جاسر وليلي حكايات انجى الخطيب

كانت الساعة داخلة على 2 بالليل، والدنيا بتمطر بره زي خراطيم المية. سمع صوت عياط طفل جاي من عند بوابة القصر الحديد.
​”جاسر الهواري” فتح البوابة وهو في إيده مسد//س، كان مستعد يدفن أي حد واقف قدامه.
بدل ما يلاقي عدو، لقى طفلة صغيرة ملفوفة في بطانية مبلولة مية.. ورقبتها الصغيرة متعلق فيها سلسلة مراته “ليلى” اللي ماتت من سنة ونص !
​بقالهم اكتر من سنة ، مفيش حد جوه القصر ده -لا غفر، ولا خدامين، ولا حتى جاسر نفسه- قدر ينطق اسم “ليلى”. صورتها لسه متعلقة في ريسبشن القصر لكن كل مرايات الجناح الشرقي متغطية بقماش أسود من ليلة الحادثة، ليلة ما عربيتها طارت من فوق كوبري المنصورية.
​الناس في مصر كانت بتسمي “جاسر الهواري” الغول. بيتهامسوا باسمه في الكافيهات، والشارع بيفضي لما عربياته السوداء بتعدي. الكل عارف إنه مسيطر على نص البلد بنظرة عين واحدة.
بس الحقيقة كانت أوحش من الخوف. جاسر مكنش قاسي عشان بيحب السلطة، كان قاسي لأن الحاجة الوحيدة اللي كانت بتديله “دفء” في دنيته، اتسرقت منه.
#انجي_الخطيب
​ليلى كانت مراته لمدة 5 سنين. كانت الست الوحيدة اللي تقدر تدخل وسط رجالة سلا//حهم في إيدهم، وتقولهم بمنتهى الهدوء: “وطوا صوتكم نحترم ان في ناس ممكن تسمعكوا “. كانت بتضحك على سكوت جاسر وتقوله: “يوم من الأيام البيت ده هيسمع صوت أحلى من صوت خطوات رجالتك”.
​لحد ما في ليلة شتا، عربيتها اختفت من فوق الكوبري. البوليس قال إنها غرقت، بس جاسر مبيؤمنش بحاجة اسمها “حادث”. دور شهور، دفع لمية غطاس ومخبرين، وفي الآخر ملقاش غير حتة من طرحتها واسورتها اللي كان مكتوب عليها اسمها.
دفن جاسر نعش فاضي.. ودفن معاه شخصيتة اللي الكل كان يعرفها قبل كدة.
​لحد ليلة العاصفة دي.
​”حمدي”، كبير الحراس، جه بيجري على الصالة: “يا باشا، ابعد إيدك، ممكن يكون فخ!”.
جاسر مسمعش كلامه. الطفلة مكنتش مكملة 6 شهور. خدودها وردي من البرد، وقابضة إيدها زي ما تكون كانت بتحارب المطر. كان فيه ورقة بدبوس في البطانية. جاسر مكنش فاضي يقرأها، عينيه كانت مسمرة على السلسلة.
​دلاية فضة بيضاوي، قديمة، مجروحة جنب القفل. جاسر حافظ كل خربوش فيها. كان جايبها لليلى في أول ذكرى جواز ليهم، بعد ما قالتله إنها مش عايزة دهب من راجل عايش طول حياتة الدهب بالنسبالة مالوش قيمة. قالتله: “هاتلي حاجة بتتفتح.. حاجة تشيل سر”.
جاسر إيديه رعشت وهو بيشيل السلسلة من رقبة البنت.
​حمدي سكت، والخدامة “مدام صباح” ظهرت وراهم وحطت إيدها على بوقها بصدمة: “يا ساتر يا رب.. دي سلسلة مدام ليلى!”.
​جاسر فتح الدلاية. الصورة اللي جواها مش موجودة، مكانها ورقة مطوية صغيرة جداً مكتوب فيها بـ 7 كلمات:
“دي بنتك.. اوعى تأمن لأي حد من بيت الهواري”.
​لأول مرة من اكتر من سنة، الراجل اللي كل الناس بتخاف منه، نسي إزاي يتنفس.
حمدي مد إيده عشان ياخد الورقة اللي كانت مدبسة في البطانية، جاسر وقفه بنظرة واحدة. مفيش حد يلمس حاجة من غير إذنه.
​شال البنت ودخل بيها جوه. القصر اتغير في لحظة. الرجالة اللي كانوا واقفين كأنهم تماثيل، بقوا بيرجعوا لورا بخوف لا يضايقوها. صباح سخنت مية وطلعت فوط، وحمدي اتصل بالدكتور اللي جاسر بيثق فيه.
البنت بطلت عياط أول ما جاسر ضمها لصدره. ده رعب جاسر أكتر من العاصفة. ريحتها كانت مية مطر، ولبن وريحة لافندر .. نفس ريحة ليلى اللي بتحبها
​جاسر قعد في المكتب، الرعد بيخبط في الشبابيك، والورقة التانية قدامه على المكتب. فتحها، الخط مكنش خط ليلى. كان مهزوز، ومكتوب بسرعة وخوف:
#انجي_الخطيب
“يا جاسر بيه، مراتك مماتتش على الكوبري. عاشت لحد ما قدرت تحمي اللي هما كانوا عايزين يدفنوه. لو لسه بتحب ليلى، احمي بنتها. اللي أمر باللي حصل على الكوبري، طلع من جوه عيلتك”.
​جاسر قام من مكانه بسرعة لدرجة إن الكرسي وقع. حمدي وشه اتغير، وصباح بدأت تعيط في صمت.
قال حمدي بصوت واطي: “يا باشا.. أخوك جاي هنا الساعة 7”.
​جاسر بص للبنت، كانت فتحت عينيها. عينين رمادي.. نفس عينين ليلى. وفي إيدها الصغيرة كان فيه “أسورة مكتوب علبها اسم “.
الاسم اللي مكتوب عليها خلى دم جاسر يتجمد في عروقه:
” روان”.. وروان ده كان الاسم اللي ليلى نفسها تسمية من قبل الجواز.
​جاسر لمس إيد البنت، فمسكت صباعه بقوة غريبة….
جاسر الهواري، الراجل اللي بيخلي البلد كلها ترتعش بكلمة، انحنى على الطفلة اللي اترمت في المطر، وقال أول كلمة حنينة تطلع منه من سنة ونص :
“أنا معرفش مين اللي جابك هنا.. بس مفيش بني آدم على وش الأرض هيقدر ياخدك مني”.
​في اللحظة دي، جرس بوابة القصر ضرب. حمدي فتح شاشة الكاميرات.
كانت فيه ست لابسة “طرحة” وجلابية، سابت البنت قدام البوابة ومشيت. بس قبل ما تختفي في المطر، بصت للكاميرا..
مدام صباح وقعت الفوطة من إيدها من الصدمة.
لأن الست اللي على الشاشة، كانت لابسة في إيدها “دبلة جواز ليلى الهواري”.
#انجي_الخطيب
جاسر نزل بـ “روان” اللي كانت هديت خالص بين إيديه، كأنها حاسة إنها في المكان اللي المفروض تكون فيه. نزل للمكتب وفتح الخزنة السرية اللي ورا اللوحة الكبيرة، طلع منها سلا//ح تاني غير اللي كان في إيده، ومخزن رصاص إضافي حطه في جيب الجاكيت الجلد بتاعه.
​حمدي واقف ورا الباب بيترعش، جاسر بص له بحدة وقال: “اسمع يا حمدي، القصر ده من اللحظة دي مقفول بمفاتيح حديد. أي حد، وأنا بكرر أي حد، يحاول يقرب من باب القصر أو يكسر الحصار، دمك قبل دمه. فاهم؟”
​حمدي بلع ريقه وهز راسه بالإيجاب: “فاهم يا باشا.. بس صخر بيه لو جه ولقى الوضع كدة هيولع في الدنيا.”
​جاسر ضحك ضحكة باردة خلت حمدي يرجع لورا خطوة: “خليه يجي يا حمدي. خليه يجي ويشوف بنتي اللي دفنها في خياله هي واللي خلفوه. الليلة دي مش ليلة حساب، الليلة دي ليلة كشف حسابات قديمة.”
​جاسر لف لـ “مدام صباح” اللي كانت واقفة بعيد بتبص للبنت بدموع: “صباح، البنت دي أمانة في رقبتك أكتر من روحك. لو حد، أي كائن كان، دخل الجناح ده.. اقتليه. سامعة؟ اقتليه!”
​قبل ما صباح ترد، صوت فرامل عربية قوية اتسمع بره في الجنينة. المطر كان لسه بيخبط في القزاز زي الرصاص. جاسر وقف في نص الصالة، ظبط ياقة جاكيتة، وحط روان في إيد صباح بحنان غريب على قلبه، كأنه بيسلمها أثمن ما يملك.
​خرج جاسر للبهو الرئيسي، الباب الحديدي اتفتح ودخل “صخر” ومعاه اتنين من رجالته، وشهم مبلول من المطر، وعيونهم بتلمع بشر. صخر مسح شعره لورا وبص لجاسر ببرود: “إيه يا أخويا؟ القصر بقى ثكنة عسكرية ولا إيه؟ سألت الحراس بره محدش راضي يفتح بوقه.”
​جاسر وقف في مكانه، مربع إيديه، عيونه مابترمشش: “القصر ده طول عمره ثكنة، بس أنت اللي كنت ناسي مكانك يا صخر.”
​صخر ضحك وقرب خطوة: “أنا جاي أباركلك يا جاسر.. سمعت إن جالك ضيفة صغيرة في ليلة عاصفة.”
​جاسر حس بدمه بيغلي، خطوة واحدة كانت بتفصل بينهم. جاسر وطى صوته لدرجة الهمس المرعب: “لو فكرت بس تنطق اسمها، أو تبص ناحية الجناح الشرقي.. قسماً بدين اللي خلقك يا صخر، ما هتخرج من القصر ده إلا وأنت محمول على الأكتاف.”
​صخر وقف، عينه وسعت، وبص وراه لرجالتة، وبدأ يبتسم ابتسامة صفرا: “شكلك لسه مأثر فيك خيال ليلى.. بس يا خسارة يا جاسر، ليلى ماتت، واللي أنت شايلها فوق دي.. مش بنتك، دي ورقة تانية بيحرقوا بيها أعصابك.”
​جاسر مكدبش خبر، هجم على صخر زي الغول، مسكه من رقبته ولبسه في الحيطة بقوة خلت البورسلين يتشرخ، صرخ في وشه: “مين هما؟ انطق! مين اللي بعت البنت دي؟ ومين اللي لابس دبلة مراتي؟!”
​صخر كان بيحاول يتنفس، وش وشه احمر، بس فجأة ابتسم بوجع وقال: “بص وراك يا جاسر.. وشوف مين اللي دخل القصر من غير ما حد يحس.”
​جاسر التفت ببطء، وقلبه دق دقة وقفت في صدره.. واقفة عند باب المكتب، ست لابسة أسود في أسود، وشها متغطي، بس في إيدها.. في إيدها كانت ماسكة نفس “الأسورة” اللي كانت في إيد روان.
……..
جاسر ساب صخر اللي وقع على الأرض بيكح وبياخد نفسه بالعافية، واتجمد في مكانه والمسد///س في إيده بيترعش لأول مرة في حياته. الست اللي واقفة هناك، جسمها نحيل، ووقفتها فيها شموخ مألوف جداً لقلبه. المطر كان لسه بيخبط في القزاز بره، بس جوه القصر، الوقت وقف تماماً.
​جاسر نطق بصوت مبحوح، صوت مكنش فيه ذرة من قوة “الغول” اللي بيخاف منه الكل: “ليلى؟”
​الست رفعت إيدها وببطء شديد شالت الطرحة من على وشها. كانت هي، بملامحها اللي حفرها في ذاكرته، بس كان فيه ندبة خفيفة تحت عينها الشمال مكنتش موجودة، وعينيها، عينيها مكنش فيها البريق القديم.. كان فيها انكسار سنين من الهروب.
​الست بصت لجاسر وابتسامة حزينة اترسمت على شفايفها: “جاسر.. أنا مكنتش عايزة أظهر، بس روان كان لازم ترجع لأبوها.”
​قبل ما جاسر يقرب خطوة، صخر اللي كان لسه على الأرض ضحك ضحكة مقهورة ومسح الدم من على بقه: “يا غبي يا جاسر.. لسه بتصدق حكايات الأشباح؟”
​جاسر ماعبرش صخر، كان بيقرب من الست بخطوات تقيلة، كأنه خايف لو لمسها تتبخر زي دخان السجائر. في اللحظة دي، “مدام صباح” خرجت من جوه وهي حاضنة روان، والطفلة بمجرد ما شافت الست، بدأت تمد إيديها وتناغي بصوت عالي.
​الست خبت وشها في إيدها وبدأت تعيط بصمت، جاسر وصل قدامها، مد إيده التانية، إيد كانت دايماً بتدمر، بس دلوقت هي اللي بتترعش عشان تلمس وشها. صوابعه لمست خدها، الجلد كان دافي.. ليلى عايشة، ليلى حقيقية.
​”انتي كنتي فين؟” جاسر سأل والدموع لأول مرة في حياته خانته ونزلت على خده، “ليه سبتيني؟ ليه خليتيني أدفن نفسي معاكي؟”
​ليلى مسكت إيده، وقالت بصوت ضعيف: “لأنهم كانوا بيراقبوا كل نفس بتنفسه يا جاسر. لو كنت عرفت إني عايشة، كانوا هيقتلوني ويقتلوا روان قبل ما نقرب من باب القصر. صخر.. صخر مكنش لوحده، كان معاه ناس جوه دار الهواري.. ناس بتعتبرنا خطر على مصالحهم.”
​صخر قام وقف، سحب سلا//حه ووجهه ناحيتهم، بس قبل ما يفتح بوقه، صوت “تك” خفيفة جت من ورا صخر. صخر اتجمد مكانه.
​حمدي، كبير الحراس، كان واقف ورا صخر، وموجه سلا//حه في ضهره، وصوته كان صلب زي الحديد: “نزل السلا//ح يا صخر بيه.. وأمر رجالتك يرموا اللي في إيدهم. القصر ده من اللحظة دي، ملوش سيد غير جاسر بيه، والست ليلى.”
​جاسر ما التفتش ورا، عينيه كانت في عينين ليلى، وكأنه بيستمد منها القوة اللي فقدها من سنة ونص. شد ليلى لحضنه بقوة، حضن كان بيحاول فيه يلم شتات سنين من الوجع.
​ليلى همست في ودنه: “الليلة دي لسه مخلصتش يا جاسر.. اللي حاولوا يقتلونا، عرفوا إني هنا. لازم نمشي.. روان في خطر طول ما إحنا جوه جدران القصر ده.”
​جاسر أخد روان من صباح، وبص لصخر نظرة أخيرة، نظرة ودع فيها الأخ اللي كان، وبص لحمدي: “خلص على أي حد يقرب، وطلعنا العربية المصفحة. الليلة دي، عيلة الهواري هتعرف مين فيهم اللي بيحكم فعلاً.”
​جاسر أخد ليلى وروان وخرجوا في المطر، سابوا وراهم قصر بيتحول لساحة حرب، وبدأوا رحلة الهروب اللي كانت في نفس الوقت رحلة استرداد كل شيء اتسرق منهم.
……..
العربية المصفحة انطلقت من القصر زي السهم، صوت المطر كان بيخبط في سقفها الحديدي زي دقات قلب جاسر اللي مش مصدق إن “ليلى” قاعدة جنبه. ليلى كانت حاضنة روان بقوة، وعينيها مابتفارقش الطريق، إيدها الشمال كانت بتفرك في دبلتها بتوتر، وجاسر كان سايق وإيد واحدة على الدركسيون والتانية ماسك بيها إيد ليلى، مش عايز يصدق إنها ممكن تتلاشى لو سابها.
​”على فين يا جاسر؟” سألت ليلى بصوت مكسور، عينيها كانت متعلقة بالطريق المظلم.
​جاسر بص لها بصه سريعة، ملامحه كانت حادة، وعيونه بتلمع ببريق انتقام ممزوج بحماية: “على المكان اللي محدش فيهم يتخيل إني أروحله. البيت القديم اللي في المقطم، المكان اللي قضينا فيه أول شهر جواز.. مفيش حد يعرف بوجوده غيري أنا وانتي.”
​فجأة، نور عربيات كتير ظهر في المراية، كانوا 4 عربيات دفع رباعي سوداء، بيقربوا بسرعة جنونية وبيضربوا نار على عجل العربية المصفحة. صوت الرصاص كان بيخبط في الصاج زي صدى مرعب في ليل الشتا.
​”صخر باعنا يا ليلى.. دول رجالته، ودول اللي ورا كل حاجة!” جاسر صرخ، وضغط على البنزين لحد ما الموتور صرخ.
​ليلى مكنتش خايفة، بالعكس، رفعت راسها وقالت بثبات: “جاسر، اسمعني.. في درج العربية، افتح الدرج اللي في التابلوه، هتلاقي جهاز صغير، ده اللي فيه كل الأسرار، كل التحويلات البنكية، والمكالمات اللي سجلتها عليهم طوال فترة غيابي. ده اللي بيثبت إن صخر وأبوك كمان.. هما اللي دبروا حادثة الكوبري.”
​جاسر اتصدم، بص للدرج وفتحه، لقى “فلاشة” صغيرة وجهاز تسجيل. كان عارف إن ليلى ذكية، بس مكنش يتخيل إنها كانت بتخطط لكل ده من وهي في عداد الموتى.
​”ليه ما قلتيش من الأول؟ ليه سيبتيني أعيش في عذاب؟”
​ليلى بصتله والدموع في عينيها: “كنت مستنية الوقت اللي أضمن فيه إن بنتنا بعيدة عن خطرهم. النهاردة، لما المطر نزل والقصر كان فاضي، عرفت إنها الفرصة الوحيدة عشان يجمعونا في مكان واحد ونخلص منهم للأبد.”
​العربيات اللي وراهم بدأت تحاصرهم، واحدة منهم حاولت تزق العربية المصفحة عشان توقعها من على المنحدر. جاسر لف الدركسيون بعنف، دخل في طريق فرعي ضيق وسط الجبل، وضرب فرامل مفاجئة خلت العربية اللي وراهم تتخبط في صخرة وتتقلب.
​جاسر وقف العربية في مكان معزول وسط الصخور، ونزل وهو بيسحب سلا//حه، ليلى نزلت وراه وهي لافة روان ببطانية تقيلة. الصوت في المكان كان مرعب، رعد وبرق ومطر بيغسل كل شيء.
​”هتخلصيهم يا ليلى؟” جاسر سأل وهو بيشوف 3 عربيات تانية بتبدأ تقرب منهم.
​ليلى وقفت جنبه، مسحت وشها من المطر، وقالت بنبرة الغول اللي اتعلمت منه القوة: “النهاردة مش ليلى اللي اتسرقت، النهاردة عيلة الهواري هتعرف إن الغول مكنش لوحده.. الغولة كانت مستنية اللحظة المناسبة.”
​جاسر ابتسم، لأول مرة من سنة ونص، ابتسامة مرعبة مليانة ثقة. رفع سلا//حه، وفي اللحظة اللي رجال صخر نزلوا فيها من العربيات، نور كشافات “حمدي” ظهر فجأة من ورا الجبل.. حمدي مكنش لوحده، كان معاه رجالة جاسر المخلصين، القوة اللي صخر نسي إنها موجودة.
​بدأ تبادل إطلاق النار، المكان اتحول لساحة حرب حقيقية، وجاسر وليلى وقفوا ضهر في ضهر، بيحمو بعض، بيحموا بنتهم، وبيدافعوا عن حياة جديدة ابتدت بموت قديم.
……..
الرصاص كان بيقطع صمت الجبل، وصوت صرخات رجالة صخر بتختفي تحت صوت الرعد. جاسر كان بيتحرك بتكنيك القناص المحترف، كل رصاصة من مسد//سه كانت بتنهي تهديد، وليلى كانت ثابتة بتركيز مرعب، بتوجه حمدي ورجالته في تغطية المداخل الجبلية.
​في لحظة هدوء مفاجئة، صوت “زمارة” عربية صخر اتسمع، كان واقف بعيد في حماية رجالة، بيراقب المشهد بابتسامة خبيثة. صخر مسك ميكروفون العربية وصرخ بصوت عالي تردد بين الصخور: “جاسر! فكر كويس! دي مش حرب عادية، دي نهاية عيلة الهواري.. لو سلمت ليلى والبنت، هسيبك تعيش في المنفى، غير كدة، الجبل ده هيكون مدفنكم كلكم!”
​جاسر بص لليلى، لقاها بتبص للفلاشة اللي في إيدها، وبعدين بصتله وهي بتشيل روان وبتحطها في حضن حمدي اللي كان متحصن ورا صخرة كبيرة. ليلى اتكلمت بصوت واطي وقوي: “جاسر.. الوقت خلص. كل التحويلات والتسجيلات متبوتة على سيرفرات الصحافة الدولية والقنوات اللي بتكره عيلة الهواري.. بمجرد ما أضغط على الزرار ده، صخر وأبوه والكل هيتصنفوا إرهابيين ومجرمين دوليين. لا نفوذ هينفعهم، ولا فلوس هتخرجهم.”
​جاسر هز راسه، عينيه بتلمع ببريق “الغول” اللي قرر ينهي الغابة: “اضغطي يا ليلى.. أنهي المهزلة دي.”
​ليلى ضغطت على زرار في الجهاز اللي كانت شايلاه في جيبلها، وفي نفس اللحظة، صوت الموبايلات في إيد رجال صخر بدأت ترن، الكل وقف، الخوف بان على وشوشهم، بدأوا يتراجعوا، والأسلحة نزلت من إيدهم لما شافوا الرسائل اللي بتوصلهم على تليفوناتهم.
​صخر نزل من العربية، ملامحه مكنش فيها غير الذهول، صرخ في التليفون: “يعني إيه؟ مين اللي سرب ده؟”
​جاسر خرج من ورا الصخرة، مشى بخطوات واثقة، والمطر بيغسل وشه اللي كان غرقان في دماء الأعداء. وقف قدام صخر، اللي كان بيترعش من الغضب واليأس. جاسر مسك ياقة صخر بقوة، وقال بصوت فحيح مرعب: “اللي زرعته طول السنين دي.. حان وقت حصاده. مفيش قصر هيحميك، ومفيش بلد هتقبل تدخلك.”
​صخر حاول يطلع سلا//حه، بس جاسر كان أسرع، طرحه أرضاً بضربة واحدة، وفي ثواني، كانت عربيات الشرطة والوحدات الخاصة اللي ليلى نسقت معاهم سرًا، بتحاصر المكان من كل ناحية، كشافاتهم بتنور الجبل زي ضوء النهار.
​ليلى قربت من جاسر، خدت روان من حمدي، وبصت لجاسر والابتسامة رجعت لملامحها أخيراً: “أنا مكنتش بهرب يا جاسر.. أنا كنت بجمع خيوط العنكبوت اللي حاصروك فيها.”
​جاسر خد ليلى وروان في حضنه، بعيد عن الفوضى اللي بتحصل، بعيد عن صخر اللي بيتسحب للكلبشات. في اللحظة دي، المطر بدأ يهدى، والغيوم بدأت تتفتح لتبين نور قمر خفيف.. قمر شاهد على “الغول” اللي لقى روحه، وعلى ليلى اللي رجعت من الموت عشان تدي للقصة دي نهاية تانية خالص.
​جاسر بص في عينين ليلى وقال بهدوء: “أنا مش عايز سلطة، ومش عايز بلد.. أنا عايز حياة، حياة هادية، بعيد عن أي اسم أو لقب.”
​ليلى سندت راسها على كتفه: “الحياة دي بتبدأ من دلوقتي يا جاسر.. بعيد عن بيت الهواري.”
​ومن بعيد، سابت وراهم كل الماضي، وبدأت عربيتهم تتحرك، مش لقصر، لكن لبيت صغير، فيه ريحة لافندر، وصوت ضحكة طفلة، وبداية مشوار جديد لـ “جاسر وليلى”.
……..
العربية كانت بتبعد عن طريق الجبل، وكل ما بيبعدوا، كان صوت صراخ صخر وسيارات الشرطة بيقل لحد ما اختفى تماماً في صمت الليل اللي بعد العاصفة. جاسر كان سايق بهدوء غير عادته، عينه مرة على الطريق ومرة على ليلى اللي كانت بتنيم روان في حضنها، والسك//ينة بدأت تتسرب لقلبه لأول مرة من سنين.
​”هنسيب كل حاجة؟” سألت ليلى بصوت واطي، وهي بتمرر صوابعها على خصلات شعر روان المبلولة.
​جاسر بص لها وبص لـ روان، وابتسم ابتسامة حقيقية، المرة دي مكنش فيها قسوة، ولا تهديد، ولا غول.. كان فيها “أب” و”زوج” بيسترد دنيته: “اللي سيبناه ورا كان سجن، مهما كان كبير ومفرش دهب. البيت الحقيقي هو اللي فيه الأمان، والأمان هو اللي في حضنكم دلوقتي.”
​ليلى سندت راسها على كتفه وغمضت عينها: “كنت خايفة اللحظة دي متجيش، كنت خايفة أموت قبل ما أوريك إن “روان” شافت النور.”
​”موتك كان مجرد غطاء لرحلة طويلة يا ليلى،” رد جاسر وهو بيمسك إيدها وبيدوس على البنزين باتجاه طريق بعيد عن القاهرة، “بس المهم إننا وصلنا.. النهاية اللي كتبوها هما لقصتنا، احنا مسحناها بإيدينا.”
​بعد ساعات، ومع أول ضوء شمس شق سحاب السما، وصلوا لبيت صغير على مشارف الساحل الشمالي، مكان بسيط، هادي، بعيد تماماً عن ضجيج القصور وصراع العائلات. جاسر نزل من العربية، نزل ليلى وروان، وبص للبيت القديم اللي كان جهزه من شهور – من غير ما يعرف هو بيجهزه لمين – كأنه كان حاسس إن قلبه لسه بينبض بأمل.
​دخلوا البيت، ريحة الخشب القديم واللافندر استقبلتهم. جاسر شال روان، ووقف في وسط الصالة اللي بتطل على البحر، وبص لليلى اللي كانت واقفة بتبص للبحر لأول مرة بحرية.
​”ليلى،” نادى عليها، فالتفتت له.
​”عارفة؟ القصر اللي كنت بتهابه الناس، كان ناقصه حاجة واحدة طول عمره.. كان ناقصه روح. والنهاردة، الروح دي رجعت لبيتها.”
​روان بدأت تضحك بصوت خفيف، ضحكة رنت في أرجاء البيت الصغير، ضحكة كانت إعلان رسمي لنهاية “الغول” وبداية إنسان جديد. جاسر حط إيده على كتف ليلى، وبصوا سوا للشمس وهي بتشرق، نور جديد ليوم جديد، بعيد عن حسابات الدم والمال، يوم مفيش فيه غير “العيلة”.
​في قلب البحر، كانت الأمواج بتمسح آثار العاصفة، وفي قلب جاسر، كان الحب بيمسح آثار السنين اللي راحت. الغول مات، وولد مكانه أب بيحلم، وزوج بيحب، وعيلة صغيرة لقت طريقها للبيت.. أخيراً.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *