قناعه 2
تامر اتصل بيا فوراً، الرنة ما كملتش ثانية وكان الخط بيقطع، التليفون كان مقفول تماماً زي ما قفلته. كرر الاتصال مرة واتنين وتلاتة وهو مش مستوعب الرسالة، لحد ما لقى نفسه بيكلم الصمت، فالنار شعللت في صدره أكتر.
طبعاً ما استناش، وعلى طول ضرب نمرة أمه وهو على آخره.
حماتي من أول رنة خطفت السماعة، وما صدقت سمعت صوته حتى قبل ما يقول “ألو”، وانفجرت في العياط والنواح المصطنع: “الحقني يا تامر يا بني! شوفت الهانم اللي سايبها على حبل غسيلنا بتعمل فيا إيه؟! دي قفلت الباب في وشي وطردتني من على عتبتها! بتقولي البيت يتنضف باللي بياكلوا خيره.. وبتقول على سلفتك وأمك إننا بنشحت من وراك!”
تامر دمه فار وسألها بصوت عالي: “إيه اللي بتقوليه ده يا أمي؟! قفلت الباب في وشك إزاي؟! هي اتجننت ولا جرى لعقلها حاجة؟!”
حماتي شدت حيلها وكملت بكيد وهي بتغمز لسلفتي اللي كانت واقفة جنبها بتسمع وشمتانة: “اتجننت وطغت يا قلب أمك! ده أنا نازلة برجلي التعبانة أقولها تعالي افطري معايا وانزلي هاتي شوية طلبات خفيفة، لقيتها بتبصلي بقرف وتقولي مانيش نازلة، وخلي اللي واخدة الفساتين والتليفونات تخدمك.. لا، والأدهى من كده، باعتالي تقول إنها مش عايزة التليفون بتاع سلفتها وبتقولي قولي لابنك يرمي تليفونه في الزبالة! البت دي حد مالي دماغها عليك وعايزة تخرب بيتك وتاخد شقاك وغربتك، دي شكلها ناوية على طلاق وخراب مستعجل يا تامر!”
تامر كان بيسمع الكلام ده وهو بيغلي، الرسالة اللي بعتتهاله مع كلام أمه حسسوه إن الأرض بتتهز من تحت رجليه.. الست المطيعة الهادية اللي كانت بتقوله “حاضر ونعم” ومابترفعش عينها فيه، فجأة اتحولت لوحش بيهدده بالقانون والفضايح والطلاق.
زعق في التليفون لأمه وقالها بنبرة متوترة كلها غيظ: “اقفلي يا أمي دلوقتي.. وحقك عليا، قسماً بالله ما هعديلها الحركة دي بالساهل، دي فاكرة نفسها مين عشان تملي شروطها عليا وتتطاول عليكي وعلى أهلي؟! أنا هعرف إزاي أربيها وأرجعها لحجمها الطبيعي!”
قفل تامر مع أمه وهو مش شايف قدامه، والدم بيغلي في عروقه. حاول يرن عليا تاني وتالت، ونفس الرسالة السخيفة بتكرر في ودنه: “الهاتف الذي طلبته ربما يكون مغلقاً”. كل رنة كانت بتزود جنونه.. إزاي الست اللي كانت بتجري ورا رضاه، وبترد من أول نص رنة، قافلة تليفونها في وشه ومش عاملة له أي حساب؟!
على الناحية التانية، أنا كنت في دنيا تانية خالص.
فتحت الدولاب، طلعت الشنطة الكبيرة، وبدأت ألم هدومي وحاجتي بهدوء عمري ما حسيته في حياتي. مكنتش بعيط، ولا إيدي بتترج، كنت بحط كل فستان وكل طرحة وكأني بنضف سنين من الرخص والتنازل عن كتافي. بصيت للشقة اللي نضفت كل شبر فيها بعرقي ودمي، واللي فضلت حارمة نفسي فيها من اللقمة الحلوة عشان “أوفر لشقاه”، وابتسمت بسخرية. شقاه اللي رايح فساتين ومكياجات وموبايلات لسلفتي، وأنا يدوب باعتلي الفتات وعايزني أرضى ببواقي غيري.
خلصت لَم حاجتي، وطلبت أوبر. وقبل ما أفتح باب الشقة، التليفون الأرضي رن برنة متواصلة مفزوعة.. كان هو.
رفعت السماعة وحطيتها على ودني من غير ما أنطق بحرف.
صوته طلع زي الرعد، مفحوح وعصبي بطريقة هستيرية: “إنتي اتجننتي يا هانم؟! قافلة تليفونك في وشي وبتبعتيلي رسايل تهديد وبتطردي أمي من على باب شقتك؟! فاكرة نفسك مين يا بت إنتي؟! ده أنتي من غيري ولا تسوي، وحياتك عندي لأرجعك لبيت أهلك بشنطة هدومك وما تاخدي مليم!”
سيبته يزعق ويفضي كل سمه، ومقاطعتهوش بكلمة واحدة. لما سكت عشان يبلع ريقه ويستنى عياطي ولا رجايا، اتكلمت.. بس بصوت واطي وبارد، هادي أوي لدرجة إنه خوّفه:
“خلصت كلامك يا تامر؟ عشان بس الأوبر واقف تحت مستنيني.. وشنطة هدومي فعلاً في إيدي، بس مش إنت اللي هترجعني.. أنا اللي ماشية بمزاجي وبكرامتي اللي دفنتها معاك سنين.”
سكت لحظة وكأنه اتصدم من نبرتي، وسأل بتأتأة ممزوجة بالغيظ: “ماشية رايحة فين يا فاجرة؟! من غير إذني؟!”
ضحكت ضحكة قصيرة وجافة، قطعت أنفاسه: “رايحة لبيت أبويا اللي اخدتنى منه معززة مكرمة.. ومن هناك، محاميين العيلة هيتكلموا مع محاميك. اللي كنت بحرم نفسي منه عشانك، هاخده منك بالقانون قرش بينطح قرش، نفقة ومؤخر ومؤخر سنين القهر دي كلها.. واه، بالمناسبة، قول لأمك وسلفتك يجهزوا كويس، عشان من أول الشهر مفيش هدايا ولا شحن.. فلوسك كلها هتتحجز عليها في المحاكم عشان تدفع حساب الست اللي استرخصتها وافتكرت إن قلة حيلتها ضعف.”
ورزعت السماعة في وشه قبل ما يلحق يفتح بقه. نزلت السلالم بخطوات واثقة، راسي مرفوعة وعيني لقدام، عديت من قدام باب حماتي وهي واقفة تبصلي من العين السحرية برعب، وركبت عربيتي ومشيت، وأنا سايباهم ورا ضهري بيغرقوا في الفخ اللي هما نفسهم نصبوه لما فكروا إن الطيب هيفضل طيب للأبد.
رزعت السماعة في وشه، والخط قطع قبل ما يلحق يستوعب حرف من اللي قولته. نزلت السلالم بشنطتي وخطواتي ثابتة، عديت من قدام باب حماتي وخرجت للشارع وركبت عربيتي وسبت ورايا كل سنين القهر، متجهة لبيت أبويا.
على الناحية التانية، تامر كان هينفجر، الدم ضرب في نفوخه وبقى يلف حوالين نفسه زي المجنون في غربته. فكرة إني نزلت وسبت البيت من غير إذنه، وكسرت طوعه بالشكل ده، جننته. ما لقاش قدامه حل غير إنه يتصل بحماه.. كان فاكر إن أبويا الراجل الهادي الوقور هياخد صفه، ويجيبني من إيدي ويرجعني الشقة مكسورة الجناح زي ما هو متعود.
رن تامر على أبويا، وأول ما أبويا فتح الخط وقال بصوت هادي: “ألو.. أهلاً يا تامر يا بني”، انفجر تامر على طول من غير حتى ما يسلم:
“ألحقني يا عمي! بنتك اتجننت وطغت، لمت هدومها وسابت الشقة من ورايا، وقفلت تليفونها في وشي، لا وكمان طردت أمي من على باب شقتها وبتعلي صوتها وبتهددني! دي سايبة البيت ونازلة في الشوارع لوحدها، دي أصول دي يا عمي؟! أنا بكلمك عشان تلم بنتك وتعرفها حدودها بدل ما أتصرف تصرف ميعجبكوش!”
أبويا كان قاعد في الصالة، وأنا كنت يدوب واصلة وداخلة من الباب وعيني مليانة وجع مش دموع. أبويا شاورلي بإيده أقعد جنبه، وفضل ساكت تماماً لحد ما تامر خلص نوبة العصبية والزعيق بتاعته، وبلع ريقه مستني رد حماه اللي كان فاكره هيوبخني.
أبويا أخد نفس طويل، وبنبرة تقيلة زي الحجر، هادية بس تقطع الخلف من هيبتها، رد عليه:
“خلصت كلامك يا تامر؟ خلصت جعجعتك وظلمك؟ أسمعني بقى عشان الكلام ده مكنتش حابب أقوله لراجل دخلتُه بيتي، بس إنت اللي اضطريتني.”
تامر سكت فجأة واتلخبط: “في إيه يا عمي؟ هو إنت…”
أبويا قاطعه بحزم قطم ضهره: “بنتي دخلت عليا بشنطتها يا ابن الناس، وحكتلي كل حرف من أول يوم خطوبة لحد فستان سلفتها وتليفونها اللي ابنها بيلعب بيه.. بنتي كانت بتتقي ربنا فيك، كانت خايفة على قرشك اللي بتشقى بيه في الغربة، كانت بتقول تامر أولى وتامر تعبان، بس إنت طلعت ناكر جميل وعينك فارغة! رخصت اللي صانتك ورفعت اللي بيمصوا دمك!”
تامر اتلجم وحاول يدافع عن نفسه بصوت متوتر: “يا عمي دي أمي وده أخويا ومراته، وأنا مش مقصر معاها في حاجة ده مصروف البيت بيوصلها…”
أبويا زعق فيه بنبرة رجت السماعة: “أخرس يا تامر وماتنطقش! أمك فوق راسنا وأخوك على عينا، لكن مرات أخوك دي بصفتها إيه تفتحلها حنفية الهدايا والمكياجات وأحدث الموديلات وبنت الأصول اللي حابسة نفسها في شقتك صايناك باعتلها الفتات وتليفون قديم صدقة؟! مرات أخوك مسؤولة من أخوك يا راجل يا ناقص.. تحب أخوك هو اللي يهادي مراتك ويجيبلها اللبس والمكياج بدالك؟! ترضاها على نخوتك ورجولتك إن مراتك تتدلع بخير راجل تاني غيرك؟!”
الكلمة نزلت على تامر زي الكرباج على وشه، حس بإهانة شلت لسانه، ومبقاش عارف يجمع جملة على بعضها، ونبرة صوته اتهزت تماماً وهو بيحاول يتكلم: “يا.. يا عمي عيب الكلام ده، دول أهلي وعيلتي وأنا…”
“العيب ده إنت اللي عملته لما نسيت رجولتك وأصولك!” أبويا كمل وهو بيقوم يقف: “بنتي جوزتهالك ست الستات معززة مكرمة، مش جارية تخدم أهلك وتاكل من الفتات وتتفرج على غيرها وهو بيتدلع بشقاك. طول ما إنت ناكر للجميل ومستخسر فيها اللقمة والهدوم، بنتي ملهاش رجوع ليك، وبيتي أولى بلحمها وصونها. فكر في كلامي كويس، وشوف مين اللي راجل ومين اللي ضيع بيته وكرامة مراته بإيده.. وقفّل حساباتك مع نفسك قبل ما تحسب حسابنا!”
وقفل أبويا السكة في وشه، وبصلي ومد إيده طبطب على كتفي وقال: “راسك تفضل مرفوعة يا بنتي، اللي يسترخص دهبك عشان يشتري بيه صفيح غيره، ميبقاش راجل يستاهلك.”