ولادها الاغنيا
لمحة نيوز
ولادنا، وعارف إن كريم ومنى أخدوا كل حاجة بالفلوس ونسوا أصلهم، بينما حسن هو الوحيد اللي خد طبعنا وشقانا.
يا نوال… سنة 1998، لما بعت المزرعة الصغار في المنطقة الصناعية عشان أسدد ديون تجاربتي، أنا ما بعتش الأصول كلها. أنا سجلت بعقد ابتدائي غير مسجل باسمك أنتِ وباسم حسن تحديدًا 12 فدانًا على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، جنب أرض الدولة الرئيسية. الأرض دي وقتها ما كانتش تسوى آلاف، بس أوراقها والتوكيل المباشر والخزنة المصفحة المدفونة في أرضية مخزن الورشة القديمة باسمك. المفتاح ده بيفتح الخزنة دي، وفيها العقود الأصلية وأسهم مبادلة في إحدى شركات المقاولات الكبرى… الأرض دي النهاردة أصبحت في قلب المنطقة الاستثمارية الجديدة وتسوى عشرات الملايين!
نوال دموعها نزلت كالمطر على الورقة، مش بس بسبب الملايين والفلوس… لكن لأن زوجها الراحل كان شايف ببعد نظره وقارئ قلوب ولاده قبل ما يموت!
في الصباح الباكر… الساعة 8 بالظبط.
حسن كان لابس هدومه وجاهز عشان ياخد علبة دهب مراته سماح ويروح يرهنها عند الصايغ.
نزل على ركبتيه جنب أمه، وقال بنبرة مليانة خجل ورجولة
أمي… أنا نازل أقضي شوية طلبات وأجيب دوا آدم والأكل. خليكي مرتاحة مع سماح، والبيت ده بيتك ورأسنا مرفوعة بيكي.
نوال مسكت إيده بقوة، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، وطلعت الظرف والمفتاح الحديدي من شنطتها
استنى يا حسن… ما ترهنش دهب مراتك يا بني. الدهب ده يفضل في رقبتنا وسام. تعال معايا دلوقتي… أباك الله يرحمه سابلنا أمانة لازم نفتحها سوا.
حسن وسماح بصوا لبعض باستغراب شديد!
بعد ساعتين… في منطقة الورش القديمة في ضواحي القاهرة.
وصل حسن بأمه أمام باب المخزن القديم اللي كان ملك أبوه ومهجور من سنوات. فتحوا الباب الصديء، ونوال وجّهت حسن للزاوية اللي تحت بنك العمال القديم.
حفر حسن بأدواته البسيطة، وفعلاً لقوا صندوقًا مصفحاً صغيراً ثقيلاً. حط المفتاح الحديدي وداره… وانفتح الصندوق!
جوا الصندوق كانت العقود الأصلية الموثقة بالختم الرسمي، وشهادات الأسهم، ومعاها خطاب موجه من هيئة الاستثمار للتطوير العقاري، بيطلب شراء الأرض أو مشاركتها لتأسيس مشروع مجمع لوجستي عالمي!
حسن مسك الورق وهو مش مصدق عينيه، والدهشة شالة لسانه
أمي! الورق ده مظبوط؟! الأرض دي ملكنا إحنا؟! دي أراضيها تسوى مبالغ خيالية دلوقتي!
نوال طبطبت على كتف حسن وقالت بثبات
الأرض دي ملكي وملكك أنت وسماح يا حسن… أبوق عرف مين اللي يصون العهد ومين اللي يبيع أهله عشان شوية مظاهر فارغة.
في نفس اليوم… الساعة 4 عصراً.
في فيلا كريم في التجمع الخامس، كانت الحفلة شغالّة، وريهام مراته بتباهى قدام ضيوفها من رجال الأعمال والشركاء بالرخام والديكورات الفاخرة.
وفجأة… دخلت عربيتين سودا من أحدث طراز، ومعاهم المستشار القانوني لأكبر هيئة استثمارية في مصر!
نزل من العربية الأولى نوال الدسوقي، لابسة عباية أنيقة بوقار تام، وبجوارها ابنها حسن ببدلة رسمية فاخرة، ومعاهم فريق القانونيين.
كريم أول ما شاف أمه، وشة أصفر وركض ناحيتها قبل ما الضيوف يلاحظوا، وقال بلهجة متوترة وغاضبة
ماما؟! إيه اللي جابك هنا تاني بأسلوب ده؟ وعاملة إيه مع حسن والعربيات دي؟! أنا مش قولتلك…
المستشار القانوني اتصدي له برصانة ورفع ملف العائلية الرسمي وقال بصوت سمعة كل الحضور في الفيلا
أستاذ كريم… نحن هنا بصفة رسمية بصحبة السيدة نوال الدسوقي والأستاذ حسن الدسوقي، المالكين الكبار لشركة الرائد للمقاولات والاستثمار، والشريك الرئيسي في المشروع الاستثماري الجديد اللي حضرتك وشركتك بتبذلوا جهد بقالكم 6 شهور عشان تاخدوا مقاولة صغيرة فيه!
شهقات الذهول انطلقت في الفيلا! ريهام وقفت مصدومة وواقفة مش قادرة تتنفس، والشركاء بصلوا لكريم باستنكار وذهول شديد.
كريم اتلعثم بصدمة وحس إن الأرض بتدور بيه
إيه؟! ماما… أنتِ بتتكلمي عن إيه؟! شركة إيه وأرض إيه؟!
نوال وقفت بكل كبرياء، وبصت لكريم وزوجته ريهام، ونبرة صوتها كانت أشد حزماً من أي وقت فات
البيت والأرض اللي أباك سابهملنا يا كريم… الأرض اللي كنت فاكر إن أمك شحاتة وما لهاش مكان حتى في أوضة الخدم عندك! الأرض دي أرباحها الأولى بس كفيلة تشتري الفيلات والكومباوندات دي كلها.
في اللحظة دي، دخلت منى أخته، اللي كانت جاية الحفلة بالصدفة، وسمعت الكلام كله ووشها اسودّ من الخجل والندم!
قربت منى وهي بتعيط وتترجى
ماما… سامحينا! أنا كنت غبية ومضغوطة… تعالي قوليلي وأنا هسيبلك بيتي وعيادتي!
لكن نوال رفعت إيدها بهدوء ووقفتهم عند حدهم جميعاً
الفلوس ما تشتريش الأصول يا منى… ولا بتشتري الرحمة يا كريم. أنت ومنا اختارتوا المظاهر وعشتوا للفلوس، وحسن اختار كرامتي ورهن دهب مراته عشان ما أنامش جعانة. من النهاردة، إدارة كل أصول العيلة والمشروعات الجديدة تحت إيد حسن وسماح فقط. وأنتم… كملوا في بيوتكم الغالية، بس افتكروا إن القلوب الفقيرة من الرحمة، عمرها ما تعوضها ملايين الدنيا.
غادرت نوال وحسن المكان في موكبهم الفاخر، وتركوا كريم ومنى وزوجاتهم في حسرة وندم لا ينتهي، بعد أن خسروا بر أمهم وأصلهم وثروة لا تُقدّر بمال.
بعد مرور عام…
تغيرت حياة حسن وسماح تماماً، أصبحت شقتهم البسيطة مؤسسة خيرية كبيرة باسم نوال الدسوقي لرعاية المسنين والأمهات والفقراء، وعاشت نوال بين ابنها البار وزوجته الأجاويد في عز وراحة وكرامة، يعلمون الجميع أن بر الوالدين والأمانة هما الأصول الوحيدة التي لا تخسر أبداً.
تمت