لما بابا دخل على المستشفى بقلم روماني مكرم

لما بابا دخل عليا أوضة المستشفى، كان جسمى بيرتعش من تعب الولادة، وضامة ابني إلى صدري.
بابا أول ما شاف المولود قال يا ضنايا.. هو ال 50 ألف جنيه اللي كنت ببعتهملك كل شهر مكنوش مكفيين ولا إيه؟
قلبي وقف! 50 ألف إيه؟!
جوزي طارق كان لسه خارج هو وأمه الحاجة كريمة، قالوا إيه نازلين نجيب حاجة من العربية. وأنا ولا جه في بالي، كنت مشغولة بس في ملامح حتة اللحمة الحمراء اللي بين إيديا.
بابا الحاج محمود دخل وعينيه الحنينة كانت لسه حادة وبتبرق زي الصقر في وقت اللزوم. باس راسي، وبعدين بص حواليه في الأوضة الحكومية الضيقة، والستاير الباهتة، والكرسي اللي بيزيق مع كل حركة. عقد حواجبه باستغراب شديد.
وبصوت هادي بس مسموع في الأوضة، قال يا ضنايا.. هو ال 50 ألف جنيه اللي كنت ببعتهملك كل شهر مكنوش مكفيين ولا إيه؟
قلبي وقف! للحظة افتكرت إن البنج مأثر على وداني وبسمع تهيؤات.
همست والشكة في قلبي بابا.. فلوس إيه؟
لون وشه اتخطف وبقى زي الورقة البيضاء الفلوس اللي ببعتها من يوم فرحك.. كنت بحولها على الحساب اللي طارق فتحه باسمك. كنت عايزك أنتِ وابني متتحوجوش لحد وتجيبوا كل اللي نفسكم فيه. وبص بكسرة عين لقميص المستشفى الرخيص اللي أنا لابساه، وشنطة البامبرز الشعبي اللي محطوطة تحت السرير.. وكمل أوعي تقولي إنك مشفتيش مليم منها؟
هزيت راسي ببطء والدنيا بدأت تلف بيا. طول السنة اللي فاتت وطارق يقنعني إن الحال واقف، وإن استقالتي من المدرسة عشان الحمل كانت تضحية عشان نربي العيال. كان بيحسسني إننا بنشحت، وإننا مش قادرين نجيب سرير نضيف للبيبي ولا حتى شقة أوسع. اعتذرت له مية مرة إني حمولة تقيلة عليه، وكنت بمنع نفسي عن الفاكهة عشان أوفر تمن المكرونة!
في اللحظة دي بالظبط، الباب

اتفتح.. ودخل طارق ومعاه أمه كريمة، وهما ميتين من الضحك، وشايلين في إيديهم شنط ماركات عالمية بتلمع. ساعات دهب، وجزم جلد غالية، وشنطة إيد تمنها يفتح بيت سنة كاملة.
الكاتب_رومانى_مكر

أول ما شافوا بابا ووشه اللي زي الرعد، الضحكة اتجمدت على شفايفهم.. والجو في الأوضة بقى يشعلل نار.
بابا محمود نطق بكلمتين، كل كلمة فيهم زي الطلقة قولي يا طارق.. فَهّمت بنتي الفلوس بتاعتها كانت بتروح فين؟ ووو سيبلى لايك طارق بلع ريقه، وبص لأمه بسرعة كأنه بيدور على إجابة تنقذه. أما الحاجة كريمة فشدّت الشنط ناحية رجلها بخفة، وحاولت تبتسم ابتسامة باهتة.
قالت وهي بتضحك ضحكة مصطنعة يا حاج محمود، إيه الكلام الكبير ده؟ أكيد فيه سوء تفاهم.
لكن بابا ما ردش عليها، كان مركز عينيه على طارق بس.
أنا بسألك سؤال واضح… الفلوس اللي كنت بحولها كل شهر، بنتي كانت تعرف عنها إيه؟
سكتة ثقيلة نزلت على الأوضة.
أنا بصيت لطارق، مستنية منه يقول أي حاجة تنفي الكابوس اللي بدأ يتشكل قدامي.
لكنه اتلعثم يعني… أصل… الفلوس دي كانت بتدخل في مصاريف البيت.
بابا ضحك ضحكة قصيرة خلتني أخاف.
مصاريف بيت؟
وأشار بإيده حوالين الأوضة.
البيت اللي بنتي كانت بتقولي فيه إنها مش قادرة تجيب فيتامينات الحمل؟ ولا البيت اللي كانت بتستخسر فيه كيلو فاكهة؟
وش طارق احمر.
أما الحاجة كريمة فدخلت بسرعة يا حاج إحنا أهل ومش هنحاسب بعض على القرش…
لكن بابا قاطعها بحزم بالعكس… لما القرش يبقى حق بنتي، يبقى لازم يتحاسب عليه.
في اللحظة دي الممرضة دخلت عشان تطمن عليا وعلى البيبي، لكن أول ما شافت الوجوه المشدودة رجعت خطوة لورا.
وأنا كنت حاسة إن صدري بيضيق.
مش بس بسبب الفلوس…
لكن بسبب الذكريات اللي بدأت تربط نفسها ببعض.
مرة لما طلبت من طارق نجيب سرير أطفال وقال استحملي شوية.
مرة لما قلتله إن الإيجار متأخر فقال الدنيا خنقانا.
مرة لما شفته جايب تليفون جديد وقال إنه قسط.
كل موقف كان بيرجع قدامي دلوقتي بشكل مختلف.
وفجأة بابا طلع من جيبه ظرف بني سميك.
حطه على الترابيزة جنب السرير.
وقال بهدوء مخيف
أنا جاي النهارده ومعايا كل إيصالات التحويلات من أول شهر بعد الجواز…
طارق اتجمد مكانه.
أما الحاجة كريمة فشهقت بدون ما تقصد.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما بابا فتح الظرف، وسحب ورقة واحدة بس من وسط عشرات الأوراق…
وبص لطارق وقال
الغريب إن فيه حاجة في الإيصالات دي خلتني أشك من أسبوعين وأبدأ أدور…
وساعتها لأول مرة الخوف الحقيقي ظهر في عيون طارق.
لأن الورقة اللي كانت في إيد بابا ما كانتش إيصال تحويل عادي…
وكان واضح إنها مخبية سر أكبر بكتير من حكاية الخمسين ألف جنيه.
يتبع…طارق مد إيده بسرعة كأنه عايز يشوف الورقة، لكن بابا سحبها قبل ما يلمسها.
وقال بنبرة ثابتة استنى مكانك.
الأوضة كلها بقت ساكتة.
حتى البيبي اللي كان بيعيط من شوية، سكت كأنه حاسس إن فيه حاجة كبيرة بتحصل.
أنا بصيت للورقة، وحاولت أفهم إيه اللي فيها.
لكن بابا كان ماسكها بعيد.
الحاجة كريمة حاولت تضحك يا حاج محمود، هو إحنا في تحقيق ولا إيه؟
رد عليها من غير ما يبصلها كنت أتمنى يبقى سوء تفاهم.
وبعدين وجه كلامه لطارق لما سألت البنك عن سبب تأخر بعض التحويلات، الموظف قال معلومة غريبة.
طارق بدأ يتنفس أسرع.
قال إن الحساب اللي كنت بحول عليه… مش بيتصرف منه مصاريف بيت زي ما كنت فاكر.
أنا حسيت بقلبي بيخبط بعنف.
بابا كمل كل شهر تقريبًا، بعد يوم أو يومين من نزول المبلغ، كان بيخرج جزء كبير منه في عملية واحدة.
الحاجة كريمة قبضت على شنطتها بقوة.
أما طارق فبدأ يعرق رغم برودة التكييف.
قلت بصوت مرتجف يعني إيه؟
بابا لف الورقة ناحيتي.
لكن قبل ما ألمح اللي فيها، طارق قال فجأة
أنا هشرح.
دي كانت أول مرة يتكلم بثقة من ساعة ما دخل.
بابا عقد دراعيه اتفضل.
طارق أخد نفس طويل وقال أنا كنت بحاول أعمل مشروع.
أنا رمشت باستغراب.
مشروع؟
أيوه… مشروع يضمن مستقبلنا.
للحظة حسيت إن فيه تفسير منطقي أخيرًا.
لكن بابا هز راسه ببطء.
وقال لو كان مشروع فعلًا، مكنتش هتتفاجئ لما عرفت اسم الجهة اللي كانت الفلوس بتروح لها.
الأوضة اتجمدت.
وطارق ساعتها فقد لونه تمامًا.
أما الحاجة كريمة فبصت للأرض لأول مرة.
أنا بقيت أبص بينهم ومش فاهمة.
صرخت حد يفهمني!
بابا فتح الورقة أخيرًا.
كانت عبارة عن كشف حركة مختصر.
وفي منتصف الصفحة كان فيه اسم متكرر عشرات المرات.
اسم جهة واحدة.
جهة كانت بتسحب مبالغ ضخمة شهر ورا شهر.
لكن قبل ما يوصل الورقة لإيدي، دخل راجل خمسيني لابس بدلة رمادي على باب الأوضة.
وقف للحظة وهو بيدور بعينيه.
وبعدين أول ما شاف طارق قال بصوت عالي
الحمد لله إني لقيتك أخيرًا يا أستاذ طارق…
طارق اتجمد.
الراجل كمل
بقالنا أسبوع بندور عليك علشان توقع على الإخطار الأخير.
وساعتها أنا عرفت من وش طارق إن المصيبة الحقيقية لسه ما بدأتش أصلًا…
يتبع…الراجل دخل خطوتين جوه الأوضة، وما كانش منتبه للتوتر اللي مالي المكان.
مد ملف أزرق ناحية طارق وقال
اتفضل… لازم تستلم بنفسك.
طارق ما اتحركش.
ولا حتى مد إيده.
الراجل استغرب فيه إيه؟
بابا قام من على الكرسي ببطء وقال أنا والد مراته. ممكن أفهم الموضوع؟
الراجل بص بينا كلنا، وحس إن فيه حاجة مش طبيعية.
قال بحذر أنا مش جاي أعمل مشكلة… بس إحنا شركة إدارة عقارات.
عيني اتسعت.
عقارات؟!
بابا خطف الملف من إيد الراجل وفتحه.
طارق جرى خطوة لقدام لو سمحت

لمحة نيوز
يا حاج…
لكن بابا كان سبق الكل.
بدأ يقلب الورق بسرعة.
ثم فجأة رفع عينه ناحية طارق.
نظرة عمرى ما شوفتها في عيون بابا.
صدمة ممزوجة بغضب.
قال بصوت منخفض
شقة؟
سكت ثواني.
ثم قلب صفحة تانية.
وشقة كمان؟!
أنا حسيت الأرض بتميد بيا.
الحاجة كريمة قامت واقفة مرة واحدة.
هات الملف ده!
لكن بابا كان خلص تقريبًا.
رفع أول ورقة قدامي.
كانت عقد حجز وحدة سكنية.
وباسم…
طارق.
لوحده.
من غير اسمي.
ومن غير أي إشارة ليا أو للبيبي.
قلبي انقبض.
قلت بصوت مخنوق إيه ده يا طارق؟
طارق بلع ريقه وقال بسرعة
كنت بجهز مستقبلنا.
لكن الراجل صاحب البدلة قطب حاجبيه وقال باستغراب
مستقبلكم إيه يا أستاذ؟ حضرتك كاتب في الأوراق إن الوحدة استثمار شخصي.
الأوضة كلها سكتت.
طارق لف ناحية الراجل بعصبية محدش طلب رأيك.
الراجل اتراجع خطوة.
أما أنا فبدأت أربط الحكايات ببعض.
كل مرة كان يقول مفيش فلوس.
كل مرة كان يأجل أي طلب للبيت.
كل مرة كان يخليني أحس بالذنب لو اشتريت حاجة لنفسي.
وفي المقابل…
كان بيدفع أقساط شقتين كاملتين.
بابا قفل الملف بعنف.
وقال
يعني بنتي كانت بتولد في مستشفى حكومي علشان توفر ثمن المستشفى الخاص… وأنت بتشتري عقارات؟
طارق ما ردش.
الحاجة كريمة هي اللي اتكلمت
ما هو كان بيأمن مستقبله.
أول ما قالت الجملة، عرفت إنها قالت حاجة ما كانش المفروض تتقال.
لأن بابا سأل فورًا
مستقبله هو؟ ولا مستقبل أسرته؟
الحاجة كريمة عضت على شفايفها وسكتت.
لكن الكلمة كانت خرجت خلاص.
وفي اللحظة دي، الراجل صاحب البدلة قال جملة قلبت الجو كله
على فكرة… مش دي الوحدة الوحيدة.
الجميع بصله.
حتى طارق.
الراجل قال بتوتر
أنا افتكرت إن الأسرة كلها عارفة… فيه ملف تاني عندنا خاص بوحدة ثالثة.
طارق صرخ
اسكت!
لكن الصرخة نفسها كانت أكبر اعتراف ممكن.
أما أنا…
فبدأت أشك إن الفلوس اللي اختفت طول السنة ما كانتش مجرد خمسين ألف كل شهر…
وإن الرقم الحقيقي اللي اتصرف من ورا ضهري أكبر بكتير مما كنت أتخيل.
يتبع…الأوضة بقت خانقة.
أنا حاسة إن نفسي بيتقطع، مش من تعب الولادة المرة دي… لكن من كمية الصدمات اللي بتنزل فوق دماغي واحدة ورا التانية.
الراجل صاحب البدلة اتراجع خطوة وقال أنا آسف… واضح إني جيت في وقت مش مناسب.
لكن بابا أوقفه فورًا لا، دلوقتي أنسب وقت. كمل.
طارق قرب منه بعصبية قولتلك امشي.
لكن الراجل بص لطارق باستغراب هو أنا بقول حاجة سر؟ دي أوراق رسمية.
وساعتها سحب ورقة صغيرة من الملف.
بص فيها ثواني وقال آخر دفعة وصلت للحساب كانت من أقل من أسبوعين.
بابا عقد حاجبيه.
وأنا افتكرت حاجة فجأة.
من أسبوعين بالضبط…
كنت قاعدة على الكنبة بعيط من وجع ضهري في آخر الحمل.
وطلبت من طارق نجيب كرسي مريح لأن الدكتور قال لازم أريح ضهري.
وقتها رد عليا اصبري الشهر ده… إحنا بالعافية.
الكلمات رجعت تدور في وداني.
إحنا بالعافية.
في نفس الوقت اللي كان فيه بيدفع أقساط عقارات!
حسيت بدموعي بتنزل لوحدها.
بابا شافني، فحاول يهدى نفسه.
لكن قبل ما يتكلم، الموبايل بتاع طارق رن.
رنّة طويلة قطعت الصمت.
طارق بص للشاشة، واتغير لون وشه فورًا.
حاول يقفل المكالمة بسرعة.
لكن بابا لمح الاسم قبل ما الشاشة تطفي.
قال مين الأستاذ سامي ده؟
طارق ما ردش.
الموبايل رن تاني.
وتالت.
ورابع.
كأن الشخص اللي بيتصل مصمم يوصل له.
الحاجة كريمة قالت بسرعة أكيد شغل.
لكن الراجل صاحب البدلة هز رأسه باستغراب.
وقال أستاذ سامي؟
كلنا بصينا له.
كمل هو مش ده اسم السمسار اللي باعلك آخر وحدة؟
الصمت نزل كأنه حجر على صدورنا.
طارق بقى واقف مكانه من غير ما يعرف يقول إيه.
أما أنا فبقيت حاسة إن فيه تفاصيل أكتر لسه مستخبية.
لأن رد فعل طارق كان أكبر من مجرد خوف على سر انكشف.
كان فيه ذعر حقيقي.
وفجأة وصلته رسالة.
الشاشة نورت للحظة.
ولأن الموبايل كان على الترابيزة قريب مني، لمحت أول سطر قبل ما يخطفه.
وكان مكتوب
لازم نتقابل النهارده… الموضوع خرج عن السيطرة.
اتجمدت مكاني.
وبابا لمح التغيير في وشي.
قال شفتي إيه؟
أنا رفعت عيني ناحية طارق.
ولأول مرة من بداية القصة…
لقيته مرعوب بجد.
مرعوب من حاجة أكبر من الفلوس والشقق.
حاجة كان بيحاول يخبيها بكل قوته.
لكن واضح إنها بدأت تطلع للنور واحدة واحدة…
يتبع…طارق خطف الموبايل بسرعة وحطه في جيبه، لكن الأوان كان فات.
بابا قرب منه خطوة وقال بهدوء مخيف الموضوع خرج عن السيطرة في إيه بالظبط؟
طارق حاول يتماسك شغل… مجرد شغل.
لكن صوته كان مهزوز بطريقة فضحته.
الراجل صاحب البدلة بص لطارق وقال لو الموضوع خاص بالوحدة الأخيرة، فأنت لازم تحله بسرعة.
طارق لف له بعصبية أنا قولتلك متتكلمش!
ساعتها حتى الحاجة كريمة بدأت تقلق.
لأول مرة من ساعة ما دخلت الأوضة، ملامح الثقة اختفت من وشها.
بابا مد إيده وقال هات الموبايل.
مستحيل.
هات الموبايل يا طارق.
ده موبايلي وأنا حر فيه.
بابا ما ردش.
بس نظراته كانت كفاية تقول إن الصبر بدأ يخلص.
وفي اللحظة دي، الموبايل رن تاني.
المرة دي رسالة صوتية.
ومن التوتر، طارق ضغط عليها بالغلط وهو بيحاول يقفلها.
وفجأة خرج الصوت في الأوضة كلها.
صوت راجل
يا طارق، لازم ترد عليا. الناس عايزة تعرف هنسدد الفرق منين بعد ما السعر اتغير. وأنا مش قادر أوقفهم أكتر من كده…
الصوت اتقطع.
لكن الكلمات كانت كافية.
الفرق؟
الناس؟
السداد؟
بابا بص للملف، وبص لطارق.
وقال إنت مشتري الحاجات دي كلها بأقساط أكبر من قدرتك؟
طارق سكت.
وده كان أول اعتراف.
أنا افتكرت فجأة ليالي كتير كان بيقعد فيها سهران ومتوتر، ومكالمات كان يقفلها أول ما أدخل عليه.
كنت فاكرة إنها ضغوط شغل.
لكن الصورة بدأت تتجمع.
الراجل صاحب البدلة تنحنح وقال بصراحة… في أكتر من قسط متأخر.
الحاجة كريمة شهقت إيه؟!
واضح إنها هي نفسها ما كانتش تعرف كل حاجة.
بابا قال يعني أخدت فلوس بنتي، وحبستها في عقارات، وكمان متعثر؟
طارق قعد على الكرسي كأنه فجأة فقد كل قوته.
ولأول مرة، ما حاولش يدافع عن نفسه.
عدت ثواني طويلة.
ثم قال بصوت منخفض
أنا كنت فاكر الأسعار هتزيد بسرعة وأبيع وأكسب.
الأوضة كلها سكتت.
وفي الأول فعلاً كسبت شوية.
رفع عينه ناحيتي.
بعدها دخلت في وحدات أكتر… وأقساط أكتر.
بابا قال بحدة وبنتي؟
طارق نزل عينه للأرض.
كنت كل مرة أقول لنفسي شهر كمان وأرجع لها كل حاجة.
لكن الشهور عدت.
والديون كبرت.
والأقساط زادت.
وأنا كنت عايشة فاكرة إن البيت فقير.
في نفس اللحظة، الباب اتفتح من جديد.
ودخل شاب صغير ماسك ظرف أبيض كبير.
وقف عند الباب وقال
أستاذ طارق موجود؟
كل العيون اتجهت له.
الشاب رفع الظرف وقال
معايا إخطار مستعجل، وطُلب مني أسلمه النهارده شخصيًا.
طارق غمض عينيه للحظة.
أما أنا…
فكان عندي إحساس إن الظرف ده هيكشف حاجة جديدة تمامًا، حاجة محدش في الأوضة كان متوقعها.
يتبع…الشاب دخل بخطوات مترددة، واضح إنه مش فاهم ليه كل الناس باصة له بالشكل ده.
مد الظرف ناحية طارق وقال
لو سمحت وقّع هنا بالاستلام.
طارق فضل ثابت مكانه.
ما مدش إيده.
ما اتكلمش.
بس كان باين عليه إنه عارف كويس جدًا إيه اللي جوه الظرف.
بابا مد إيده بدلًا منه وقال
أنا حماه. فيه مشكلة؟
الشاب هز كتفه وقال
معرفش يا فندم، أنا مجرد مندوب. بس قالولي أسلمه النهارده ضروري.
الظرف كان مكتوب عليه بخط أحمر عريض
هام وعاجل
قلبي بدأ يدق أسرع.
بابا فتح الظرف.
الحاجة كريمة قربت.
وأنا رفعت نفسي بالعافية من على السرير عشان أشوف.
أول صفحة ظهرت كانت مليانة أرقام وأختام.
بابا قرأ سطرين…
ثم توقف.
وبص لطارق.
بصة مختلفة المرة دي.
مش غضب.
ولا صدمة.
إنما عدم تصديق.
قال ببطء
إنت ضامن؟
طارق غمض عينيه.
وما ردش.
أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا من جديد.
ضامن مين؟
بابا قلب الصفحة التانية.
وكان واضح إن الموضوع أكبر من الشقق كلها.
أكبر من الأقساط.
وأكبر من الفلوس اللي اختفت.
قال بصوت منخفض
إنت ماضي كضامن في
التزامات مالية بمبلغ ضخم.
الحاجة كريمة شهقت
إيه؟!
وبعدين بصت لابنها بعينين واسعتين
إنت عملت إيه يا طارق؟
لأول مرة، طارق بان عليه الانكسار الحقيقي.
مسح وشه بإيده وقال
كنت فاكر الموضوع بسيط.
بابا ضرب الملف على الترابيزة.
مفيش حاجة اسمها بسيط في ملايين الجنيهات!
الأوضة كلها اتجمدت.
حتى المندوب وقف مذهول.
أنا همست
ملايين؟
بابا بصلي بسرعة كأنه ندم إنه قالها.
لكن الكلمة خرجت خلاص.
ملايين.
مش عشرات الآلاف.
مش مئات الآلاف.
ملايين.
وفي اللحظة دي، الحاجة كريمة قعدت على الكرسي وهي بتحط إيدها على صدرها.
واضح إنها هي نفسها كانت فاكرة إن ابنها بيستثمر شوية فلوس وخلاص.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
وفجأة…
موبايل طارق رن مرة تانية.
المرة دي باسم مختلف.
اسم قصير جدًا.
المحاسب
طارق بص للشاشة.
ثم للملف.
ثم لوالدتي… ثم لي.
وكأنه واقف عند آخر نقطة يقدر بعدها يخبي أي حاجة.
لكن اللي لفت انتباهي مش اسم المتصل.
اللي لفت انتباهي ورقة صغيرة كانت وقعت من الظرف على الأرض من غير ما حد ياخد باله.
ورقة مطوية.
عليها بخط اليد
في حالة التأخر عن السداد يتم اتخاذ الإجراءات الخاصة بالضمانات المقدمة.
مديت إيدي بالعافية وجبتها.
ولما فتحتها…
لقيت سطر واحد بس مكتوب في آخر الصفحة.
سطر خلاني أبص لطارق وأنا حاسة إن فيه مفاجأة جديدة لسه مستخبية
الضامن الأول طارق عبد الرحمن…
وتحتها مباشرة اسم تاني مألوف جدًا…
اسم شخص من العيلة نفسها.
شخص محدش كان يتوقع أبدًا إنه داخل في كل اللي بيحصل ده.
يتبع…إيدي كانت بتترعش وأنا ببص للاسم.
في الأول افتكرت إني بقرأ غلط من التعب.
قربت الورقة أكتر.
وقريت الاسم مرة تانية.
وتالتة.
لا…
ماكانش فيه غلط.
رفعت عيني ببطء ناحية صاحب الاسم.
الحاجة كريمة.
أمه.
الأوضة كلها سكتت.
أما الحاجة كريمة نفسها فاتغير لون وشها فجأة.
قالت بسرعة
أنا؟!
بابا خطف الورقة من إيدي.
قرأها.
وبعدين بص لها مباشرة.
إنتِ كنتِ عارفة.
هزت رأسها بعنف
والله ما أعرف حاجة عن ملايين ولا ديون.
لكن ارتباكها كان واضح.
طارق ساعتها قال لأول مرة
ماما كانت عارفة جزء بس.
الحاجة كريمة لفت ناحيته مصدومة
إنت بتقول إيه؟
قال بصوت مكسور
عارفة إني اشتريت الوحدات.
أيوة… بس مش أكتر من كده.
وعارفة إنك مضيتي معايا.
سكتت.
والسكون ده كان أخطر من أي كلام.
أنا حسيت بصدري يضيق.
لأن الصورة بقت أوضح.
في حاجات كتير كانت مستخبية.
لكن فيه كمان حاجات بدأت تتكشف.
بابا قعد على الكرسي وهو بيقلب الورق كله للمرة المية.
وبعدين فجأة وقف عند صفحة معينة.
عينيه ضاقت.
وقرب الورقة من وشه.
استنى…
طارق رفع رأسه.
إيه؟
بابا ما ردش.
فضل مركز في الصفحة.
ثم قلب الصفحة اللي بعدها بسرعة.
وبعدها اللي بعدها.
وفجأة قال
مش معقول.
كلنا بصينا له.
حتى المندوب نسي نفسه وفضل واقف.
بابا رفع الورقة في الهوا.
وقال
الوحدات دي اتسجل منها واحدة باسمك.
وأشار لطارق.
ووحدة تانية مرتبطة بالضمان.
ثم سكت.
أنا قلت بقلق
وفيه إيه كمان؟
بابا رفع عينه ناحيتي.
وقال
فيه وحدة تالتة…
طارق شد جسمه كله.
…ما اتسجلتش باسم طارق أصلاً.
الأوضة اتجمدت.
الحاجة كريمة شهقت.
وطارق نزل عينه للأرض.
وأنا حسيت إن قلبي هيقف.
قلت
باسم مين؟
ثواني طويلة عدت.
ثواني كانت كأنها ساعات.
ثم بابا قلب الورقة ناحية طارق.
وقال
قولهم أنت.
طارق ما ردش.
ولا رفع عينه.
ولا حتى حاول ينكر.
وده كان كفاية يخوفني أكتر.
لأن أول مرة من بداية المواجهة كلها…
طارق بقى ساكت تمامًا.
وكأنه عارف إن الحقيقة دي بالذات لو خرجت…
هتغير كل حاجة في العيلة للأبد.
يتبع…الأوضة بقت ساكتة بشكل مرعب.
حتى صوت الأجهزة البسيطة حواليا كان مسموع.
أنا بصيت لطارق وقلت بصوت مخنوق
الوحدة التالتة باسم مين؟
ما ردش.
فضل باصص للأرض.
بابا ضرب بإيده على طرف الترابيزة وقال بحزم
اتكلم.
الحاجة كريمة كانت ماسكة طرف طرحتها بإيد مرتعشة.
واضح إنها عرفت الإجابة قبل ما تتقال.
لكنها خايفة تسمعها بصوت عالي.
وأخيرًا…
طارق رفع رأسه.
وقال بصوت واطي
باسم ماما.
شهقة خرجت مني ومن الممرضة اللي كانت واقفة عند الباب في نفس اللحظة.
أما الحاجة كريمة فقامت واقفة بسرعة
أنا؟!
طارق قال
أيوه.
إنت مجنون؟!
كنت خايف أحط كل حاجة باسمي.
الأوضة انفجرت بالكلام.
الحاجة كريمة بدأت تصرخ
أنا مكنتش أعرف!
وبابا رد بغضب
بس مضيتي!
قالت وهي مرتبكة
قال لي دي إجراءات عادية.
أنا كنت ساكتة.
مش قادرة أتكلم.
كل اللي كنت بفكر فيه إن سنة كاملة من الحرمان والتوفير والضغط النفسي…
وفي المقابل كانوا بيشتروا شقق ويسجلوا عقود.
لكن وسط الزحمة دي كلها…
بابا كان لسه بيقلب في الملف.
وفجأة سكت.
سكت بطريقة خلت الكل ينتبه له.
رفع ورقة أخيرة من آخر الملف.
ورقة كانت متدبسة لوحدها.
وبص لطارق نظرة غريبة.
ثم قال
يعني حتى دي عملتها؟
طارق اتجمد.
أنا حسيت بقلبي نزل في رجلي.
في إيه يا بابا؟
بابا قرأ السطر الأول.
ثم أغلق الورقة بسرعة.
كأنه مش عايزني أشوفها وأنا تعبانة.
لكن الحركة دي خلتني أقلق أكتر.
قلت بإصرار
قول.
بابا تنهد.
وبعدين قال
الورقة دي بتقول إن طارق مقدم طلب بيع لإحدى الوحدات.
أنا بصيت لطارق باستغراب.
ما يبيعها.
لكن بابا هز رأسه.
المشكلة مش في البيع.
أمال في إيه؟
رفع الورقة.
وأشار لسطر صغير في آخر الصفحة.
وقال
المشكلة إنه كان مستعجل جدًا لدرجة إنه وافق يبيعها بخسارة كبيرة.
الأوضة كلها سكتت.
الراجل صاحب البدلة قال تلقائيًا
فعلاً… أنا فاكر الملف ده.
وبعدين بص لطارق
حضرتك كنت مصمم تخلص البيع خلال أيام.
هنا بس فهمت.
لو واحد بيبيع ممتلكاته بسرعة وبيخسر فيها…
يبقى فيه حاجة أكبر بتطارده.
حاجة محتاج لها فلوس فورًا.
بابا سأل السؤال اللي كان في دماغنا كلنا
كنت محتاج السيولة دي ليه؟
طارق فتح فمه…
ثم قفله.
فتح فمه مرة تانية…
لكن قبل ما ينطق،
رن موبايله للمرة العاشرة تقريبًا.
المرة دي ما كانش المحاسب.
ولا سامي.
كان رقم مجهول.
طارق بص للشاشة.
ولأول مرة من بداية اليوم…
الخوف الحقيقي رجع لوشه.
خوف خلى إيده نفسها ترتعش.
ولما الرنة وقفت…
وصلت رسالة قصيرة.
الشاشة نورت للحظة.
والاسم ما ظهرش.
لكن أول جملة ظهرت كانت كافية تخلي لون وشه يختفي تمامًا
دي آخر مهلة… وإحنا جايين النهارده.
يتبع…طارق فضل باصص للشاشة كأنه اتشل.
إيده كانت بتترعش بشكل واضح.
بابا لمح الرسالة، ومد إيده بسرعة وخطف الموبايل قبل ما طارق يلحق يقفله.
يا حاج اديني التليفون.
لكن بابا كان فتح الرسالة بالفعل.
قراها كاملة.
ومع كل سطر كان وشه بيتغير.
أنا حسيت بقلبي هيخرج من مكانه.
قلت بقلق
في إيه؟
بابا ما ردش فورًا.
رفع عينه لطارق وقال
مين دول؟
طارق سكت.
بسألك مين دول؟
ناس ليا معاهم معاملات.
معاملات إيه؟
مفيش إجابة.
الأوضة كلها كانت مستنية.
وفجأة الحاجة كريمة قالت بصوت مرتعش
هو فيه حد بيهددك يا ابني؟
طارق بص لأمه.
ولأول مرة من بداية اليوم كله…
هز رأسه بالإيجاب.
ساعتها أنا حسيت ببرودة غريبة سرت في جسمي.
مش خوف عليه.
لكن خوف من حجم الكارثة اللي مستخبية.
بابا رجع يبص للموبايل.
وفي الرسائل القديمة لقى عشرات المحادثات.
طلبات سداد.
مواعيد.
مبالغ.
وتحذيرات.
لكن وسط كل ده، كانت فيه رسالة مختلفة.
رسالة قصيرة جدًا.
مكتوب فيها
متنساش إن معانا الشيكات الأصلية.
بابا قفل الموبايل ببطء.
وبعدين قال
إنت مضيت شيكات؟
طارق نزل عينه للأرض.
وده كان اعتراف جديد.
الحاجة كريمة قعدت على الكرسي وهي حاطة إيديها على رأسها.
واضح إنها بدأت تستوعب إن الموضوع خرج من مجرد استثمار فاشل.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بثواني.
لأن باب المستشفى اتفتح مرة تانية.
ودخل راجل كبير في السن.
أنيق جدًا.
ولابس بدلة غالية.
أول ما شاف طارق قال
الحمد لله لقيتك.
الأوضة كلها بصت له.
الراجل قرب بهدوء.
وقال
أنا دورت عليك في البيت وفي المكتب.
طارق وقف فجأة.
إنت جيت هنا ليه؟
الراجل رد
علشان أقولك إن فيه خبر مهم.
الغريب إن نبرة صوته ما كانش فيها تهديد.
ولا عصبية.
بالعكس.
كانت هادئة بشكل غريب.
بابا سأله
حضرتك مين؟
الراجل طلع بطاقة من جيبه وسلمها له.
بابا قرأها.
ثم رفع حاجبه باستغراب.
أنا قلت بلهفة
مين؟
بابا رد
محاسب قانوني.
الراجل هز رأسه.
ثم التفت مباشرة إلى طارق.
وقال
أنا خلصت مراجعة كل الملفات اللي طلبتها.
طارق اتجمد.
أما الراجل فأخرج ملفًا رفيعًا من حقيبته الجلدية.
وحطه قدامه.
ثم قال الجملة اللي خلت طارق يترنح في مكانه
فيه حاجة اكتشفتها… ولو طلعت صحيحة، يبقى كل اللي حصل خلال السنة دي مبني على رقم غلط من الأساس.
الصمت نزل على الأوضة كلها.
حتى بابا اتفاجئ.
وأنا بقيت أبص بين
الاتنين مش فاهمة.
رقم غلط؟
أي رقم؟
المحاسب فتح الملف ببطء.
وقبل ما يطلع أول ورقة…
قال
وعشان كده لازم نتأكد من كشف الحساب الأصلي قبل ما حد ياخد أي قرار.
وفي اللحظة دي بالذات…
اتحولت كل الأنظار ناحية الظرف البني اللي بابا كان جايبه من أول اليوم.
لأن الإجابة اللي بيدور عليها الجميع ممكن تكون مستخبية فيه من البداية…
يتبع…بابا قرب الظرف البني منه أكتر، والمحاسب فتح الملف اللي معاه على آخره.
الأوضة كلها كانت ساكتة.
ولا حد بقى مهتم بالشقق، ولا بالأقساط، ولا حتى بالرسائل.
الكل عايز يعرف
إيه الرقم الغلط اللي ممكن يقلب كل اللي عرفناه؟
المحاسب طلع ورقة مطبوعة وقال
أنا راجعت التحويلات اللي كانت بتدخل الحساب.
ثم بص لطارق.
وفي حاجة غريبة جدًا.
طارق بلع ريقه.
أما أنا فكنت حاسة إن قلبي هينفجر من التوتر.
المحاسب كمل
كل التحويلات كانت جاية بانتظام.
بابا هز رأسه وده طبيعي.
اللي مش طبيعي إن الحساب اللي كانت بتدخله التحويلات اتغير مرة من غير ما صاحب التحويلات يلاحظ.
الأوضة كلها اتجمدت.
بابا انتفض في مكانه.
إزاي؟
المحاسب أخرج ورقة تانية.
وأشار لتاريخ قديم.
بعد الجواز بحوالي أربعة شهور.
أنا بقيت أبص للورق وأنا مش فاهمة.
المحاسب قال
قبل التاريخ ده كانت التحويلات داخلة على حساب.
ثم أشار لسطر آخر.
وبعده دخلت على حساب مختلف.
بابا خطف الورقة.
وبدأ يقارن الأرقام.
وفجأة…
ملامحه اتغيرت.
لأن رقم الحساب فعلًا مختلف.
رقم واحد بس في الآخر متغير.
رقم صغير جدًا.
لكن كفاية يودي الفلوس كلها لمكان تاني.
أنا همست
يعني إيه؟
المحاسب رد بهدوء
يعني فيه جزء كبير من التحويلات ما راحش للحساب اللي إحنا فاكرينه.
حتى طارق رفع رأسه فجأة.
واضح إن المعلومة صدمته هو كمان.
بابا قال بحدة
مستحيل.
المحاسب هز رأسه.
عشان كده جئت بنفسي.
ثم أخرج كشفًا آخر.
وقال
وفيه حاجة أغرب.
الكل سكت.
الحساب الثاني ده مش باسم طارق.
شهقة خرجت من الحاجة كريمة.
أما أنا فحسيت برجلي بتتلج.
قلت
باسم مين؟
المحاسب قلب الصفحة الأخيرة.
وبص للاسم المكتوب.
ثم رفع عينه ناحية بابا.
وقال
الاسم موجود هنا… لكن قبل ما نقفز لاستنتاجات لازم نتأكد رسميًا.
بابا مد إيده بسرعة وأخذ الورقة.
قرأ الاسم.
وفجأة اتجمد مكانه.
أنا عمري ما شفت الصدمة دي على وشه.
ولا حتى يوم وفاة جدي.
قلت بلهفة
مين؟
لكنه ما ردش.
بس فضل باصص للاسم.
ثواني.
ثم رفع عينه ببطء شديد.
ونظر ناحية باب الأوضة.
في نفس اللحظة بالضبط…
كان فيه شخص واقف عند الباب.
واضح إنه سمع آخر جزء من الكلام.
وشه شاحب.
وعينيه مليانة ارتباك.
وأول ما وقعت عين بابا عليه…
قبض على الورقة بقوة.
وقال بصوت منخفض لكنه سمعه الجميع
مستحيل…
أما الشخص الواقف عند الباب…
فبدا كأنه عرف أن السر الذي ظل مخفيًا شهورًا طويلة أوشك أن ينكشف أخيرًا.
يتبع…الشخص الواقف عند الباب اتجمد مكانه، كأنه كان ناوي يدخل ويخرج في نفس اللحظة.
بابا بص له نظرة طويلة.
نظرة ما فيهاش صدمة بس فيها فهم مرعب بدأ يتكوّن.
قال بهدوء خطير اقفل الباب وتعالى.
الراجل اتردد.
المحاسب بص في الورق بسرعة، وبعدين همس ده لازم نوقف عنده قبل أي تصعيد.
أنا ما بقيتش فاهمة حاجة.
كل اللي كنت عايشاه كان بيتقلب كل دقيقة.
الشخص دخل ببطء.
خطوة خطوتين ووقف في نص الأوضة.
وبمجرد ما نور الإضاءة وقع على وشه
الحاجة كريمة شهقت إنت؟!
أنا بصيت.
وكان موظف قديم عند طارق.
اللي كان بييجي البيت مرة أو مرتين من زمان.
طارق اتفاجئ أكتر من أي حد.
إنت بتعمل إيه هنا؟
الراجل ما ردش عليه.
بص للمحاسب الأول.
وبعدين لبابا.
وقال بصوت واطي أنا جيت عشان أصلح حاجة اتأخرت كتير.
بابا عقد حاجبيه إنت ليك علاقة بالحساب التاني؟
الراجل بلع ريقه.
وهز رأسه بالإيجاب.
الأوضة كلها سكتت.
المحاسب فتح الملف بسرعة وقال اتفضل وضّح.
الراجل خد نفس عميق.
وبدأ كلامه.
الحساب التاني ده ما كانش مفروض يبقى موجود بالشكل ده.
طارق اتقدم خطوة يعني إيه؟
الراجل بص له مباشرة.
يعني فيه توقيع اتضاف في وقت معين من غير ما صاحب الحساب يعرف.
الصمت ضرب الأوضة زي الصاعقة.
بابا قال توقيع مين؟
الراجل ما ردش فورًا.
بص في الأرض.
ثم رفع عينه ناحية طارق.
وقال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
توقيع حد من العيلة.
الحاجة كريمة صرخت إنت بتتهمني؟!
لكن الراجل هز رأسه بسرعة أنا ما باتهمش أنا بوضح اللي حصل في الملفات.
المحاسب فتح ورقة تانية بسرعة.
وبص لها.
ثم رفع عينه وقال التوقيع اللي على تحويلات الحساب التاني مطابق لتوقيع واحد بس في الملف.
بابا سأل فورًا مين؟
المحاسب سكت لحظة.
ثم قال
نفس الشخص اللي مضى على أول عقد ضمان
رفع الورقة قدامه.
وبص لاسمها.
الحاجة كريمة.
الأوضة انفجرت.
الحاجة كريمة وقعت على الكرسي وهي بتقول ده كذب! أنا عمري ما عملت كده!
لكن بابا ما اتكلمش.
كان باصص في الورق بس.
وبعدين قال بهدوء مخيف يبقى في توقيع اتزور.
المحاسب هز رأسه وده اللي كنت جاي أقوله فيه تلاعب حصل من الأول.
طارق فجأة رفع صوته أنا مكنتش أعرف حاجة!
لكن بابا قاطعه بس الفلوس دخلت وخرجت باسمك.
طارق سكت.
وفي اللحظة دي
الموظف القديم رجع خطوة لورا وقال وفي حاجة أهم من كده
كل العيون اتجهت له.
كمل الشخص اللي كان بيدير التحويلات فعليًا مش طارق.
سكون.
ثم قال الجملة الأخيرة
فيه حد تالت كان ماسك كل حاجة من ورا الكواليس.
بابا شد نفسه وقال مين؟
الراجل رفع عينه ببطء ناحية باب الأوضة
وقال
الشخص اللي برّه دلوقتي هو اللي بدأ كل ده.
كلنا لفينا في نفس اللحظة.
وبابا قال بصوت منخفض جدًا
افتح الباب
واللي دخل بعدها كان هيقلب الحقيقة كلها فوق دماغنا مرة واحدة
يتبع…بابا قال بصوت هادي لكن حاسم افتح الباب.
الموظف القديم مد إيده ببطء وفتح الباب.
اللي دخل ما كانش غريب.
ولا حد جديد.
كان نفس المحاسب القانوني اللي جه من شوية.
بس المرة دي وشه كان مختلف مفيهوش هدوء خالص.
كان ماسك ملف تقيل، وعينيه ثابتة على الكل.
قال أنا آسف إن الموضوع وصل لكده بس لازم الحقيقة تخلص النهارده.
طارق رجع خطوة لورا.
الحاجة كريمة همست إنت؟
المحاسب هز رأسه أيوه أنا اللي كنت براجع كل التحويلات من البداية.
بابا شد نفسه وقال يبقى قول.
المحاسب فتح الملف.
وقال
الحساب التاني والتوقيع والعمليات اللي كانت بتحصل كانت تحت إشراف واحد بس من البداية.
بص لطارق لحظة.
وبعدين بص للحاجة كريمة.
ثم قال الجملة الأخيرة
مش طارق لوحده ومش الحاجة كريمة لوحدها.
سكت.
الأوضة كلها حبست النفس.
وبعدين كمل
كان فيه ترتيب مالي تم بين الطرفين من زمان قبل الجواز حتى بهدف استثمار مشترك بس اللي حصل بعد كده إن الأمور خرجت عن السيطرة بسبب توسع الديون والمضاربات.
الصمت كان تقيل.
أنا بصيت لطارق.
وبصيت للحاجة كريمة.
وبصيت لبابا.
كل واحد فيهم كان باين عليه جزء من الحقيقة بس مش الحقيقة كلها.
بابا قال بهدوء يعني بنتي اتضحك عليها؟
المحاسب نزل عينه وقال اتستغلت ظروفها ومحدش كان قاصد الأذى في البداية لكن الإهمال والجشع عملوا اللي عملوه.
طارق قعد على الكرسي كأنه أخيرًا استسلم.
الحاجة كريمة كانت بتبكي بصمت.
وأنا كنت حاسة إن التعب اللي في جسمي اتبدل بوجع تاني.
وجع الفهم.
بابا خد نفس طويل.
وبعدين قال جملة واحدة بس
طيب والحل؟
المحاسب قفل الملف بهدوء.
وقال
الحل الوحيد تصفية كل العقود، بيع الأصول، وتسوية الديون واللي هيتبقى هيرجع لصاحبه الحقيقي.
بص ليا.
وقال
والحساب الحقيقي واضح الفلوس كانت دايمًا باسمها.
سكون.
وبعدين بابا ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة.
وقال يبقى خلينا نبدأ من الأول صح.
طارق رفع عينه لأول مرة من ساعة المواجهة.
مش خوف.
لكن اعتراف.
الحاجة كريمة مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور أنا آسفة.
لكن بابا رد بهدوء اللي فات ما بيرجعش بس اللي جاي ممكن يتصلح.
أنا حضنت ابني أكتر.
وحسيت لأول مرة من شهور إن الأرض تحت رجلي بدأت تثبت تاني.
وبين صدمة الحقيقة وبداية الحساب
كانت القصة كلها بتتقفل، مش بنهاية صادمة
لكن
ببداية جديدة أجبرتهم كلهم يواجهوا نفس السؤال
إزاي نخلي اللي جاي أعدل من اللي راح؟ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *