ام تنتقم لبنتها حكايات انجى الخطيب

بنتي مكنتش بترد عليا بقالها أسبوع، فقررت أركب عربيتي وأروحلها لحد باب بيتها. جوزها قعد يحلف ويأكد إنها “مسافرة رحلة استجمام”. كنت خلاص قربت اصدقة .. لولا إني سمعت أنين مكتوم طالع من الجراج المقفول. لفيت من ورا البيت، وحاولت أفتح الباب الجانبي، والصوت اللي طلع من الأوضة الضلمة دي مكنش بس مخيف.. ده كسر قلبي كأم بطريقة عمري ما هقدر أنساها.
​أول صوت سمعته من جراج بنتي مكنش صرخة، كان أنين ضعيف ومخنوق.. صوت واحدة صرخت كتير لدرجة إن مابقاش عندها نفس تصرخ تاني.
​بقالي سبعة أيام “إيمان” مش بترد على مكالماتي ولا رسايلي، حتى الفيديو الهبل اللي بعتهولها لكلبها وهي صغيرة وهو لابس طرطور عيد ميلاد، مطنِشاني. إيمان عمرها ما غابت المدة دي كلها. فخدت شنطتي وركبت عربيتي وسقت تلات ساعات في عز المطر لحد ما وصلت لفيلا “خالد” جوزها.
​خالد فتح الباب موارِب.. يدوب ست سبع سنتي.
​بصلي بابتسامة صفرا وقالي: “يا مدام نادية.. كان لازم تتصلي قبل ما تيجي”.
#انجي_الخطيب
​رديت بصوت ناشف: “اتصلت.. تلاتة وعشرين مرة يا خالد”.
​ابتسامته اتوترت وقالي: “إيمان في رحلة استجمام، واخدة فترة نقاهة، الموبايلات هناك ممنوعة”.
​إيمان بنتي بكره الحاجات دي! بتكره اليوجا، والشاي بالأعشاب، والناس اللي تقعد تقولها اتنفسي بعمق ومدري إيه.
​سألته: “فين الرحلة دي؟”
رد ببرود: “في شرم الشيخ”.
سألته: “في فندق إيه؟”
عينيه اتحولت وبصلي بقسوة: “أنتي جاية تحققي معايا في بيتي؟”
​بصيت وراه في الصالة، البيت كان نظيف زيادة عن اللزوم.. نظافة مريبة. صورة فرح إيمان اللي كانت متعلقة على الحيطة مش موجودة. وشنطة إيمان الشخصية مرمية جنب السلم.
​شورت عليها بصباعي وقلتله: “مسافرة من غير شنطتها؟”
​خالد خرج بره البيت وقفل الباب وراه وقال بنبرة استعلاء: “واضح إن الزهايمر بدأ يشتغل عندك يا حماتي.. إيمان قالتلي إن ذاكرتك بقت ضعيفة الأيام دي”.
​دي كانت غلطته الكبيرة.
#انجي_الخطيب
​أنا عندي واحد وستين سنة، شكلي غلبان، لابسة كارديجان صوف وشعري مبلول من المطر ونضارتي متعلقة في رقبتي. خالد عارف إني كنت بشتغل موظفة في الحي، بس إيمان مقالتلوش غير كدة. مقالتلوش إني قضيت تمانية وعشرين سنة بشتغل في النيابة الإدارية في قضايا التهرب المالي.. وإني لسه لحد النهاردة ليا معارف في كل حتة، من أول وكلاء النيابة لحد كبار الضباط في البلد.
​من شهرين، إيمان همستلي في ودني وقالتلي “خالد بقى هو اللي ماسك الحسابات دلوقتي”. ولما سألتها لو حاسة إنها في أمان، ضحكت ضحكة عصبية وغيرت الموضوع. لمت نفسي إني قبلت الضحكة دي وسكتّ. الأم بتحس بالرعشة اللي في صوت بنتها، بس أوقات الحب بيخلينا طيبين زيادة، في حين إن غريزتنا بتقولنا إننا لازم نتحول لوحوش قبل ما الوقت يفوت.
​نزلت عيني في الأرض وخليت كتفي يتهد وبان عليا الضعف وقلت: “يمكن عندك حق يا ابني، كبرنا بقى”.
​الاحتقار رجع مالي عينيه: “روحي ارتاحي في بيتك يا حماتي”.
​مشيت بالعربية بالراحة، ومراية العربية كانت كاشفاه لحد ما اختفى ورا سور الفيلا. ركنت العربية في شارع جانبي، ومشيت من أرض فاضية ونطيت من ورا السور ولفيت للناحية التانية.
​شبابيك الجراج كانت مدهونة أسود من جوه. الباب الجانبي كان مقفول، بس الحلق بتاعه كان مهلهل. طلعت مفك كان في شنطة العربية وخلعت القفل.
​وهنا سمعته تاني.
​أنين.. صوت احتكاك.. وتلات خبطات خفيفة.
​أول ما الباب اتفتح، هبت ريحة كلور على خرسانة على دم.
​همست بصوت ميت: “إيمان؟”
​سمعت صوت سلاسل بتتحرك في الضلمة.
​وبنتي ردت بصوت يا دوب مسموع: “ماما.. أوعي تخليه يعرف إنك لقيتيني”.
………
خالد وقف فجأة، الارتعاش اللي في جسمه اختفى وحل محله جنون، ملامح وشه اتشوّهت بغل مريض، وطلع مطواة من جيبه في حركة سريعة، هجم ناحيتي زي التور الهائج، بس كان ناسي حاجة واحدة.. إني قضيت سنين طويلة في المحاكم، شفت كتير أشكال زي دي، عارفة إمتى يصرخوا، وإمتى ينهاروا، وإمتى يغدروا.
​قبل ما يوصل لي بسنتي، إيمان، رغم كل الوجع اللي فيها، رميت عليه قطعة حديد كانت فكة من السلسلة وجات في رجله، اتكعبل ووقع على وشه، وفي اللحظة دي، مكنش فيه مجال للتردد، ركلت المطواة بعيد عن إيده، وفوقته بخبطة قوية في كتفه بالكريك اللي لسه في إيدي، صرخ صرخة مكتومة، ولقيت الباب الجانبي بيتكسر بقوة من بره، قوات الشرطة اقتحمت المكان، البيت كله اتملى بأصوات العساكر وكشافاتهم اللي كانت بتتحرك في كل زاوية، الضابط المسؤول دخل ووشه مابيبشرش بخير، خالد اتحول في ثانية لكتلة من الانهيار والدموع، وبدأ يصرخ “دي مراتي.. دي مراتي!”، بس صوته كان بيضيع وسط دوشة القبض عليه وتكليبه، الضابط بص لي باحترام لما شاف إيمان في حضني، وقرب مني سألني عن الحالة، مكنتش قادرة أرد، كنت حاضنة بنتي وبشم ريحة الخوف اللي لسه معششة في شعرها، إيمان بدأت تعيط بهستيريا في حضني، مش عياط ضعف، ده كان عياط تحرر، عياط خروج من جحيم كان فاكر إنه سجنها للأبد، ولما الضابط سألني لو عايزة أقدم بلاغ، بصيت لخالد اللي كان بيتسحب زي الكلب المذلول، وقولت بصوت تقيل ومليان سنين خبرة: “بلاغ؟ ده أنا هكتب قصة حياته الجاية كلها جوه الزنزانة”، خرجت بإيمان من الجراج، المطر كان لسه شغال، بس الهوا كان مختلف، كان هوا نقي، هوا حياة جديدة، ركبتها عربيتي، ومن غير ما أبص ورايا، دورت الموتور ومشيت، كنت عارفة إن فيه طريق طويل من العلاج النفسي والقانوني مستنينا، بس كنت مطمنة، لأن البنت اللي ربيتها، مهما كانت مكسورة، اكتشفت إن فيها نفس الروح اللي خلتني أقف قدام أعتى المجرمين في النيابة وأنا رافعة راسي، وصلنا البيت وأول حاجة عملتها إني قفلت موبايلي، وخدتها في حضني ونمنا، ولأول مرة من أسبوع، حسيت إن العالم رجع لمكانه الطبيعي، وإن “إيمان” رجعت لبيتها، لبيتي، لحضني اللي عمره ما هيتفتح لغيرها تاني.
……….
الفجر كان بيشقشق والضوء الرمادي بيحاول يتسلل من بين الستاير، كنت قاعدة جنب إيمان على طرف السرير، بتمسح بيدي على شعرها اللي كان متلبك ومبلول، وهي نايمة نوم عميق، نوم اللي متهني أخيراً إنه مفيش حد هيخبط على الباب. الموبايل في أوضة الصالون مكنش بيبطل رن، وكل شوية رسالة توصل، تجاهلتهم كلهم، مكنش يهمني دلوقتي غير الأنفاس اللي بتنتظم في صدري.
​فجأة، إيمان انتفضت في نومها، فتحت عينيها بخضة وشهقة عالية، مسكت إيدي بقوة لدرجة إن ضوافرها غرزت في جلدي، بصت حواليها بذهول لحد ما عينيها استقرت في عيني، ملامح الرعب اللي في عينيها بدأت تسيح ببطء وتتحول لدموع صامتة، شدتها لحضني تاني وضمتها، مكنتش محتاجة أسأل “إيه اللي حصل؟”، الإجابة كانت مرسومة بآثار الكدمات على رقبتها، وبطريقة تفاديها لأي حركة مفاجئة.
​همست في ودنها بصوت فيه كل الحنان اللي في الدنيا: “خلاص يا حبيبتي، كابوس وخلص.. مفيش خالد، مفيش جراج، مفيش خوف، إنتي في البيت، في بيتك اللي مفيش مخلوق يقدر يدخله من غير إذني”.
​سكتت شوية، وبعدين إيمان اتعدلت وقعدت، وبصتلي وعيونها بدأت تلمع بحدّة غريبة، مسحت وشها بإيدها وقالت بصوت مبحوح: “ماما.. هو مش بس كان بيحبسني، هو كان بيجبرني أوقع على ورق بيحول كل أملاكي اللي ورثتها عن بابا باسمه.. كان بيوعدني إنه لو وافقت هيسيبني، بس كل ما بوقع ورقة، كان بيحبسني أكتر، لدرجة إنه بدأ يسجل لي فيديوهات بتهددني لو اتكلمت”.
​ابتسمت، مش ابتسامة فرح، لكن ابتسامة اللي عارف هو بيعمل إيه كويس جداً، قمت فتحت شنطتي وطلعت منها ملف صغير كنت خدته من مكتب خالد وأنا خارجة بذكاء وهدوء قبل ما الشرطة تقفل المكان. رميت الملف على السرير قدامها وقلت: “الورق ده ملوش أي قيمة قانونية يا إيمان، لأنه باطل تحت الإكراه، وأنا من ساعة ما جيت ودخلت البيت ده، سجلت كل كلمة قالها، وكل تهديد وجهه ليكي، وكل حركة إهانة.. المحامي بتاعي، زميل عمري، مستنينا الصبح في المكتب عشان نخلص كل اللي بدأه”.
​إيمان بصت للملف، وبعدين بصتلي، ولأول مرة من أسبوع شفت ابتسامة حقيقية على وشها، رغم وجعها، مسكت إيدي وباستها وقالت: “كنت خايفة عليكي يا ماما، كنت خايفة يإذيكي”.
​رديت عليها وأنا بلملم أطرافي وبقوم أقف، وبدأت أستعد لليوم اللي لسه مخلصش: “يؤذيني؟ ده أنا اللي علمت جيل كامل في النيابة إن الحق مش بيتاخد بالصوت العالي، الحق بيتاخد بالورقة والقلم، وبالصبر اللي بيحرق قلب الظالم.. قومي يا إيمان، اغسلي وشك، ورانا مشوار طويل هنسترد فيه كل اللي اتسرق منك، وهنبدأ بكرامتك اللي داس عليها، وننتهي بإننا نخليه يتمنى لو كان فضل في الجراج ده، بس من غير ما يشوف وش الدنيا تاني”.
​خرجت من الأوضة، ودخلت المطبخ أولع النور وأعمل كوبايتين شاي بمرمية، كان المطر وقف، والشمس بدأت تطلع، وبدأ يوم جديد.. يوم كان خالد مفكر إنه هيصحى فيه يكمل خطته، لكنه صحي يواجه “نادية”، الأم اللي في عيونها شرارة قانون، وفي قلبها نار حماية لبنتها.
……….
وقفت في المطبخ، صوت غليان المية على البوتاجاز كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع سكون البيت، قلبت الشاي وطلعت صينية الفطار، مكنش فيه شهية للأكل، بس كان لازم إيمان تاكل عشان تقدر تواجه التحقيقات اللي مستنيانا. دخلت الأوضة لقيتها واقفة قدام المراية، بتبص لآثار الكدمات على وشها بإيدين مرتجفة، وقفت وراها وحطيت إيدي على كتفها، بصينا لبعض في المراية، لقيت في عينيها شرارة بدأت تولع، شرارة إيمان اللي كانت مخبية جواها طول سنين جوازها من الراجل ده.
​”بصي لي يا إيمان، الوجع ده هيلم، بس اللي مش هيلم هو اللي سابته فيكي من ضعف، والنهارده هو اللي هيضعف، مش إنتي.”
​هزت راسها وهي بتشد حيلها، لبست هدومها، وأخدنا الملف وطلعنا، الطريق للمكتب كان هادي، بس كان مشحون بتوتر بيسبق العاصفة، أول ما دخلنا مكتب المحامي “عادل”، زميلي القديم، قام وقف باستغراب لما شاف حالتنا، بس مجرد ما حطيت الملف قدامه، ملامحه اتغيرت، عادل مكنش محامي عادي، ده كان أستاذي في “النيابة الإدارية”، الراجل اللي بيشم ريحة التلاعب من بين السطور.
​عادل مسك الأوراق، قراها بسرعة، وبعدين رفع عينه فيا وقال: “نادية.. إنتي عارفة إن التوقيعات دي لو اتثبت إنها بالإكراه، خالد مش بس هيدخل السجن بتهمة الخطف والتعذيب، ده هيتعدم مدني ومادياً، كل قرش خده وكل توقيع أجبرك عليه هيتحول لكابوس يطارد حياته.”
​إيمان بصتلي، كان فيها نظرة قلق، كأنها بتسألني: “هل فعلاً ممكن يضيع كل حاجة؟”، مسكت إيدها وضغطت عليها بقوة، وقلت لعادل: “مش عايزة منه غير إنه يخرج من حياتنا، وعايزة القانون ياخد مجراه بكل حرف فيه، مش عايزة وسايط، مش عايزة تفاهم، عايزة ملف قضية يتقفل عليه أبواب الدنيا.”
​في اللحظة دي، الموبايل بتاع عادل رن، كان وكيل النيابة المسؤول عن القضية، رديت عليه أنا بصوتي اللي حفظه كويس، صوته اللي كان بيتهز قدامه أي فاسد، بدأت أحكي التفاصيل، مش كأم مكسورة، لكن كمسؤولة فاهمة الإجراءات، إمتى التقرير الطبي يتقدم، وإمتى إقرار التنازل عن التوكيلات يتم، وإمتى “خالد” يترحل للنيابة للتحقيق، كنت بدير المعركة من تليفون، وبحط النقاط على الحروف، عادل كان بيبص لي بابتسامة فخر، إيمان كانت واقفة جنبي، بتمسح دموعها وبدأت تستوعب إن اللي كانت بتعتبره “سيد البيت” مكنش أكتر من نمرة ضعيفة قصاد قوة الأم اللي كانت مستنية اللحظة المناسبة.
​قفلنا المكالمة، وبدأنا نجهز الدفوع، وفجأة، موبايل إيمان اللي كانت قافلاه، نور برسالة من رقم مجهول: “أنا عارف إنك خرجتي.. والبيت مش هيحميكم مني”.
​إيمان اتجمدت في مكانها، بصيت للموبايل، أخدته منها، وبكل برود كتبت رد واحد بس: “البيت اللي كنت بتدخل عليه كـ ‘سيد’.. دلوقتي واقفة قدامه الحكومة، وأنا اللي ببعتلك الرد، استعد.. الجولة الجاية مش في الجراج، الجولة الجاية في ساحة المحكمة، وده المكان اللي بتنتهي فيه حكايات الوحوش اللي زيك.”
​رميت التليفون على المكتب، وبصيت لإيمان اللي ملامحها اتغيرت تماماً، الخوف ساب مكان للثقة، وبدأت ملامحها تلمع بقوة، قلتلها: “يلا يا إيمان، المعركة الحقيقية لسه بتبدأ، والمجرم اللي بيحاول يهدد، هو مجرم خايف، والخوف ده أول مسمار في نعش قضيته.”
……….
خرجنا من مكتب عادل والشمس كانت في عزها، إيمان كانت ماشية جنبي بخطوات أثقل وأضمن، نظرات الناس في الشارع مكنتش بتهزها، كأنها بتغسل روحها من كل لحظة انكسار عاشتها جوه الجراج. وصلنا للمحكمة، مبنى النيابة كان ليه هيبة خاصة، ممرات طويلة وريحة ورق وقضايا، ريحة عرفتها أكتر ما عرفت ريحة بيتي.
​أول ما دخلنا ساحة المحكمة، لقيت “خالد” واقف وسط حراسة مشددة، كان منظره مبهدل، لبسه مكركب وعينه فيها ذعر مش خوف.. ذعر اللي شاف القاع ووقع فيه. لما شافنا، حاول يمثل الدور تاني، حاول يرفع راسه ويبص لإيمان بنظرة تهديد، بس إيمان المرة دي مكنتش “إيمان” اللي بتخاف، بصتله باحتقار، نظرة باردة خلت عينيه تزيغ وتتحول للأرض، كأنه بيواجه شيطان أقوى منه بكتير.. شيطان الحقيقة.
​الضابط اللي مسك القضية قرب مني، كان لسه فاكرني من لما كنت بشتغل في الحي، سلم عليا بإيد تقيلة وقال: “يا مدام نادية، الملف اللي قدمتيه كامل متكامل، التقارير الطبية، تسجيلات الموبايل، والشهود اللي جمعناهم.. خالد ده مفيش مخرج ليه، ده أقر بكل اللي عمله لما شاف التسجيلات اللي معاكي”.
​ابتسمت بمرارة: “مش عايزة منه غير العدل يا حضرة الظابط، العدل اللي يخليه يفهم إن في بلدنا مفيش حد فوق القانون، حتى لو كان جوز بنتي”.
​دخلنا غرفة التحقيق، قعدت جنب إيمان، كان خالد بيتعامل معانا بذهول، مش مستوعب إزاي “الحماة الهادية” بقت هي اللي بتحط القيود في إيده، النيابة بدأت تستجوبه، خالد حاول يتلعثم، حاول يرمي التهم على إيمان، يقول إنها كانت موافقة، إنها “أوهام”، بس كل جملة كان بيقولها كانت بتترد عليه بـ “دليل”.
​لما جه الدور على إيمان تتكلم، وقفت، صوتها كان فيه رنة قوية لأول مرة، حكت كل حاجة، من أول ما سرق حساباتها لحد ما حبسها، حكت عن السلاسل، وعن ريحة الكلور والدم، وعن الكلمة اللي قالها “ده الزهايمر يا حماتي”، إيمان فضحته، فضحته قدام وكيل النيابة بكل تفصيلة، مابقتش بتعيط، كانت بتشهد، وشهادتها كانت أقوى من أي مرافعة.
​خالد انهار تماماً، صرخ في القاعة: “أنا كنت بملك كل حاجة! هي كانت بتاعتي!”، رد عليه وكيل النيابة ببرود: “أنتي كنتِ ملك نفسك يا إيمان، وهو مجرد سجان، والسجان مكانه خلف القضبان”.
​طلعنا من النيابة على العصر، الهوا كان بيداعب وش إيمان، شفت لأول مرة نظرة أمل في عينيها، مفيش قيود، مفيش سلاسل، مفيش خوف من بكرة. ركبنا العربية، وقفتها ثواني قدام النيل، بصيت لبنتي وخدت نفس عميق، قلتلها: “إيمان، أنا طول عمري كنت بشتغل عشان أحمي حقوق الناس، بس النهاردة اكتشفت إن أغلى قضية كسبتها هي ‘حياتك’، مفيش محامي ولا قانون في الدنيا يقدر يعوضك عن دقيقة عشتيها في رعب، بس أوعدك.. إننا هنبدأ من جديد، من صفحة بيضاء، ومش هنسمح لأي حد يكتب عليها تاني”.
​إيمان حضنتني بقوة، صوتها طلع مخنوق بالدموع، بس المرة دي دموع فرح: “أنتي مش بس أم يا ماما، أنتي بطلة حكايتي”.
​دورت الموتور، وخدتها وروحنا، مش بس عشان نرجع البيت، لكن عشان نبدأ حكاية جديدة، حكاية عنوانها إن “الأم” مش بس حنان، الأم لما بتتحرك عشان تحمي ضناها، بتتحول لقوة قانونية لا تُقهر، والدرس اللي اتعلمه خالد، بقى عبرة لكل واحد يفتكر إن الست ضعيفة، وإن الحق وراه “نادية” مش هتهدى غير لما يرجع لأصحابه.
……….
عدت الأيام، والحياة بدأت تاخد شكلها الطبيعي تاني، بس طعم الحياة كان مختلف، إيمان بقت أقوى، وبقت بتعرف تاخد حقها في أبسط الأمور، قضية “خالد” اتحولت لقضية رأي عام، والأحكام اللي صدرت ضده كانت قاسية وعادلة، سنين طويلة قضاها في السجن كان كفيلة تخليه ينسى حتى اسمه، نادية، الأم والقاضية اللي جواها، كسبت معركتها، بس المعركة مخلصتش في المحكمة، المعركة الحقيقية كانت جوه قلب إيمان.
​في يوم، كنا قاعدين بنشرب القهوة في البلكونة، الشمس كانت بتغرب، والهدوء بيملأ البيت، إيمان بصتلي وقالت: “يا ماما، ساعات بحس إني لسه بسمع صوت السلاسل في ودني، بس لما ببص جنبي وبشوفك، الصوت ده بيختفي، أنتي إزاي قدرتي تكوني بالصلابة دي؟”
​ابتسمت، مسكت إيدها وبصيت في عينيها اللي رجعلها بريقها، وقلتلها: “يا بنتي، الصلابة مش معناها إننا مفيش جوانا خوف، بالعكس، الصلابة هي إني أخاف عليكي وأنا بتهز من جوايا، بس أتحرك عشانك، الأمومة مش بس رعاية، الأمومة هي الدفاع عن روح ابنك بكل ما أوتيتي من قوة، أنا مكنتش بشتغل في النيابة عشان أطبق القانون وبس، أنا كنت بتعلم إزاي أقف في وش الغلط، وأنا لما شفتك مكسورة، مكنش ينفع أكون غير السد المنيع اللي يحميكي”.
​سكتت لحظة، وبعدين كملت: “خالد مكنش بيحاربك، خالد كان بيحارب كيانك، وكان مفكر إنك ضعيفة، بس هو نسي إن اللي وراكي مش بس أم، وراكي تاريخ من المواقف اللي علمتني إن الحق بييجي بالتصميم، وإنتي كنتِ دافعي الوحيد، إنتي اللي خليتيني أتحول لقوة لا تُقهر، إنتي الدرس اللي اتعلمته في كبري، إن الحب أقوى من أي س*لاح”.
​إيمان ابتسمت، ضمتني بقوة، وفي اللحظة دي، حسيت إن كل التعب والوجع اللي عشناه، كان تمن غالي لدرس أعظم، درس إننا نكون دايمًا واعيين، إننا نكون أقوياء، وإن مهما كانت العواصف، دايماً فيه “أم” مستعدة تقف قدام العالم عشان تحمي اللي بتحبهم.
​ومن يومها، بقيت أنا وإيمان مش بس أم وبنت، بقينا شركاء في القوة، شركاء في حب الحياة، والقصة اللي بدأت بـ “أنين مكتوم” في جراج، انتهت بـ “ضحكة مسموعة” في بيت مليان أمان، قصة حقيقية، قصة نادية وإيمان، القصة اللي هتفضل شاهدة على إن الأم لما بتتحرك، العدل بيتحقق، وإن الست، مهما كانت هادية أو بسيطة، هي أعظم قوة في الوجود.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *