ورثت 250 مليون جنيه . بس قبل ما أقول لجوزي،

ورثت 250 مليون جنيه . بس قبل ما أقول لجوزي،

كاتب العدل خلاني اتجمد في مكاني: “يا مدام، حسب السجلات، إنتِ مطلقة من شهرين…”

— “يا مدام ندى… السيستم بيقول إنك مطلقة من شهرين.”

ندى عز الدين ما رمشتش حتى.

كان المطر بيخبط في شبابيك مكتب الشهر العقاري في التجمع، والعربيات بره ماشية ببطء على الطريق الدائري. كانت لابسة فستان أسود بسيط ونضارة شمس، وقلبها لسه مكسور على وفاة أبوها، الحاج عزت عز الدين، رجل الأعمال اللي بنى إمبراطوريته من الصفر في مدينة العبور.

الصبح ده، ندى راحت عشان تسمع قراءة الوصية. كانت فاكرة إنها مجرد إجراءات روتينية، هتاخد حضن مواساة من المحامي وترجع مكتب “نيكسا داتا”، شركة التكنولوجيا اللي أسستها هي وجوزها، هشام السعدني.

لكن كاتب العدل قال جملة مش ممكن تكون حقيقية.

— “مطلقة؟” سألت بصوت مخنوق. “أنا عايشة مع جوزي!”

الأستاذة فريدة، محامية أبوها الموثوقة، بصت لها بقلق. كاتب العدل لف الشاشة ناحيتها.

— “الطلاق بالتراضي موجود هنا. الاتفاق اتوقع، والحكم اتنفذ. من شهرين بالظبط.”

ندى حست إن الهوا اتحبس في صدرها.

في نفس الصبح، هشام كان باعت لها رسالة:

“ما تنسيش الجاكيت، الجو هيمطر جامد. بحبك.”

الراجل اللي بيخاف عليها من المطر… هو نفسه اللي مسحها من حياته قانونياً.

كاتب العدل طبع الملف. كان فيه كل حاجة: طلب الطلاق، التنازل عن حقوق معينة، اتفاق تقسيم الأصول، وعنوان الإخطارات اللي اتبعت لمقر الشركة في القرية الذكية.

وفي الآخر… توقيعها.

ما كانتش مزورة. كان إمضاها الحقيقية.

افتكرت ندى بعد الظهر يوم ما كان أبوها في العناية المركزة. هشام دخل عليها بملف كبير.

“دي أوراق عاجلة عشان جولة الاستثمار، امضي هنا يا حبيبتي. لو ما سلمناش الأوراق دي النهاردة، المشروع كله هيقع.”

سألته: “لازم أقرأ كل ده؟”

باس دماغها وقال لها: “إنتِ فاكرة بجد إني ممكن أأذيكي؟”

ومضت.

مضت بثقة. مضت وهي أبوها بيموت.

الأستاذة فريدة قفلت الملف بالراحة وقالت:

“ندى، اسمعيني كويس. والدك ساب لك 250 مليون جنيه أصول وأسهم وعقارات. بس حط بند: كل حاجة ملكك لوحدك، بعيد تماماً عن أي ذمة مالية مشتركة. وبما إنك مطلقة قانونياً، هشام ما يقدرش يلمس مليم واحد.”

ندى بصت للأرض. أبوها، حتى وهو ميت، كان لسه بيحميها.

ما عيطتش. ما صرختش. حطت الورق في الشنطة وخرجت من المكتب تحت المطر.

في موقف العربيات، اتصلت بـ “عصام”، صديق قديم شغال في مباحث الأموال العامة.

قالت له: “عايزاك تراقب لي جوزي.”

عصام بعت لها صورة تاني يوم.

هشام ما كانش في إسكندرية زي ما قال لها. كان داخل عمارة فخمة في التجمع، حاضن “سارة”، واحدة شابة ندى كانت ساعدتها من سنين لما كانت بتعيط وبتقول إن أمها مديونة ومحتاجة فلوس.

ومشيت جنبهم طفل عنده 3 سنين.

الطفل رفع إيده، وهشام شاله.

قرأت حركة شفايفه وهو بيقول: “بابا.”

ندى حست إن الدنيا بتتهد فوق دماغها.

الطفل ده! ده اللي كانت بتلف عشانه على دكاترة الخصوبة، وبتاخد حقن هرمونات، وبتسمع حماتها في كل عزومة وهي بتقول:

— “الست اللي ما بتخلفش، بيتها ناقص.”

لكن الضربة القاضية جت بعد ليلتين.

ندى فتحت باب بيتها في “كومباوند” راقي، ولقيت شنطة أطفال زرقاء عند المدخل. في الصالون، الطفل كان بيلعب بديناصور، وهشام كان بيأكله عصير.

سارة طلعت من المطبخ وهي لابسة “طرحة” غالية كانت ندى بتحبها جداً، ومحدش غير أبوها كان جايبها لها هدية.

— “معلش جيت من غير ما أقولك،” قالت سارة وهي بتبتسم. “هشام قال إننا ممكن نقعد هنا كام يوم.”

وفجأة، دخلت “الطنط إلهام”، حماتها، وهي شايلة شنط السوبر ماركت.

جريت على الولد وباسته وهي بتزعق بفرحة:

— “يا حبيب تيتا! أخيراً السعدني الحقيقي دخل البيت ده.”

ندى بصت لهشام.

#حكايات_علي_ابوالدهب

ما نزلش عينه.

وفي السكوت ده، ندى فهمت إن الكل كان عارف… إلا هي.

وما كانتش مصدقة إنهم ناويين يعملوا كل ده… وهي لسه جوه بيتها! هذه مجرد البداية… الجزء التالي سيب لايك و كومنت بـ “تم” وصلي على النبي والباقي بعد قليل🔥ندى ما اتحركتش.

بس إيدها اللي ماسكة شنطة مفاتيح البيت كانت بتترعش لأول مرة من ساعة ما دخلت حياتها كلها دوامة الانهيار ده.

هشام قام من على الكنبة ببطء، كأنه كان مستني اللحظة دي من زمان.

— “إنتِ رجعتي بدري النهارده…” قالها بهدوء غريب، كأنه بيتكلم عن يوم عادي مش عن كارثة.

ندى بصّت له، وبصّت للطفل اللي بيضحك وهو بيرش العصير على الأرض، وبصّت لسارة اللي واقفة في نص الصالة كأنها صاحبة البيت، وبصّت لحماتها اللي حضنت الولد كأنه كنز.

وبعدين قالت بصوت منخفض جدًا: — “البيت ده… بيتي.”

سارة ابتسمت ابتسامة خفيفة: — “أكيد يا ندى، إحنا بس هنقعد كام يوم لحد ما نرتب أمورنا.”

هنا ندى ضحكت… ضحكة قصيرة، مفيهاش أي فرح. ضحكة واحدة بس كفاية تخلي الجو كله يتجمد.

— “ترتبوا أموركم في بيتي؟”

هشام قرب خطوة: — “مش وقت كلام دلوقتي. إحنا محتاجين نهدى ونفهم بعض…”

قاطعتُه: — “تفهمني؟” ورفعت عينيها عليه لأول مرة بنظرة مختلفة تمامًا. مش زعل… ولا صدمة… دي كانت يقين.

— “إنت طلقتني، صح؟”

سكت ثانية. ثانيتين. وبعدين قال: — “كان لازم يحصل.”

الكلمة وقعت زي حجر في صمت الغرفة.

ندى حست إن حاجة جواها بتتقفل للأبد.

سارة حطت إيدها على كتف هشام: — “قولها الحقيقة يا هشام… بلاش نلف.”

في اللحظة دي، حماتها اتدخلت: — “البنت لازم تفهم إن العيلة أهم… وإحنا عملنا الصح.”

ندى بصّت لها ببطء: — “عيلة؟”

وبصّت للطفل اللي بيجري في الصالة: — “وده ابنك؟”

هشام ما ردش.

السكوت كان الرد.

ندى سابت المفاتيح على الطرابيزة، الصوت كان واضح بشكل مؤلم. “تك”

وقالت بهدوء أخطر من الصراخ: — “إنتوا خططتوا لكل حاجة… وأنا كنت الورقة اللي بتتقص وتتترمي؟”

هشام فتح بقه يتكلم، لكن مخرجش صوت.

وفي اللحظة دي، موبايل ندى رن.

اسم “عصام” ظهر على الشاشة.

ردت فورًا: — “قولّي كل حاجة عندك.”

صوته كان سريع: — “ندى… الموضوع أكبر من خيانة. في تحويلات فلوس كبيرة حصلت باسمك من حسابات الشركة. وفي بلاغات جاية في الطريق… اسمك داخل في قض*ية غسيل أموال.”

سكتت لحظة.

وبصّت لهشام.

كأن كل الصورة اكتملت فجأة.

— “إنت مش بس خنتني…” قالتها بهدوء مرعب: — “إنت لبّستني ج*ريمة.”

هشام لأول مرة صوته علي: — “إنتِ فاهمة غلط!”

لكن ندى كانت خلاص خرجت من مرحلة الفهم.

كانت دخلت مرحلة الحساب.

بصّت للكل في الصالة وقالت: — “البيت ده مش هيفضل مفتوح ليكم كتير.”

وبدون ما تزود كلمة، فتحت الباب وخرجت.

والمطر بره كان لسه بينزل… بس المرة دي، هي ما كانتش بتختبئ منه.

هي كانت داخلة عليه.المطر كان تقيل، بس ندى مشيت فيه من غير ما تبص وراها.

كل خطوة كانت بتبعدها عن البيت… وبتقربها لحاجة تانية جواها كانت بتتكوّن: برود مش طبيعي.

عصام كلمها تاني بعد دقايق: — “إنتِ فين؟ الوضع خطر. في ناس بدأت تتحرك حوالين اسمك في النيابة.”

— “أنا خارجة من البيت.”

— “ما ترجعيش ليه. ولا تقربي منه. هشام داخل في شبكة أكبر من اللي إنتِ فاكرة.”

قفلت المكالمة.

ولأول مرة، ندى ما كانتش بتعيط.

ركبت العربية وساقت من غير هدف واضح، لحد ما وقفت قدام مبنى قديم في شارع جانبي في التجمع. مكان ما كانتش رايحاه بسنين.

مكتب والدها القديم.

المبنى كان ساكت، كأنه مستنيها.

طلعت السلم، وكل درجة كانت بتفتح باب في ذاكرتها: أبوها وهو بيشرح لها معنى “الثقة” أبوها وهو بيقول: “مش كل توقيع بيتكتب بالحبر… في توقيعات بتتكتب بالثمن اللي بندفعه.”

فتحت باب المكتب.

ريحة الورق القديم كانت لسه موجودة.

قعدت على كرسيه.

وبصت للملف اللي جابته من الشهر العقاري.

فتحت الورق تاني.

وقتها لاحظت حاجة ماخدتش بالها منها قبل كده…

في نسخة الطلاق، في خانة صغيرة تحت التوقيع، كان فيه رمز صغير جدًا، شبه ختم إلكتروني.

رمز مش بتاع المحكمة.

رمز شركة.

شركة اسمها: “نيكسا داتا”.

قلبها اتقبض.

يعني الموضوع ماكنش بس خيانة زوج… ده كان اختراق نظام كامل باسم شركتها هي.

الموبايل رن تاني.

رقم مجهول.

ردت.

صوت راجل غريب قال بهدوء: — “آنسة ندى… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، ماتثقيش في عصام.”

سكتت.

— “إحنا نقدر نثبتلك إن هشام مش اللاعب الوحيد… هو مجرد واجهة.”

ندى قامت من مكانها فجأة: — “إنت مين؟”

الصوت ابتسم من غير صوت واضح: — “أنا اللي أبوكي كان بيشتغل معاه… قبل ما يموت بأسبوع.”

الصمت ساد.

وبعدين أضاف: — “وأبوكي ما ماتش صدفة.”

المكالمة اتقفلت.

المكتب كله بقى أضيق من الهوا.

ندى بصّت لكرسي أبوها الفاضي، وهمست: — “يبقى كده اللعب بدأ من بدري قوي…”

وقامت.

مسحت المطر من وشها، وفتحت اللابتوب القديم اللي كان لسه في الدرج.

أول ما اشتغل، ظهر فولدر مقفول بكلمة سر.

اسم الفولدر: “لو حصلك حاجة يا ندى”

إيدها وقفت فوق الكيبورد.

وبعدين كتبت اسمها… زي ما أبوها كان دايمًا بيناديها بيه وهو بيضحك.

فتح الفولدر.

وفي اللحظة دي… الشاشة نورت على ملف واحد بس.

عنوانه كان:

“الحقيقة اللي اتدفنت مع عزت عز الدين.”

وندى همست: — “يبقى كده… أنا مش بس مطلقة.”

وسكتت ثانية…

— “أنا الهدف الجاي.”شاشة اللابتوب نورت أكتر، كأنها بتتنفس.

الملف الوحيد اللي اتفتح كان فيديو قديم، مش واضح، إضاءة خافتة، وصوت أبوها عزت عز الدين جاي متقطع.

ندى قربت ببطء.

الصوت قال: — “لو إنتِ شايفة الفيديو ده… يبقى أنا ماعدتش موجود.”

قلبها وقع، بس عينيها ما طرفتش.

كمال الصوت: — “هشام مش بس شريك… هو جزء من ترتيب كبير. وفي ناس فوقه. أنا حاولت أخرج، فبدأوا يقفلوا عليا كل الطرق.”

الفيديو اهتز، كأن حد كان مستعجل.

وبعدين جملة خلت جسمها يتجمد: — “اللي في إيدك مش ميراث بس… ده مفتاح شبكة كاملة… اسمها…”

الصوت انقطع فجأة.

والشاشة سوّدت.

ندى ضربت الكيبورد: — “لا… لا… كمّل!”

بس مفيش حاجة رجعت.

غير ملف صغير ظهر لوحده على سطح المكتب.

اسمه: “RUN”

ضغطة واحدة كانت كفيلة تقلب كل حاجة.

فتح ملف فيه أكواد، تحويلات مالية، وأسماء شركات في دول مختلفة… وأول اسم كان بيتكرر بشكل مرعب:

“نيكسا داتا”

لكن جنبها أسماء تانية أكبر… شركات استثمار، بنوك وسيطة، وواجهة سياسية ما تتشافش بسهولة.

وفجأة ظهر إشعار أمني على الشاشة: “تم رصد دخول غير مصرح به… سيتم تتبع الجهاز”

ندى قامت بسرعة.

الموبايل رن.

عصام.

ردت من غير تفكير: — “اتتبعوني.”

صوته كان متوتر: — “اقفلي الجهاز حالًا! حد فتح الملف ده بيشوفك دلوقتي!”

قبل ما تكمل، سمعت صوت خبط قوي على باب المكتب.

مرة.

اتنين.

تلاتة.

صوت رجالة.

— “افتحي يا آنسة ندى… النيابة!”

ندى بصّت للشاشة.

وبصّت للباب.

وبصّت لكرسي أبوها.

وفي ثانية واحدة قررت.

شالت الهارد القديم من الجهاز، حطته في شنطتها، وطفت اللابتوب.

وبدون ما ترد، راحت لوشباك المكتب الخلفي.

الصوت من برّه بيعلى: — “إحنا عارفين إنك جوا!”

قفزت.

وقعت على الأرض في الزقاق الخلفي، واتعورت في إيدها، بس ما وقفتش.

جريت في المطر تاني.

المرة دي مش هروب…

دي بداية مطاردة.

وموبايلها رن رسالة واحدة من رقم مجهول:

“لو عايزة تعيشي… ما ترجعيش لأي حد إنتِ واثقة فيه.”

رفعت عينيها للشارع الفاضي، وهمست: — “يبقى مفيش حد أثق فيه خلاص.”

وكملت جري.الشارع كان شبه فاضي، والمطر بيغسل أي أثر لخطواتها وراها… أو هكذا كانت فاكرة.

لكن صوت خطوات خفيفة بدأ يلحقها.

مش جري… تتبع.

ندى زودت سرعتها لحد ما دخلت شارع جانبي ضيق بين عمارتين قدامهم قيد الإنشاء. وقفت ورا حاوية قمامة كبيرة، بتحاول تاخد نفسها بصعوبة.

الموبايل اهتز في إيدها.

رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول: “متحركيش… إحنا مش عايزين نأذيكي.”

ضحكت ضحكة قصيرة، مريرة: — “أهو ده بالظبط اللي بيخوف أكتر.”

في اللحظة دي، نور عربيه وقف عند أول الشارع.

مش شرطة.

عربية سوداء زجاجها معتم.

الباب فتح ببطء.

ونزل منه واحد لابس جاكيت غامق، وشه مش باين كويس.

صوته جه هادي: — “ندى عز الدين؟”

ما ردتش.

— “أنا مش جاي أؤذيكي. أنا جاي أحميكي… من اللي جاي وراكي.”

ندى مسكت شنطتها أكتر: — “كلهم بيقولوا كده.”

الراجل خد خطوة لقدام: — “هشام باعك من بدري. واللي في نيكسا مش بس غسيل أموال… ده ملف دولي. وإنتِ المفتاح الوحيد اللي بيكمل الصورة.”

سكت لحظة وبعدين كمل: — “وأبوكِ كان عارف إن اليوم ده هييجي.”

اسم أبوها لما اتقال، حاجة جواها اتكسرت واتشدّت في نفس الوقت.

— “إنت مين؟”

— “اسمي مش مهم دلوقتي. المهم إنك لو فضلتي لوحدك… مش هتكملّي 24 ساعة الجاية.”

قبل ما ترد، سمعوا صوت فرامل قوية في آخر الشارع.

عربية تانية.

ثم تانية.

والشارع اللي كان فاضي… بقى محاصر.

الراجل شدّ نفس: — “اتأخرنا.”

ندى بصّت حواليها: قدامها واحد غريب… ووراها ناس واضح إنهم مش جايين يتكلموا.

الموبايل رن تاني.

رسالة جديدة: “اختاري بسرعة… اللي قدامك ولا اللي وراكي.”

ندى بصّت للراجل، وبصّت للعربيات اللي بتقفل عليهم الدائرة.

وبهدوء غريب قالت: — “أنا بطلت أختار من زمان… دلوقتي أنا اللي هفرض اللعبة.”

وفي ثانية واحدة، جريت نحية العربية السودا.

فتحت الباب وركبت.

وقبل ما يقفلوا عليها، قالت للراجل: — “لو فعلاً عايز تحميني… وريني الحقيقة كلها.”

والموتور اشتغل.

والعربية طارت في المطر، وسط صراخ الإطارات وفتحة مطاردة جديدة… لكن المرة دي ندى مش هاربة.

ندى بدأت تفهم إن كل خطوة جاية مش هتكون نجاة… هتكون كشف طبقة جديدة من الخيانة.

والراجل جنبها قال بهدوء: — “اللي جاي أكبر من هشام… وإنتِ دلوقتي داخلة على مرحلة مفيهاش رجوع.”

ندى بصّت قدامها: — “كويس… أنا أصلاً ما بقاش عندي حاجة أرجع لها.”العربية كانت بتشق المطر على الطريق الدائري بسرعة أعلى من الطبيعي، كأنها بتجري من مصير مش طريق.

ندى مسكت المقعد بإيدها المصابة، وصوت نفسها كان لسه متقطع.

الراجل اللي جنبها ما كانش بيبص لها… كان مركز قدامه كأنه بيحسب كل عربية ماشية وكل حركة حواليهم.

بعد دقيقة صمت، قال: — “أنا اسمي سامي. واشتغلت سنين في ملفات شبه اللي معاكِ… بس أول مرة أشوف حد بيتسحب لجوا الموضوع بالشكل ده.”

ندى بصّت له بطرف عينها: — “إنتوا اللي دخلتوني.”

سامي هز راسه: — “لا… إنتِ كنتِ جواه من زمان، بس ماكنتيش شايفة.”

سكت لحظة وبعدين كمل: — “أبوكِ ما كانش بيبني شركة بس… كان بيبني نظام حماية لبيانات مالية دولية. ولما قرر يوقف المشروع، اتقلب عليه.”

اسم أبوها تاني رجّع نفس الوجع… بس المرة دي اتخلط بحاجة أخطر: غضب.

العربية فجأة خدت منعطف حاد ودخلت طريق جانبي مهجور.

ندى: — “إحنا رايحين فين؟”

سامي: — “مكان محدش يقدر يوصلك منه بسهولة. بس في حاجة لازم تشوفيها الأول.”

بعد شوية، وقفوا قدام مخزن قديم شبه مهجور.

من بره مفيش أي حاجة تدل إنه شغال… لكن الباب كان عليه قفل إلكتروني حديث جدًا.

سامي فتحه.

الداخل كان عكس المتوقع: شاشات، سيرفرات، وأجهزة مراقبة.

ندى وقفت مكانها: — “إيه المكان ده؟”

سامي بص لها: — “ده جزء من اللي أبوكي كان شغال عليه… وفضل مخبيه عن الكل.”

على الشاشة الكبيرة، ملف جديد اتفتح تلقائيًا أول ما دخلت.

اسم الملف: “Project N.A.D.A”

ندى اتجمدت: — “اسمي؟”

سامي: — “مش بس اسمك… ده مشروع كان أبوكي بيجهزك إنتِ بالذات تبقي جزء منه من وإنتِ صغيرة.”

قبل ما تستوعب، الشاشة عرضت تسجيل قديم.

أبوها كان واقف قدام كاميرا، لكن المرة دي شكله مختلف… مش رجل أعمال عادي، لكن حد عارف إنه داخل على حرب.

صوته قال: — “لو إنتِ شايفة الفيديو ده… يبقى النظام اتقلب. وندى… إنتِ مش ضحية.”

ندى خطوة لقدام: — “أنا إيه؟”

سامي بص لها وقال بصوت هادي: — “إنتِ النسخة الاحتياطية.”

وفجأة كل الشاشات في المكان نورت مع بعض.

وظهر تنبيه أحمر: “تم تفعيل الارتباط… تم رصد الموقع…”

سامي بص بسرعة: — “هم وصلوا.”

ندى بصّت حواليها: — “مين هم؟”

لكن قبل ما يرد…

النور كله في المكان فصل.

وصوت باب حديدي اتقفل من بره بقوة.

الظلام ساد.

وفي هدوء مرعب، صوت مجهول من مكبرات الصوت قال: — “أهلًا يا ندى… أخيرًا رجعتي لنقطة البداية.”

ندى بصت في العتمة، وهمست: — “يبقى كده… أبويا كان بيلعب لعبة أكبر من اللي كنت فاكرة.”

والصوت رد: — “وأنتِ دلوقتي اللاعب الأساسي.”

والستار اتقفل على أول مواجهة حقيقية.الظلام في المخزن ماكانش صمت عادي… كان صمت “مراقَب”.

ندى وقفت ثابتة، لكن عقلها كان بيشتغل بسرعة غير طبيعية. إيدها اتحركت تلقائيًا تلمس الحيطة وراها، تدور على أي مخرج أو زر أو حتى فتحة تهوية.

سامي همس من ناحية الشاشات: — “ما تتحركيش كتير… المكان متسجل حركة. أي خطوة غلط هتفضحنا.”

ندى: — “إحنا متحاصرين هنا؟”

قبل ما يرد، نور أحمر خفيف اشتغل في السقف، وبدأ يرسم شكل المخزن زي شبكة.

وصوت المكبر رجع تاني: — “مش محتاجين تتحركوا… إحنا شايفينكم من البداية.”

ندى شدّت على سنانها: — “إنتوا مين بالظبط؟!”

الصوت رد بهدوء مرعب: — “إحنا اللي أبوكي حاول يخرج من عندهم.”

سامي اتنهد: — “بقى كده… المستوى ده.”

ندى بصّت له: — “تتكلم واضح.”

سامي قرب منها خطوة، وصوته بقى أخفض: — “اللي فوق نيكسا… مش شركة. ده تحالف مالي بيغسل ويحرّك اقتصاد دول كاملة. أبوكي كان ماسك مفتاح يفك المنظومة… ولما قرر يسجله باسمك، بقى لازم يختفي.”

ندى حست إن الأرض بتسحبها: — “يعني هو… اتق*تل؟”

سامي سكت ثانية طويلة… وده كان الرد.

فجأة، شاشة جانبية نورت لوحدها.

وظهر فيديو مباشر.

هشام.

قاعد في مكتب فخم، بس شكله متوتر لأول مرة. بيبص حواليه كأنه بيتكلم مع حد مش ظاهر.

وقال: — “أنا عملت اللي طلبتوه… ندى دخلت اللعبة. دلوقتي سيبوها بعيد عني.”

ندى اتجمدت.

سامي بص لها بسرعة: — “هو لسه بيشتغل معاهم…”

هشام كمل في الفيديو: — “أنا خلصت دوري.”

وفجأة صوت من خارج الكاميرا: — “الدور ما بيخلصش لما إنت تقول… الدور بيخلص لما إحنا نقرر.”

وبعدين الشاشة اهتزت… وانقطع البث.

ندى بصّت لسامي: — “يبقى هو كان بيبيعني من الأول؟”

سامي: — “كان بيحاول يطلع نفسه بأقل خسائر… وإنتِ كنتِ الوسيلة.”

سكت لحظة وبعدين أضاف: — “بس في حاجة أبوكي ما قالهاش كاملة.”

قبل ما تكمل السؤال، الأرض تحتهم اهتزت خفيف.

أصوات خطوات بره المخزن.

قريبة.

سامي شدّ جهاز صغير من جيبه وضغط زر: — “في ممر خلفي. بس مش مضمون.”

ندى: — “كل حاجة بقت مش مضمونة.”

سامي فتح باب معدني صغير في الأرض.

وقال: — “انزلي الأول.”

ندى بصّت ناحية الباب الحديدي اللي بيخبط بره… وبعدين بصّت للممر الضيق اللي تحت الأرض.

وفي لحظة قرار واحدة، نزلت.

سامي نزل وراها بسرعة، وقفل الباب.

وهم ماشيين في النفق المظلم، الصوت فوقهم بدأ يزيد.

حد بيكسر الباب.

ندى بتهمس: — “أنا داخلة في إيه بالظبط؟”

سامي بص قدامه وقال: — “في مرحلة ما بعد الخيانة… مرحلة مفيهاش رجوع لحد ما الحقيقة تخلصك أو تخلصك هي.”

وفجأة، النفق انتهى عند باب حديد تاني.

عليه رقم واحد محفور:

“0”

سامي وقف قدامه وقال: — “لو ده اتفتح… مفيش حاجة هتفضل زي ما هي.”

ندى مدت إيدها للباب.

وهمست: — “أنا أصلًا ما بقاش عندي حاجة زي ما هي.”

وضغطت.الباب الحديد اتفتح بصوت تقيل، كأنه بيطلع نفس من جوه الأرض نفسها.

ورا الباب… مكان مختلف تمامًا.

مش نفق… ده كان قاعة واسعة تحت الأرض، إضاءة بيضا باردة، وشاشات حوالين المكان بتعرض بيانات لا نهائية: أرقام، تحويلات، خرائط، وأسماء دول ومؤسسات.

ندى وقفت لحظة مصدومة: — “إحنا فين؟”

سامي بص حواليه بقلق: — “ده مش مجرد مخزن… ده مركز تشغيل.”

فجأة كل الشاشات اشتغلت مرة واحدة.

وظهر نفس الصوت المجهول تاني، لكن المرة دي أوضح، أقرب كأنه جوه المكان نفسه: — “أهلًا بيكي يا ندى… باب 0 اتفتح أخيرًا.”

ندى رفعت صوتها: — “إنت عايز مني إيه؟!”

الصوت رد: — “مش إحنا اللي عايزينك… أبوكي هو اللي اختارك.”

اسم أبوها رجّع نفس الوجع… بس المرة دي اتبدّل بشيء أخطر: فضول وغضب.

سامي همس: — “ما ترديش عليه… ده نظام صوتي تفاعلي، بيستفزك عشان تدي رد فعل.”

لكن ندى ما سمعتش التحذير: — “أبويا مات!”

سكت لحظة.

وبعدين الشاشة الكبيرة قدامها نورت.

وظهر ملف فيديو جديد.

أبوها تاني.

بس المرة دي كان قاعد في نفس المكان تقريبًا اللي هي فيه.

وقال: — “لو وصلتي هنا، يبقى فشلنا نوقفهم قبل ما يوصلوا لك.”

ندى قربت خطوة: — “إنت عايش؟”

الصوت في الفيديو كمل: — “مش مهم أنا عايش ولا لأ… المهم إنك فهمتي إن كل حاجة حواليكي كانت جزء من تدريبك.”

سامي بص لها بصدمة: — “تدريب؟”

الفيديو كمل: — “ندى… إنتِ ما اتربتيش على حياة طبيعية زي ما كنتي فاكرة. كل اختبار، كل خيانة، كل فقد… كان بيبني فيكي حاجة واحدة.”

الصوت سكت ثانية.

وبعدين قال الجملة اللي خلت المكان كله يسكت: — “بيجهزك تبقي القائدة الجديدة للنظام.”

الضوء في القاعة خف فجأة.

وكل الشاشات عرضت اسم واحد كبير في النص:

N.A.D.A CORE ACTIVATED

ندى رجعت خطوة لورا: — “لا… أنا مش جزء من ده.”

لكن الصوت رد بسرعة: — “دلوقتي خلاص… النظام شافك.”

فجأة الأرض تحتها اهتزت.

أبواب جانبية بدأت تفتح واحدة واحدة.

سامي: — “اتحركي! ده تفعيل أمني… المكان بيقفل علينا!”

لكن ندى كانت واقفة مكانها، عينيها على شاشة أبوها.

وبصوت منخفض جدًا قالت: — “يبقى هو ما ماتش علشان يحمي فلوسي… هو مات علشان يسيبني أنا بدل منه.”

سامي شدها من دراعها: — “مش وقت فهم… وقت هروب!”

لكن قبل ما يتحركوا، كل الأبواب اتقفلت فجأة.

وصوت النظام قال: — “مرحبًا بعودتك يا ندى… الآن تم إغلاق المرحلة الأولى.”

والإضاءة كلها اتحولت للأحمر.

وفي منتصف القاعة، كرسي كبير طلع من الأرض ببطء… كأنه مستني حد يقعد عليه من سنين.

ندى بصّت له…

وبهدوء مرعب قالت: — “أنا مش هقعد مكان حد… أنا هكسر المكان كله.”

وخطت خطوة لقدام.الأحمر اللي في الإضاءة كان بيزيد كأنه بيمتص النفس من المكان.

الكرسي اللي طلع من الأرض وقف في النص، ثابت… كأنه بيمارس ضغط صامت على كل اللي حواليه.

سامي شد ندى تاني: — “ما تقربيش… ده مش كرسي عادي، ده نقطة تحكم.”

لكن ندى سابت إيده.

مشت خطوة… ثم خطوة تانية.

كل خطوة كانت بتخلي الشاشات حواليها تشتغل أسرع، كأن النظام بيحاول يقرأ قرارها قبل ما تاخده.

الصوت رجع تاني، بس المرة دي فيه نبرة مختلفة… أقل سيطرة، أكتر توتر: — “ندى… ما تكمليش. الاختيار ده مش معمول لك.”

ندى وقفت قدام الكرسي: — “كل حياتي كانت اختيارات معمولة لي… حد يقرر عني… حد يكتب اسمي… حد يمسحني…”

سكتت لحظة، وبصّت للسقف كأنها بتكلم حاجة أكبر: — “بس كفاية.”

سامي بص حواليه: — “لو قعدتي هنا، النظام هيبدأ يربطك بكل حاجة… حسابات، شركات، صلاحيات… حتى قرارات سياسية.”

ندى: — “وإيه الجديد؟ أنا أصلًا اتحطيت جوه لعبة من غير ما أوافق.”

فجأة الشاشة الرئيسية نورت بصورة أبوها.

لكن المرة دي… مكنش بيكلم.

كان بيبص لها بس.

ونظراته فيها حاجة مش مفهومة: خوف؟ ولا تحذير؟ ولا وداع؟

الصوت ظهر تاني: — “آخر فرصة يا ندى… اقفلي النظام وسيبيه ينهار… أو تكمليه مكانه.”

سامي صرخ: — “ده فخ! لو كملتي هتبقي هدفهم الأساسي للأبد!”

لكن ندى ما بصتش له.

كانت بتبص لكرسي التحكم.

وقالت بهدوء: — “أبويا دخلني اللعبة دي غصب عني… بس هو ساب لي حاجة واحدة صح.”

سكتت.

وبعدين قالت الجملة اللي خلت المكان كله يهدأ لحظة: — “إن أنا مش سهلة التحكم.”

وفي لحظة واحدة، قعدت على الكرسي.

القاعة كلها سكتت.

الشاشات توقفت نصف ثانية… وبعدين انفجرت بيانات في كل اتجاه.

إنذار أحمر ضخم: “HOST LINK ESTABLISHED”

سامي: — “يا ندى… إنتِ كده ربطتي نفسك بالنظام!”

لكن ندى رفعت إيدها على الطاولة قدامها… ولمست شاشة صغيرة كانت بتظهر أسماء ما لا نهاية.

وفجأة همست: — “تمام… خلونا نشوف مين بيحرك مين بقى.”

والشاشات كلها اتغيرت مرة واحدة.

مش بيانات نيكسا…

لكن ملفات أشخاص أعلى بكثير.

أسماء سياسية، بنوك عالمية، وشبكات ما كانتش ظاهرة قبل كده.

سامي اتجمد: — “إنتِ فتحتي المستوى الأعلى…”

وفي اللحظة دي، صوت جديد ظهر… مش صوت النظام.

صوت أنثوي هادي: — “مرحبًا يا ندى… أخيرًا وصلتي ليا.”

ندى اتنفضت: — “مين إنتِ؟”

الصوت: — “أنا اللي كنت بدير أبوكي… وبعدين قررت أسيبه يموت.”

القاعة كلها غمقت.

وسامي همس: — “دي… مش لعبة نيكسا… دي اللي فوقها.”

ندى بصّت قدامها، عينيها اتحولت لحدة جديدة تمامًا: — “يبقى كده… أنا لسه ما بدأتش أصلًا.”

والشاشات بدأت تفتح ملف جديد باسم:

PHASE TWO: QUEEN PROTOCOL

والنظام… بدأ يعيد تشكيل نفسه حواليها.القاعة اهتزّت كأنها اتولدت من جديد مش مجرد إعادة تشغيل.

شاشات “PHASE TWO: QUEEN PROTOCOL” بدأت تلمع بنبض بطيء، كأنه قلب إلكتروني بيجرب يشتغل لأول مرة.

ندى وهي قاعدة على الكرسي حسّت بحاجة غريبة… مش سيطرة كاملة، لكن “اتصال”. كأن في شبكة بتدخل في تفكيرها من غير إذن.

سامي كان واقف وراها، صوته متكسر: — “انزلي فورًا… كل ثانية بتقعديها هنا بتخليهم يربطوا وعيك بالنظام أكتر.”

لكن ندى ما اتحركتش.

الصوت الأنثوي رجع تاني، أقرب: — “مش هتقدري تقومي دلوقتي بسهولة… البروتوكول بدأ يتعلم منك.”

ندى ردت بصوت هادي: — “وأنا كمان بتعلم منه.”

فجأة الشاشة الرئيسية عرضت خريطة ضخمة للعالم… لكن مش خريطة جغرافية عادية.

كانت خريطة “مال ونفوذ”.

خطوط بتربط بين بنوك، شركات، أجهزة، وشخصيات… زي شبكة عنكبوت عملاقة.

وسامي قال بصدمة: — “ده… ده اللي أبوكي كان بيحاول يفكه.”

الصوت الأنثوي: — “أبوكِ حاول يوقف النظام القديم… بس فشل لأنه كان بيحاول يكسره من بره.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت: — “إحنا مش بنخسر الناس اللي بتدخل هنا… إحنا بنحوّلهم.”

ندى بصّت ليديها على الكرسي، كأنها بتفهم لأول مرة: — “يعني هشام… كان جزء؟ ولا مجرد أداة؟”

الصوت: — “هشام كان اختبار بسيط… بوابة دخول. مش أكثر.”

القاعة سكتت.

سامي همس: — “يا ندى… إنتِ مش بس داخلة حرب… إنتِ جوا نظام بيعيد تصنيع البشر.”

وفجأة، كل الشاشات اتغيرت تاني.

ظهر وجه سارة.

نفس البنت اللي خانتها.

لكن المرة دي كانت قاعدة في غرفة مظلمة، وبتبص للكاميرا بخوف حقيقي.

وقالت بصوت مرتعش: — “ندى… لو شوفتي الفيديو ده… ابعدي. هما مش بيخلوكي تختاري… هما بيخلوكي تباني كأنك بتختاري.”

قبل ما تكمّل، الشاشة اتقطعت.

وسامي اتجمد: — “يعني حتى هي… مش بس خيانة شخصية.”

ندى رفعت رأسها ببطء: — “يبقى مفيش حد بيختار… غير اللي بره النظام.”

الصوت الأنثوي رد بسرعة: — “والآن… إنتِ داخله مرحلة القرار الحقيقي.”

الكرسي اهتز.

والقاعة كلها بدأت تتقسم لمربعات ضوء.

سامي: — “إيه اللي بيحصل؟”

صوت النظام: — “اختاري يا ندى… إما تكملي دور الملكة… أو تعيدي تشغيل نفسك كإنسانة عادية… بس مع فقدان كل الذاكرة المرتبطة بالحقيقة.”

ندى سكتت.

أول مرة… الاختيار كان واضح قدامها.

يا معرفة كاملة بكل الخيانة… بكل القوة… بكل الحرب.

يا راحة زائفة… وذاكرة فاضية.

سامي بص لها بقلق: — “ماتختاريش من ضغط اللحظة…”

لكن ندى قاطعته بهدوء: — “أنا اخترت طول حياتي وأنا فاكرة إني مش باختار.”

سكتت ثانية.

وبعدين قالت: — “دلوقتي… على الأقل أنا شايفة اللعبة.”

ووضعت إيدها على لوحة التحكم.

لكن بدل ما تختار أي من الخيارين…

سحبت الشاشة نفسها.

وكأنها بتكسر القاعدة.

كل النظام حولها بدأ يصدر إنذار عالي: “UNAUTHORIZED MANIPULATION”

الصوت الأنثوي لأول مرة فيه توتر: — “إنتِ بتعملي إيه؟”

ندى بصّت قدامها: — “بحذف الاختيارات اللي إنتوا محددينها لي.”

وفجأة… النور كله ضرب.

والكرسي بدأ ينهار جزء جزء.

وسامي صرخ: — “إنتِ كده بتكسري البنية نفسها!”

ندى قالت بهدوء مرعب: — “أنا ما بقيتش عايزة أكون ملكة… ولا لعبة…”

سكتت لحظة.

وبعدين: — “أنا هكون العطل اللي مش قادرين يصلحوه.”

والقاعة انفجرت نور أبيض… وانقطعت كل الشاشات مرة واحدة.البياض كان قاسي لدرجة إنه شال الإحساس بالاتجاهات تمامًا.

ندى ما كانتش شايفة الأرض ولا السقف… بس حاسة إن جسمها لسه قاعد على الكرسي، رغم إن الكرسي نفسه كان بيتفكك.

صوت سامي كان بعيد: — “ندى! إنتِ سامعاني؟!”

بس صوته كان بيتقطع كأنه جاي من مكان تاني خالص.

وبعدين… سكون.

مش صمت عادي… ده كان كأن الصوت نفسه اتسحب من المكان.

وفجأة، ظهر قدامها مشهد مش شاشة… ده كان زي “ذاكرة”.

مكتب أبوها.

نفس الكرسي.

نفس الإضاءة.

بس المرة دي… كان في حد تاني واقف معاه.

ست مش واضحة الملامح، بس صوتها كان نفس الصوت الأنثوي اللي سمعته قبل كده.

كانت بتقول له: — “اختيارها لازم يبقى جاهز قبل ما النظام ينهار. لو هي مش مناسبة… هنضطر نعيد البناء من الصفر.”

أبوها كان شكله مرهق، لكن صوته ثابت: — “ندى مش أداة.”

الست ردت بهدوء: — “كلنا أدوات في النظام… الفرق بس مين بيستخدم مين.”

المشهد اتغير فجأة.

ندى رجعت للبياض.

لكن المرة دي حست بحاجة جديدة… حرارة في إيدها… زي علامة بتتكتب جواها.

صوت جديد ظهر، مش أنثوي ولا إلكتروني… صوت أبوها نفسه.

— “لو وصلتي للنقطة دي… يبقى النظام بدأ يعيد تعريفك.”

ندى همست: — “إنت عايش؟ ولا ده تسجيل؟”

الصوت: — “أنا جزء من النظام… بس مش جزء منهم.”

البياض بدأ يتشكل تاني، وبدأت ملامح القاعة ترجع… بس بشكل مختلف.

كل حاجة حواليها كانت شبه “إعادة بناء”.

سامي كان واقف بعيد، بس شكله متغير… كأنه مش متأكد هو فين.

قال بصوت متوتر: — “إنتِ عملتي حاجة غلط… أو صح… مش فاهم.”

ندى قامت من الكرسي.

بس أول ما وقفت… النظام ما اعترضش.

ده كان غريب.

الصوت الأنثوي رجع، لكن المرة دي أهدى: — “تم تثبيت الارتباط… لكن سلوك غير متوقع تم رصده.”

سامي: — “إنتِ كسرتي جزء من البروتوكول فعلاً… بس مش كله.”

ندى بصّت حواليها: — “أنا مش جوه النظام… ولا هو جوايا… إحنا بقينا حاجة تالتة.”

وفجأة، الشاشة الرئيسية اشتغلت لوحدها.

لكن المرة دي عرضت رسالة واحدة فقط:

“PHASE THREE: UNKNOWN ENTITY DETECTED”

سامي اتراجع خطوة: — “ده ماكانش موجود قبل كده…”

الصوت الأنثوي لأول مرة فيه ارتباك: — “ده مستحيل… مفيش مرحلة تالتة.”

ندى بصّت للشاشة.

وبهدوء قالت: — “يبقى أنا اللي هكتبها.”

وفجأة، كل الأنوار بدأت تنطفي واحدة واحدة…

لكن بدل ما المكان يرجع ظلام… بدأ يظهر كأنه “فراغ جديد”، صفحة بيضا مش مكتملة.

وسامي قال بصوت منخفض: — “إنتِ مش بس بتغيري النظام… إنتِ بتعيدي تعريفه.”

ندى ردت وهي بتبص للفراغ: — “لأ… أنا ببدأه من الأول.”

والفراغ قدامها بدأ يكتب أول سطر بنفسه… بدون أوامر:

“THE SYSTEM IS WAITING FOR ITS NEW AUTHOR.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *