صدمة اب
صدمة اب
انت في الصفحة 1 من 4 صفحات
موقع أيام نيوز
رجع متأخر من الشغل لقى بنته اللي عندها 7 سنين واقفة بتطبخ وهي شايلة أخوها الرضيع بين إيدها، في الوقت اللي مراته كانت بتختفي بالتدريج وبتضيع منهم!
في بيت قديم في حواري إمبابة، حيث الحيطان بتنشع رطوبة والجيران عارفين عن حياة بعض أكتر ما عارفين عن نفسهم، كان حسن رمضان مقتنع إنه أب مثالي ومقّصرش في حق بيته.
كان عنده 39 سنة، شغال عتّال بيشيل شُحنات في سوق روض الڤرج، وبيخرج من بيته من قبل الأذان والفجر لسة مطلعش.
بيرجع دايماً وضهره مكسور من الشيل، ضوافره سوداء من الطين، ومزاجه في رجليه من التعب.
بالنسبة له، الرجولة والمسؤولية هي إنه يجيب القرش.
يدفع الإيجار.
يشتري الحفاضات.
يوفر الرز، والمكرونة، والعيش، وحتة فرخة لما الظروف تسمح.
كل ما مراته، دعاء، تقول له إنها تعبانة ومش قادرة، كان بيبخ فيها بنفس الكلمة
تعبانين كلنا يا ولية.. اِسترجلي كده واِستحملي.
مكنش بيقولها بقسۏة، على حسب كلامه وفهمه.
كان بيقولها لأن ده اللي اتعلمه من رجالة عيلته اِكتم، اِستحمل، اِشتغل، وم تقعدش تعمل لنا دراما ونكد.
بس ليلتها، يوم الخميس، لما رجع الساعة 1037 بالليل، حس إن فيه حاجة غريبة ومش مظبوطة من أول ما خطى عتبة البيت.
الباب مكنش مقفول بالترباس.
الصالة كانت ضلمة كحل.
مفيش صوت تليفزيون، مفيش ريحة أكل لسة مطبوخ، ومفيش صوت دعاء وهي بتدلع الواد الصغير ولا صوت بسنت وهي بتغني وهي بتلعب.
حسن رمى شنطته على الأرض
دعاء؟ بسنت؟
محدش رد عليه.
سمع بس صوت خبطة حلة صغيرة جاية من المطبخ.
في الأول اِفتكر إن فيه فار دخل البيت.
وبعدين لمح نور ڼار برتقالي عمال يرعش من تحت عقب الباب.
مشى بسرعة وقلبه بينبض پعنف.
أول ما وصل، المنظر خلاه يتسمر مكانه والدم ينشف في عروقه!
بنته بسنت، اللي لسة عندها 7 سنين، كانت واقفة فوق كرسي بلاستيك، وميلة بكل جسمها ناحية البوتاجاز.
بإيد واحدة عمالة تقلب في حلة شوربة لسان عصفور بتغلي جامد وبتفور.
وبالإيد الثانية كانت شايلة مروان، أخوها الصغير اللي عنده 9 شهور، ومتبتة بيه على صدرها.
الواد كان وشه أحمر من كتر العياط، وعمال يمص ب غل في طرف بطانية صغيرة ومبهدلة.
بسنت كان شعرها لازق على قورتها من العرق، عيونها داخلة لجوة وشفايفها ناشفة من العطش.
مكنتش باينة طفلة أصلاً.
كانت باينة ست عجوزة صغيرة، هلكانة، مړعوپة، وبتعمل حاجة المفروض عمرها م تمد إيدها عليها.
الڼار كانت عالية جداً.
والشوربة كانت بتطير وتطشطش جنب صوابعها الصغيرة.
بسنت! أنتِ بتهببي إيه عندك هنا?! صړخ حسن بعلو صوته.
البنت اِتخضت وركبتها سابت.
الكرسي اِتهز من تحتها.
وفي ثانية، رجلها بقت في الهواء والواد اِتزحلق من دراعها.
حسن جري ولمحهم ومسكهم في آخر لحظة قبل ما يقعوا فوق البوتاجاز وهو والع!
بس أول ما بسنت رفعت وشها وبصت له، ومن غير ما تنزل دمعة واحدة قالت
آسفة يا بابا.. كنت عاوزه أجهز العشا قبل ما
متابعة القراءة
صفحة
1
/ 4
انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
ماما تدخل تقفل على نفسها ثاني…
في اللحظة دي، حسن فهم إن المصېبة الكبيرة مكنتش في المطبخ.. المصېبة كانت مستخبية ورا الباب المقفول، ومستنية ټنفجر في وش الكل!…
يا ترى إيه السر المرعب اللي مخبياه دعاء ورا الباب المقفول وليه بتختفي عن عيالها وتسيبهم للمۏت، وإيه الکاړثة اللي حسن هيقرب يكتشفها وتقلب حياته لچحيم مكنش يتخيله؟ اللي جاي صدمة تزلزل البيوت وأسرار توجع القلوب!
الجزء الثاني
الكلمة دي طلعت من فم بسنت زي السکين اللي طعن حسن في قلبه، وخلت كل تعبه وكل ثقته اللي كان شايلها في قلبه يتبدل لخوف مرعب مش عارف إيه مصدره. شال مروان اللي كان لسه بيعيط بصوت متهدج، وحطه بحرص على السرير في الأوضة، ثم رجع لمطبخ، طفى الڼار بيدين مرتعشين، وقرب من بنته اللي كانت واقفة خافضة راسها ومستنية اللوم والصړاخ زي ما كانت بتتعود.
ما صرخش.. ما لومش.. كل اللي فعله إنه انحنى قدامها، مسك كفوفها الصغيرة اللي محترقة ومليانة بقع سودا من الدخان، وقال بصوت مكسور قولي لي يا بسنت.. في إيه؟ ماما فين؟ وليه بتقولي كده؟
البنت رفعت عينيه اللي مليانة خوف وبراءة، ودموعها نزلت للمرة الأولى ماما بقت بتقعد في الأوضة من غير ما تخرج.. بتقفل الباب عليها.. لما بصوت عليها بتقول لي عاوزة أنام.. بس أنا بسمعها بټعيط بصوت واطي.. وبقول لي متصحيش بابا عشان تعبان.. وبقالي كام يوم بصرف على مروان وبجهز الأكل عشان ماما تريح شوية.. خفت لو ماعملتش كده يجرى لنا حاجة..
حسن حس إن الدنيا كلها لفت بيه. طوال الشهور الماضية، لما كانت دعاء تقول له تعبانة، كان فاكرها كسل وملل وحاجات ستات بيقولوا عليها عشان يريحوا نفسهم. ما سألش.. ما شافش.. ما حاولش حتى يفهم إيه اللي جواها. واليوم، لقى بنته الصغيرة هي اللي شالت المسؤولية كلها، وهي اللي ضاعت طفولتها وهي تحاول تمسك البيت وهي في سن ما تعرفش حتى تعبر الشارع لوحدها.
مشى ببطء نحو أوضة النوم، قلبه يدق بسرعة مروعة، وكل خطوة كانت بتقله إن فيه حاجة غلط جداً.. حاجة أكبر من مجرد تعب أو زعل. الباب كان مقفول من الداخل، وكل ما قرب شعر بسكون غريب، سكون أثقل من أي صوت. دق الباب بخفة دعاء.. أنا جيت.. افتحي الباب يا حبيبتي..
محدش رد عليه.
دق مرة تانية بصوت أعلى شوية دعاء.. أرجوكِ افتحي.. أنا سمعت كل حاجة..
لسه مفيش رد. خاف حسن جداً، دفع الباب بكل قوته لحد ما انفك المزلاج الخشبي القديم واتفتح الباب بسرعة.. والمنظر اللي شافه جواه خلاه يقف مكانه مش قادر يتنفس ولا يتحرك!
دعاء كانت واقفة قدام الشباك المفتوح، شعرها منكوش، ملابسها مش مرتبة، وبصوتها لما التفتت له كان غريب ومقطوع أنتِ جيت.. آسفة.. كنت
متابعة القراءة
صفحة
2
/ 4
انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
هقولك جيت حالاً.. بس كنت مش عارفة أخرج من هنا..
وكانت المفاجأة الأكبر لما شاف حالها.. وشها شاحب لدرجة المۏت، عيناها غارقة ومحمرة، وكل حركة بتعملها كانت بطيئة ومترددة زي اللي مش عارف هو فين ولا بيعمل إيه. في تلك اللحظة، عرف حسن إن اللي فيها مش تعب بسيط ولا نكد عابر.. المصېبة كانت أكبر وأعمق بكثير مما يتخيل.
الجزء الثالث
قرب منها بخطوات مترددة، ومسكها لما شافها هتقع على الأرض. كانت خفيفة جداً، كأن العظام بقت بلا لحم، وحرارتها عالية جداً. شالها وحطها على السرير، وهي كانت تتكلم بكلام متقطع ومش مرتبط ببعض خاېفة.. خاېفة أسيبهم.. أنا مش عاوزة أروح بعيد عنهم.. بس كل حاجة بتضيع مني.. وبقول لنفسي استحملي.. بس مش قادرة..
حسن قعد جنبها ومسك إيدها اللي كانت بترعش أنا هنا يا دعاء.. مش هسيبك.. قولي لي ليكي كام يوم تعبانة كده؟ وليه مقولتيليش حاجة؟
نظرت له بعيون مليانة ألم وندم كنت عاوزة أقولك.. كنت كل مرة أحاول أتكلم ألاقي نفسي مش عارفة أجمع الكلام.. كنت خاېفة تقوللي كسلانة.. خاېفة أكون عالة عليك.. كنت بشوفك بتعب وتجيب الرز وقلت لنفسي هروح وأجيلك وأكون زي ما كنت.. بس جسمي وقلبي مش معايا.. وكل يوم بيمشي وأنا بحس إني بختفي أكتر وأكتر..
في تلك اللحظة، سمع صوت بسنت وراه وهي بتقول ببراءة ماما كانت بټعيط كل ليلة يا بابا.. وبتقول لي سر صغير.. بتقول لي خليكِ قد المسؤولية لو حصل لي حاجة.. وأنا كنت بقلبي أتمنى متقولش كده..
الدموع ملأت عيون حسن للمرة الأولى في سنين طويلة. عرف إنه كان غلطان.. غلطان جداً. إنه فهم الرجولة غلط، وإن المسؤولية مش بس تجيب الفلوس.. المسؤولية تكون جنبهم وقت الضيق، تسأل، تشعر، تحس بوجعهم قبل ما يتكلموا. لقد تركها وحيدة في معركتها الشرسة لشهور، وهي تحاول تقاوم لوحدها خوفاً إنها تكون عبء عليه، وبدل ما يكون ملجأها كان السبب في خۏفها وكتمانها.
قرر في تلك اللحظة إنه مش هيعتمد على أحد، ومش هيسيبها تضيع منه. لبسها ملابس دافئة، شال مروان اللي نام في حضنه، ومسك إيد بسنت، ونزل بسرعة معاها على أول مستشفى حكومي قريب من الحي. الطريق كان طويلاً وثقيلاً، وكل خطوة كان بيحس بثقل الندم اللي بيأكل فيه، لكن كان عنده أمل صغير إن لسه فيه وقت، وإن لسه يقدر يصلح اللي اتكسر.
الجزء الرابع
في المستشفى، قضوا الليل كله بين التحاليل والفحوصات، وحسن كان واقف خارج الغرفة مش عارف يرتاح ولا يهدأ. لما خرج الدكتور، بص له بوجه جاد وقال الحالة بتاعت السيدة مش بسيطة يا سيدي.. هي بتعاني من اكتئاب حاد ومضاعفات جسدية نتيجة الإهمال والتعب والضغط النفسي لفترة طويلة جداً. وصلت لمرحلة خطېرة جداً،
متابعة القراءة
صفحة
3
/ 4
انت في الصفحة 4 من 4 صفحات
وكنتوا جيتوا في الوقت المناسب بالكاد. هي محتاجة علاج واهتمام ورعاية نفسية، والأهم من كل ده محتاجة تشعر بالأمان والإنتماء، وتشوف إنكم جنبها ومش هتتركوها.
كلام الدكتور كان زي الصاعقة، وفي نفس الوقت كان زي النور اللي طلع له في نهاية النفق. عرف إنه مش كل الحاجات بتتشترى بالفلوس، وإن أغلى ما يملكه هو صحة أهله وسلامتهم. رجع للبيت وهو حاسس إن حياته بدأت من جديد، وإن كل اللي فات كان درس قاسٍ لازم يتعلمه.
بدأ يغير من نفسه خطوة بخطوة. كان بيصحى قبل الفجر بشوية، يجهز الفطار للصغار، يطمن على دعاء، ويروح شغله وعنده قلب طاير لما يرجع لهم. في الرجوع، ما كانش بيرمي شنطته وينام زي أول.. كان يسأل، يساعد، يلعب معاهم، ويجلس جنب دعاء لساعات طويلة يسمعها وهي تحكي له كل اللي كان مخبياه في قلبها طوال الشهور الماضية.
كان الجيران لسه بيتكلموا، وبيسألوا، وبيقولوا كلام كتير، بس حسن ما كانش يهمه غير رضا ربه ورضا أهله. لما كان بيقصر في الشغل شوية أو ياخد إجازة، كان بيعوضها بطرق تانية، بيشتغل شغل إضافي في العطلات، بيعمل كل ما يقدر عشان يوفر لهم الراحة وفي نفس الوقت يكون موجود جنبهم.
بسنت بدأت ترجع طفلة زي ما المفروض تكون، رجعت ضحكتها ولعبها، وبدأت تروح المدرسة وهي مطمنة إن أبوها وماماهم جنبها. مروان كبر شوية وبدأ يضحك ويزحف، وبيشوف أبوه أول ما يدخل البيت بيجري عليه. ودعاء.. كانت بتتعافى ببطء، خطوة بخطوة، وكل ما كانت تشعر بالحب والاهتمام، كانت ترجع لطبيعتها أكتر وأكتر.
الجزء الخامس
مرت الشهور، وتغير حال البيت تماماً. ما عادش فيه سكون ولا خوف ولا كتمان. أصبحت الأبواب مفتوحة للكلام، والقلوب مفتوحة للحب. حسن كان كل يوم بيتعلم حاجة جديدة عنهم، وكل يوم بيشكر ربه إنه فهم الحقيقة قبل ما يضيع الأمل.
في يوم من الأيام، جلسوا كلهم مع بعض بعد العشا، وشربوا الشاي مع بعض، ودعاء مسكت إيد حسن وقالت له بدموع فرح كنت فاكرة إن الدنيا خلاص قفلت في وشي.. وإن حياتي هتضيع من غير ما أحد يحس بيا.. لحد ما جيتني في اللحظة الأخيرة وردت لي الروح.. شكراً يا حسن.. شكراً لأنك ما سبتنيش أضيع.
حسن قبل كفها وقال أنا اللي لازم أشكرك.. وشكراً لبسنت اللي كانت السبب في إنني أفتح عيوني وأشوف الحقيقة. سامحيني يا دعاء.. سامحيني لأنني كنت أعمى قلبي، وفهمت معنى الرجولة غلط. الرجولة مش بس تجيب الرز.. الرجولة تكون السند والملجأ والأمان لأهلك. الرجولة تشعر بوجعهم قبل ما يتكلموا، وتكون جنبهم وقت ما الدنيا كلها تضيق عليهم.
بسنت قربت منهم وضمت نفسها بينهم وقالت بضحكة أنا كنت عارفة إنك هتفهم يا بابا.. كنت عارفة إنك بتحبنا جداً بس
مش عارف تظهره.
ضحك حسن وضمهم كلهم لصدره، وحس بسعادة ما شافها في حياته كلها. عرف إن البيت مش حيطان وسقف وأكل وشرب.. البيت هو الأمان والحب والتفاهم والقلب اللي بيلتقي على الخير.
الجزء السادس والأخير
مرت السنين، وكبر الأولاد، واشتد عودهم، وظل البيت مليء بالحب والدفء. كان حسن ودعاء دايماً يقولوا لمن حولهم ولأولادهم القصة دي، ليعلموا منها دروساً غالية
أن الحق مش بس في العطاء المادي، بل العطاء المعنوي والروحي أهم وأبقى.
أن الزوجة شريكة الحياة، مش مجرد ربة بيت، وتحتاج للسؤال والاهتمام والشعور بالوجود والقيمة.
أن الألم والۏجع ما بيتعالجوش بالكتمان والصمت، بل بالكلام والشعور بالمساندة.
وأن الأطفال أذكى وأقوى مما نتخيل، وإنهم يحملون في قلوبهم شجاعة ورحمة تفوق أحلامنا.
وظل الحي كله يتحدث عن حالهم، وكيف تغيرت حياتهم من ضيق وسكون وهموم لسعة وفرح ودفء. وأصبح حسن مثالاً يحتذى به بين الناس، ليس لأنه كان يملك الكثير، بل لأنه تعلم من خطئه، وعرف قيمة ما يملك، وحرص على أن يكون أباً وزوجاً حقيقياً لأهله.
وظلت قصتهم تُروى لتكون عبرة لمن يعتبر
إن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإن من أغلق باب الكتمان وفتح باب الحب والتفاهم، فتح الله له أبواب السعادة والڤرج من حيث لا يحتسب.
والحمد لله رب العالمين