وشم على كتف زوجي ج1 حكايات شروق خالد

“من أول يوم قابلت فيه جوزي، لفت نظري إن عنده تاتو على كتفه لوش ست.
مش اسم، ولا رمز، ولا حتى رسمة فنية غامضة ممكن تتفسر بأي شكل. لأ، كان بورتريه كامل. بنت صغيرة في السن، عينيها هادية، شعرها أسود، وعلى وشها نظرة حزينة شوية، كأن حد لقط لها الصورة دي وهي سرحانة في سر مخبياه.
في الأول مألتش. كنا لسه بادئين نخرج، وكنت مكسوفة أفتح السيرة. مكانش نفسي أبين إني غيرانة أو مش واثقة في نفسي بسبب تاتو مرسوم من قبل ما أعرفه بكتير. بس كل ما كان يلبس كات، أو نروح ننزل البحر، أو حتى يتقلب في السرير، كانت هي بتبقى موجودة. ست غريبة معرفهاش، بتبص لي من على جلد خطيبي.
بعد فترة، لما الموضوع مابيننا بقى رسمي وجد،جمعت شجاعتي وأخيرًا سألته.
“”مين دي؟””
بص للتاتو خطف كده وهز كتافه وقال: “”مفيش، حد معرفوش.. متشيليش هم.””
الرد ده كان المفروض يضايقني أكتر من كده، بس كنت صغيرة، وعايشة في قصة حب، وهيمانة ومش عايزة أبان البنت النكدية اللي بتعمل مشكلة من الهوا. فعديت الموضوع.
بعد كده خطبنا.
وفي ليلة، كنا قاعدين وبمشّي صباعي على طرف التاتو، وقولتله بهزار: “”طب إحنا هنتجوز خلاص، يعني ينفع تقولي الحقيقة بقى.. مين الست اللي على كتفك دي؟””
ضحك، بس ضحكته كانت متبنجة ومش طبيعية.
وقال لي: “”والله مفيش قصة كبيرة ولا حاجة. واحد صاحبي زمان كان لسه بيتعلم يعمل تاتو واقعي، ونزل صورة عشوائية من على النت وكان محتاج أي حد يجرب فيه، فقولتله تعال جرب فيا.””
فاكرة إني فضلت بصه له ومبرقة، وبحاول أقرر بيني وبين نفسي هو ده أغبى مبرر سمعته في حياتي، ولا هو فعلاً الشباب بيعملوا الحاجات الغبية دي عادي؟
في الآخر، صدقته.
أو على الأقل، أقنعت نفسي إني مصدقاه.
بس بعد ما اتجوزنا، التاتو بدأ يضايقني أكتر وأكتر. كنت بكره أشوف وش ست تانية على جسم جوزي. وكنت بكره إنه معندوش تفسير حقيقي للموضوع. وبكره إنه كل ما أفتح السيرة، يتعامل معايا على إني مكبرة الموضوع وبدلع.
في النهاية، قولتله إني عايزاه يغطيه.
مش يشيله بالليزر ويتبهدل، مش طلبا منه تضحية خزعبلية يعني. بس يداريه بأي رسمة تانية. أي حاجة.
في الأول قعد يجادل، بعدين قال لي إنه مقدر، ووعدني إنه هيحجز ميعاد ويروح.
بس سبحان الله، دايماً كان بيطلع له حجة تأجله.
مرة أصل التاتوير مسافر برة مصر.
مرة الميزانية مخرومة والفلوس مش جاهزة دلوقتي.
مرة تعبان ومش قادر.
مرة الشغل فوق دماغه ومطحون.
ومرة تانية أصل عايز يفكر كويس في رسمة جديدة تليق وتطلع مظبوطة.
وشهور جرت ورا شهور. وبعدها سنين. والموضوع مات بالبطيء، مش عشان مابقاش هاممني، لأ، عشان زهقت من كتر ما بقيت بحس إني بشحت من جوزي يمسح وش ست ثانية من على جسمه.
ومع الوقت، اتعودت عليها وبقيت ببلعها وخلاص.
لحد الأسبوع اللي فات.
كنت نازلة أشتري شوية حاجات في طنطا، ودخلت مخبز مشهور هناك أجيب قهوة. المكان كان زحمة ومكدس، وكنت خلاص هلف وأرجع، بس فجأة الست اللي كانت واقفة في الطابور قدامي لفت وشها شوية.
أنا هنا اتسمرت في مكاني.
جسمي كله سقع وتلجت.
هي.. هي بنفسها.
الست اللي على كتف جوزي.
كان باين عليها أكبر في السن طبعاً، ممكن بعشر أو خمسطاشر سنة عن الرسمة، بس مكانش عندي ذرة شك واحدة. أنا فضلت باصة للوش ده طول سنين جوازي. حافظة سحبة عينيها. قصة بوقها. حتى الحسنة الصغيرة اللي عند فكها.
هي بشحمها ولحمها.
إيديا بدأت تترعش لدرجة إني كنت هـوقع الموبايل من إيدي.
لفترة قصيرة فضلت واقفة مكاني، براقبها وهي بتطلب القهوة وبتتحاسب عادي جداً، كأنها مش الوش اللي كان كابوس ومطارد جوازي بقاله سنين. وبعدين، وقبل ما عقلي يشتغل وأراجع نفسي، مشيت ناحيتها وروحت لها.
قولتلها وصوتي بيترعش وبحاول أبان هادية: “”لو سمحتي.. عارفة إن الكلام ده هيتبان غريب أوي، بس هو إنتي تعرفي واحد اسمه تامر؟””
أول ما نطقت اسم جوزي، وش الست اتقلب في ثانية.
كل الدم هرب من وشها ولونها خطف. عينيها وسعت على الآخر، ومش علامات استغراب، لأ.. ده كان رعب حقيقي.
وراحت راجعة خطوة لورا.

حكايات شروق خالد
فضلت واقفة مكاني مش مصدقة رد فعلها. الرعب اللي كان في عينيها أكد لي كل الشكوك اللي عشت فيها سنين. دي مش صورة عشوائية من على النت، دي حكاية حقيقية، حكاية جوزي خبّاها عني وعاش بيمثل في حضني إنها ولا حاجة.
هي لفت وشها بسرعة وبدأت تتحرك ناحية الباب وهي بتترعش، كأنها شافت شبح. من غير ما أفكر، مشيت وراها وسبقت خطوتها ووقفت قدامها عند الباب:
“أرجوكي استني.. أنا مش جاية أعمل مشكلة، أنا مراته.. مراته بقالي سنين. وأنا شايلة وشك ده معايا في بيتي وفي أوضة نومي من أول يوم اتجوزنا فيه. من حق أفهم.”
الست أول ما سمعت جملة “وشك معايا في أوضة نومي”، حطت إيدها على بوقها وكأنها هتعيط، وبصت حواليها في المخبز برعب وخوف من الفضيحة، وقالت بصوت واطي ومبحوح:
“جسمه؟ لسه سايبها؟ تامر لسه منسيش؟”
حسيت بنغزة في قلبي كأن حد ضربني بس*كينة. سألتها وبقيت بضغط على سناني عشان دموعي ماتنزلش:
“إنتي مين؟ وتامر يعرفك منين؟ وليه راسمك؟”
الست أخدت نفس طويل، ودموعها نزلت، وقالت لي بصوت مكسور:
“أنا اسمي منى.. تامر كان خطيبي زمان، من أكتر من خمستاشر سنة.. كنا بنحب بعض حب جنوني، وهو رسم التاتو ده عشان يثبت لي إنه مش هيسيبني أبداً. بس أهلي رفضوه، وجوزوني غصب عني لواحد تاني وسافرنا برة مصر.. أنا لسه راجعة مصر من كام شهر بس بعد ما اطلقت.. والله العظيم ما شفته ولا كلمته من يوم ما اتجوزت، ولا أعرف إنه لسه فاكرني.”
الكلام كان بينزل عليا زي الصاعقة. كل الأعذار، كل الحجج اللي كان بيقولها عشان ما يغطيش التاتو.. “التاتوير مسافر”، “الميزانية مخرومة”، “مش لاقي رسمة تليق”.. كل دي كانت كدب. هو مكانش عايز يمسحها من على جسمه، مكانش عايز يمسحها من حياته. كان عايش معايا بجسمه، بس قلبه وعقله لسه هناك.. مع البنت اللي سابته من خمسة عشر سنة.
سيبتها وخرجت من المخبز وأنا مش شايفة قدامي. ركبت عربيتي وقعدت أعيط بهيستيريا. كنت حاسة بإهانة عمري ما حستها في حياتي. أنا كنت مجرد سد خانة، مجرد وش تاني بيحاول ينسيه الوش الأصلي اللي محفور على كتفه.
مسكت الموبايل، وإيديا بتترعش، وطلبت رقمه.
رد عليا بصوته الطبيعي العادي جداً: “أيوة يا حبيبتي، خلصتي طلبتك؟”
قولتله بصوت ناشف ومخيف من كتر الهدوء: “تامر.. أنا واقفة في المخبز في طنطا.. ومعايا منى.. منى بشحمها ولحمها اللي على كتفك.. تعال عشان إحنا الاتنين مستنيينك.”
الخط قطع فجأة.. وسكت تماماً.

وشم على كتف زوجي ج1
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *