انتقام عانس حكايات زهرة الربيع

علشان كملت تلاتين سنه مرات اخويا عرضت عليا الجواز من اخوها اللي تم الخمسين ومطلق مرتين ، وقبل ما انطق مرات ابويا زغرطت وقالت طبعا توافق هيه العانس دي فايدتها ايه ، سكت وسبتهم يعملوا اللي عايزينه براحتهم بس كنت مجهزالهم هديه عرفتهم فايدتي وكسرت كرامتهم قدام الكل!!!!!
عندي تلاتين سنة.. الرقم ده في مجتمعنا مش مجرد سن، ده تهمة. من يوم ما تميت التلاتين، والبيت اللي عايشة فيه اتقلب لزنزانة، الكل باصص لي على إني حمل تقيل، “عانس” ملهاش لازمة ولا فايدة.
​أنا يتيمة الأم، أمي سابتني للدنيا بدري، وسابت وراها أب سلبي، اتجوز بعد وفاتها علطول من ست مش طيقاني، شافت فيا ضرة مش بنت جوزها. كبرت وأنا بشوف السواد في عيونها، بس قولت معلش، ليا أخ صغير بكرة يكبر ويكون سندي. لكن للأسف، أخويا كبر واتجوز، ومراته بدل ما تكون أخت ليا، لقت مصلحتها مع مرات أبويا. بقوا الاتنين جبهة واحدة عليا، صحاب وحبايب، والهدف المشترك بينهم؟ إزاي يخلصوا مني ويبعدوني عن البيت. يوماتي تلقيح كلام، ونظرات كلها سم، “البت كبرت وبارت”، “قاعدتلنا زي العلة ومفيش منها فايدة”.
​وفي يوم، كنت قاعدة في الصالة شايلة همي بين ضلوعي، لقيت مرات أخويا داخلة عليا بابتسامة صفرا ومصطنعة، قعدت جنبي وقالت بنبرة حنية كدابة: “بقولك إيه يا حبيبتي، أنا جايبالك خبر بمليون جنيه.. أخويا حامد عايز يتجوز، وأنا أول ما فتح معايا الموضوع مرشحتش غيرك، قولت فيش احسن ولا اجمل من ندى اخت جوزي، ومش هتلاقي أحسن منه يا بت يا ندى!”
​أنا برقت بعيني والصدمة لجمت لساني. حامد مين؟ حامد ده أنا من صغري كنت بقوله يا “عمو”! قبل ما أنطق بكلمة، لقيت مرات أبويا زغرطت بعلو صوتها، زغروتة رنت في وداني زي الخنجر، وقالت بشماتة واضحة: “طبعاً توافق! وهترفض ليه يعني؟ هي العانس دي فايدتها إيه لازم تستر نفسها؟”
​اتفزعت من كلامهم، وصرخت بوجع وذهول: “عمو حامد؟! حامد ده أكبر مني بعشرين سنة! ده متمم الخمسين ومطلق مرتين، ومفيش واحدة عمرت معاه ولا طاقته! انتوا عايزين ترموني الرمية دي ليه؟”
​لقيت مرات أخويا زعقت فيا وقامت وقفت بندالة وقالت: “جرى إيه يا بت انتي؟ مين ده اللي مش عاجبك؟ انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ انتي عنستي وبرتي يا حبيبتي، وبقيتي شحطه في البيت، احمدي ربنا إن فيه راجل رضي بيكي ووافق ياخدك!”
​مرات أبويا اتدخلت علطول ببرود وقالت: “طبعاً تحمد ربنا وتبوس إيدها وش وضهر كمان.. مش كده والّا إيه يا سالم؟”
​سالم.. ده أبويا. السند المفترض. بصيت له بدموع محبوسة، كان عندي أمل، ولو واحد في المية، إنه يصرخ فيهم، يقولهم دي بنتي لحمي ودمي مش هرميها لواحد قد أبوها ومطلق مرتين. لكنه، وزي العادة، سكت.. وطأطأ رأسه في الأرض ومنطقش بنص كلمة.
​في اللحظة دي، حسيت بحاجة جوايا انكسرت، بس الانكسار ده اتولد منه قوة مكنتش أعرف إنها عندي. أخدت نفس عميق، هديت تماماً، وابتسمت ابتسامة غامضة وقولت: “اللي تشوفوه.. أنا موافقة.”
​سيبتهم ودخلت أوضتي. كانوا فاكرين إني استسلمت، والكسرة غطت عيني، لكن الحقيقة إني كنت بجهز للرد اللي هيزلزلهم.
​تاني يوم، البيت كان قايد نار من الترتيبات. العريس جه هو وإخواته وأهله عشان يقروا الفاتحة. الناس كلها فرحانة، والزغاريد شغالة من مرات أبويا وجاراتها.
​دخلتلي مرات أخويا الأوضة علشان تمكيجني وتزيني. كانت بتشتغل في وشي وهي طايرة من الفرحة، مش حباً فيا طبعاً، ولا حباً في أخوها اللي محدش من بنات المنطقة رضي بيه، لكن لمجرد إنها أخيراً لقت العروسة “اللقطة” اللي هتخلصها من أخت جوزها وتقفل باب الأوضة دي ورايا للأبد. كنت ببص لوشي في المراية وببتسم.. وهي فاكرة إني فرحانة، ومش فاهمة إن الابتسامة دي هي الهدوء الذي يسبق العاصفة. أنا نويت أعرفهم قيمتي، وأكسر كرامتهم قدام الكل في أعلى لحظة فرحة ليهم.
​خرجنا للصالة. العريس قاعد لابس ومترتب هو كمان، أول ما شافني عينيه لمعت وانبسط، وافتكر إنه خلاص ملك الدنيا وأخد البنت اللي أصغر منه بعشرين سنة علشان تخدمه وتتحمل قرفه. قعدت والكل بيبارك، ومرات أبويا ومرات أخويا عيونهم بتطق شرار وفخر بانتصارهم عليا.
​وفجأة، وسط الزحمة وصوت الضحك، الباب خبط.
​قامت مرات أبويا تفتح وهي بتقول: “مين اللي جاي في وقت زي ده؟”
فتحت الباب، لقت راجل واقف شايل بوكس هدايا كبير ومتغلف بشكل فخم جداً، ومكتوب بوكس شكر لمرات ابويا واخت جوزي . الراجل سلمها البوكس وقالها بصوت عالي سمعه الكل في الصالة: “اتفضلي يا فندم، ده بوكس هدايا من العروسة، جيباه لمرات ابوها واخت جوزها علشان تشكركم قدام الناس كلها.”
​مرات أبويا شالت البوكس ودخلت بيه الصالة، عينيها كانت بتلمع بالفخر، ووشها انفرط من الفرحة والوجاهة قدام أهل العريس. مشيت تتباها بالبوكس وقالت بنبرة فيها تمثيل وتظاهر بالحنية: “يا حبيبتي يا ندى! مكانش ليه لزوم التعب ده كله.. انتي زي بنتي وأنا معملتش حاجة، ده واجبي انا ومرات اخوكي إننا نسترك ونفرح بيكي!”
مرات اخويا جريت عليها وهيه بتحاول تاخد منها البوكس وهتموت وتعرف ايه جواه وبتقول
الراجل قال ده لينا سوا ..مش كده يا ندى
​بصيت لهم وابتسمت بكل برود وثقة، وقولت بصوت واضح سمعه العريس وأهله وأبويا وأخويا: اه طبعا ده ليكم انتو الاتنين ، وده أقل واجب أقدمه لكم في يوم زي ده بعد كل اللي عملتوه معايا.. افتحوه يلا وافرحوا، وفرحوا الكل معاكم!”
​أهل العريس بقوا يبصوا بفضول، ومرات أخويا قربت بابتسامة واسعة عشان تشوف الهدية الفخمة دي. مرات أبويا حطت البوكس في النص، وبدأت تفك الشريط الستان المربوط بحماس شديد، ورفعت الغطا..
وأول ما شافت اللي جوة البوكس اتصدمت صدمة عمرها، وشها اتقلب للون أصفر باهت زي الأموات، عينيها برقت لدرجة ترعب
مرات اخويا استغربت شكلها وبصت للي جوة البوكس، اتسعت عنيها بصدمه اكبر وبقم الاتنين مبلمين كأنهم شافوا جث//ة أو سر هيدفنهم صاحيين!!!!!!
ماكانش في البوكس دهب ولا ألماظ ولا حتى شيكات، كان فيه “مستندات”. أكوام من الورق المطبوع بعناية، وفوق الوش صورة ضوئية لورقة رسمية مختومة بختم المحكمة، وصور تانية خاصة جداً.
​سكتت الصالة فجأة لدرجة إنك تسمع صوت النفس، مرات أبويا إيدها كانت بتترعش والورق وقع منها على الأرض، والناس بدأت تتلم تشوف إيه اللي حصل. نطقت مرات أخويا بصوت مبحوح ومكسور وهي بتبص للورق: “إيه.. إيه ده يا ندى؟ إنتي.. إنتي عملتي إيه؟”
​وقفت بكل هدوء، خصلة شعري نزلت على عيني شلتها برقة، وبصيت لحامد العريس اللي كان بيقوم يقف بفضول: “لا يا عمو حامد، اقعد مكانك.. الورق ده مش ليك، ده لمرات أبويا ومرات أخويا اللي كانوا بيحضروا ليا جوازة بجد. الورقة اللي فوق دي يا جماعة، حكم محكمة نهائي ببيع نصيب والدي في البيت اللي إحنا قاعدين فيه ده، البيت اللي مرات أبويا كانت مفكرة إنها ضامنة قعدتها فيه طول العمر، والبيت اللي مرات أخويا كانت بتخطط تورثه بعد ما يخلصوا مني ويطردوني.”
​بصيت لأبويا اللي كان وشه بيجيب ألوان: “يا بابا، أنت من كتر ما أنت سلبي، نسيت إن الورق اللي مضيت عليه وأنت مش دريان من سنة، كان توكيل عام ليا بحكم إنك مش قادر تدير أملاكك، وأنا كبنتك “العانس اللي ملهاش لازمة” استغليت التوكيل ده أحسن استغلال، بعت نص البيت لطرف تالت، والطرف التالت ده شركة عقارات، والنهاردة الصبح وقعوا العقد، يعني البيت ده بقى فيه شريك جديد، شريك مش هيسكت على كلمة ولا هيسمح بوجود حد غير مرغوب فيه.”
​مرات أخويا صرخت: “انتي سرقتينا؟ إنتي بعتي البيت؟” ضحكت ضحكة باردة خلت الدم يجمد في عروقها: “سرقة؟ لأ، ده اسمه تدبير أمور يا حبيبتي، زي ما دبرتوا لي “اللقطة” اللي قدامكم ده. أما بقى الورق اللي تحت الصور.. فدي نسخ من محادثاتكم وتسجيلاتكم اللي بتثبت سوء المعاملة والتهديد، ومستندات تانية تثبت إنكم كنتوا بتختلسوا جزء من معاش أبويا، وده كفيل يدخلكم السجن سنين.”
​التفت لحامد اللي كان مذهول وبيلم هدومه عشان يهرب، مسكته من إيده وبصيت في عينيه: “آه، وبالنسبة ليك يا عريس، فدي هدية إضافية ليك، صور لكل مرة كنت بتضرب فيها ستاتك اللي طلقوك، بعتها دلوقتي حالا لكل أهلك اللي قاعدين ومصدقين إنك ملاك. تحب نكمل قراية الفاتحة ولا أوريهم الفيديوهات كمان؟”
​حامد وشّه جاب ألوان وبص لأهله اللي قاموا كلهم وقفة واحدة وهما بيشتموه ويشدوه من إيدهم عشان يمشوا، البيت اتقلب لساحة معركة، صريخ مرات أبويا على لطم مرات أخويا، والناس اللي كانت جاية تبارك بقت واقفة بتصور بالموبايلات الفضيحة.
​مشيت في وسطهم بخطوات تقيلة وواثقة، وقفت عند الباب، بصيت لأبويا اللي كان قاعد مكسور ومذهول وقُلت بصوت مسموع: “كنت فاكر إني مليش سند، بس طلعت أنا السند اللي كان يقدر يهد المعبد فوق دماغكم كلكم، العانس دي النهاردة هي اللي بتطردكم، البيت ده ليكم فيه نصيب، بس من النهاردة.. الكلمة كلمتي، ولو حد فيكم فكر يرفع صوته، القانون هيكون هو الحكم.”
​قفلت الباب ورايا وخرجت للشارع لأول مرة من سنين أحس إني بتنفس هواء حر، مش مستنية موافقة حد ولا خايفة من نظرة حد، حياتي اللي كانوا فاكرينها انتهت عند التلاتين، بدأت اللحظة دي.. وبقوانيني أنا.
………
وقفت في الشارع، الهوا بيخبط في وشي، ولأول مرة من سنين طويلة بحس إن ريحة الشارع حرية مش خنقة. الشنطة اللي كنت محضراها من أسبوع كانت في إيد التانية، ماكنتش سايبة ورايا غير هدوم تكفيني، وكام ورقة تثبت حقي، ومفتاح البيت اللي سيبته في إيد أبويا، وكأني بقوله: “خده.. البيت ده بقى عبء مش ملك، والبيت اللي شلت فيه همومكم، مابقاش يساعني”.
​مشيت بخطوات ثابتة، قلبي بيدق، بس مش خوف، ده نبض الحياة اللي كنت فاكراها اتطفت. الموبايل في جيبي قعد يرن، مرات أخويا ومرات أبويا بيتصلوا، اتصلوا عشرات المرات، وكل اتصال كان بيأكد لي إن “القفلة” اللي عملتها كانت في الصميم. مسحت الأرقام واحد ورا التاني، عملت “بلوك” شامل لكل ذكريات الوجع.
​وصلت لموقف المواصلات، ركبت أول ميكروباص، مكنتش عارفة رايحة فين، المهم إني خارج النطاق اللي كان راسمينه لي. جنبي واحدة ست كبيرة، بصت لي بابتسامة وقالت: “شكلك زعلانة يا بنتي، بس وشك فيه نور.. ربنا يفتحها في وشك”. ابتسمت لها من قلبي، كنت عايزة أقولها: “مش زعلانة، أنا بخرج من السجن”.
​وصلت شقة صغيرة كنت مأجراها بمدخراتي اللي حوشتها من شغلي السري “أونلاين” طول سنين حبسي في البيت، شغل مكنوش يعرفوا عنه حاجة. دخلت الشقة، رميت الشنطة، وقعدت على الأرض.. لأول مرة مفيش حد بيزعق، مفيش “تلقيح كلام”، ومفيش حد بيبص لي على إني “عالة”.
​قمت غسلت وشي، بصيت لنفسي في المراية، لقيت اللي قدامي ندى التانية، ندى اللي اتولدت من رحم الوجع. طلعت الموبايل، لقيت رسالة من أخويا: “انتي دمرتي العيلة، رجعي البيت وأبوكي تعبان والشرطة بقت قدام البيت بسبب اللي عملتيه”. رديت بكلمة واحدة بس: “ده نتيجة اللي زرعتوه”.
​قفلت الموبايل تماماً، رميته على السرير، وفردت جسمي وأنا حاسة بانتصار ملوش وصف. التلاتين سنة اللي فاتوا مكنوش ضياع، كانوا فترة تدريب قاسية عشان أتعلم إزاي أقف، إزاي أواجه، وإزاي أقول “لا” في الوقت المناسب. غمضت عيني وأنا عارفة إن بكرة شمس هتطلع في مكان جديد، حياة جديدة، ومن غير “عمو حامد” ولا “مرات أب” ولا “مرات أخ”، وبكل هدوء.. نمت نومة طفل شبعان أمان لأول مرة من سنين.
……..
صحيت تاني يوم على صوت الشمس وهي داخلة من الشباك، هدوء غريب ومريح.. مفيش صوت زعيق، مفيش ريحة طبيخ أنا مجبورة أطبخه، ومفيش حد بينادي عليا بلقب “يا عانس”. أول حاجة عملتها، قمت عملت لنفسي كوباية قهوة، وقعدت في البلكونة اللي بتطل على شارع مجهول، شارع ميعرفش عني غير إني واحدة لسه بادئة حياتها من جديد.
​مرت الأيام الأولى صعبة، مش من الناحية المادية، لأ، أنا كنت مأمنة نفسي كويس، الصعوبة كانت في “خبطة الباب”. كل ما حد يخبط، قلبي ينط من مكانه وأفتكر إنهم عرفوا مكاني وجايين يهددوني. بس كنت بفكر نفسي كل يوم بالورق اللي في خزنتي، وبتسجيلاتهم اللي خليتهم يبلعوا لسانهم. أنا مكنتش مجرد بنت متمردة، أنا كنت محامية نفسي، ومجهزة ملف قانوني يخليهم ورا القضبان لو فكروا بس يقربوا من ناحيتي.
​بعد أسبوع تقريباً، لقيت رقم غريب بيتصل، مكنتش عايزة أرد، بس قلبي قالي ردي. صوت أبويا كان طالع بالعافية، صوته مكسور، مش زي ما كنت متخيلة إنه هيزعق أو يهدد. قالي بصوت واطي: “يا ندى.. البيت بقى كئيب، وأخوكي ومراته مش بيبطلوا خناق، والشركة اللي اشترت النصيب بتاعك بعتت لنا إنذار بالطرد.. أنا تعبان يا بنتي”.
​سكت شوية، مكنتش قاسية ولا حاقدة، بس كنت حازمة. قولت له ببرود: “يا بابا، اللي زرع شوك مبيحصدش ورد. إنت كان بإيدك تمنعهم يذلوني، بس إنت اخترت السكوت. البيت ده بقى مصلحة قانونية، وأنا مش هتنازل عن حقي اللي كان هو تمن حريتي”. قفل السكة وهو بيعيط، ومحستش بذرة ندم.. بالعكس، حسيت إني أخيراً حطيت كل واحد في حجمه الطبيعي.
​بعدها بشهر، بدأت حياتي تاخد شكل تاني. الشغل اللي كنت بعمله “أونلاين” كبر وبقى شركة صغيرة، وبدأت أتعرف على ناس جديدة، ناس بتشوف “ندى” الشاطرة، مش “ندى” البنت اللي كبرت في السن. دخلت دورات تدريبية، وبدأت أخرج وأروح وأجي من غير ما أسمع جملة “رايحة فين وجاية منين”.
​في يوم وأنا مروحة، شفت واحدة من جيراني القدام كانت دايماً بتبص لي بشفقة، لما شافتني ماشية بثقة وشيك وبضحك في التليفون، عينيها وسعت من الاستغراب. بصت لي وقالت: “ندى؟ دي إنتي؟ بقيتي واحدة تانية خالص!”، ابتسمت لها وقولت: “لأ يا طنط، أنا نفس الندى، بس شلت الحمل اللي كان ضاغط على نفسي”.
​عرفت وقتها إن المعركة مكنتش معهم هما، المعركة كانت مع “الصورة” اللي رسموها لي، ومع خوفي من نظرة المجتمع. لما كسرت الصورة، وواجهت خوفي، اكتشفت إن الطريق قدامي مفتوح، وإن التلاتين مش نهاية، دي كانت بس “بداية”، بداية لندى اللي محدش يقدر يكسرها تاني.
​أنا دلوقتي ببني مستقبلي طوبة طوبة، ومش شاغلة بالي لا بيهم ولا بأخبارهم، لأني عرفت حقيقة واحدة: اللي بيحترم نفسه ويحمي حقوقه، العالم كله بيحترمه، حتى لو اضطر يواجه أقرب الناس ليه.
……..
عدت الشهور وبدأت الحياة تاخد شكل تاني خالص، حياة طبيعية وهادية، لكنها كانت محتاجة وقت عشان أقدر أتخلص من رواسب السنين اللي فاتت. في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت حد واقف قدام عمارة الشقة اللي مأجراها، كان أخويا. شكله كان متغير، باين عليه التعب والهم، شعره أبيض زيادة ولبسه مش مهندم زي ما كنت متعودة أشوفه، أول ما شافني اتجمد في مكانه، نظراته كان فيها خليط من الانكسار والندم.
​وقف قدامي والكلمات كانت واقفة في زوره، حاول يبتسم بس طلعت ابتسامة مكسورة: “أنا عارف إني ماليش عين أكلمك، وعارف إن اللي عملناه فيكي ميتغفرش، بس.. بس الحال اتبدل خالص يا ندى. مرات أبوكي طردتني من البيت بعد ما عرفت إن البيت مابقاش ملكنا كله، وأبوكي.. أبوكي تعبان جداً ومحدش بيرعاه، ومراتي سابتني وخدت العيال وسافرت لأهلها.”
​وقفت قدام كلامه، قلبي في اللحظة دي مكنش بيعرف معنى التشفي، كنت حاسة بوجع ناحية أبويا، بس كنت واعية جداً إن الرجوع للبيت يعني العودة للزنزانة. بصيت لأخويا بوضوح وقلت: “أنا مش هصلح غلطاتكم يا سالم، ولا هرجع أعيش في دور الضحية عشان أستر عليكم. إنت كبير، وتقدر تبدأ من جديد، وأبويا.. أنا هبعت له مصاريف علاجه كل شهر من غير ما أحط رجلي هناك، لكن أكتر من كده مفيش. كرامتي اللي بعتوها في يوم فرحي، استرديتها غالية جداً، ومش مستعدة أفرط فيها تاني.”
​مشيت وسبته واقف في مكانه، مكنتش قاسية، كنت بحمي “ندى الجديدة”. ومن يومها، حياتي بقت ماشية في مسارها اللي رسمته. اتعلمت إن التسامح شيء، والرجوع للسموم شيء تاني خالص. لقيت طريقي في الشغل اللي كبر، وفي ناس جديدة دخلت حياتي حبتني لذاتي، مش لشخصي اللي هما عايزين يشكلوه.
​أهم درس اتعلمته في الثلاثين، إنك لما بتقرر تاخد قرارك بإيدك، حتى لو كان صعب ومؤلم، الحياة بتفتحلك أبواب ماكنتش تتخيل وجودها. بقيت بصحى كل يوم مش شايلة هم حد، مش مستنية إذن من حد، مش خايفة من بكرة. كبرت؟ آه، بس كبرت في عقلي وقوتي، وبقيت بفتخر بالندى اللي قدرت تكسر قيودها وتختار كرامتها قبل أي حد وأي شيء.
​والنهاردة، بعد كل ده، لو بصيت في المراية، مش بشوف “العانس” اللي كانوا بيعايروني بيها، بشوف ست عرفت قيمتها، عرفت قوتها، والأهم.. عرفت إن السعادة قرار، بيبدأ من اللحظة اللي بتقول فيها “لأ” لكل حاجة بتقلل منك، حتى لو كانت أقرب الناس ليك. بقيت حرة، والحرية دي، هي أجمل هدية قدمتها لنفسي في حياتي.
……..
عدت السنين، وبقت “ندى” اسم معروف في مجالها، مش بس كواحدة شاطرة، لأ، كواحدة صلبة مبيهزهاش ريح. في يوم، وأنا في مكتبي، جاتلي مكالمة من رقم قديم، رقم كنت حافظاه زي اسمي رغم إني مسحته.. رقم أبويا. إيدي اترعشت للحظة، بس أخدت نفس عميق ورديت. الصوت كان ضعيف جداً، مش صوت بابا اللي كنت بخاف منه، كان صوت راجل عجوز مكسور، بيقولي: “ندى.. أنا عارف إني مش من حقي أطلب ده، بس الأيام بتلف يا بنتي، وأنا ماليش غيرك في الدنيا.. البيت اللي كان عاملنا المشاكل دي كلها اتباع في المزاد، وأنا قاعد في غرفة صغيرة في دار مسنين.. مش عايز أسامحك، بس عايز أشوفك قبل ما أقابل وجه كريم.”
​سكتت للحظة، بصيت من إزاز مكتبي على زحمة القاهرة، حسيت إن الغضب اللي كان مالي قلبي سنين داب تماماً، مش لإنهم اتغيروا، بس لأن “ندى الجديدة” اللي جوايا كبرت لدرجة إن مفيش مساحة فيها للحقد.
​نزلت رحت له. لما دخلت دار المسنين، وشفت المنظر، قلبي وجعني على حاله، بس كان وجع رحمة مش وجع ضعف. لقيت أبويا قاعد على كرسي خشب قديم، دقنه بيضا ووشه كله تجاعيد. أول ما شافني، الدموع نزلت من عينيه بصمت. قربت منه، مسكت إيده، وبصيت له بابتسامة هادية: “أنا جيت يا بابا.”
​ماتكلمش، فضل ماسك إيدي كأنه بيستمد منها الأمان اللي ضيعه زمان لما باع كرامتي. قعدنا سوا، حكيتله عن حياتي، عن شغلي، وعن ندى اللي بقت ست ناجحة وقوية. ما اعتذرش، وأنا ما طلبتش اعتذار، لأن الاعتذار في اللحظة دي كان هيبقى مجرد كلام ملوش قيمة. اللي كان يهمني إني قعدت قدامه، وأنا قوية، وأنا حرة، وأنا صاحبة قراري، وهو عرف إن البنت اللي حاول يكسرها، هي اللي بقت سنده الوحيد في آخر أيامه.
​قبل ما أمشي، قولت له: “أنا مسامحاك يا بابا، مش عشان إنت تستاهل، بس عشان أنا أستاهل أعيش بقلب نضيف ومفيش فيه كره.”
​خرجت من الدار، الهوا كان أنقى من أي وقت فات. مشيت في الشارع، وأنا حاسة بسلام داخلي ملوش وصف. الحكاية ما انتهتش بانتصار في معركة، انتهت بانتصار على النفس. عرفت إن “التلاتين” اللي كانوا بيخوفوني منها، كانت بداية ميلادي الحقيقي.
​مشيت وراسي مرفوعة، مش عشان أثبت لحد حاجة، بس لأن خلاص، مبقاش فيه أي قيود مربوطة في رجلي. بقيت ندى.. الندى اللي شربت من كاس الألم، بس زرعت مكانه جناين من القوة والحرية. وقفت في نص الشارع، وأنا عارفة إن حياتي لسه فيها تفاصيل أجمل، وأنا بطلة قصتي، من غير ما أنتظر موافقة حد.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *