حماتي رمتلي قميص نوم قدام الكل بقلم زهـره الربـيع
على بيت أبويا بالقميص الأحمر اللي أمك رمته.. وساعتها وريني هتجيب مين يخدم الست الوالدة ويتحمل اللي أنا شيلته عشر سنين!.
وفجأة.. وإحنا واقفين.. صوت رزقعنيف خلى خشب الباب يتهز!
صوت حماتي وهي بتزعق وتخبط بعكازها على باب الشقة بأعلى صوت عندها
افتح يا أحمدددد! افتحي يا خطافة الرجالة يا سوسة.. افتحي عشان أوريكي مقامك يا اللي نسيتي أصلك!.
أحمد اتخض وبصلي برعب.. بس أنا؟
أنا ابتسمت، وعدلت الروب بتاعي، وقولتله ببرود يهز جبال افتح لأمك يا أحمد.. افتح لست الكل، خليها تشوف بعينها القميص الأحمر بيعمل إيه!.
أحمد كان واقف يتنفض، باصص للباب اللي بيتهز وباصصلي مش مستوعب البرود والهدوء اللي أنا فيه.
الصوت تحت كان طالع كله على السلم.. رجالة بتزعق، وسلفاتي طالعين ورا حماتي يجروا في شباشبهم عشان يتفرجوا على كسرة سعاد وتأديبها قدام الكل.
حماتي كانت بره بتخبط بالعكاز وبتصرخ بصوت مبحوح افتح يا أحمد يا خايب، افتح وشوف مراتك اللي قوية عينها ومسخطة البيت كله تحت!.
أحمد حط إيده على المقبض وإيده بترتعش..
وقفت أنا في نص الصالة، رفعت راسي لفوق، فردت ضهري، وقولتله بنبرة ثابته تهز بلد افتح يا أحمد.. متكسفش أمك.
لف المفتاح وفتح الباب على آخره.
حماتي دخلت مندفعة وهي رافعة عكازها في الهوا والشرار طالع من عينيها ورحمة أبوك يا سعاد لكون مرجعاكي بيت أهلك بال….
الكلمة وقفت في حلقها.. العكاز نزل ببطء لحد ما لمس الأرض.. عينيها وسعت بطريقة مرعبة، وفكها سقط لتحت مذهولة.
وراها كان باين إخوات أحمد وسلفاتي الاتنين على باب الشقة.. السلم كله اتخرس مرة واحدة، صمت تام كأن حد قطع شريط الصوت في البيت!
كنت واقفة قمر منور في نص الصالة.. الروب الستان الأحمر مفتوح، القميص اللي كانت رامياه عشان تكسرني كان كأنه متفصل عليا عمولة، بشرتي بتلمع، ريحتي عطر يملى المكان فخامة، وشعري نازل على كتافي بنعومة ولا بنات الإعلانات.
سلفاتي الاتنين مروة ورانيا كانوا بيبصوا لبعض وعينيهم طالعة لبرة من الصدمة والغيرة.. مكنوش متخيلين إن سعاد الخدامة اللي كانت ريحتها بصل ومسحوق غسيل، فيها كل الجمال والأنوثة دي اللي تغطي عليهم هما الاتنين!
حماتي بلعت ريقها بالعافية، وشها جاب لون الكركديه من الغيظ، وحاولت تتماسك عشان هيبتها متقعش قدام ولادها إيه… إيه اللي انتي لابساه ده يا بت انتي؟! مش مكسوفة من نفسك وإخوات جوزك واقفين على الباب؟! دي قلة أدب ومسخرة!.
ابتسمت ابتسامة هادية وباردة، وحطيت إيدي في وسطي وقولت بكل هدوء
عيب ليه يا حماتي؟ ومسخرة ليه؟ هو مش ده القميص اللي حضرتك نزلتي بيه ونقيتيه بمزاجك ورمتيه في وشي في نص الصالة قدام الكل؟ مش انتي اللي قولتيلي استحمي وانضفي والبسيه لجوزك عشان يفتح نفسه بدل ريحة البصل؟ أنا عملت إيه غلط؟ أنا نفذت أوامرك بالحرف.. استحميت، ونضفت، ولبسته لجوزي.. وزي ما انتي شايفة، جوزي مبهور ومبسوط! زعلانة ليه بقى دلوقتي؟!.
حماتي لفت لأحمد زي المجنونة، وشها بيرتعش من كتر الغل
سامع يا سي أحمد؟! سامع لسانها الطويل؟! البت دي يا تكسر عضمها وتعرفها مقامها دلوقتي يا تطلقها وترميها برة البيت! البيت ده ملوش غير ست واحدة هي أنا!.
الكل بص لأحمد.. أخواته مستنيين يشوفوا رد فعله، وسلفاتي كانوا شمتانين وعايزين يشفوني مطرودة في اللحظة دي.
أحمد بص لأمه، وبص لإخواته وسلفاتي اللي البيت تحتهم غرقان في الزبالة وطالعين يتشطروا على مراته، وبصلي أنا.. شاف ست جميلة، كرامتها بتلمع في عينيها، ست صبرت عليه وعلى أهله عشر سنين ومخدتش غير الإهانة ونكران الجميل.
لأول مرة في حياته.. شوفت في عين أحمد راجل حقيقي بيصحى!
أحمد خطى خطوة لقدام، وقف بيني وبين أمه.. صلب ضهره، وبص لأمه في عينيها وقال بصوت رجولي قوي سمع كل اللي على السلم
لأ يا أمي.. مش هطلقها.. ومش هسمح لحد يمس شعرة منها بعد النهاردة!.
البيت كله اتصدم.. حماتي اتراجعت خطوة لورا وهي حاطة إيدها على قلبها انت بتقول إيه يا واد انت؟! انت بتعصاني عشان دي؟!.
أحمد رد بحسم وثبات عمري ما شفته فيه
أنا مبعصاكيش يا أمي، انتي أمي وعلى راسي من فوق وخدمتك أشيلها في عيني أنا وإخواتي الرجالة.. لكن سعاد مش خدامة في البيت ده! سعاد مراتي.. وأنا اللي سكت زمان لما ظلمتوها، واستخسرت فيها الكلمة الطيبة والراحة لحد ما هنتوها قدامي.. بس لحد هنا وخلاص!.
لف أحمد لإخواته الرجالة وقالهم بصوت حاد
كل واحد فيكم ياخد مراته وينزل تحت.. المطبخ اللي معفن والحلل اللي وسخة كل واحدة فيهم تشمر وتغسل وتنضف مطرح ما طفحت هي وعيالها! سعاد من اللحظة دي مش هتعمل لقمة ولا كوباية شاي إلا لشقتها وعيالها وبس.. واللي مش عاجبه النظام ده، البيت كبير، وأنا أول واحد هاخد مراتي وعيالي وأسكن برة في شقة تليق بيها!.
الكلمات نزلت زي الصاعقة على دماغ سلفاتي، مروة عيطت من الكسوف ورانيا وشها بقى في الأرض من نظرات إخوات أحمد ليهم، والرجالة نفسهم حسوا بالخزي وجروا حريمهم ونزلوا تحت في صمت تام عشان يلموا الفضيحة.
أما حماتي.. وقفت تبصلي وتبص لابنها.. العكاز في إيدها كان بيتهز، وعرفت إن خلاص، المملكة اللي كانت بنياها على كتافي اتهدت، وإن زمام الأمور فلت من إيدها للأبد. بصتلي بكره وعجز، ودارت ضهرها ونزلت تجر في رجليها من غير ولا
كلمة.
أحمد قفل الباب وراهم بهدوء.. ولف وشه ليا.
كان وشه فيه اعتذار العالم كله، قرب مني ومسك إيدي الاتنين، وطى وباسهم بعين مدمعة وقال
حقك عليا يا سعاد.. مكنتش شايفك، ومكنتش مقدر النعمة اللي في إيدي.. سامحيني على كل يوم خليتك تحسي فيه إنك قليلة.. انتي ست البيت ده وست راسي.
بصيتله وسحبت إيدي براحة، وابتسمت ابتسامة هادية
السماح مش بالكلام يا أحمد.. السماح باللي جاي.. اللي فات مات، والست الغلبانة اللي كانت بتبكي في قعر المطبخ ماتت مع القميص ده الصبح.. من هنا ورايح، كرامتي وراحتي قصاد أي حاجة في الدنيا.
أحمد هز راسه باقتناع وقال أنا شاري.. شاري رضاكي وكرامتك قبل أي حاجة.
ومن الليلة دي.. البيت كله اتغير.
سلفاتي نزلوا المطبخ غصب عنهم يغسلوا ويطبخوا، واتقسمت عليهم أيام الأسبوع زي المسطرة، وبقوا يصحوا بدري وعينيهم مكسورة، وكل ما يقابلوني على السلم ينزلوا عينيهم في الأرض ميعرفوش يحطوا عينهم في عيني.
وحماتي؟ بقيت أنزل أزورها نص ساعة في اليوم، أقعد جنبها زي الهانم، أطمن على صحتها، وأشرب الشاي اللي سلفاتي عاملينه، وأقوم أطلع شقتي بكرامتي.
القميص الأحمر ده.. معلقتوش في الدولاب.. سيبته محطوط قدام مرايتي عشان كل يوم الصبح أفتكر.. إن الست هي اللي بتحدد قيمتها، وإن السكوت على الإهانة مش أصل وطيبة.. ده انتحار بطيء، وإن الحق لما بيتاخد بقوة وذكاء، بيجبر الكل إنه يوطي راسه احتراما ليكي!