بنت الناس ١

أنا روحت لأبوكي وقولتله إننا مش نافعين لبعض. وقولتله إنك ست مهملة، ونكدية، ومبتعرفيش تفتحي بيت، وعايشة في مية البطيخ. قولتله إن صبري خلص، وإنك لو رجعتي معايا البيت المرة دي، هتبقى دي فرصتك الأخيرة قبل ما أرمي عليكي اليمين. أهلك دلوقتي شايلين منك، وأهلي مستنيين الغلطة عشان يطردوا أبوكي من المحل اللي مأجره مننا. قدامك حل من اتنين: يا ترجعي البيت وتعيشي زي الجارية، لا ليكي صوت ولا طلبات، وتوافقي على كل اللي هقوله.. يا إما تطلقي وتطلعي برا البلد دي بفضيحة وعيلك هيفضل معايا.”

كان بيتكلم وبرود الدنيا في عينيه، مستني يشوف انكسارها الكامل.

مريم كانت واقفة سانة ضهرها على حيطة الصالة القديمة في بيت أبوها، دموعها كانت نشفت من كتر القهر. بصت لولدها الصغير اللي نايم على الكنبة، وبعدين حطت عينيها في عين طاهر وقالت بصوت طالع من قاع المحيط، هادي ومخيف: “حاضر يا طاهر.. هرجع معاك.”

هو ابتسم ابتسامة نصر صفرا، وسابها ونزل وهو متأكد إنه كسرها عمى.

طاهر ومريم متجوزين من خمس سنين. جواز صالونات بس طاهر كان حاطط عينه عليها عشان أبوها راجل غلبان وشغال في محل ملك لعيلة طاهر. من أول شهر جواز، وطاهر عنده عقدة نقص غريبة؛ مريم متعلمة ومعاها دبلوم وبتفهم، وهو يا دوب بيفك الخط، وبيركب مركب الأنا في كل قعدة.

عشان يضمن إن مريم عمرها ما ترفع راسها قدامه، بدأ خطة “الاغتيال المعنوي”.

في كل قعدة وسط أهله، كان يدخل شايل وشه ويزفر: “تعبت يا أماه.. البيت يضرب يقلب، والأكل ملوش طعم، والبت نايمة للضهر.”

أمه، الحاجة توحيدة، كانت ست حشرية وتكره إن حد يشوف ابنها “قليل”، فكانت تشيل وتعبى وتلقح كلام على مريم في كل مناسبة: “بنت مرزوق مش وش عز، دي جاية من قلة ووش فقر على ولدي.”

الموضوع ملوقفش هنا. طاهر كان خبيث؛ كان يروح لأبو مريم، الراجل العجوز الطيب، ويقعد معاه ويقوله بتمثيل متقن: “يا عمي أنا شاري بنتك، بس هي متبهدلة، طول النهار على التليفون، وبتسيب الواد يعيط بالنسوان، وأنا راجل شقيان وبطفي النار في الشغل، ارجع ألاقي نكد. كلمها يا عمي، أنا مش عايز أخرب بيتها.”

أبو مريم، من خوفه على لقمة عيشه ومن خوفه من كلمة “مطلقة”، كان بيجيب مريم ويوشوشها بقسوة: “هتخربي بيتك؟ عايزة تشمتي الناس فينا؟ اسمعي كلام جوزك وبطلي دلع بنات صايعة!”

مريم كانت بتموت في اليوم مية مرة. البيت كان نضيف زي القشطة، والأكل جاهز قبل ما يرجع، وهي مبتقفلش بؤها من الكلمة الطيبة.. لكن طاهر كان بارع في إنه يطلع “القطط الفاطسة”. لو لقى هدمة مش مكوية، يقلب الدنيا ويسمّع الجيران ويسجل لقطات ويبعتها لأختها ويقول: “شوفوا الهانم!”

لحد ما جت الليلة الكبيرة.. طاهر كان واخد قرض باسم مريم عشان يوسع تجارته، ولما جه وقت السداد، اتزنق وطلب منها تبيع دهب أمها اللي شايلاه للزمن. مريم رفضت وقالتله: “ده ريحة أمي يا طاهر، وأنت معاك فلوس في البنك.”

طاهر عينيه اسودت، وضربها علقة لمّت عليها البيت، ورمى حاجتها في الشارع وقال لأهلها: “بنتكوا سرقت فلوس المحل ورفضت تديني الدهب عشان تسدد اللي سرقته!”

البلد كلها صدقت طاهر. الراجل المصلي، صاحب المحلات، اللي مستحمل “ست نكدية وحرامية”. أهله قاطعوها، وأهلها حبسوها في الأوضة وبقوا يبصولها بقرف وعار. أبوها قالها: “هترجعي لجوزك ورجلك فوق رقبتك، وتبوس على إيده عشان ميسجنكيش.”

لما طاهر جه البيت عشان “يملي شروطه”، كان فاكر إنه داس على رقبتها خلاص.

مريم رجعت معاه البيت. وأول ما الباب اتقفل عليهم، طاهر حدف مفاتيحه على الترابيزة وقال بغرور: “ادخلي اعمليلي لقمة، ورجلك متخطيش العتبة دي واحمدي ربنا إن….”

مقطعتش كلامه.. مريم لفت وشها وبصتله، بس النظرة مكنتش نظرة مريم الضعيفة. كانت نظرة ست لغتها من حياتها خلاص.

قالتله وهي بتقلع طرحتها ببرود: “أنا رجعت عشان ابني يا طاهر.. وعشان أبويا الراجل العجوز اللي أنت لويت دراعه بمحلك. بس وحياة دمعة أمي اللي ماتت وهي غضبانة عليا بسبابك، وحياة كل ليلة نمتها مظلومة والناس بتبصلي بقرف.. لأخليك تدور على رضايا ومتلاقيهوش.

البيوت أسرار يا ابن علوان.. وأنت أسرارك كلها معايا، من أول ورق القرض المزور، لحد الدهب اللي أنت سارقه من أختك ومخايف تقولها. الكلام اللي برا ده كله.. بلّه واشرب ميته.. الشغل الجد.. هيبدأ هنا.. جوه البيت ده.”

طاهر حس لأول مرة برعشة في ركبه. الست اللي قدامه مكنتش مريم.. كانت حد تاني خالص، حد هو اللي صنعه بإيديه.

طاهر وقف مكانه، الكلمة لجمته. كان متوقع عياط، انكسار، أو حتى قهر تبوس بيه رجله عشان يستر عليها قدام الناس. لكن النبرة الناشفة دي، والنظرة اللي مفيهاش نقطة خوف، هزت الثقة اللي كان داخل بيها.

بلع ريقه وصوته طلع خشن عشان يداري لخبته: “أنتي اتهبلتي يا بت مرزوق؟ أنتي بتهدديني في بيتي؟”

مريم ماردتش.. سابته واقف في الصالة ودخلت أوضتها، حطت ابنها على السرير، غطته بحنان، وقعدت جنبه تملس على شعره. طاهر دخل وراها وعينه بتقد شرار: “أنا بكلمك ولعي في وشي! فاكرة الكلمتين دول هياكلوا معايا؟ ده أنا بكلمة واحدة أخلي أبوكي يترمي في الشارع الصبح.”

مريم رفعت عينها ليه، وبمنتهى الهدوء اللي في الدنيا قالت: “اطرده يا طاهر.. اطرده عشان البلد كلها تسأل: هو طاهر علوان طرد حماه ليه بعد ما بنته رجعت بيتها بيومين؟ الناس صحيح صدقت كلامك إن أنا نكدية ومبهدلة، بس الناس برضه عارفة إن أبويا راجل طيب وملوش في المشاكل.. لما تطرده، عيون الناس هتبدأ تفتح، والشك هيدخل قلوبهم، وهيقولوا الراجل ده مفتري وعينه من المحل من الأول وجابها في بنته.”

وقفت وبقت في وشه، كملت وهي بتشاور بأصابعها على صدره: “أنت خسرتني كل حاجة يا طاهر.. خسرتني ثقة أبويا، واحترام أهلك، وسمعتي وسط البلد. والست لما ميبقاش عندها حاجة تخاف عليها، بتبقى أخطر من السيل. المحل اللي مأجره لأبويا؟ الورقة اللي أنت ماضي عليها باستلام مقدم الإيجار لمدة عشر سنين وفاتورتها في مصلحة الضرائب.. معايا صورتها. القرض اللي باسمي؟ لو ماروحتش البنك وسددت قسطه أول بأول، هرفع قض..ية تزوير ونسبح سوا في المحاكم. اخرج برة الأوضة دي دلوقتي.. عشان الواد ينام.”

طاهر حس إن الأرض بتميل بيه. الست الغلبانة، اللي كانت بتبكي من نظرة عتاب، بقيت بتقرا خطاوية زي كتاب مفتوح. خرج من الأوضة ورزع الباب وراه، دماغه بتودي وتجيب.

مرت الأيام، والبيت اتقلب لـ “حرب باردة”.

قدام الناس وأهله، طاهر لسه بيمثل دور الراجل المستحمل، ومريم برضه بتمثل دور الست المطيعة الخاضعة. لما الحاجة توحيدة، أمه، كانت تيجي تزورهم عشان تفتش ورا مريم وتلقي كلام السم بتاع كل مرة: “إيه يا مريم؟ الشقة برضه ريحتها كمكمة، شكل الواحدة بيبان من نظافة بيتها يا بنتي.”

مريم كانت تبتسم بأدب وتقول: “حقك عليا يا أماه، النظر على قد الصواب، بس طاهر عاجبه المحشي اللي عملته النهاردة.. خدي دوقي نيابتك.”

طاهر كان يقعد ياكل واللقمة تقف في زوره. أمه تبص له مستنية منه يزعق أو يكسر كلام مريم، فيلاقي نفسه بيقول: “تسلم إيدك يا أماه.. الأكل زين.”

الحاجة توحيدة بدأت تستغرب.. ابنها اللي كان بيجي يشكي ويبكي من “نكد مريم”، بقا ساكت، ووشه دبلان، وعينيه دايما مكسورة قدام نظراتها.

وفي ليلة، طاهر رجع المحل متأخر، لقى مريم قاعدة في الصالة، وفاتحة دفتر قديم. أول ما شافها، قال بزهق وقرف: “أنتي مش هتبطلي القعدة دي؟ عايزة إيه تاني يا مريم؟ ما أنا سايبك في حالك أهو وأبوكي في محله ومحدش جه جنبه.”

مريم قفلت الدفتر وقامت وقفت.. قربت منه، لقت ريحة لبسه عرق وشقا. بصت له وقالت بصوت رجع فيه الحزن القديم بس من غير ضعف:

“عايزة حقي يا طاهر.”

هو ضحك بسخرية: “حق إيه؟ ما أنتي واكلة شاربة في بيتي، والبلد كلها بتقول إني سترك بعد عيبك.”

مريم هزت راسها وقالت: “البلد دي هتعرف الحقيقة.. بس مش مني أنا.. منك أنت. زي ما لفيت على الجوامع والمصاطب وبيت أبويا عشان تصغرني وتخليهم يكرهوني ويشوفوني قذارة، هتلف تاني وتصلح كل اللي كسرته.”

طاهر صرخ: “أنتي اتجننتي؟ عايزاني أقول للناس إني كنت كداب ومفتري؟ أموت رقبتي بإيدي؟”

مريم بصت له بثبات وقالت: “قدامك شهر يا ابن علوان. الشهر ده، لو مخلتش أهلك يجوا هنا يعتذروا لي، ولو مروحتش لأبويا تبوس على رأسه قدام خيلانه وعمامه وتقولهم إنك كنت غضبان والشيطان عمى عينك وإن بنته ست الستات.. وحياة ابني اللي ماليش غيره، لأكون واقفه بكرة في وسط السوق، ومعايا ورق القرض المزور، ومعايا كشف الحساب اللي أنت ناهبه من ورا شريكك، وهخلي سيرتك وسيرة عيلتك على كل لسان في المنيا كلها. فكر على مهلك يا أبو علي.. الشهر ابتدى من الليلة.”

سابت الصالة ضلمة ودخلت، وطاهر فضل واقف بطوله في الضلمة، بيسمع ضربات قلبه اللي بقت دقاتها سريعة من الخوف.. الخوف من الست اللي عاش سنين يفتكر إنه كسرها، ومكنش عارف إنه كان بيبني بركان بيمشي على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *