اتصل بي زوجي بعد منتصف الليل
اتصل بي زوجي بعد منتصف الليل وهو يبكي بحرقة، وقال إن والده تعرّض لجلطة خطيرة وإن حالته بين الحياة والموت 😱، وطلب مني أن أحوّل له فورًا ثلاثمئة مليون دينار، وحذرني بشكل غريب من أن أفكر حتى بالذهاب إلى المستشفى.
ذلك المال كان مالي أنا.
وديعة مصرفية فتحتها قبل شهر واحد فقط، بكلمة سر لا يعرفها أحد غيري.
لكنّه رددها لي كاملة من ذاكرته… بل بشكل أدق مما كنت أتذكرها أنا.
أغلقت الهاتف، وشعرت فجأة أن ريقي قد جف.
لم أحوّل شيئًا.
أخذت مفاتيحي وانطلقت مباشرة نحو المستشفى.
ومن ممر الطابق الخامس سمعت حماي — الذي كان من المفترض أنه يرقد في العناية المركزة موصولًا بالأجهزة — يضحك بصوت عالٍ وفمه ممتلئ بقطع التفاح. 😱😮⚠
كنا متزوجين منذ خمس سنوات.
خمس سنوات كاملة.
كان اسمه سيف.
وطوال تلك السنوات كنت أعتقد أنه أطيب رجل عرفته في حياتي.
في يوم زفافنا، سلّمني والدي له وعيناه تلمعان بالدموع، وقال:
“دير بالك عليها يا ولدي.”
فأجاب سيف بثقة:
“هاي بعيني.”
وكنت أصدقه بكل ما أملك من قلب.
أمي أيضًا كانت تقول دائمًا إن زوجي يعاملها أفضل من أبنائها، وإنني ربحت زوجًا لا يتكرر.
أما أنا…
فقد أعطيته كل شيء.
تركت شقتي وانتقلت للعيش معه.
وسجلت الشركة باسمي عندما طلب مني ذلك.
وأعطيته كلمات مرور حساباتي في السنة الأولى من الزواج.
كنت أقول لنفسي:
وما فائدة الزواج إذا كان كل طرف يخفي أمواله عن الآخر؟
هكذا كنت أفكر.
الشخص الوحيد الذي أحببته فعلًا في تلك العائلة كانت أم سيف.
الحاجة أمينة.
هي من علمتني طبخ الأكلات التي يحبها ابنها.
وهي من كانت تدافع عني كلما أطلق الحاج جاسم تعليقات جارحة على مائدة الطعام.
كانت تناديني:
“يمّه.”
وكأنني ابنتها فعلًا.
وعندما أمرض، كانت أول من يحمل لي الحساء إلى غرفتي.
أتذكر مرة كنا نغسل الصحون معًا في مطبخها.
قالت لي بصوت منخفض دون أن تنظر نحوي:
“خلي دائمًا شي إلك يا بنتي… حساب خاص… مفتاح خاص… أي شي. حتى لو كنتِ تحبينه بكل روحج.”
ظننتها مجرد نصيحة من امرأة كبيرة في السن.
شكرتها وأكملت غسل الصحون.
لكن وأنا واقفة في ذلك الممر البارد داخل المستشفى، ويدي ترتجف من الصدمة، بدأت كل القطع تتجمع أمامي.
كان يعرف كلمة السر لأنني أنا من أعطيتها له.
والشركة كانت باسمي لأن وضعه المالي لم يكن يسمح له بتسجيلها باسمه، هكذا أقنعني.
فوقعت الأوراق كلها دون تردد.
وفي النهاية أصبحت أنا المالكة القانونية.
وأنا المسؤولة أمام المصارف والدائنين إذا حدث أي شيء.
حتى البيت الذي ورثته عن والدي قبل الزواج بقي باسمي.
وكان الشيء الوحيد الذي أملكه حقًا في هذه الدنيا.
اقتربت من باب الغرفة.
كان مفتوحًا قليلًا.
ورأيت الجميع في الداخل.
الحاج جاسم يجلس على السرير بكامل صحته، يقشر تفاحة جديدة بسك..ين صغيرة.
الحاجة أمينة تجلس بجانبه بصمت.
وسيف مستند إلى النافذة ويداه في جيبيه.
أما شقيقه كرار فكان متمددًا على كرسي الزوار يعبث بولاعة ويبتسم بسخرية.
قال كرار:
— تتوقع فعلًا صدّقت السالفة؟
ضحك الحاج جاسم وقال وهو يمضغ التفاح:
— طبعًا صدّقتها. أي شي يكوله سيف تصدقه. صارلها خمس سنين ما شكت بشي.
شعرت أن حلقي انغلق بالكامل.
لم أعد أستطيع البلع.
تنهدت الحاجة أمينة وقالت:
— بس يا جاسم… البنية طيبة…
فقاطعها فورًا:
— طيبة شنو؟ البيت لحد هسه مو محول إلنا. خلي سيف يجيب توقيعها على الرهن وبعدها خلي تروح بأي داهية.
ثم التفت نحو زوجته وقال جملة مزقتني من الداخل:
— وإنتِ لا تسوين نفسج ملاك. علاجج الكيمياوي يوم الاثنين يطلع من بطاقتها المصرفية. إذا فشلت الخطة، راح ينقطع علاجج. فاسكتي وخلينا نشتغل.
ظل سيف صامتًا طوال الوقت.
ثم قال بهدوء وكأنه يتحدث عن الطقس:
— واطوا أصواتكم. البيت انقيّم رسميًا. قيمته تقريبًا ثلاثة مليارات دينار. أقنعها أن الشركة تحتاج سيولة عاجلة وتوقع على الرهن. خلال شهر أو شهرين نخلص كل شي.
انفجر كرار ضاحكًا وهو يدير الولاعة بين أصابعه.
وقال:
— والله أنت ممثل خطير. خمس سنين تمثل الحب حتى تبيعها؟ أنا ما أگدر أسويها.
وهنا فقط فهمت الحقيقة.
كنت أنام منذ خمس سنوات إلى جانب شخص لا أعرفه.
أخرجت هاتفي وأنا لا أزال في الممر.
واتصلت بالمصرف.
كانت يدي ترتجف لدرجة أن الهاتف كاد يسقط مني.
قلت للموظف:
“أريد تجميد كل حساباتي فورًا. الشخصية والمشتركة. وإيقاف جميع البطاقات المصرفية.”
أخطأت في رقم العميل ثلاث مرات قبل أن أتمكن من إكمال المكالمة.
بعدها أغلقت الخط.
مسحت دموعي بطرف سترتي.
وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم كتبت رسالة إلى سيف بعناية شديدة:
“حولت المبلغ حبيبي. لا تقلق. سلملي على الوالد وطمّني عليه.”
ضغطت إرسال.
ثم غادرت نحو موقف السيارات وأنا أفكر بشيء واحد فقط:
هذه المرة… أنا من سيمثل.
وهم لا يعرفون مع من كانوا يلعبون طوال هذه السنوات.
جلست داخل السيارة.
الحسابات أصبحت مجمدة.
وقلبي أصبح هادئًا من شدة الغضب.
وفجأة وصلني إشعار رسالة من الحاجة أمينة.
لم تكتب أي كلمة.
أرسلت صورة فقط.
كانت صورة تقرير طبي مطوي.
يحمل اسمها الكامل.
وتشخيصًا لا أتمنى أن يمر به أحد.
سرير الحاج جاسم كان خاليًا من المرض.
أما هي فلم تكن تكذب.
السرطان كان سرطانها هي.
والعلاج الكيمياوي يوم الاثنين كان حقيقيًا.
وكان ثمنه سيُسحب من الحساب الذي جمّدته قبل عشر دقائق فقط.
بقيت أحدق في الصورة طويلًا دون أن أرمش.
وفجأة تذكرت كلماتها القديمة في المطبخ:
“خلي دائمًا شي إلك يا بنتي.”
لم تكن تنصحني.
كانت تحذرني.
كانت تعرف.
تعرف كل شيء منذ سنوات.
وعاشت صامتة في كل وجبة عشاء.
وفي كل إهانة.
وفي كل خطة تُحاك ضدي.
دافعت عني هذه الليلة بصوت خافت.
لكن بعد أن لم يعد أمامها خيار آخر.
لأن طوق النجاة الوحيد الذي كانت تتمسك به داخل تلك العائلة…
كنت أنا.
أمام عيني كانت هناك رسالتان جاهزتان للإرسال.
الأولى إلى المصرف.
لتبقى كل الحسابات مجمدة حتى آخر دينار.
وليواجهوا جميعًا مصيرهم بأيديهم الفارغة بعد خمس سنوات من الخداع.
بمن فيهم الحاجة أمينة نفسها.
أما الثانية…
فكانت لفك التجميد عن مبلغ واحد فقط.
مبلغ العلاج الكيمياوي يوم الاثنين.
للشخص الوحيد في ذلك البيت الذي حاول، بطريقته الخائفة، أن يخبرني بالحقيقة قبل فوات الأوان.
ولم يكن لدي وقت إلا لإرسال رسالة واحدة فقط.
أغلقتُ الهاتف وأنا أستند بظهري إلى مقعد السيارة، أنفاسي متسارعة، وصوت ضحكاتهم في ممر المستشفى ما زال يتردد في أذني كأنه سياط تجلد روحي. نظرتُ إلى الشاشة؛ الرسالة التي أرسلتها لسيف كانت قد وصلت، وكنت أعلم أنه الآن يتباهى بانتصاره الزائف مع والده وشقيقه.
لم أكن أملك ترف التردد. نظرتُ إلى صورة التقرير الطبي التي أرسلتها الحاجة أمينة، ثم إلى خيارات البنك على هاتفي. كان بإمكاني ضغطة زر واحدة أن أنهي كل شيء، أن أتركهم يواجهون عواقب طمعهم دون رحمة، لكن شيئًا في داخلي كان يرفض أن أتحول إلى نسخة منهم.
الخيانة طعمتها مرة، لكن القسوة المجردة من الإنسانية طعمها أسوأ بكثير.
اتخذتُ قراري.
دخلتُ إلى تطبيق البنك، وبدأت في تصفح تفاصيل الحسابات التي جمدتها. كان المبلغ المطلوب لعلاج الحاجة أمينة محددًا في التقرير، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بما كانوا يخططون لسرقته مني. قمتُ بإلغاء تجميد ذلك المبلغ فقط، وحولته فورًا إلى حساب المستشفى الخاص بالمركز الذي تتلقى فيه علاجها.
بمجرد أن تأكدت من وصول التحويل، أعدتُ تجميد باقي الأرصدة والبطاقات، ثم أغلقتُ التطبيق تماماً.
الآن، يجب أن أتحرك. لم أعد تلك الزوجة التي تنتظر في البيت، أو التي توقع على الأوراق دون قراءة. أخرجتُ من حقيبتي ملفاً صغيراً كنت قد أعددته سابقاً “للطوارئ” كما أسميته حينها، يضم صوراً ضوئية لعقود الشركة، والبيت، وكافة الأوراق التي وقعتُ عليها.
حركتُ السيارة وانطلقت نحو مكتب المحامي الخاص بوالدي، الشخص الوحيد الذي كان يحذرني دائماً من سيف، والذي لم أكن أستمع له. كنت أعلم أنه رغم تأخر الوقت، إلا أنه سيفتح لي الباب.
بينما كنت أقود، رن هاتفي. كان سيف.
تجاهلتُ الاتصال.
رن مرة أخرى. ثم أرسل رسالة: “وصلني إشعار التحويل، أنتِ رائعة. متى نلتقي لنكمل إجراءات الرهن؟ الوالد يتحسن بفضلك.”
ابتسمتُ بمرارة، وأجبتُ برسالة واحدة قصيرة:
“سأكون في مكانٍ ما، حيث لا يمكنك الوصول إليّ. ابحث عن توقيعي في المكان الذي تستحقه.”
ألقيتُ بالهاتف في المقعد الجانبي، وقررت أنني لن أعود إلى ذلك البيت أبداً. لقد انتهت سنوات الغفلة، وبدأت الآن سنوات الحساب. لكن قبل أن أختفي تماماً، كان عليّ أن أتأكد من أنهم سيستيقظون غداً على واقعٍ لم يتخيلوه في أسوأ كوابيسهم.
وصلتُ إلى مكتب الأستاذ ممدوح، محامي والدي القديم، في تمام الساعة الثانية صباحًا. كانت أنوار المكتب مطفأة، لكنه جاء فورًا بعد اتصالي به. عندما رآني واجمة والدموع قد جفّت على وجنتي لتترك مكانها نظرة حادة لم يعهدها فيّ من قبل، أدرك أن الكارثة التي كان يحذرني منها طوال خمس سنوات قد وقعت أخيرًا.
جلستُ أمامه، ووضعتُ حقيبتي وملف الأوراق على مكتبه الخشبي الكبير، وبدأتُ أسرد له كل شيء؛ من مكالمة سيف الباكية، مرورًا بحديث الممر المستور خلف باب الغرفة رقم 504، وصولاً إلى صورة التقرير الطبي التي أرسلتها الحاجة أمينة، وتجميد الحسابات وتحويل ثمن جرعة الكيماوي.
أخذ الأستاذ ممدوح نفساً عميقاً، ونظر إلى الأوراق بنظراته الفاحصة من فوق نظارته الطبية، ثم قال بصوت هادئ يحمل مزيجاً من الأسى والارتياح:
— “الحمد لله الذي أنقذكِ في اللحظة الأخيرة يا بنتي. لو كنتِ وقعتِ على عقد رهن البيت، لكانوا قذفوا بكِ في الشارع غداً، وباعوا الشركة، وتركوا لكِ الديون والملفات القضائية تلاحقكِ طوال حياتكِ.”
اعتدلتُ في جلستي وقلت له بنبرة حاسمة:
— “أنا لا أريد مجرد النجاة يا أستاذ ممدوح. أنا أريد حقي. وأريد أن ألقنهم درساً يندمون عليه في كل لحظة خططوا فيها لاستغفالي.”
ابتسم المحامي وفتح دفتراً كبيراً وبدأ يكتب:
— “اسمعيني جيداً. بما أن الشركة مسجلة باسمكِ قانونياً بالكامل، وسيف لا يملك فيها سوى تفويض إدارة عام، وبما أنكِ قمتِ بتجميد الحسابات، فالحرب الآن أصبحت في ملعبكِ. الخطوة الأولى تبدأ من الصباح الباكر.”
أمضيتُ بقية الليل في مكتبه نرسم الخطة خطوة بخطوة. لم أنم لدقيقة واحدة، لكنني لم أكن أشعر بالتعب؛ كان الغضب والتحفز يمدانني بطاقة مرعبة.
في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كان سيف يقف أمام ماكينة الصراف الآلي يحاول سحب مبلغ نثري، لكن البطاقة خذلته للمرة العاشرة. كان الهاتف في يده لا يتوقف عن الاتصال بي، لكنني كنت قد وضعت رقمه ورقمه شقيقه ووالده في قائمة الحظر.
في هذه الأثناء، كنتُ أنا والأستاذ ممدوح نقف أمام المقر الرئيسي للمصرف. دخلنا إلى مدير الفرع، وبصفتي المالكة الوحيدة للشركة وصاحبة الحسابات الشخصية، قمتُ بإلغاء التفويض العام بالإدارة الصادر لصالح سيف، وسحبتُ منه أي صلاحية للتوقيع أو التعامل باسم الشركة أو باسمي. ليس هذا فحسب، بل قدمتُ طلباً رسمياً لنقل المقر الإداري للشركة (والذي كان في شقة يملكها والده) إلى مقر جديد مؤقت، وسحب كل الدفاتر والشيكات بإنذار رسمي صادر من المحكمة.
خرجتُ من البنك وشمس الصباح تضرب وجهي. شعرتُ لأول مرة منذ خمس سنوات بوزن الهواء وهو يدخل رئتيّ.
توجّهتُ بعد ذلك برفقة المحامي إلى مكتب شركة الأمن والحراسة التي تتولى حماية مخازن ومكاتب شركتي. أبرزتُ لهم الأوراق الرسمية وإلغاء تفويض سيف، وأمرتهم بتغيير كافة الأقفال الإلكترونية والحديدية للمخازن والمقر فوراً، ومنع سيف أو شقيقه كرار من دخول أي منشأة تابعة لي، والاستعانة بالشرطة إذا لزم الأمر.
في تمام الساعة الواحدة ظهراً، كان سيف قد بدأ يدرك حجم الكارثة.
وصلتني رسالة منه عبر بريد إلكتروني قديم، بعد أن أغلقتُ كل وسائل التواصل الأخرى في وجهه. كانت الرسالة خالية من عبارات الحب الزائفة، ومليئة بالتوتر والغضب المكتوم:
“أين أنتِ؟ الحسابات مغلقة! والشركة ترفض التعامل معي، والأمن منعني من دخول المخازن! ما الذي يحدث؟ هل جننتِ؟ والدي في المستشفى يحتاج للمال، والشركة ستنهار إن لم نوقع عقد الرهن اليوم! ردي فوراً!”
لم أرد عليه. تركتُ النيران تأكل أعصابه.
لكن المفاجأة جاءت من مكان لم أتوقعه. رن هاتف المحامي الأستاذ ممدوح، وكان المتصل هو المستشفى.
أخبروه أن السيدة أمينة (الحاجة أمينة) قد تم إدخالها إلى غسيل غرف الطوارئ لإجراء الفحوصات والبدء في الجرعة الأولى، وأن هناك شخصاً يحاول إلغاء التحويل المالي أو الاستفسار عن مصدره. كان ذلك الشخص هو “كرار” شقيق سيف، الذي كان يفتش وراء المال ويبحث عن أي ثغرة لسحب المبلع لصالحه بدلاً من تركه لعلاج أمه!
عندما علم سيف من إدارة المستشفى أن الحساب الذي دفع ثمن العلاج هو حسابي الشخصي، وأن المبلغ تم تحويله “مباشرة” إلى حساب المستشفى دون أن يمر بيده أو يد والده، صُدم. فهم سيف في تلك اللحظة أنني عرفتُ كل شيء. فهم أنني كنتُ واقفت خلف الباب. وفهم أن لعبة الخمس سنوات قد انتهت.
في عصر ذلك اليوم، اتصل بي رقم غريب. ترددتُ في الرد، لكنني أجبتُ في النهاية.
كان صوت سيف. لكنه لم يكن صوتاً غاضباً هذه المرة، بل كان صوتاً مكسوراً، يرتجف، يحاول استجداء العاطفة القديمة التي طالما تلاعب بها.
قال بنبرة مخنوقة:
— “أنتِ كنتِ هناك.. أليس كذلك؟ سمعتِ كل شيء؟”
صمتُّ تماماً. تركتُ صمتي يجلده.
تابع وهو يبكي — ولم أكن أعلم هذه المرة إن كانت دموع تماسيح أم دموع خوف حقيقي من الضياع:
— “أرجوكِ اسمعيني.. والدي هو من خطط لكل شيء.. كرار هو من وزّع الأدوار.. أنا كنتُ مجبراً.. أنا أحبكِ فعلاً، الخمس سنوات لم تكن كلها تمثيلاً.. أرجوكِ لا تهدمي كل شيء.. الحاجة أمينة تموت، وإذا لم تفكي تجميد الحسابات، سيقبض الدائنون علينا، الشركة عليها التزامات، والبيت…”
قاطعته بصوت بارد كجليد الشتاء، صوت لم أكن أعلم أنني أملكه:
— “الحاجة أمينة دفعتُ ثمن علاجها بالكامل، لأنها الشخص الوحيد الذي أظهر لي ذرة من الإنسانية في ذلك الجحيم، حتى لو كانت خائفة. أما أنت.. وأبوك.. وشقيقك.. فقد انتهيتم بالنسبة لي.”
أضاف قائلاً برعب:
— “والرهن؟ الشيكات التي وقعتُ عليها للموردين باسم الشركة؟ سأدخل السجن يا زوجتي!”
ابتسمتُ، وقلتُ له الجملة التي ستقض مضجعه لسنوات قادمة:
— “أنت وقعتَ على الشيكات بتفويض ملغى.. أي أنها شيكات تقع تحت طائلة التزوير والنصب الشخصي، والشركة غير مسؤولة عنها. تذكر جملة والدك؟ (خلي تروح بأي داهية)؟ حسناً.. أنا الآن أراقبكم وأنا في طريقي إلى داهيتي الخاصة.. بينما أنتم تغرقون.”
أغلقتُ الخط.
التفتُّ إلى المحامي وقلت له: “أريد رفع قض..ية طلاق للضرر فوراً، وقض..ية خيانة أمانة ضد سيف ووالده.”
لكن الحرب لم تنتهِ هنا. سيف وعائلته، بعد أن أدركوا أنهم خسوا كل شيء، قرروا القيام بخطوة أخيرة جنونية خطيرة في المساء.. خطوة لم تكن في الحسبان، وتستهدف الشيء الوحيد المتبقي باسمي.. بيتي القديم.
في تمام الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم الطويل، تلقيتُ اتصالاً من جاري القديم في الحي الذي يقع فيه بيت والدي —البيت الذي ورثته والذي تبلغ قيمته ثلاثة مليارات دينار. كان صوت الرجل يرتجف وهو يقول:
— “يا بنتي، الحقي.. زوجكِ سيف وشقيقه كرار وم معهم ثلاثة رجال غريبين، يحاولون كسر أقفال البوابة الخارجية للبيت، ومعهم سيارة نقل كبيرة!”
شعرتُ بدمي يغلي في عروقي. لقد جُنّ جنونهم بعد أن أدركوا أن منافذ المال كلها قد أُغلِقت في وجوههم، وفهموا أن الشيكات التي وقعها سيف للموردين ستلقي به خلف القضبان بتهمة النصب والتزوير. لم يجدوا أمامهم سوى محاولة السطو على البيت، أو ربما سرقة محتوياته الثمينة كخطوة انتقامية أخيرة.
التفتُّ إلى الأستاذ ممدوح الذي كان لا يزال معي في مكتبه، ونقلتُ له ما يحدث. قال فوراً بحدة:
— “هذه سرقة علنية مشهودة! اتصلي بالشرطة فوراً وتوجهي إلى هناك، وأنا سألحق بكِ مع قوة من القسم الذي يتبع له العقار. لا تخافي، القانون في صفكِ تماماً.”
انطلقتُ بسيارتي كالسهم وسط شوارع المدينة، كان الخوف قد تلاشى تماماً ولم يتبقَ في قلبي سوى رغبة عارمة في إنهاء هذه المهزلة. وطوال الطريق، كنتُ أفكر كيف استطاع هذا الشخص أن يخدعني لخمس سنوات كاملة، كيف كان ينام بجانبي وهو يخطط لليوم الذي يرميني فيه إلى الشارع.
وصلتُ إلى شارع بيتي القديم، وكانت سيارات الشرطة قد سبقتني بفضل بلاغ الجيران وبلاغ الأستاذ ممدوح السريع.
كان المشهد أمامي لا يُصدق؛ سيف وكرار مقيدان بالأصفاد الحديدية، ومعهما ثلاثة عمال، والكسّارة الحديدية ملقاة على الأرض بجانب قفل البوابة المكسور. كان وجه سيف شاحباً كالموتى، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر، بينما كان كرار يصرخ في وجه الضابط محاولاً إقناعه بأن سيف هو زوج صاحبة البيت وله الحق في دخوله.
نزلتُ من السيارة بخطوات ثابتة وواثقة. عندما رآني سيف، صاح بصوت مخنوق:
— “أرجوكِ يا سمر! (أو اسم البطلة).. قولي لهم إنني زوجكِ! قولي لهم إنها مشكلة عائلية! والدي سينهار إذا علم أننا في قسم الشرطة!”
وقفتُ أمامه ونظرتُ في عينيه مباشرة، تلك العينين اللتين طالما نظرتُ إليهما بالحب والثقة، ولم أجد فيهما سوى الصغار والجبن. قلتُ للضابط بصوت مسموع وواضح أمام جميع الجيران الذين تجمعوا في الشارع:
— “يا سيادة الضابط، هذا الشخص كان زوجي، واليوم صباحاً تم إلغاء كافة صلاحياته، وهناك دعوى طلاق للضرر وخيانة أمانة مرفوعة ضده وضد عائلته. هذا البيت ملكي أنا بموجب ورش شرعي، وهؤلاء الأشخاص هجموا على العقار وكسروا الأقفال بقصد السرقة والسطو.”
التفت الضابط إلى عساكره وقال بحسم: “خذوهم إلى البوكس!”
صرخ كرار وهو يُساق إلى سيارة الشرطة: “لن نترككِ! والله لنأخذ حقنا منكِ! أنتِ دمرتِ عائلتنا!”
أما سيف، فلم ينطق بكلمة أخرى، بل نظر إليّ نظرة انكسار وهزيمة كاملة وهو يجر خطاه الذليلة.
تحركت سيارات الشرطة وتفرق الجيران وهم يواسونني، وبقيتُ واقفة وحدي أمام بوابة بيتي المكسورة. في تلك اللحظة، رن هاتفي برقم المستشفى مجدداً.
أجبتُ بقلب منقبض، فجاءني صوت الممرضة الطيبة التي تتابع حالة الحاجة أمينة:
— “يا بنتي، السيدة أمينة استيقظت بعد الجرعة الأولى. حالتها مستقرة جسدياً، لكنها تبكي باستمرار وتطلب رؤيتكِ فوراً. تقول إنها يجب أن تخبركِ بشيء خطير قبل أن يفوت الأوان.. شيء يخص الأوراق التي تحت يد سيف.”
تصلبتُ في مكاني. أوراق؟ أي أوراق أخرى يمكن أن تكون تحت يده؟
نظرتُ إلى البوابة المكسورة، ثم إلى ساعتي التي قاربت منتصف الليل. كانت الحرب قد انتقلت الآن إلى ساحة أخرى، ويبدو أن الحاجة أمينة، رغم ضعفها ومرضها، كانت تخبئ السر الأخير الذي قد يقلب الطاولة بالكامل على رأس الحاج جاسم وأولاده.
ركبتُ سيارتي وتوجهتُ فوراً نحو المستشفى، مستعدة لسماع الحقيقة الأخيرة.
دخلتُ إلى المستشفى بخطوات يملؤها القلق والترقب، متوجهةً مباشرةً إلى قسم الأورام في الطابق الثالث. كان الهدوء يلف الممرات، ولم يكن هناك أثر للحاج جاسم؛ يبدو أنه اختفى بمجرد أن علم بالقبض على ولديه، أو ربما كان غارقاً في البحث عن مخرج لورطته.
فتحتُ باب الغرفة بهدوء، فوجدتُ الحاجة أمينة مستلقية على السرير، وجهها شاحب وجسدها منهك من أثر الجرعة الأولى للكيماوي، لكن عينيها كانت قلقة وتتحركان في كل اتجاه. بمجرد أن رأتني، اغرورقت عيناها بالدموع وحاولت الاعتدال في جلستها.
اقتربتُ منها، وأمسكتُ يدها الباردة برفق، وقبل أن أنطق بكلمة، قالت بصوت متهدج ونبرة مستعجلة:
— “سامحيني يا بنتي.. سامحيني على كل لحظة سكتُّ فيها. لكن والله لو لم تجمّدي الحسابات الليلة الماضية، لكانت حياتكِ قد دُمّرت بالكامل.”
جلستُ على طرف السرير وقلت لها بهدوء:
— “أنا دفعتُ ثمن علاجكِ يا حاجة لأنني لا أخلط بين الحق والباطل. لكن الممرضة أخبرتني أنكِ تطلبينني لأمر خطير.. ما هي الأوراق التي مع سيف؟”
تنهدت بألم، والتفتت نحو الباب لتتأكد من أنه مغلق، ثم همست:
— “سيف لم يكن يخطط لرهن البيت فقط يا بنتي.. سيف قبل ثلاثة أشهر، استغل توقيعكِ على أوراق الشركة البيضاء التي تركتِها له في المكتب بذريعة تخليص المعاملات الحكومية، وقام بإنشاء عقد بيع وشراء وتنازل مزور للشركة والشقة التي تعيشون فيها لصالح رجل أعمال غامض ومشبوه مقابل مبلغ مالي ضخم كعربون. والورقة الأصلية مخبأة في مكان لن يخطر على بال أحد.”
شعرتُ بصدمة جمدت الدماء في عروقي. ورقة تنازل مزورة وموقعة مني؟ هذا يعني أنه إذا ظهرت هذه الورقة، فإنني سأخسر الشركة قانونياً وسأصبح ملاحقة بتهمة التهرب والنصب!
سألتها بلهفة والخوف يطرق قلبي:
— “أين هي هذه الورقة يا حاجة؟ أرجوكِ أخبريني!”
نظرت إليّ بعيون يملؤها الندم وقالت:
— “جاسم وسيف يضعان الأوراق المهمة كلها في خزنة سرية قديمة مخبأة خلف لوحة الآيات القرانية في صالة بيتنا القديم.. البيت الذي تركتِهِ وانتقلتِ للعيش مع سيف فيه. مفتاح الخزنة لا يفارق جيب جاسم، لكن هناك نسخة احتياطية مخبأة داخل وسادتي القديمة في غرفتي هناك.”
في تلك اللحظة، رن هاتف الغرفة الخاص بالمستشفى، وأخبرت الممرضة السيدة أمينة أن هناك اتصالاً عاجلاً لها من قِبل الشرطة لإبلاغها بالقبض على ولديها.
أدركتُ أن الوقت يداهمني. إذا علم الحاج جاسم بالقبض على أولاده، فسيتوجه فوراً إلى البيت ليخفي تلك الأوراق أو يهرب بها ليحمي نفسه ويحمي ما تبقى من خطتهم.
وقفتُ بسرعة، وقبّلت رأس الحاجة أمينة التي همست لي: “اذهبي يا بنتي.. وخذي حقكِ منهم، ولا تأخذكِ بهم رحمة.”
خرجتُ من المستشفى وعقلي يعمل كآلة حاسبة. اتصلتُ بالأستاذ ممدوح وأخبرته بالسر الجديد. قال لي بحسم:
— “سأتحرك فوراً لإصدار أمر من النيابة لتفتيش المنزل القديم بموجب البلاغات المرفوعة ضد سيف وخيانة الأمانة، لكن الإجراءات قد تستغرق بضع ساعات. يجب أن نراقب البيت حتى لا يدخل جاسم ويحرق الأدلة.”
انطلقتُ بسيارتي نحو البيت المشترك الذي عشتُ فيه مع سيف طوال الخمس سنوات، وهو البيت العائلي القديم لهم. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ليلاً.
عندما وصلتُ إلى الشارع، أطفأتُ أنوار السيارة وركنتُ بعيداً. كانت أنوار الشقة مضاءة، وفجأة، رأيتُ سيارة أجرة تقف أمام الباب، ونزل منها الحاج جاسم وهو يلتفت حوله بذعر وبيده حقيبة سوداء صغيرة. كان يبدو عليه أنه عرف بكل شيء، وأنه جاء ليأخذ الأوراق ويهرب قبل أن تصل إليه الشرطة.
لم أستطع الانتظار حتى يصل الأستاذ ممدوح وقوة الشرطة. فتحتُ باب سيارتي، ونزلتُ متوجهةً نحو مدخل البناية بخطوات صامتة وسريعة، والشيء الوحيد الذي كان يشغل تفكيري هو منع هذا الرجل من تدمير دليلي الوحيد لبراءتي الكاملة واستعادة كل ما أملك.
صعدتُ السلالم خلفه بقلب ينبض بعنف، وعندما وصل إلى باب الشقة وأدخل المفتاح، ظهرتُ فجأة من خلفه في الظلام وقلت بصوت حاد:
— “تأخرت كثيراً يا حاج جاسم.. الأوراق التي تبحث عنها لن تفيدك بعد الآن.”
التفت إليّ بجسده المرتعش، وعيناه تشتعلان غضباً وحقداً، ورفع يده التي كانت تحمل عصاه الخشبية الثقيلة.. ولم تكن هذه سوى بداية المواجهة الأخيرة والخطيرة وجهاً لوجه.
تصلب الحاج جاسم في مكانه لثوانٍ، وعصاه مرفوعة في الهواء، وعيناه الجاحظتان تفيضان بغلٍّ أعمى لم أره فيه طوال خمس سنوات. تراجع خطوة إلى الخلف مستنداً إلى باب الشقة، وأنفاسه العجوز تخرج متلاحقة وحشرجة صوته تملأ الممر المظلم:
— “أنتِ..؟! يا بنت…”
قاطعتُه بوقفة جامدة لم تهتز:
— “نعم أنا. سيف وكرار الآن في الحجز بتهمة السطو والسرقة الكسر، والشرطة في طريقها إلى هنا بموجب أمر من النيابة لتفتيش هذه الشقة. لعبتكم انتهت يا حاج.”
نزلت عصاه ببطء، لكن ملامحه تشنجت بابتسامة خبيثة كأنما تذكر السلا..ح الذي في يده. ضغط على حقيبته السوداء الصغيرة وقال بنبرة فحيح الأفاعي:
— “تظنين نفسكِ ذكية؟ سيف كتب التنازل وضمنّا الملايين، والورقة الأصلية معي الآن في هذه الحقيبة! حتى لو سُجن أولادي شهراً أو سنتين، سنخرج ونشتري الدنيا كلها بأموال شركتكِ وببيتكِ، وأنتِ من ستدورين على المحاكم باحثة عن قروش تسد رمقكِ!”
في تلك اللحظة، لم أفكر. الغضب المتراكم لخمس سنوات من الاستغلال، والدموع التي ذرفتها الحاجة أمينة في المستشفى، وصدمة عمري في شخص ظننته أماني.. كل ذلك تحول إلى قوة انتحارية.
اندفعتُ نحوه وحاولتُ شد الحقيبة من يده بقوة. صرخ جاسم صرخة مكتومة ودفعني بيد، بينما تشبث بالحقيبة باليد الأخرى. التوت قدمي وكدتُ أسقط على السلالم، لكنني أعدتُ التوازن وتمسكتُ بطرف الجاكيت الذي يرتديه. دارت بيننا معركة شرسة وصامتة في ممر الطابق الثالث، رجل عجوز يحارب لأجل جشعه، وامرأة تحارب لأجل حياتها وكرامتها.
فجأة، انفتح سحاب الحقيبة بفعل الجذب الشديد، وتطايرت منها عدة أوراق. لمحتُ بينها ورقة ذات لون أزرق مميز.. إنها ورقة التنازل وعقد البيع المزور!
انحنيتُ بسرعة البرق لألتقطها، لكن جاسم كان أسرع؛ داست قدمه الثقيلة على طرَف الورقة، ورفع عصاه عالياً هذه المرة بكل قوته، ووجّهها مباشرة نحو رأسي وهو يصرخ:
— “موتكِ اليوم أهون عليّ من أن تأخذيها!”
أغمضتُ عيني مستسلمة للضربة القادمة.. لكن الضربة لم تأتِ.
سُمع صوت دويّ قوي أسفل السلالم، تلاه صوت خطوات عسكرية متسارعة تزلزل أركان البناية. انفتح باب المدخل وصاح صوت الأستاذ ممدوح ومعه ضابط المباحث:
— “امسكوه! لا تدعوه يتحرك!”
تراجع الحاج جاسم بذعر، وسقطت العصا من يده لترتطم بالأرض الرخامية. في أجزاء من الثانية، التقطتُ الورقة الزرقاء وضممتُها إلى صدري كأنني أضم حياتي العائدة إليّ.
اندفع العساكر وشلّوا حركة جاسم الذي انهار تماماً وجلس على السلالم يبكي ذليلاً، يرجو الضابط ألا يأخذه مع أولاده. تقدم إليّ الأستاذ ممدوح والتقط أنفاسه بصعوبة قائلاً:
— “هل أنتِ بخير يا بنتي؟ وصلنا في الثواني الأخيرة.”
أومأتُ برأسي وأنا أرتجف، لكنني رفعتُ الورقة الزرقاء أمامه وعلامات النصر ترتسم وسط دموعي:
— “معي الدليل يا أستاذ ممدوح.. معي عقد التنازل المزور بتوقيعي. سيف وجاسم وكرار.. كلهم في قبصتي الآن.”
أخذ الضابط الورقة بحذر وأدرجها في ملف الأحراز، وقيدوا الحاج جاسم ليقودوه إلى الشارع حيث كانت سيارات الشرطة تملأ الحي بأصوات سريناتها.
نظرتُ إلى باب الشقة المفتوح، تلك الشقة التي شهدت خديعتي لخمس سنوات. شعرتُ برغبة في التقيؤ من جدرانها. التفتُّ للرحيل مع المحامي لإتمام المحاضر، لكن هاتفي اهتز في جيبي معلناً وصول رسالة جديدة.
لم تكن من سيف، ولا من المستشفى.
كانت الرسالة من رقم مجهول، ومكتوب فيها جملة واحدة جعلت الدماء تتجمد في عروقي مجدداً، وأدركتُ أن الكابوس لم ينتهِ، بل فتح باباً لجهة أخرى أشد خطورة:
“مبروك جمدتِ الحسابات وأخذتِ الورقة.. لكن سيف استلم مني مئة مليون دينار كعربون، والشقة والشركة أصبحت من حقي أنا بموجب العقود التي تحت يدي في دبي. أمامكِ 24 ساعة لفك تجميد الحسابات وإعادة الأموال، وإلا ستكون نهايتكِ أبشع مما تتخيلين.”
توقفتُ في مكاني وسط ممر السلالم المظلم، ونظرتُ إلى شاشة الهاتف برعب.. من هذا الرجل الغامض؟ وما الذي فعله سيف خلف ظهري في دبي؟
غداً.. سيكون الجزء الأخير، وال مواجهة الكبرى التي ستحسم كل شيء.
بقيتُ واقفةً في ممر السلالم المظلم، شاشة الهاتف تضيء وجهي بتلك الرسالة المرعبة. التفتُّ إلى الأستاذ ممدوح والشرطة يقودون الحاج جاسم إلى الأسفل، ومددتُ له الهاتف بطلبٍ صامت وعينين متسعتين من الصدمة.
قرأ المحامي الرسالة، فتغيرت ملامحه تماماً، لكنه سرعان ما استعاد ثباته وقال بنبرة حازمة:
— “هذا الطرف الثالث هو رجل الأعمال المشبوه الذي تحدثت عنه الحاجة أمينة. سيف ورّط نفسه في قض..ية دولية عابرة للحدود، وظن أنه سيهرب بالمال ليغطّي جريمته. اسمعيني جيداً يا بنتي.. الخوف هو ما يتغذى عليه هؤلاء. نحن نملك القانون، والآن سننهي هذه اللعبة بالضربة القاضية.”
لم نمضِ إلى البيت، بل توجهنا مباشرةً إلى مبنى مديرية الأمن. طوال الليل، وبينما كان سيف وكرار والحاج جاسم يخضعون للتحقيق في غرف منفصلة ويتبادلون الاتهامات ويسكبون اعترافاتهم أمام النيابة خوفاً من السجن، كان الأستاذ ممدوح ينسق مع نيابة الأموال العامة ومباحث الإنترنت لتتبع الرقم الدولي الذي أرسل التهديد.
في تمام الساعة السابعة صباحاً من اليوم التالي، كشفت التحريات عن الهوية الحقيقية لصاحب الرقم؛ لم يكن مستثمراً كبيراً في دبي كما أدعى، بل كان مجرد ذراع شبكة نصب دولية تتصيد المغفلين والطامعين مثل سيف، والاتفاق بأكمله جرى عبر الإنترنت بأوراق وصور رقمية مرسلة، ولم يكن هناك أي عقود قانونية موثقة في دبي كما زعم في رسالته، بل كانت مجرد محاولة لابتزازي بعد أن علم الِمُبتز عبر رجاله أن الخطة فشلت وأن الحسابات قد جُمدت.
أصدرت النيابة أمراً برفع الحظر عن خطوط الاتصال تحت المراقبة، وطلب مني الضابط أن أجيب على الرسالة بكلمة واحدة لجرّ المستدرِج: “أين نلتقي لإعادة العربون؟”
جاء الرد سريعاً بطلب تحويل المبلغ إلى حساب وسيط داخل البلاد لإتمام العملية صلحاً. وفي غضون ساعتين فقط، وبفضل سرعة تحرك رجال مكافحة جرائم الأموال العامة، تم إلقاء القبض على الوسيط المحلي الذي تبين أنه شريك سابق لكرار، وبسقوطه انفرط عقد الشبكة بالكامل، وتلاشت التهديدات كأنها لم تكن.
بعد مرور أسبوع كامل..
كنتُ أقف في مكتب الأستاذ ممدوح أوقع على الأوراق النهائية.
صدر حكم قضائي عاجل بمنع سيف وجاسم وكرار من السفر، وتم تحويل قضيتهم إلى محكمة الجنايات بتهم التزوير في أوراق رسمية، والنصب، والسرقة المشهودة بكسر الأقفال. الشركة أصبحت محصنة بالكامل قانونياً، وألغيت كل الديون والشيكات التي وقعها سيف باسمه الشخصي دون صفتي الرسمية. أما البيت، فقد تم تركيب نظام أمني متطور له، وعاد كما كان.. رمزاً لإرث والدي الذي لم أفرط فيه.
أما الحاجة أمينة.. فقد نقلتها على نفقتي الخاصة إلى مستشفى تخصصي أفضل، وتابعتُ حالتها الطبية بانتظام. وعندما زرتها قبل صدور الأحكام، تمسكت بيدي وهي تبكي وتدعو لي، فأخبرتها بهدوء: “أنا لا أنسى من حاول إنقاذي يا أمي، والعدل لا يظلم طالباً للحق.”
خرجتُ من مكتب المحامي إلى شوارع المدينة التي بدت لي هذه المرة أوسع وأجمل. نظرتُ إلى السماء وتنفسّت بعمق؛ خمس سنوات من الخديعة لم تكسرني، بل صنعت مني امرأة أخرى، امرأة تعلمت أن الحب لا يعني العمى، وأن الطيبة دون مخالب هي مجرد وادعة بانتظار الذئاب.
ركبتُ سيارتي، وأغلقتُ خلفي باب الماضي إلى الأبد، وانطلقتُ نحو بداية جديدة أكتب فصولها بنفسي، وبلقلمي أنا فقط.