مؤامرة بنتي وجوزها حكايات انجى الخطيب

​كنت قاعدة بتعشى في مطعم فخم في الزمالك، ومعايا بنتي “نورا” وجوزها “طارق”. بعد ما قاموا يمشوا، لقيت الجرسون قرب مني، وصوته كان واطي لدرجة إني يا دوب سمعته وهو بيقول: “يا هانم… أرجوكِي، المشروب اللي طلبوه ليكي ده ما تشربيهوش.”
​إيدين الجرسون كانت بتترعش وهو بيشيل كاس الكريستال من قدامي، وهمس تاني من غير ما يبص في عيني: “يا هانم، بالله عليكِ، إياكِ تشربي اللي في الكاس ده.”
​من الناحية التانية من الصالة، كانت نورا بتلبس الكارديجان بتاعها وطارق بيدفع الحساب. كانوا لسه مودعيني، وقالوا إنهم متأخرين على حفلة خيرية. نورا باست خدي، وطارق طبطب على كتفي بابتسامة صفراء كأنه بيمتلكني.
​طارق قالي بصوته التقيل: “خلصي مشروبك يا مدام منى، هيساعدك تنامي وترتاحي.”
​وبعدها اختفوا من ورا أبواب المطعم الكبيرة.
​بصيت على المشروب اللي لونه غريب جنب طبقي. ده مش المشروب اللي أنا طلبته خالص. الجرسون، شاب جدع اسمه “سيد”، قرب مني تاني وهو بيتظاهر إنه بينظف الترابيزة.
​قال بصوت واطي: “سمعت جوز بنتك وهو بيتكلم عند ركن الخدمة، وسمعته بيدّي إزازة صغيرة لزميلي وبيقوله يحطها في مشروبك. زميلي رفض، فـ ‘باشا’ راح حطها هو بنفسه.”
​قلبي وجعني، بس وشي فضل ثابت وما اتحركش فيه عضلة. من كام ساعة، نورا كانت بتطول لسانها عليا وبتقولي إني بدأت “أخرف” ونسيت كذا، وضحكت لما طارق اقترح إني محتاجة حد يدير فلوسي وأملاكي. كنت فاكراهم زهقانين مني أو قلة صبر، بس دلوقتي عرفت إنهم كانوا بيخططوا.
#انجي_الخطيب
​بصيت لسيد وسألته: “شفت إيه تاني؟”
​قالي: “كفاية أوي عشان الواحد يخاف.”
​سحبت الكاس بعيد عني وقلتله: “هاتلي منديل نضيف، وعلبة مقفولة، وناديلي مدير المطعم.. وبأدب ومن غير دوشة.”
​سيد بصلي باستغراب، كان متوقع إني أعيط أو أتهور، بس بدل ده، شاف الست اللي كنتها قبل ما نورا وجوزها يقرروا إني خلاص كبرت وبقيت “على الهامش”.
​لأكتر من 32 سنة، كنت بشتغل خبيرة سموم في الطب الشرعي. حضرت قضايا ق*تل كتير، وفككت ألغاز جرعات زيادة مفبركة، وكنت بعلم وكلاء النيابة إزاي السم بيستخبى ورا أعراض عادية. نورا تعرف إني متقاعدة، بس طارق ميعرفش عني غير إني أرملة وحيدة ومعاها ثروة كبيرة.
​المدير جاب علبة معقمة من المطبخ، صبيت المشروب فيها، وقفلتها كويس ووقعت عليها، وطلبت من سيد والمدير يوقعوا كشهود. بعدها اتصلت بـ “المقدم ريهام”، زميلة قديمة ليا، ست قوية ومبتفهمش في الهزار وبتثق في كلامي جداً.
​وقبل ما توصل، تليفوني رن.
​نورا: “يا ماما، خلصتي مشروبك؟”
​وبعدها رسالة تانية: “يا ماما ردي، إحنا قلقانين عليكي.”
​فضلت باصة للشاشة لحد ما الكلام زغلل في عيني.
​كتبت ردي: “جميل أوي، بدأت أحس بنعاس فعلاً.”
​الرسالة بقت “جاري الكتابة”.. وبعد ثواني: “تمام يا ست الكل، روحي ارتاحي، وإحنا هنظبط كل حاجة بكرة.”
​قفلت التليفون ورميته في الشنطة.
​سيد همسلي بقلق: “يا هانم، ناويين على إيه؟”
​بصيت على المطر اللي مغطي قزاز المطعم، وافتكرت ورق التوكيل اللي طارق كان بيضغط عليا أمضيه الصبح على الفطار.
​قلتله: “فاكرين إن بكرة بتاعهم.. بس خلينا نأكدلهم إنه مش هييجي أصلاً.”
​”وخليهم يفتكروا الليلة دي طول عمرهم.” …
#انجي_الخطيب
خرجت من المطعم بخطوات ثابتة، ملامحي كانت قناع من الهدوء اللي بيداري عاصفة جوايا، سيد كان ماشي ورايا لحد العربية، فتحلي الباب وعيونه مليانة خوف واهتمام، همستله قبل ما أركب: “سيد، كتر خيرك، أنت أنقذت حياة مش مجرد واحدة عجوزة.. ريهام هتوصل خلال دقايق، خليك معاها وقولها كل اللي سمعته، ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة.” هز راسه بامتنان وأنا اتحركت بالعربية، قلبي بيدق بنبضات حازمة، مش نبضات ضعف، لأ، ده نبض خبيرة سموم بتشوف القاتل قبل ما ينفذ ج*ريمته، وصلت البيت، دخلت وأنا سامعة صوت فيلا الزمالك ساكتة تماماً، طلعت على مكتبي الخاص، الأوضة اللي نورا وطارق فاكرينها “أوضة الكراكيب”، فتحت الخزنة اللي في الحيطة، وطلعت ملف أزرق تقيل، ده ملف “التأمين” اللي كنت مجهزاه من ساعة ما حسيت بنظرات طارق المسمومة لفلوسي، قعدت على المكتب، فتحت اللابتوب وبدأت أراقب حركة حساباتهم البنكية من خلال الثغرة اللي زرعتها في تليفون طارق من أسبوع، لقيت محاولات سحب مبالغ ضخمة من حسابي المشترك، ولقيت رسالة مبعوتة من طارق لمحامي، فيها صورة توكيل مزور عليه إمضتي، ضحكت بمرارة، يا غبي يا طارق، فاكر إن خبيرة سموم هتسيب ورقها وتوقيعاتها سايبة للغدر؟ التوقيع اللي على الورق ده فيه غلطة كيميائية، خط صغير جداً ومقصود بمادة كيميائية بتخلي الحبر يختفي بعد ساعة، دي كانت “رسالة” مني ليهم، الباب خبط خبطات خفيفة، كان صوت ريهام: “يا منى، أنا دخلت، سيد كلمني وقالي على كل حاجة، والتحليل الأولي للمشروب اللي بعتيه في العلبة طلع مادة منومة قوية جداً، تكفي تنهي حياة حد بجرعة زائدة.” قمت وقفت، وبصيت لريهام بابتسامة باهتة: “الخطة بسيطة يا ريهام، طارق ونورا فاكرين إنهم هيصحوني بكرة يلاقوني ‘ماتت بسلام في نومها’ عشان يكملوا سيناريو التوكيل والورث، لكن أنا اللي هصحيهم على حقيقة إنهم هما اللي هيقضوا العمر اللي جاي كله بين أربع حيطان، اسمعي، عايزة قوة تدخل الفيلا دي حالا، بس من غير ما يعرفوا إنهم متراقبين، خليهم يفتكروا إنهم نجحوا، لحد ما يلبسوا التهمة بإيديهم، ولما يوصلوا هنا ويلاقوا التوكيل المزيف قدامهم، ابدأي الحركة، أنا مش عايزة أذلهم، أنا عايزة أوريهم إن السم اللي بيحاولوا يسقوهولي، هو اللي هيجرعوه لنفسهم بقراراتهم الغبية، ريهام بصتلي بقلق: “وممكن يهربوا؟” ضحكت بقوة: “يهربوا؟ ده أنا حاطة جهاز تتبع في شنطة نورا من ساعة ما بدأت أشك، إحنا مش هنطارد حد، إحنا هنستناهم لما ييجوا يحضروا العزا، العزا بتاع مخططهم الإجرامي
……
الوقت كان بيعدي ببطء، وعقارب الساعة على الحيطة كأنها بتدبحني، ريهام انسحبت بهدوء بعد ما وزعت رجالتها في محيط الفيلا، وأنا فضلت قاعدة في الصالون، مطفية النور، ومكتفية بضوء الشارع اللي داخل من ورا الستائر، قلبي كان زي الحديد، لا خوف ولا تردد، كنت براجع كل خطوة عملتها في السنين اللي فاتت، إزاي كنت مغفلة وعمياني بكلمة “أم”، وإزاي نورا، اللي شيلتها على إيدي وهي طفلة، بقى كل همها إمتى أموت عشان تورث “اللقمة” اللي في بوقي.
​بعد نص ساعة، سمعت صوت مفتاح في الباب، دخلت نورا وطارق، كانوا فاكرين إني في أوضتي “غارقة في النوم”، طارق كان صوته عالي ومستفز وهو بيقول: “يلا يا نورا، اخلصي، الطلعة دي لو عدت على خير، هنكون أسياد البلد، العجوزة دي يا دوب هتفوق من النوم تلاقينا في النيابة، وهتفتكر إنها مضت التوكيل وهي مش حاسة.” نورا ردت بصوت مهزوز شوية: “طارق، أنا بدأت أخاف، لو كشفتنا؟” طارق ضحك بسخرية: “تكتشف إيه؟ دي مابقتش عارفة تاريخ النهاردة، خلاص، الست خرفت.”
​سحبت نفَس عميق وقمت من مكاني، طلعت من الضلمة ووقفت في نص الصالون قدامهم، النور كان مطفي، فشهقة نورا كانت مسموعة بوضوح، طارق اتجمد في مكانه والورق كان في إيده، بصيتله ببرود وأنا باخد خطوة ناحيتهم: “كنت بتدور على التوكيل يا طارق؟ ده؟” أشرت على الورق اللي في إيده، “ولا على الإقرار اللي هيوديك في داهية؟”
​طارق حاول يداري توتره وابتسم ابتسامة مسمومة: “ماما؟ إنتي صاحية؟ ده إحنا جينا نطمن عليكي..” قاطعته بصوتي الهادي اللي بيرعب أكتر من العياط: “اطمنوا.. اطمنوا جداً، المقدم ريهام سمعت كل كلمة، وعينة المشروب اللي سيد سلمها، والتوكيل المزور اللي في إيدك، وكل الرسائل اللي مبعوتة من تليفوناتكم، بقت في النيابة، كنت فاكر إن الست اللي قضت عمرها بتكشف السموم، مش هتعرف تشم ريحة الغدر اللي طالع منكم؟”
​طارق وشه اتخطف وبدأ يرجع لورا، ونورا وقعت على الكنبة وهي بتعيط بهستيريا، وفجأة، ضوء كشافات البوليس ضرب في الصالة من بره، والباب اتفتح بقوة، ريهام دخلت ببدلتها الميري ومعاها قوتها، طارق حاول يرمي الورق ويهرب ناحية البلكونة، بس ريهام كانت أسرع، طرحته أرضاً وكلبشته وهو بيصرخ: “دي تمثيلية! هي مجنونة! أنا جوز بنتها!”
​بصيت لنورا وهي بتترجاني بعنيها، الست اللي كنت بغير عليها من نسمة الهواء، دلوقتي بتبصلي بضعف وانكسار مش لإنها ندمانة، لأ، لإنها اتكشفت، وقفت قدامها، ومسحت دموعي اللي نزلت غصب عني، مش عشانهم، لكن عشان “الأمومة” اللي اتق*تلت الليلة دي، قلتلها بصوت مسموع للكل: “كنتي فاكرة إن الضعف اللي كنت بظهرهولكم عشان أرتاح من دوشة الدنيا، هو ده آخري؟ نورا.. السم مش بس في الكاس، السم كان في قلوبكم، وده ملوش علاج في الطب الشرعي.”
​اخدوهم، وخرجت ريهام وراهم، وفضلت لوحدي في البيت الواسع، قعدت على الكرسي اللي كنت قاعدة عليه الصبح، بصيت للسما من الشباك، ولأول مرة من سنين، حسيت إن الحمل تقيل ونزاح، مش عشان الفلوس، بس عشان أخيراً.. بقيت حرة من أغلى الناس اللي كانوا عايزين يخلصوا مني.
……
فضلت قاعدة في مكاني، وصوت أبواب عربيات البوليس وهي بتتقفل بره كان بيتردد في أرجاء الفيلا زي دقات ساعة حيطة ميكانيكية، كل دقة بتنهي عصر وبتبدأ عصر جديد. الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء تقيل، مش هدوء وحدة، لأ.. ده كان هدوء “العدالة” بعد ما أخدت مجراها.
​سحبت التليفون من شنطتي، وبعت رسالة قصيرة لـ “سيد” الجرسون: “كل شيء انتهى.. شكراً لأنك كنت الحقيقة وسط عالم كله كذب.” قفلت التليفون ورميته على الترابيزة، وقمت دخلت المطبخ، غليت مية لـ “شاي بالنعناع” زي ما كنت بعمل كل يوم قبل ما أكتشف إن الروتين ده كان بيحمي في طياته نهايتي.
​شربت الشاي وأنا بتمشى في صالة الفيلا، عيني وقعت على صورة كبيرة لنورا وهي في الجامعة، كانت بتضحك ضحكة صافية، قبل ما يغيرها الطمع وقبل ما يغلفها طارق بأفكاره السامة. مسحت الصورة بإيدي من غير ما أقع في فخ الضعف، مفيش فايدة في البكاء على اللبن المسكوب، والسم اللي اتزرع في قلب نورا كان بقاله سنين، أنا بس اللي كنت مغمضة عيني.
​تليفوني نور تاني، كانت رسالة من المقدم ريهام: “التحقيقات بدأت، والاتنين اعترفوا على بعض، طارق حاول يلبسها التهمة ونورا انهرت وقالت كل حاجة عن خطة التوكيل.. البيت أمان يا منى، تقدري تنامي.”
​ابتسمت ابتسامة هادية وأنا ببص للحيطان اللي كانت بتسمعني وبتشهد على خيانتهم، طلعت لأوضتي، فتحت شباك البلكونة، ريحة الزمالك بالليل كانت طالعة، ريحة حياة جديدة. غيرت هدومي ولبست لبس مريح، وقعدت قدام المرايا، شلت كل أدوات الميك اب اللي كنت بحطها عشان أبان “كبيرة” ومستهلكة، ومسحت عن وشي قناع “العجوزة اللي خرفت”.
​بصيت لشكلي في المرايا، شعري الأبيض المصبوغ بالرمادي، عنيا اللي لسه بتلمع بذكاء حاد، وشي اللي محفور فيه تجارب سنين في الطب الشرعي. أنا مش ست عجوزة بتنتظر الموت، أنا “منى”، الخبيرة اللي علمت أجيال إزاي يقروا لغة الجثث والسموم، وأنا اللي النهاردة قدرت أقرأ لغة البشر الغدارين قبل ما يخلصوا عليا.
​طفت النور، واتمددت على السرير، ولأول مرة من شهور طويلة، غصب عني وعن كل اللي حصل، نمت نومة عميقة.. نومة اللي عارف إن “بكرا” مش بتاع حد غيره، وإن التوكيل الوحيد اللي فاضل في حياتي هو توكيل “البقاء”، بقائي أنا، وبقائي قوية، حتى لو كان التمن هو أغلى الناس.
……..
صحيت تاني يوم الصبح على صوت أشعة الشمس وهي بتخبط في قزاز الشباك، هدوء الفيلا مكنش مخيف زي ما كنت متخيلة، كان هدوء حد بيبدأ صفحة بيضا من غير سطور مسمومة. قمت وقفت قدام المرايا، شفت الست اللي ورا انعكاسي، لقيتها أقوى بكتير من اللي كانت مكسورة من كام يوم. لبست لبس رياضي، ونزلت الجنينة أتمشى، كنت محتاجة أتنفس هواء نضيف، هواء مفيش فيه ريحة خيانة ولا طمع.
​تليفوني رن، كان المحامي بتاعي، أستاذ “عاصم”، صوته كان مليان توتر: “يا مدام منى، أنا عرفت اللي حصل، أنا مش عارف أقولك إيه.. العيلة دي كانت بتخطط لحاجات أكبر بكتير مما تتخيلي.” سكت لحظة وكمل بصوت أوطى: “في ملفات في الخزنة عندك، هي اللي كانت السبب في كل ده، هما مكنوش عايزين الفلوس بس، هما كانوا عايزين يمحوا أدلة تورط طارق في قضايا فساد قديمة، وكانوا فاكرين إنك مأرشفة كل ده ومستنياه.”
​ضحكت بصوت عالي خلّى العصافير اللي على الشجر تطير، قلتله: “عاصم، أنا مش بس خبيرة سموم، أنا خبيرة في حماية اللي يخصني.. الملفات دي مش في البيت، الملفات دي في خزنة تانية خالص، بعيدة عن إيد أي حد.” قفل معاه وأنا حاسة بانتصار حقيقي، مش بس إني نجيت، لكن إني كنت سابقة بخطوات.
​الساعة بقت 10 الصبح، قررت أبدأ روتيني الجديد. اتصلت بشركة تجديدات، طلبت منهم يغيروا كل حاجة في الفيلا، يغيروا شكل الأوض، يشيلوا الأثاث اللي كان بيذكرني بيهم، عايزة مكان جديد، روح جديدة. قعدت على السفرة اللي كانوا بيخططوا عليها لقت*لي، وطلبت قهوة، وشربتها ببطء، مستمتعة بكل رشفة، لأني عارفة إن طارق دلوقتي قاعد في زنزانة ضيقة، بيواجه عواقب طمعه، ونورا.. نورا بتواجه الحقيقة اللي حاولت تهرب منها.
​جالي تليفون من ريهام، طلبت مني أروح النيابة عشان أتمم الأقوال. لبست أشيك طقم عندي، رشت عطري المفضل، وبصيت لنفسي نظرة أخيرة. وأنا خارجة، بصيت للبيت نظرة وداع، مش وداع حزن، لكن وداع “عمر فات”.
​في النيابة، شفتهم من ورا الإزاز، طارق كان باهت، ونورا كانت بتعيط بس مفيش دموع في عينيها. لما شافوني، عيونهم اتوسعت من الصدمة، كأنهم مش مصدقين إني واقفة قدامهم بكامل أناقتي وقوتي، لا أنا “خرفت” ولا أنا “عجزت”. دخلت مكتب وكيل النيابة، بدأت أدي شهادتي بكل دقة، كل معلومة كانت مسمار في نعش مخططهم.
​خرجت من النيابة والشمس كانت في عزها، حسيت إن القاهرة النهاردة منورة بطريقة مختلفة. ركبت عربيتي، وشغلت أغنية قديمة كانت بتحبها أمي، وسقت في شوارع الزمالك، مش رايحة مكان محدد، بس عارفة إني ماشية في الطريق الصح. الحكاية خلصت، والسم طلع من الكاس، بس الأهم.. إنه طلع من حياتي للأبد.
…….
بعد ما عدى أسبوع، كنت واقفة في المطار، ماسكة شنطة سفر صغيرة وجواز سفر متجدد. الهواء كان بارد ومنعش، وريحة السفر كانت بتغسل باقي ذرات التوتر اللي في صدري. ريهام كانت واقفة جنبي، بتبصلي بابتسامة فخر: “يا منى، أنا لسه مش مصدقة إنك ماشية، الفيلا في الزمالك هتبقى هادية جداً عليكي.”
​بصيتلها وضحكت من قلبي: “الهدوء ده اللي كنت محتاجاه يا ريهام، الفيلا دي بقت قفص ذكريات، وأنا مبقتش الطير اللي بيتحبس في قفص.. أنا قررت أروح أعيش في أسبانيا، في بيت صغير جنب البحر، أرسم، أقرأ، وأنسى إني يوم من الأيام كنت “مدام منى” اللي الكل بيحاول ينهش في عمرها.”
​ريهام حضنتني وقالت: “خدي بالك من نفسك، والوحوش اللي زي طارق موجودين في كل مكان، بس مفيش منهم كتير عندهم ذكائك.”
​مشيت في الممر الموصل للطيارة، وكل خطوة كانت بتبعدني أكتر عن الكابوس. وأنا بطلع الطيارة، افتكرت نظرة نورا الأخيرة ليا في النيابة، نظرة “الندم المتأخر”، حسيت بشفقة للحظة، بس مسحتها بكلمة: “اللي يبيع أهله عشان طمع، ميستاهلش غير العزلة.”
​قعدت على الكرسي، وفتحت كتاب كان في إيدي، وسمعت صوت المضيفة وهي بتقول: “جاهزين للإقلاع.” الطيارة بدأت تتحرك، وفجأة، لقيت إيدي بتترعش شوية.. مش من الخوف، لأ، من “الحرية”. بصيت من الشباك على بيوت القاهرة اللي بدأت تصغر، وعلى الزمالك اللي بقت نقطة بعيدة، وهمست لنفسي: “مش عارفة بكرة مخبي إيه، بس لأول مرة في حياتي، أنا مستعدة أواجهه من غير ما حد يملي عليا إيه اللي لازم أشربه، ولا إيه اللي لازم أصدقه.”
​غمضت عيني والطيارة بتعلى، وسرحت في بحر أسبانيا اللي مستنيني، هناك مفيش “سم”، مفيش “توكيلات”، ومفيش “عيلة” بتستنى موتي. هناك.. في العالم الجديد ده، أنا لسه منى، بس منى اللي قررت أخيراً.. تعيش لنفسها.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *