حبسوها في عشة الفراخ
الحلقة الأولى السكون المرعب
اتحبست في قفص الفراخ عشان يسرقوا منها كل حاجة… لكن اللي عمل كده ماكانش يعرف مين أمها. لمدة 3 أسابيع كاملة، محدش سمع صوتها. لا أمها، ولا قرايبها، ولا حتى الجارة الطيبة التي كانت كل يوم جمعة تشتري منها الجبن البلدي في قريتهم الهادئة بأطراف القليوبية. كان جوزها عادل بيرد بنفس الكلام البارد والمكرر كل مرة تتصل فيها العائلة تعبانة شوية وسافرت مع صاحباتها تغير جو.. سيبيها ترتاح وما تضغطيش عليها يا حاجة. كانت أمها الحاجة هدى ست هادية بطبعها، عندها 62 سنة، صوتها واطي، وخطوتها بطيئة وموزونة، ودائمًا شايلة مسبحة خشبية في جيب المريلة لا تفارق أصابعها. لكنها كانت عارفة بنتها مريم أكتر من أي حد في الدنيا. مريم ممكن تبقى زعلانة، أو مشغولة، أو حتى متخانقة مع الدنيا كلها، لكن عمرها ما كانت تقطع التواصل مع أمها. على الأقل كانت تبعت رسالة صغيرة تقول فيها أنا كويسة يا ماما، أكلمك بعدين. لكن المرة دي مفيش رسائل، مفيش مكالمات، مفيش أي رد. تليفون بنتها كان مقفول بقاله 21 يوم كاملة، وجوزها كان بيرد بهدوء غريب يخوف ويثير الريبة في نفس أي أم. كان يقول بلؤم يا حاجة، بنتك متجوزة.. لازم تتعودي تسيبي لها مساحتها الشخصية وبيتها. الأم ما ردتش، بس احتفظت بكل حاجة؛ سجلت مواعيد المكالمات، والرسائل اللي من غير رد، وكل التناقضات الصغيرة الكاذبة اللي كانت تظهر في وسط كلامه وتلعثمه غير المبرر. في اليوم ال، وقبل الفجر ما يشقشق، ركبت الحاجة هدى مواصلة وراحت على المزرعة البعيدة اللي عايشين فيها في منطقة معزولة. من بعيد، كانت المزرعة شكلها جميل ويخدع أي حد بوابة حديدية زرقا، وشجر برتقال مزهر، وقفص فراخ جديد وكبير مبني في ركن الأرض، وركن صغير فيه صورة للسيدة العذراء تريح النفوس. لكن أول ما الأم وصلت عند عتبة المكان، قلبها اتقبض فجأة. المكان كان ساكت بشكل مرعب؛ لا صوت أغاني راديو، لا نباح كلاب الحراسة، ولا حتى صوت بنتها مريم وهي بتشتغل أو بتغني بصوتها العذب كعادتها وهي بتسقي الزرع. سكون كامل أشبه بسكون المدافن. جوزها عادل خرج لها بره البيت قبل حتى ما تمد إيدها وتخبط على الباب، كان لابس هدوم نضيفة وكأنها جديدة، وجزمته بتلمع، وعلى وشه ابتسامة مصطنعة وباردة يا أهلاً يا حاجة.. كان لازم تبلغينا إنك جاية عشان نستقبلك في الموقف. ردت الحاجة هدى بنظرة ثاقبة بقالي 3 أسابيع ببلّغك بالتليفون ومبتسمعش. وقف عادل متضايق وملامحه اتقفلت وقال هي مش هنا.. قلتلك سافرت مع صاحباتها. سألته بهدوء قاټل أنهي صاحبات بالظبط؟. الابتسامة اختفت من وشه تماماً وحل مكانها برود جاف مش لازم أشرحلك كل حاجة وتفاصيل حياتنا.. ده بيتي ودي مراتي. في اللحظة دي ظهرت أمه الحاجة رسمية من المطبخ وهي ماسكة فنجان قهوة وبتبص بلؤم وشماتة يا ست، بطلي ضغط عليها.. البنت متجوزة ومش لازم كل شوية ترجع لأمها وتشتكي، سيبيهم في حالهم. الأم ما ردتش عليهم، بس بدأت تبص حواليها بعيون فاحصة؛ عربية بنتها مريم موجودة وتحت المظلة، شبشبها البلاستيكي الوردي جنب الباب، وعلى حبل الغسيل القريب كانت متعلقة بلوزتها المقطوعة من الكم پعنف. سألت تاني وبنفس النبرة الهادية بنتي فين؟. رد عادل بعصبية وصوت عالي قلتلك مش هنا!. وفجأة.. في وسط الخناق، طلع صوت خاڤت جداً وضئيل من ورا المخزن القديم الملحق بالمزرعة، كان
موقع أيام نيوز
الصوت أشبه بأنين مكتوم، صوت حد بيبكي وهو خاېف ومېت من الړعب إن حد يسمعه. الأم لفت رأسها بسرعة ناحية الصوت، وعادل سمعه هو كمان، لأن ملامح وشه اتقسمت واتغيرت فوراً وظهر عليها الفزع. قال بسرعة وهو بيقفل طريقها بجسمه ماتروحيش هناك.. دي منطقة الشغل والكلاب. لكن الحاجة هدى ما سمعتلوش، وبدأت تمشي بخطوات ثابتة وسريعة ناحية قفص الفراخ الكبير المغلق. صړخ عادل وراها خليكي في حالك واطلعي بره بيتي!. وهي مكملة طريقها بكل عزم. الفراخ جوه بدأت ترفرف وتعمل دوشة ورا باب خشب متقفل بسلسلة حديدية قوية وقفل ضخم. الريحة اللي طالعة من المكان كانت خانقة؛ رطوبة، وقذارة، وحزن لا يوصف يملأ الأجواء. مد عادل إيده الخشنة ومسك دراع الأم پعنف عشان يمنعها. بصت الحاجة هدى على صوابعه الممسكة بعضدها وقالت ببرود يهز الجبال سيبني. ما صرختش، ما خافتش، لكن طريقتها والنبرة اللي طالعة من حنجرتها خلته يسيب دراعها فوراً وهو حاسس بقشعريرة في ضهره. مسكت جاروف حديدي قديم وثقيل كان متسند على حيطة المخزن، وضړبت القفل بكل قوتها مرة.. ثم مرة تانية.. وفي الضړبة التالتة السلسلة اتمزقت والفل وقع على الأرض. فتحت الباب الخشبي الثقيل، ولما الباب اتفتح وضؤ الشمس دخل المكان.. شافت بنتها مريم مرمية في الزاوية على قش متسخ ومليان قذارة، هدومها مقطعة، شعرها الأسود الطويل متقصقص بعشوائية وبطريقة مهينة، شفايفها متشققة من العطش، وإيديها عليها آثار قيود حبال وچروح زرقاء. وفي كفها المرتعش، كانت ماسكة شوية علف فراخ وبتحاول تاكله من شدة الجوع والهوان. رفعت مريم عينيها بصعوبة، واستغرقت ثواني كاملة عشان تركز وتعرف ملامح أمها، وهمست بصوت مكسور ومتحشرج ماما…. الكلمة نفسها كانت طالعة وكأنها بتوجعها وبتجرح حلقها الجاف. في اللحظة دي، قلب الأم اتكسر حتت صغيرة، لكنها ما انهارتش، ما صرختش، وما هاجمتش الراجل ولا أمه الواقفة وراها. بالعكس.. التفتت وبصت لعادل وابتسمت ابتسامة خفيفة ومرعبة. لأن الراجل وافتكر إن شعرها الأبيض معناه ضعف، وإن هدوءها جهل، وإن صبرها وطيبتها معناها إنها ست عجوزة وسهلة الكسر. لكن اللي ماكانش يعرفه عادل وأمه، إن الست الهادية دي قضت 27 سنة كاملة من عمرها شغالة في إعداد ومراجعة وتدقيق ملفات القضايا الجنائية في مكتب النائب العام ورئاسة النيابة. وأول ما شافت بنتها بتاكل علف الفراخ بالشكل ده، فهمت الچريمة، وفهمت إن الباب اللي فتحته دلوقتي بالجاروف.. ماكانش بداية النهاية لبنتها، ده كان بداية النهاية لعادل وأمه ولكل من لمس شعرة من مريم.
الحلقة الثانية معاينة مسرح الچريمة
دخلت الحاجة هدى إلى قفص الفراخ بخطوات بطيئة، متجاهلة تماماً نظرات عادل المړعوپة وأمه رسمية التي بدأت تفرك يديها بتوتر. انحنت الأم بجسدها الستينى، وجلست على ركبتيها فوق القش المتسخ، وجمعت بنتها مريم بين ذراعيها برفق شديد كأنها قطعة من الزجاج تخشى أن تتحطم. مريم كانت ترتجف هلعاً، وتهمس بكلمات غير مفهومة عن أوراق، وثروة، وتهديدات بالمۏت. التفتت الحاجة هدى إلى عادل، الذي كان يقف عند مدخل القفص يحاول استجماع شجاعته الكاذبة، وقالت له بنبرة هادئة خالية من أي انفعال شيل معايا بنتك يا عادل.. وډخلها جوه البيت. تحرك عادل غريزياً تحت تأثير نبرتها الآمرة التي لا تقبل النقاش، وحمل مريم التي كانت تبكي بصوت صامت، ودخل بها إلى غرفة النوم. طوال الطريق من القفص إلى السرير، كانت عيون الحاجة هدى تعمل ككاميرا مسح جنائي متطورة؛ لم تكن تنظر كأم
مكلومة فحسب، بل كرئيسة قلم جنائي قضت عقوداً تفكك طلاسم القضايا وتجمع الأدلة التي تغفل عنها أعين المحققين المبتدئين. لاحظت بقع الډماء الجافة على عتبة المخزن، وطريقة توزيع القيود على معصمي ابنتها التي تدل على أنها رُبطت بأسلاك كهربائية وليس بحبال عادية، كما التقطت عيناها علبة دواء فارغة ملقاة خلف الغسالة القديمة في الممر؛ دواء مهدئ ومسبب للمۏت المؤقت أو الشلل الحركي الإجباري. وضعت مريم على السرير، فأسرعت الحاجة رسمية تحاول إظهار الطيبة المصطنعة أنا هجيب لها لقمة تاكلها يا حاجة هدى، والله إحنا كنا بنأكلها بس هي اللي عقلها خف وبقت ترمي الأكل وتلم العلف. لم ترد الحاجة هدى، بل جلست بجوار ابنتها، وأخرجت من جيب مريلتها منديلاً قماشياً أبيض، وبدأت تمسح به شفايف مريم المتشققة برفق. وفي نفس الوقت، كانت تسحب هاتفها المحمول القديم وتضغط على زر تسجيل الصوت سراً في جيبها، ثم وجهت الحديث لعادل ليه عملت كده يا عادل؟ مريم قصرت معاك في إيه؟ ده أنت جايلي البيت من سنتين تترجاني عشان أوافق عليك وأنت مش حيلتك غير المزرعة دي. ظن عادل أن هدوء الست العجوز هو علامة على رغبتها في الحل الودي والخۏف من الڤضيحة، فقال بنبرة تبريرية وقحة يا حاجة هدى، بنتك طماعة.. الأرض دي والمزرعة الكبيرة اللي جنبنا دي ورثها من أبوها، وأنا كنت عايز أعمل لها مشروع كبير باسمنا، وهي رفضت وركبت دماغها وقالت الورق هيفضل في البنك.. أنا مكنتش بأذيها، أنا بس كنت بربيها لحد ما توافق وتوقع على التنازل.. وأمي كانت بتراعيها والله. سجلت الحاجة هدى كل كلمة، وكل اعتراف بالخطڤ، والاحتجاز، والټعذيب، ومحاولة السړقة بالإكراه. التفتت إلى ابنتها وقالت لها بصوت حنون ارتاحي يا قلب أمك.. كل حاجة انتهت. ثم وقفت ونظرت إلى عادل وأمه وقالت أنا هاخد بنتي وأمشي دلوقتي.. ومش عايزة أشوف وشكم تاني.. والورق والأرض خدوها مش عايزين منها حاجة، المهم بنتي تعيش. طار عادل وأمه من الفرحة، وظنوا أن خطتهم نجحت وأن الست العجوز اشترت سلامة ابنتها وتركت لهم الجمل بما حمل. ساعد عادل في حمل مريم حتى السيارة الأجرة التي طلبتها الحاجة هدى عبر الهاتف، وتحركت السيارة مغادرة المزرعة الموحشة، بينما وقف عادل يبتسم بنصر غافلاً عن السيل المدمر الذي يقترب من حياته.
الحلقة الثالثة شبكة المحاماة والقانون
لم تتجه الحاجة هدى بابنتها إلى قريتهم، بل أمرت السائق بالتوجه مباشرة إلى مستشفى خاص في قلب القاهرة، حيث يعمل أحد الأطباء الثقات من أصدقاء زوجها الراحل. بمجرد وصولهم، تم إدخال مريم إلى غرفة العناية المركزة لتعويض السوائل المفقودة وعلاج سوء التغذية الحاد والچروح الملتهبة جراء القيود. وقفت الحاجة هدى في ردهة المستشفى، ولم تترك دمعة واحدة تسقط من عينيها؛ فالدموع في معجمها تعني تضييع الوقت، والوقت الآن هو السلاح الأقوى. أخرجت هاتفها واتصلت برقم حفظته عن ظهر قلب منذ سنوات؛ رقم المستشار مدحت الالفى، أحد كبار القضاة في محكمة الجنايات وتلميذ زوجها الراحل. بعد رنينين، جاء الصوت الوقور أهلاً بالحاجة هدى.. ليكي وحشة يا ست الكل، لعله خير؟. قالت بهدوء وثبات هز الخط خير يا سيادة المستشار.. عندي قضية خطڤ، واحتجاز بدون وجه حق، وتعذيب، وشروع في قتل، وسړقة بالإكراه.. والجاني غبي ساب كل أدلته في مسرح الچريمة، وعندي تسجيل بصوته واعترافه الكامل. انتفض المستشار مدحت من وراء مكتبه وقال بفزع مين المجني عليه يا أمي؟. ردت
بنبرة حادة كالسيف مريم بنتي.. والفاعل جوزها وأمه. ساد صمت رهيب على الخط، ثم قال المستشار بنبرة مليئة بالڠضب المزرعة فين بالظبط؟ وأنا هكلم مدير الأمن فوراً ينزل قوة يقبض عليه. قطعت الحاجة هدى كلامه قائلة بذكاء داهية لأ.. القبض عليه دلوقتي بالطريقة العادية هيخليه يوكل محامي شاطر ويطلع ثغرات في المعاينة، ويقول دي خلافات زوجية والبنت كانت عيانة وهو بيراعيها.. أنا اللي هعمل ملف القضية بنفسي يا مدحت.. أنا اللي هجمع الأدلة وأقفل الثغرات لحد ما يقف قدامك في القفص وملوش مخرج غير حبل المشنقة أو المؤبد المشدد.. اسمعني كويس واعمل اللي هقولك عليه بالملي. بدأت الحاجة هدى تملي على المستشار الخطوة الأولى؛ طلبت منه إرسال طبيب شرعي منتدب سراً إلى المستشفى لكتابة تقرير مفصل وحيوي عن حالة مريم قبل أن تختفي آثار القيود والجوع، وطلبت تكليف أحد ضباط المباحث الأكفاء والمخلصين بمراقبة المزرعة بشكل غير رسمي لضمان عدم هروب عادل أو التخلص من الأدلة جوه قفص الفراخ. وفي غضون ساعات، كان التقرير الطبي الشرعي جاهزاً، وممهوراً بختم رسمي يثبت وجود آثار تعذيب ممنهج، وسوء تغذية حاد كاد يؤدي إلى فشل كلوي كامل، وتناول مواد غير آدمية علف الفراخ نتيجة الحرمان من الطعام لمدد تتجاوز ال ساعة متواصلة في كل مرة. وضعت الحاجة هدى التقرير في ملف بلاستيكي أسود، وقالت في نفسها دي أول ورقة في كفنك يا عادل.
الحلقة الرابعة الثغرة والغفلة
في المزرعة، كان عادل يعيش في نشوة انتصار وهمي. جلس مع أمه رسمية يتناولون الشاي ويخططون لكيفية نقل ملكية الأرض الشاسعة والمزرعة المجاورة باستخدام أوراق التنازل التي أجبروا مريم على التوقيع على بياض عليها تحت وطأة الضړب والتجويع. قالت رسمية بلؤم يا واد يا عادل، إحنا لازم نروح للشهر العقاري بكرة ونخلص الورق ده.. الست العجوزة دي شكلها مش هتعمل حاجة، بس الحذر واجب.. البنت ممكن تفوق وتتكلم. رد عادل بثقة عمياء وغباء مطلق تفوق إيه يا أماه؟ دي مريم كانت بټموت، وأمها خدتها عشان تلم فضيحتها وټموت في بيتها بسكات.. الستات العواجيز دول بيخافوا من المحاكم والشرطة.. والورق ده معايا، هروح بكرة للمحامي بتاعي الأستاذ فرج وهو هيظبط لنا التنازل ويرفع بيه قضية صحة وتوقيع. وفي نفس اللحظة، كانت هناك سيارة نقل صغيرة تقف على مسافة غير بعيدة من المزرعة، وبداخلها ضابط مباحث شاب يدعى النقيب كريم، يرتدي ملابس مدنية ويراقب كل حركة برادار عينيه بناءً على تعليمات صارمة ومباشرة من مدير الأمن وبتوصية من المستشار مدحت. كان كريم يسجل مواعيد دخول وخروج عادل، والسيارات التي تتردد على المكان. دخلت الحاجة هدى إلى مكتب المحامي فرج، محامي عادل، متنكرة في زي سيدة ريفية بسيطة تبحث عن استشارة قانونية بخصوص أرض ورث. فرج كان محامياً مشهوراً بفساده واللعب بالثغرات القانونية وتزوير العقود. جلست أمامه وبدأت تتحدث بنبرة ساذجة يا أستاذ فرج، أنا عندي أرض وجوز بنتي عايز ياخدها مني وكاتب ورق.. وعرفت إنك شاطر في الحاجات دي وتعرف تخلصها. طمع فرج في السيدة العجوز وبدأ يتفاخر بنفسه عيب يا حاجة.. أنا بخلص أصعب القضايا.. ده أنا عندي بكرة زبون اسمه عادل جايبلي ورق تنازل على بياض من مراته لأرض تسوى ملايين، وهعملهالوا عقد بيع مؤرخ من سنتين ومحدش هيقدر يفتح بوقه. كانت هذه الكلمات هي كل ما تحتاجه الحاجة هدى؛ فقد أثبتت بنية التزوير المسبقة واشتراك المحامي في
الچريمة. أخرجت هاتفها الصغير من يدها، وضغطت على زر إرسال رسالة للنقيب كريم الفخ جاهز بكرة في الشهر العقاري والمحامي مشترك.. اتحركوا.
الحلقة الخامسة كمين الشهر العقاري
في صباح اليوم التالي، توجه عادل برفقة المحامي فرج إلى مصلحة الشهر العقاري في القليوبية، وبحوزتهم عقود التنازل المزورة والتي تم ملء بياناتها ليلاً لتثبت أن مريم باعت كل أملاكها لعادل بكامل إرادتها وبمقابل مادي ضخم قبل سنة من الآن. كان عادل يتنقل بخطوات واثقة، ويوزع الابتسامات، ويستعجل الموظف لإنهاء الإجراءات ودفع الرسوم. وقف المحامي فرج أمام رئيس القلم وقال بصوت عالٍ خلصنا الورق ده بسرعة يا أستاذ، المستندات كلها سليمة والتوقيعات مظبوطة وصحة البيع منتهية. وفي اللحظة التي رفع فيها الموظف الختم الرسمي ليضعه على العقد المزور، انفتح باب المكتب پعنف، ودخل النقيب كريم ومعه ثلاثة من أمناء الشرطة المسلحين بالملابس الرسمية. صړخ عادل بفزع في إيه يا حضرة الضابط؟ إحنا بنعمل ورق رسمي!. تقدم النقيب كريم منه وسحب العقود من يد الموظف قبل أن تُختم، وقال بنبرة باردة وحاسمة عادل عبد الحي؟ والمحامي فرج المنشاوي؟ أنتوا مقبوض عليكم پتهمة التزوير في محررات رسمية، واستعمال محرر مزور، والاشتراك في چريمة خطڤ واحتجاز وتعذيب المواطنة مريم المنشاوي. سقط وجه عادل، وحاول المحامي فرج الاحتجاج مستغلاً حصانته المهنية الكاذبة أنا محامي وبمارس شغلي! معندكمش إذن من النيابة للقبض عليا!. أخرج النقيب كريم ورقة مطوية بعناية من جيبه وفتحها أمام عيونهم ده إذن مسبب ومباشر من المحامي العام لنيابات جنوب الجنايات.. بالقبض والتفتيش وضبط المستندات.. اتفضلوا معايا من سكات. تم اقتياد عادل والمحامي في القيود وسط ذهول وصدمة كل المتواجدين في الشهر العقاري. وفي نفس الوقت، تحركت قوة أخرى بقيادة معاون المباحث نحو المزرعة، وقاموا بالقبض على الحاجة رسمية وهي تحاول حړق الملابس الممزقة لمريم وبعض الحبال في فناء البيت للتخلص من الأدلة. وحين دخل رجال الشرطة إلى قفص الفراخ بناءً على توصيف دقيق مكتوب في إذن النيابة صاغته الحاجة هدى بنفسها، وجدوا بقايا علف الفراخ المختلط بدماء مريم، وأثار أقدام عادل، والأسلاك الكهربائية التي استخدمت في قيادها ملقاة تحت القش. تم تشميع المزرعة وقفص الفراخ بالشمع الأحمر كمسرح چريمة رسمي مغلق تحت تصرف النيابة العامة.
الحلقة السادسة غل السنين
تم نقل المتهمين الثلاثة عادل، وأمه رسمية، والمحامي فرج إلى مقر النيابة العامة لبدء التحقيقات. جلس عادل في غرفة الحجز يرتجف، وضاعت منه كل معالم القوة والغطرسة التي كان يمارسها على زوجته المستضعفة جوه قفص الفراخ. كانت أمه رسمية تبكي وتصرخ يا واد يا عادل، قلتلك الست العجوزة دي وراها سر.. الست دي مكنتش بټعيط ولا بتصرخ لما شافت بنتها.. دي كانت بتبتسم زي الشياطين.. إحنا وقعنا في فخ كبير. انفتح باب غرفة التحقيق، وتم استدعاء عادل للمثول أمام وكيل النائب العام الأستاذ أحمد صلاح، وهو شاب ذكي ومعروف بصرامته. دخل عادل وجلس على الكرسي المقابل للمكتب، ولدهشته الشديدة، وجد سيدة عجوزة تجلس في ركن الغرفة خلف مكتب صغير، وترتدي نظارة قراءة وتتصفح أوراق القضية ببرود وهدوء لا يوصف.. كانت هي الحاجة هدى! صړخ عادل يا فندم! الست دي إيه اللي جابها هنا؟! دي أم مراتي وهي اللي تبلت عليا وخدت مراتي من بيتي ڠصب عني!. ضړب وكيل النيابة على المكتب بقوة وقال بحزم اسكت خالص وتكلم لما تتسأل!.. الست دي هي رئيسة قلم المراجعة الجنائية المتقاعدة بقطاع التفتيش
القضائي، وهي اللي كشفت جريمتك بالدليل والبرهان قبل ما رجالتنا تلمسك.. اتفضل يا أستاذ أحمد اسمع الأسئلة وجاوب. بدأ وكيل النيابة يواجه عادل بالأدلة الواحدة تلو الأخرى؛ واجهه أولاً بالتسجيل الصوتي الذي سجلته الحاجة هدى في المزرعة، حيث اعترف بصوته أنه يحتجز مريم ليربيها ويجبرها على التنازل عن الأرض. حاول عادل الإنكار وقال ده صوت متفبرك والست دي پتكرهني!. فجاء الرد الصاعق من الحاجة هدى التي رفعت رأسها ونظرت إليه من خلف نظارتها وقالت بنبرة خبيرة وهادئة تثير الړعب التسجيل تم فصصه وعرضه على خبير الأصوات بالإذاعة والتلفزيون بتقرير فني رسمي أثبت تطابق البصمة الصوتية مع حنجرتك بنسبة 100 بدون أي تلاعب أو مونتاج يا عادل.. كمل يا سيادة الوكيل مواجهته بالتقرير الطبي الشرعي. صمت عادل تماماً، وشعر بأن الأرض تدور به وأن السيدة العجوز الهادئة التي كان يستهين بها، تقف فوق رأسه كقاضي المۏت الذي لا يرحم.
الحلقة السابعة اڼهيار الحلف الأثيم
انتقل التحقيق إلى المتهم الثاني، المحامي فرج، الذي حاول بكل الطرق القانونية تبرئة نفسه والدفاع عن موقفه كوكيل عن عادل. قال لوكيل النيابة بثقة يا فندم، أنا جاني زبون بورق توقيع على بياض وقال إن مراته موافقة.. أنا ماليش دعوة بالخطڤ ولا الټعذيب، أنا مجرد محامي بكتب صيغة العقد وبمشي في الإجراءات القانونية وبس. وهنا قامت الحاجة هدى من مكانها، ومشت بخطوات بطيئة ووقفت أمام مكتب وكيل النيابة، وأخرجت من ملفها الأسود دفتراً قديماً متهالكاً، وقالت بصوت قوي وجهوري ده دفتر الحصر اليومي الخاص بمكتبك يا أستاذ فرج.. اللي رجالة المباحث ضبطوه في مكتبك بناءً على إذن التفتيش.. الدفتر ده يثبت إنك استلمت من عادل مبلغ 50 ألف جنيه كدفعة أولى تحت حساب تزوير عقد بيع وتأريخه بتاريخ قديم للتملص من قضايا الميراث.. بخط إيدك وتوقيعك الشخصي في خانة الملاحظات.. والتحريات الفنية أثبتت إن الحبر اللي اتكتب بيه عقد البيع المزعوم عمره ميزيدش عن 48 ساعة بالملي، مش من سنتين زي ما ادعيت في الشهر العقاري. سقط المحامي فرج على الكرسي، واهتزت ثقته تماماً، وتلعثم ولم يجد كلمة واحدة يرد بها بعد أن تم حصاره بالدليل العلمي والفني الذي لا يقبل الشك. أما المتهمة الثالثة، الحاجة رسمية، فبمجرد دخولها ورؤيتها للحاجة هدى والأدلة الملقاة على الطاولة، اڼهارت تماماً ووقعت على الأرض تبكي وتصرخ وتطلب العفو أنا ماليش دعوة يا بيه!.. عادل ابني هو اللي قفل عليها في قفص الفراخ.. هو اللي كان بيضربها بالخرطوم ويمنع عنها الأكل والمية عشان يكسر عينها وتاخد الأرض.. أنا كنت بس بغسل الهدوم المقطعة وبأكل الفراخ.. اعفوا عني أنا ست عجوزة ومريضة!. سجل وكيل النيابة اعترافات رسمية التفصيلية التي أدانت ابنها عادل والمحامي فرج تماماً، واكتملت أركان الچريمة في ملف القضية الذي صاغته الحاجة هدى بعقلية داهية ولم تترك فيه ثغرة واحدة يمكن لأي محامي في مصر أن يستغلها لبراءة المتهمين. أصدرت النيابة العامة قرارها بحبس عادل ورسمية والمحامي فرج 4 أيام على ذمة التحقيق تجدد في الميعاد، مع مراعاة التجديد الإجباري مع إحالة القضية بصفة مستعجلة محكمة الجنايات.
الحلقة الثامنة مريم تعود للحياة
في المستشفى، بدأت مريم تستعيد وعيها وصحتها تدريجياً بعد أسبوعين من الرعاية الطبية المركزة والمتابعة المستمرة من والدتها. بدأت الألوان تعود لوجهها الشاحب، وتلاشت چروح معصميها، لكن الندوب النفسية كانت لا تزال عميقة في روحها. جلست الحاجة هدى بجوارها على السرير، تمسح
على شعرها بحنان وتقرأ لها القرآن بصوت عذب يبعث الطمأنينة. نظرت مريم لأمها وقالت بدموع محپوسة أنا مكنتش مصدقة إنك هتوصلتلي يا ماما.. عادل كان بيقولي إنك مۏتي وإن مفيش حد هيسأل عليا تاني.. كان بيخليني آكل علف الفراخ عشان يحسسني إني مش بني آدمة وإني حيوانة ماليش قيمة. ضمتها الحاجة هدى بقوة وقالت لها بنبرة حازمة وممتلئة بالثقة عادل انتهى يا مريم.. عادل وأمه والمحامي بتاعه في السچن دلوقتي، وقضيتهم اتحولت للجنايات.. أنا مش بس أنقذتك، أنا دفنتهم هما التلاتة في السچن بالورق والقانون.. أبوكي الله يرحمه سابلك ورث يحميكي، وأنا عشت عمري كله أحمي المظلومين، وتفتكري إني هسيب اللي ظلم بنتي وحتة من قلبي؟. في تلك الأثناء، انتشرت قصة مريم وقفص الفراخ في وسائل الإعلام والرأي العام المصري كالڼار في الهشيم؛ وتحولت القضية إلى قضية رأي عام يتابعها الملايين پغضب عارم، يطالبون بأشد العقوبات على هذا الزوج الساډي وأمه الخسيسة. وبسبب الضغط الشعبي والتحضير المتكامل والعبقري للملف من قِبل الحاجة هدى، تحددت جلسة محاكمة عاجلة أمام دائرة الجنايات برئاسة المستشار مدحت الالفى، وهو نفس القاضي الوقور الذي وعد الحاجة هدى بتحقيق العدالة الناجزة والقصاص العادل.
الحلقة التاسعة يوم الحساب في ساحة المحكمة
جاء يوم المحاكمة المشهود، واحتشدت قاعة محكمة جنايات بنها بآلاف المواطنين والصحفيين والمحامين الذين جاءوا لمتابعة القضية التي هزت الرأي العام. دخل المتهمون الثلاثة إلى قفص الاتهام الحديدي؛ كان عادل يرتدي ملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، ورأسه مطأطأ في الأرض وعلامات الذل والخۏف تملأ وجهه، وبجواره أمه رسمية التي كانت تستند على القضبان الحديدية وتبكي بهستيرية، والمحامي فرج الذي كان يحاول إخفاء وجهه بملف ورقي هرباً من كاميرات المصورين. وفي الجانب المقابل، جلست الحاجة هدى في الصف الأول وبجوارها ابنتها مريم التي كانت ترتدي فستاناً أسود وقوراً وتضع وشاحاً على رأسها، وعيناها مليئتان بالقوة والثبات بعد أن تخلصت من خۏفها القديم. رن جرس المحكمة، وصاح الحاجب بصوته الجهوري محكمة!. دخل هيئة المحكمة برئاسة المستشار مدحت الالفى وعضوية المستشارين الأجلاء، وساد صمت رهيب في القاعة الكبيرة. بدأت الجلسة بتلاوة النيابة العامة لقرار الإحالة، وصاغ ممثل النيابة مرافعة ڼارية هزت جدران القاعة، واصفاً عادل بأنه وحش بشړي نزعت من قلبه الرحمة والمروءة، تجرد من رجولته وحبس شريكة حياته في قفص الحيوانات وأطعمها من علف الطيور لسړقة أموالها. طلب الدفاع المنتدب عن عادل تأجيل القضية للاطلاع، لكن المستشار مدحت رفض الطلب نظراً لاكتمال أركان الملف ووجود تقارير فنية وشهادات طبية قطعية وموثقة لا تحتاج لأي تأجيل. وقفت الحاجة هدى أمام منصة المحكمة كممثلة للحق المدني، وتحدثت بصوت وقور وهادئ وبثقة المحنكين سيدي الرئيس.. إن هذه القضية ليست مجرد خلاف زوجي أو چريمة سړقة.. إنها اغتيال للإنسانية والكرامة.. الجاني استغل طيبة المجني عليها وهدوء عائلتها وظن أن القانون ينام.. لكن القانون ساهر ومستيقظ بالعدل الذي تمثلونه.. نحن لا نطلب سوى القصاص العادل الذي يشفي غليل القلوب المكلومة ويمنع أي وحش آخر من تكرار هذه الچريمة النكراء.
الحلقة العاشرة حكم التاريخ والعدالة المطلقة
بعد تداول واستراحة استمرت لساعتين كاملتين، عاد هيئة المحكمة إلى المنصة لإصدار الحكم التاريخي وسط ترقب يحبس الأنفاس في القاعة وخارجها. وقف الجميع في صمت، ونظر المستشار مدحت الالفى إلى المتهمين في القفص بنظرة مليئة بالاحتقار والڠضب، ثم بدأ في قراءة أسباب الحكم وصوته يتردد عبر مكبرات الصوت بعد تلاوة الأوراق، وسماع المرافعة الشفوية، ومطالعة التقارير الطبية الشرعية والجنائية القاطعة التي لم تترك مكاناً لشك أو ريبة.. تبين للمحكمة أن المتهمين قد ارتكبوا جرائم الخطڤ، والاحتجاز بدون وجه حق المقترن بالټعذيب البدني والنفسي، والشروع في القټل البطيء، والتزوير في محررات رسمية واستعمالها بالإكراه.. وحيث أن المتهم الأول عادل عبد الحي قد داس على كل قيم الدين والإنسانية والمروءة، وباع عرضه ونفسه من أجل طمع دنيوي خسيس.. وحيث أن المتهمة الثانية رسمية محمد قد اشتركت وباركت عڈاب زوجة ابنها بدلاً من أن تكون لها أماً حنونة.. وحيث أن المتهم الثالث فرج المنشاوي قد خان شرف مهنة المحاماة السامية ولوث رداء العدالة بالتزوير.. لذلك.. حكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء أولاً بمعاقبة المتهم عادل عبد الحي بالسجن المؤبد المشدد عما أسند إليه من اټهامات الخطڤ والټعذيب والشروع في القټل. ثانياً بمعاقبة المتهمة رسمية محمد بالسجن المشدد لمدة 15 سنة مع الشغل والنفاذ. ثالثاً بمعاقبة المتهم فرج المنشاوي بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات وشطبه نهائياً من نقابة المحامين ومصادرة كافة المستندات المزورة. وإلزامهم جميعاً بالمصاريف الجنائية وإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة. انطلقت صرخات الفرحة والزغاريد في قاعة المحكمة وخارجها، وضج المكان بالتصفيق الحاد ابتهاجاً بالعدالة الناجزة والحكم القاسې الرادع. انهار عادل وسقط على أرضية القفص يبكي ويدق رأسه في الحديد، بينما كانت أمه تصرخ وتلطم وجهها ندماناً على ما اقترفت يداها. التفتت مريم إلى والدتها والحاجة هدى، وارتمت في أحضانها تبكي بدموع الفرح والراحة لأول مرة منذ أشهر الحمد لله يا ماما.. الحمد لله حقنا رجع.. أنتِ أنقذتيني من المۏت ومن الذل. نظرت الحاجة هدى إلى ابنتها، ومسحت دموعها برفق، وأمسكت بمسبحتها الخشبية من جيب مريلتها وبدأت تسبح بهدوء وثبات، وعيناها تتأملان قفص الاتهام الفارغ بعد أن تم اقتياد المتهمين إلى سجن الترحيلات بملابسهم الزرقاء لقضاء بقية حياتهم خلف القضبان. وخرجت الأم وابنتها من باب المحكمة مرفوعتي الرأس وسط تحية واحترام الجميع، بعد أن أثبتت الست العجوز ذات الشعر الأبيض أن خلف هدوئها وطيبتها عقلاً يدير العدالة وقوة تهز الجبال وتحمي المظلومين ولا تترك حقاً يضيع.