبص في الكشكول.
ليه ما بلغتيش الشرطة؟
منى ردت بصوت واطي
حاولت.
حاولتي؟
أيوه. بس كل مرة كنت بخاف. كانوا بيقولوا لي إنهم هيقولوا إنك إنت اللي باعتني أستلف، وإنك هتدخل السجن بسبب الفلوس. وأنا كنت عارفة إنك بعيد، ومش عايزة أعملك مشكلة.
مسكت إيدها.
إنتِ ما عملتيش أي مشكلة. إنتِ كنتِ بتحاولي تحمينا.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
جالي صوت راجل هادي
مساء الخير يا سيادة النقيب أحمد الشاذلي. أنا عماد، ابن خالة منى.
بصيت لمنى.
أيوه، معاك.
أنا كنت مستني حضرتك ترجع. عندي حاجات لازم تشوفها بنفسك.
إيه الحاجات دي؟
مش هينفع أقول في التليفون. بس لازم تعرف إن موضوع الفلوس أكبر من اللي في الكشكول.
أكبر إزاي؟
سكت ثانيتين.
وبعدين قال
لأن البيت اللي في البلد مش ملك والدتك لوحدها.
قفلت المكالمة، وأنا حاسس إن فيه حاجة جديدة بدأت.
الجزء التالت البيت اللي اتباع من غير ما أعرف
خرجت من الأوضة، ولقيت أمي قاعدة على الكنبة، وسارة واقفة جنبها.
أمي أول ما شافتني قالت
خلصت بقى؟ ولا لسه هتسمع كلام مراتك؟
حطيت الكشكول قدامها على الترابيزة.
عايز أفهم حاجة واحدة.
سارة بصت للكشكول، ووشها اتغير.
إيه ده؟
دي إمضتي؟
أمي ردت بسرعة
أيوه، إمضتك. إنت كنت موافق على كل حاجة.
وأنا كنت فين لما وافقت؟
كنت عارف.
كنت فين يا أمي؟
سكتت.
سارة تدخلت
إنت مش فاكر إنك قلت لنا نتصرف في البيت؟
بصيتلها.
أنا قلت لكم نتصرف في البيت؟
أيوه.
إمتى؟
من زمان.
طلعت موبايلي، وفتحت الرسائل القديمة.
كنت محتفظ برسالة بعثتها لأمي قبل سفري.
ماما، خلي بالك من منى. أنا هكون بعيد الفترة الجاية، ومش عايز أي حاجة تضايقها.
قريتها بصوت مسموع.
وبعدين بصيت لأمي.
دي الرسالة اللي بعتها لك قبل ما أسافر. فين فيها إني قلت لك تبيعي البيت؟
أمي ما ردتش.
سارة قالت
الرسائل مش دليل على كل حاجة.
بس الإمضا دليل؟
فضلت ساكت.
وبعدين سألت
هو البيت اتباع؟
أمي قامت بسرعة.
مين قال لك؟
يعني اتباع؟
سارة بصت لأمي، وأمي بصت لسارة.
في اللحظة دي، عرفت إن عماد كان عنده حق.
تاني يوم الصبح، قابلت عماد في مكتب المحاماة.
كان راجل في أواخر التلاتينات، هادي، وبيتكلم بحساب.
حط قدامي ملف بني.
أنا هقول لك اللي أعرفه، بس لازم تفهم إن فيه حاجات محتاجة إثبات رسمي.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت عقد بيع ابتدائي.
اسم البائع الحاجة نوال أحمد الشاذلي.
اسم المشتري شركة مقاولات.
المبلغ ستمية وخمسين ألف جنيه.
وتاريخ العقد من حوالي ست شهور.
رفعت عيني.
أمي باعت البيت؟
عماد هز راسه.
باعت جزء من الأرض، مش البيت كله. بس المشكلة إن العقد مكتوب فيه إنها المالكة الوحيدة.
وهي مش المالكة الوحيدة؟
لأ. والدك الله يرحمه كان سايب لك نصيب في الأرض دي.
فين الدليل؟
طلع ورقة تانية.
دي صورة من إعلام الوراثة.
قريتها.
كان اسمي موجود.
واسم أمي.
واسم سارة.
واسم أخويا الصغير، كريم.
كريم؟ هو ليه اسمه هنا؟
عماد بصلي.
لأن والدك كان سايب له نصيب برضه.
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.
أمي باعت الأرض، وخدت الفلوس، وبعدين بدأت تطلب من منى مبالغ بحجة الديون.
لكن لسه ما كنتش عارف ليه كل ده حصل.
عماد فتح درج مكتبه، وطلع فلاشة صغيرة.
دي أهم حاجة.
إيه دي؟
تسجيل صوتي.
تسجيل لمين؟
لأمك وسارة.
بصيتله.
إنت جبت التسجيل ده إزاي؟
منى كانت بتطلب مني أساعدها. واحدة من الستات اللي كانت بتشتري منها الخياطة سمعت جزء من كلامهم، وسجلته من غير ما تقصد. وبعدين بعتته لي.
شغّل التسجيل.
في الأول كان فيه صوت أمي
لازم أحمد يوقّع قبل ما يرجع.
وبعدين صوت سارة
ما هو لو رجع ومراته فضلت موجودة، هتبوّظ كل حاجة.
أمي ردت
عشان كده لازم نخلّيها تمشي. ولو رفضت، نعمل لها قضية.
سارة ضحكت.
قضية إيه؟
نقول إنها سرقت الفلوس، وإنها كانت بتدخل رجالة البيت. الناس هتصدقنا.
الصوت اتقطع.
وبعدين رجع تاني.
طب والفلوس اللي خدناها؟
خلصنا منها. وبعدين هو ضابط، مش هيقدر يفضحنا.
قفلت التسجيل.
ما كنتش قادر أتكلم.
عماد قال بهدوء
فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
إيه؟
الفلوس اللي اتدفعت في الأرض مش كلها راحت على الديون.
فتح ورقة حساب بنكي.
كان فيه تحويلات بمبالغ كبيرة لحساب باسم سارة.
وبعدين تحويلات لحساب تاني باسم شركة مقاولات.
الشركة دي تبع مين؟
عماد بصلي.
تبع جوز سارة.
اتسمرت مكاني.
سارة كانت متجوزة من واحد اسمه شريف، وكنت فاكره شغال في تجارة الأجهزة.
لكن عماد قال
شريف عليه ديون كبيرة. وكان محتاج فلوس بسرعة. فباعوا الأرض، وغطّوا الموضوع باسمك واسم منى.
الجزء الرابع أول مواجهة
رجعت البيت بعد الظهر.
أمي كانت قاعدة بتتفرج على التليفزيون، وسارة بتتكلم في التليفون.
أول ما دخلت، سارة قفلت المكالمة.
إنت كنت فين؟
كنت بخلص حاجة.
حاجة إيه؟
موضوع الأرض.
وشها اصفر.
أمي قامت.
أحمد، إنت بتتكلم عن إيه؟
حطيت نسخة من عقد البيع على الترابيزة.
ده عقد بيع الأرض.
أمي