خطيبي حكايات روماني مكرم ج 1
خطيبي ساكن قريب مني، وساعات بيكون نفسه في أكل معين زي فطير مشلتت أو محشي، ويقولي اعمليلي، وأنا عمرى ما قصّرت معاه، كنت بقوم أعمله اللي هو عايزه،
إمبارح كنت صايمة، وبعتله وقلتله نفسي في شاورما،
قال: “ما أخوكي موجود كنتي بعتيه، يوم ما تبقي في بيتي هبقى أجيبلك أنا”.
من ساعة ما اتخطبت لـسيف، وأنا حاسة إني داخلة على حياة مختلفة… حياة فيها اهتمام، وضحك، وحد يسمعني لما أتكلم حتى لو كلامي تافه.
كان ساكن في الشارع اللي ورانا، يعني بين بيتنا وبيته دقيقتين مشي، وده خلّى وجوده في حياتي شبه يومي.
كل يوم تقريبًا ألاقي رسالة منه:
“نفسي في محشي كرنب.”
“هو ينفع تعملي فطير مشلتت؟”
“بقولك إيه… نفسي في صينية بطاطس زي اللي عملتيها المرة اللي فاتت.”
وكنت… بغباء المحبين… أسيب أي حاجة في إيدي وأعمل اللي هو نفسه فيه.
حتى أمي كانت بتضحك وتقولي:
— “إنتِ اتخطبتي ولا فتحتي مطعم؟”
وأضحك وأقول:
— “حرام عليكي يا ماما، ده خاطري أفرحه.”
كان دايمًا ياخد الأكل ويقولي:
“أقسم بالله محدش هيعرف ياخد مكانك في قلبي.”
والكلمة دي كانت تكفيني.
حكايات رومانى مكرم
إمبارح كان اليوم الوحيد اللي حسيت فيه إن قلبي وقع مرة واحدة.
كنت صايمة طول اليوم، والدنيا حر، وراسي بتوجعني، وبصراحة نفسيتي كانت تعبانة.
وفي وسط التعب… نفسي فتحت على شاورما.
مسكت الموبايل وبعتله بهزار خفيف:
— “نفسي في شاورما أوي.”
استنيت منه يقول:
“خلاص هجيبلك.”
أو حتى:
“سلامتك يا حبيبتي.”
لكن رده نزل عليا كأنه تلج:
“ما أخوكي موجود، كنتي بعتيه. يوم ما تبقي في بيتي هبقى أجيبلك أنا.”
فضلت أبص للشاشة شوية…
وأعيد الجملة كذا مرة.
“يوم ما تبقي في بيتي.”
يعني إيه؟
يعني طول الفترة دي كلها أنا أعمل وأتعب وأجري عادي… لكن هو؟
مجرد سندوتش شاورما تقيلة؟
رديت بعدها بكلمة واحدة:
“تمام.”
ولأول مرة… ما بعتش بعدها ولا فتحت كلام.
بالليل، أمي دخلت عليا لقتني ساكتة بشكل غريب.
قالت وهي بتقعد جنبي:
— “مالك؟”
هززت كتفي:
— “مفيش.”
لكن أمي كانت حافظاني.
خدت الموبايل من إيدي وقعدت تقرأ الشات، وبعد دقيقة رفعت عينيها ليا وقالت بهدوء:
— “الراجل بيبان من دلوقتي يا بنتي.”
الكلمة خوفتني.
لأني لأول مرة… بدأت أراجع مواقف صغيرة كنت بعدّيها.
افتكرت إني مرة كنت تعبانة جدًا، وبرضه وقفت أعمله فطير عشان كان نفسه فيه.
وافتكرت إنه عمره ما سألني: “إنتِ محتاجة إيه؟”
دايمًا السؤال كان: “هتعملي إيه النهارده؟”
#الكاتب_رومانى_مكرم
نمت متضايقة، لكن اللي حصل تاني يوم هو اللي قلب كل حاجة فعلًا.وو
صحيت تاني يوم الصبح على صوت موبايلي وهو بيرن. كان سيف.
بصيت للشاشة وكأنها غريبة عليا، ولأول مرة محستش باللهفة اللي كانت بتخليني أرد من أول رنة. سبته يرن لحد ما فصل، وبعدها بعت رسالة:
“أنا صاحية بس بجهز حاجات في البيت، خير؟”
رد عليا بعد ربع ساعة وكأن مفيش أي حاجة حصلت:
“بقولك إيه، صحابي جايين يقعدوا معايا في الشقة النهارده، وأنا قولت مفيش حد هيظبط لنا القعدة غيرك.. ينفع تعملي لنا صينية بسبوسة وصينية جلاش باللحمة المفرومة؟ هعدي آخدهم منك على العصر.”
قرأت الرسالة ودموعي نزلت من القهر. مش عشان الطلب، عشان التوقيت وعشان الطريقة. الراجل ده بجد مش حاسس؟ مش فاكر الكلمة اللي قالها لي إمبارح وأنا صايمة وتعبانة؟
رديت عليه ببرود عمري ما جربته معاه قبل كده:
“لأ مش ينفع، تعبانة ومش هقدر أقف في المطبخ.”
مفيش دقيقتين ولقيته بيتصل، رديت.. وجاء صوته مستغرب ومش عاجبه:
— “تعبانة إزاي يعني؟ ما إنتِ طول عمرك بتعملي، وبعدين دول صحابي وأنا شكل بيبقى وحش قدامهم لو مجبتش حاجة بيتي من إيدك.”
مسكت نفسي بالعافية وقولتله:
— “وسنديوتش الشاورما بتاع إمبارح كان شكله هيبقى وحش قدام مين يا سيف؟”
سكت ثواني وبعدين ضحك باستهزاء:
— “هو إنتِ لسه زعلانة من التفاهة دي؟ يا بنتي أنا بكلمك في الأصول، إنتِ دلوقتي في بيت مامتك ومسؤولة من أهلك، لما تبقي في بيتي وتطلبي عيوني هجيبها لك، إنما دلوقتي ملوش لزمة اللف في الشوارع عشان سنديوتش، وبعدين ما أنا كمان بطلب منك وإنتِ في بيت أهلك وبتعملي عادي.”
الكلام صدم لدرجة إني ملقيتش رد أقوله. قفلت السكة في وشه وأنا حاسة إن الغشاوة بدأت تتشال من على عيني.
دخلت المطبخ لقيت أمي بتعمل قهوة، بصت لي وقالت:
— “سمعتك وأنتِ بتتكلمي.. ها، لسه شايفة إنه خاطر وبتفرحيه؟”
قعدت على الكرسي وحطيت راسي بين إيديا:
— “مش قادرة أفهم المنطق بتاعه يا ماما.. هو شايف إن من حقه يطلب ويؤمر عشان هو خطيبي، بس مش من حقي أتمنى عليه حاجة عشان أنا لسه في بيت أبويا؟”
أمي حطت فنجان القهوة قدامي وقالتلي بحكمة السنين:
— “المنطق بتاعه اسمه ‘أنانية وحب تملك’، الراجل اللي بيحب بجد يا بنتي بيستغل أي فرصة عشان يفرح حبيبته ويثبت لها إنه يشيلها في عيونه، مش بيتحجج بالأصول عشان يوفر تمن سنديوتش شاورما أو يكسل يمشيلك دقيقتين. ده واخدك خدمة دليفري وصيت قدام صحابه وأهله، بياخد ومبيعرفش يدي.”
نزلت كلام أمي في قلبي زي السكاكين، بس كان لازم أعترف إنها صح.
على العصر، لقيت الباب بيخبط. فتحت لقيت سيف واقف، مكنش باصص في عيني، كان بيبص ورايا على ترابيزة السفرة وكأنه بيدور على الصواني!
لما ملّقاش حاجة، كشر وقال:
— “إنتِ بتكلمي بجد؟ يعني معملتيش حاجة فعلاً؟”
وقفت بثبات وقولتله:
— “أيوة، قولتلك تعبانة.”
نزل حواجبه وبص لي بضيق:
— “تمام يا…، بس افتكريها، عشان يوم ما تبقي في بيتي وتطلبي حاجة، هبقى أقولك تعبان ومش قادر.”
التفت عشان يمشي، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت إن في جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. الجملة اللي قالها مخلتنيش أخاف من المستقبل معاه.. دي خلتني أخد القرار اللي كنت خايفة أواجه نفسي بيه.
ناديت عليه بصوت عالي وثابت:
— “سيف.. استنى عندك.”
لف وبص لي وهو رافع حاجبة وفاكر إني هعتذر له.
حكايات رومانى مكرم
سيف لف وبص لي وهو رافع حاجبه، وفي عينيه نظرة ثقة وكأنه متأكد إني هصالح وأعتذر، أو إني مجهزة الحاجة جوه وبأدبه.
قربت منه خطوتين وقولتله بمنتهى الهدوء:
— “ادخل يا سيف، عشان الكلام ده ماينفعش يتقال على السلم.”
دخل ووقَف في الصالة وهو مربع إيديه وملامحه كلها ضيق:
— “خير؟ لحقتي تغيري رأيك وتطلعي الصواني؟ أصل صحابي مستنيين على قفشة.”
في اللحظة دي، أمي طلعت من المطبخ، وقفت على جنب وهي بتبص لنا بنظرات كلها ترقب، كأنها مستنية تشوف بنتها هتعمل إيه بعد كل اللي اتعلمته.
بصيت في عينيه وقولت:
— “الصواني دي مش هتتعمل، لا النهارده ولا بعد كده.. والبيت اللي إنت عمال تذلني بيه وتقول ‘يوم ما تبقي في بيتي’، البيت ده مش هيتجمع فيه اسمي واسمك أبدًا.”
ملامحه اتمطت من الصدمة، وضحك ضحكة صفرا:
— “إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي يا بنتي؟ عشان حتة سنديوتش شاورما وساعتين تعب للمطبخ هتهدي خطوبتنا؟”
زعق بصوته كله وهو فاكر إنه بكده بيرهبني:
— “أنا راجل وبحافظ على قرشي، ومش هجري ورا دلع بنات، والكل عارف إني شاري وبجهز شقتي، إنما إنتِ اللي نكَدية وبتلككي!”
لقيت نفسي ببتسم.. ابتسامة برود وراحة عمري ما حسيتها معاه. وقولتله:
— “الموضوع عمره ما كان سنديوتش شاورما يا سيف، ولا كان صينية بسبوسة.. الموضوع إنك استخسرت فيا الكلمة الحلوة وجبر الخاطر وأنا صايمة وتعبانة، في نفس الوقت اللي بتستحل فيه تعبي ومجهودي وتطلبهم كأنه حق مكتسب ليك. إنت مش بتوفر قرشك، إنت بتستخسر فيا.. واللي يستخسر في خطيبته وهي في بيت أهلها، هيجوعها وهي في بيته.”
أمي اتدخلت في اللحظة دي وقالت بصوت قوي:
— “كلام البنت صح يا سيف.. الأصول اللي بتتكلم عنها بتقول إن الراجل بيبان كرمه وحنيته في فترة الخطوبة، وإنت مبيبانش منك غير الطلبات وبس. شيلتك لصحَابك على حساب تعب بنتي مش رجولة، وكسر خاطرها وهي صايمة مش أصول.”
سيف وشه احمر وعروقه ظهرت، حس إنه اتكشف، وبدل ما يعتذر، كبريائه عماه. بص لي وقال بغل:
— “ماشي.. إنتِ اللي اخترتي يا…، وأنا مابشتريش واحدة بتبيع بالساهل وبتسمع كلام أمها في خربان البيوت. الحاجات اللي جبتها هبعت أبويا وأخويا ياخدوها النهارده.”
رديت عليه بكلمة واحدة هزت ثقته في نفسه:
— “حاجتك كلها هتجيلك لحد باب بيتك في كرتونة، من أول الدبلة لحد أكياس الشيبسي اللي كنت بتجيبها وأنت داخل.. مش مستنيين حد يجي ياخدها.”
بص لي بذهول، كأنه مكنش متوقع إن البنت اللي كانت بتسيب كل حاجة في إيدها عشان ترضيه، تقدر تبيعه في لحظة بالبساطة دي.
لف وضهره مشحون بالغضب، ورزع الباب وراه بكل قوته لدرجة إن البيت كله اتهز.
أمي قربت مني، خدتني في حضنها وطبطبت على كتفي.. لأول مرة من فترة طويلة، مكنتش حاسة بالخوف، كنت حاسة إني اتنفست، كأن الهوا رجع يدخل صدري من تاني بعد ما كان مكتوم.
البيت هدي تماماً، وبدأنا أنا وأمي نجمع كل حاجة تخصه في كراتين عشان نقفل الصفحة دي نهائي. لكن وأنا بقفل آخر كرتونة، مكنتش أعرف إن سيف مش من النوع اللي بيقبل الهزيمة بالسهولة دي، وإن اللي هيعمله بالليل هيخلي الحكاية تاخد طريق تاني خالص.
#الكاتب_رومانى_مكرم

