الزلزال حكايات انجى الخطيب

حصل زلزال والبيت اتهد واحنا جواه كنت محبوسة تحت الأنقاض ومعايا ابني اللي جسمه نار من السخونية بسبب انه اتصاب.. وفي نفس اللحظة دي كانت الصدمة جوزي بدل نا ينقذنا جري ينقذ جارتي المطلقة الاول وشالها عشان يركبها الإسعاف .. وبعدها بشوية، وصل أبويا عشان ينقذنا..
​الزلزال كان زلزال جامد ، البيت اتهد فوق دماغنا قبل ما ألحق أكمل صرخة باسم ابني. والسقف بيقع، كان “ياسين” ابني، عنده 8 سنين، محشور جنبي وجسمه بيولع من السخونية، وفي نفس الوقت ده، شفت جوزي بيشيل “هبة” جارتنا عشان يركبها عربية الإسعاف الوحيدة اللي وصلت.
​صرخت بكل قوتي: “يا كريم! ابننا بيموت!”
​بص وراه بصه واحدة. هبة، جارتنا ، كانت متعلقة في رقبته زي الحرباية، وبتتوجع عشان رجلها ملوية، ودافنة وشها في صدره بتمثيلية مفضوحة وكأنها هي اللي مراتة مش انا…
​رد عليا ببرود: “المسعفين قالوا إنها مش قادرة تمشي!” انتي هرجعلك تاني…
​زعقت فيه: “وابننا ! ياسين دا بالعافية بيتنفس!”
​كريم تردد ثانية واحدة، وبعدها لف ضهره ومشي. هبة رفعت وشها من ورا كتفه، ومن وسط الغبار والتراب، شفت الابتسامة الشيطانية اللي على وشها.
#انجي_الخطيب
​أبواب الإسعاف اتقفلت.. ومن حوالينا، صوت صفارات الإنذار عالي بس محدش جه ينقذنا ، والقزاز بيتكسر، والخرسانة بتقع فوق دماغنا. ياسين بيأن جنبي، وجلده سخن نار وجرحة عمال ينزف..
​همس في ودني: “يا ماما.. ليه بابا سابنا ومشي؟”
​ضغطت على إيدي وجمدت قلبي عشان الصرخة اللي في حلقي ما تطلعش.
​قلتله بصوت ثابت: “أبوك خد قراره.. ودلوقتي جه دوري أنا عشان آخد قراري.”
دعيت ربنا يبعتلنا اللي بنقذنا من اللي احنا فية. وقلبي بيتعصر من القهر من اللي عملة جوزي فينا …
#انجي_الخطيب
​طول الـ 6 سنين، كريم كان بيعاملني كأني الزوجة “اللي ملهاش لازمة ولا شخصية ” اللي بتمضي على أي ورق من غير ما تقرأ. كان بيسخر من شغلي الخيري، وبيقول على أبويا “الراجل العجوز اللي بيسلي نفسه بشركانة اللي ميعرفش فيها حاجة “، وكان بيضغط عليا عشان كل أملاكي وفلوسي تبقى تحت إدارته. اللي ما يعرفوش، إني قبل ما أقعد في البيت عشان أربي ياسين، كنت محامية شاطرة في قضايا الشركات والأزمات.. كنت بقرأ كل حرف.
​وبالذات “كذب” كريم.
​من 3 أسابيع، لقيت فواتير فنادق، وتحويلات بنكية، ورسايل مشفرة بينه وبين هبة. ما كانوش بس بيخونوني، دول كانوا بيخططوا ينهبوا “صندوق الطوارئ” اللي أبويا سلمه لشركة كريم.
​أنا صورت كل ورقة.. وكل مستند.
​ودلوقتي، كريم ساب ابنه يمو*ت في نص الكارثة عشان ينقذ الست اللي بتساعده يسرق ملايين أبويا.
​واحد من عمال الإنقاذ وصل لينا من فتحة صغيرة، جس نبض ياسين وقالي: “محتاجين معدات تقيلة يا ست هانم، الطريق مقفول.. الموضوع هياخد ساعات.”
​وفجأة.. سمعت صوت رعد بعيد.
​مش من الأرض.. من السما.
​طيارة هليكوبتر سودة نزلت من وسط الدخان، والهوا بتاعها بيطير التراب في كل حتة. الباب اتفتح قبل حتى ما الطيارة تلمس الأرض.
​نزل أبويا وهو لابس خوذة الإنقاذ، ومعاه فريق مسعفين ومهندسين ورجالة حراسة.
​بص لقى مكان كريم فاضي جنبي، ملامحه اتغيرت، وسألني بصوت هز المكان: “فين جوزك؟”
​بصيت ناحية الطريق اللي اختفت فيه عربية الإسعاف، وقلت: “راح ينقذ جارتي .”
​أبويا ركع جنب ياسين وبص لفريقه: “طلعوا حفيدي حالا.. هو وبنتي…
​وكمّل بصوت واثق: ” هاتولي كريم والست اللي رمي بنتي وحفيدي عشانها…
وامر رجالتة يفتحوا حاجة في الطريق القديم بس من الدوشة اللي كانت حواليا مسمعتش هيعمل في كريم اية …
تفتكروا هيعمل اية في كريم وجارتي اللي سابني انا وابني عشانها…
​#انجي_الخطيب
حسيت بأيد أبويا القوية بتترزع على كتفي، بصيت له ودموعي بقت أنهار، ياسين كان بدأ يغيب عن الوعي، وأبويا ملامح وشه اللي كانت دايماً هادية اتحولت لوش حد مستعد يحرق الأرض، نادى بصوت جهوري على واحد من رجالة الحراسة اللي معاه وقاله بلهجة تقطع الصخر، انقله لمستشفى الشركة الخاص، أي تمن يتدفع، أي دكتور يجي، وياسين لو حصل له حاجة هحاسب الكل بالدم، وبعدها لف ناحيتي، عيونه كانت بتلمع بغضب مدفون، مسك وشي بين كفوفه وقالي، اللي عمله ده مش مجرد خيانة يا بنتي، ده غدر بدمه وبحياتكم، والنهارده الحساب هيبدأ، مش بس عشانكم، ده عشان كل قرش سرقه وكل ثقة خانا فيها، وسابني للحظة، شفت رجالة أبويا بيتحركوا زي عقارب الساعة، سمعت واحد فيهم بيكلمه في اللاسلكي بيقوله، الطريق اتقطع يا باشا، هما عند مستشفى الهلال، كريم باشا بيحاول يدخلها القسم اللي فيه رعاية مركزة، أبويا ابتسم ابتسامة شفتها لأول مرة، ابتسامة اللي مبيسبش حقه، قاله بكل هدوء، خلوهم يوصلوا، خلوه يحس بالأمان، وبعدها اقفلوا عليهم كل بيبان المستشفى، ولا حد يخرج ولا حد يدخل، وفوق ده كله، ابعتوا “الفلاشة” اللي في جيبي لمكتب النائب العام، ولأي قناة إخبارية بتغطي الزلزال دلوقتي، خلوا الناس كلها تشوف مين اللي بينقذ مين، ومين اللي بيسرق مين وقت الشدة، سحبني رجالة الإسعاف عشان يخرجوني، وقبل ما أبعد عن المكان، شفت أبويا بيبص ناحية العربية اللي هرب فيها كريم، وقال بصوت واطي بس كان واصل لودني، اللي باع أهله عشان واحدة شمال، يستاهل يصحى يلاقي نفسه لا معاه فلوس ولا اسم ولا حتى الست اللي باعنا عشانها، بكره لما يخرج من المستشفى، مش هيلاقي وراه غير النيابة، وهدومه اللي في ظهره، دي بس اللي هيفضل يملكها، لأن كل رصيده اللي سارقه، اتحول في دقيقة لاسم ابنه اللي كان عايز يضيعه، غمضت عيني وأنا شايفة ياسين بيتحط على النقالة، وحسيت براحة غريبة، كريم فاكر إنه هرب وهيعيش حياته مع هبة، بس ما يعرفش إن اللعبة اللي لعبها، كانت هي نفسها المشنقة اللي اتلففت حوالين رقبته، وأبويا مش بس كان جاي ينقذنا من تحت الردم، ده كان جاي يدفن كريم وهو حي، بقراراته، وبقانوننا، وبكل وجع قلب أنا وياسين حسيناه في اللحظة دي.
…….
الليل كان بيليل والجو حواليا مشحون بريحة بارود وتراب، وأنا محطوطة في عربية إسعاف مجهزة كأنها غرفة عمليات. ياسين قدامي، الأجهزة بتصفر بانتظام بيطمن قلبي، وأبويا قاعد جنبي، ماسك تليفونه بيكلم حد، نبرة صوته كانت حادة ومختصرة: “كريم يترقب في المستشفى.. لا حد يلمسه ولا حد يوقفه، سيبوه يعيش وهم إنه لسه مسيطر.. لحد ما البث يقطع.”
​لفيت وشي لأبويا وسألته بصوت مبحوح من الوجع: “يعني إيه يا بابا؟ ناوي تعمل فيه إيه؟”
​أبويا بص لي نظرة كلها حنان بس وراها حديد، مسك إيدي وقالي: “النهارده، كريم وهبة مش هينتهوا في زلزال، هينتهوا في الفضيحة اللي هما عملوها. كريم كان فاكر إنه لما يسيبكم ويجري بـ ‘هبة’ إنه بيضمن مستقبله معاها، ما يعرفش إن المستشفى اللي راحها دي، بقت هي القفص بتاعه. كل ثغرة قانونية سابها ورا ظهره، وكل مليم سرقه من الصندوق، أنا وثقته بالصوت والصورة، والناس دلوقتي في عز الكارثة دي، مش محتاجة غير بطل حقيقي، ولما يشوفوا فيديو خيانة ‘كريم’ لابنه وهو بيموت، وشراكة ‘هبة’ في نهب أموال المساعدات.. الناس نفسها هي اللي هتكون القاضي والجلاد.”
​في اللحظة دي، تليفون أبويا رن، رد وسمع دقيقة كاملة، وبعدين قفل وبصلي بابتسامة نصر: “بدأ العرض يا بنتي. دلوقتي، هبة بتطالب بالدخول لأوضة العمليات قبل ما يخلصوا أوراقها، وكريم بيحاول يستغل نفوذ ‘صندوق الطوارئ’ عشان يفرض كلمته.. بس المدير هناك استلم مني كل الأوراق اللي بتثبت تلاعبه.”
​قاطعته وأنا بفتكر نظرة الابتسامة الشيطانية اللي كانت على وش هبة وسط الخراب: “وهبة؟ هي عارفة إن كل ده اتكشف؟”
​أبويا ضحك ضحكة باردة: “هبة دلوقتي اكتشفت إن الفيزا اللي كانت في جيب كريم مفيهاش رصيد، وإن الحماية اللي كانت مستنياه، اتحولت لمحاضر إثبات حالة.. هما دلوقتي في صالة الاستقبال، محاصرين بكاميرات الموبايلات بتاعة الناس اللي عرفوا حقيقتهم، والشرطة اللي بعتتها أنا، واقفة بتنتظرهم بره عشان ‘التحقيق في وقائع اختلاس وتخلي عن طفل في حالة خطر’.”
​غمضت عيني وأنا حاسة ببرودة بتسري في جسمي، مش من الزلزال، بس من النهاية اللي كانت بتترسم قدامي. كريم اللي كان بيشوفني “الست اللي ملهاش لازمة”، دلوقتي بيواجه الحقيقة اللي كنت بكتبها في مذكراتي من شهور: إن الحق مش بس قوة، الحق دقة، ونفس طويل، وأبويا كان معلمني ده أكتر ما علمه لنفسه.
​صوت الإسعاف زاد، وأنا بدأت أحس بإن التعب بدأ يسيطر عليا، بس قبل ما أدخل في غيبوبة النوم، همست لأبويا: “مش عايزة أشوف وشه تاني.”
​أبويا باس راسي وقالي: “لا هتشوفيه، ولا هيقدر يوصل لياسين ولا ليكي تاني.. كريم انتهى في اللحظة اللي ساب فيها أمانته، وبكرة الشمس هتطلع على واقع جديد، هو فيه في السجن، وأنتِ وياسين في بيتي، وبقوتكم اللي محدش هيقدر يكسرها تاني.”
​سكت الكلام، والهدوء بدأ يملأ العربية، ورغم الألم اللي في جسمي، حسيت إن قلبي ولأول مرة من سنين، بدأ ينبض بحرية، وكأن الزلزال اللي هدم بيتي، هو نفسه اللي هدم سجن حياتي اللي كنت عايشة فيه.
​#انجي_الخطيب
…….
عدت الأيام، وياسين بقى أحسن، الجروح لملمت نفسها، بس جرح قلبه كان لسه محتاج وقت. أنا كنت قاعدة في أوضتي في بيت أبويا، قدامي اللابتوب، براجع الأوراق اللي جهزتها للنيابة. كريم وهبة دلوقتي بقوا خبر في الجرايد، قض//ية رأي عام، والناس في الشارع مش بس بيلوموه، ده بيشتموه.
​سمعت خبطة خفيفة على الباب، دخل أبويا وهو شايل صينية فيها قهوة، حطها قدامي وقعد على طرف الكرسي: “محامي كريم اتصل بيا من ساعة، بيترجاني أتنازل عن المحاضر.. بيقول إن كريم منهار وبيقول إنه كان ‘مغيب’ بضغط الظروف.”
​بصيت لأبويا وابتسمت ابتسامة مفيهاش ذرة شفقة: “مغيب؟ هو كان فايق كفاية إنه يختار يرمي ابنه ويحمي جارتنا. اللي باع الدم عشان نزوة ومصلحة، ملوش عندي غير القانون.”
​أبويا هز راسه بالموافقة، كان فخور بيا وبقوتي اللي ظهرت في أصعب وقت. فجأة، سمعت صوت ياسين جاي من بره، كان بيضحك وهو بيلعب مع ابن خالي الصغير في الجنينة. الصوت ده خلاني أحس إن كل اللي عملته كان صح، وإن حماية ابني كانت أهم معركة في حياتي.
​قمت وقفت، بصيت للمرايا، شفت في عيوني واحدة تانية خالص، مش الزوجة اللي كانت بتسمع وبس، ولا اللي كانت بتخاف تعارض، دي “إنجي” المحامية اللي عرفت تاخد حقها وحق ابنها من غير ما تمد إيدها، بس بقوتها وعقلها.
​قعدت كملت كتابة المذكرة القانونية اللي هتنهي كل صلة ليا بكريم، وبدأت صفحة جديدة، صفحة مفيهاش “كريم”، فيها بس أنا وياسين، ومستقبل أنا اللي هرسم ملامحه، مش حد تاني.
​أبويا بصلي وقال: “خلاص يا بنتي، الملفات دي هتروح للنيابة الصبح، وكريم وهبة هياخدوا جزاءهم، وكل اللي اتسرق هيرجع.”
​رديت عليه بثبات: “مش بس الفلوس يا بابا، كرامتي وكرامة ابني هي اللي رجعت، وده أغلى من أي مبالغ في الدنيا.”
​قفلت اللابتوب، وطلعت للبلكونة، بصيت للسما، حسيت إن الهوا اللي بتنفسه بقى أنقى، والزلزال اللي هدم حياتي القديمة كان مجرد بداية لبناء حياة جديدة، أقوى وأثبت، حياة مفيهاش مكان للغدر، حياة أساسها أنا، وبس.
​#انجي_الخطيب
………
مرت شهور، والقض//ية بقت حديث الساعة في كل بيت، مش بس عشان خيانة كريم، لكن عشان الطريقة اللي “إنجي” – اللي الكل كان فاكرها ست بيت مسالمة – قدرت في ليلة واحدة تقلب الطاولة وتكشف أكبر عملية فساد مالي كانت بتدبر في الخفاء.
​كريم اتحكم عليه بالسجن المشدد، ومعاه هبة اللي لقيت نفسها في مواجهة مع القانون من غير سند ولا واسطة. كريم، اللي كان بيتباهى بفلوسه ونفوذه، بقى دلوقتي بين أربع حيطان، بيشوف صوره في الجرايد وهو بيتهان، وبيضطر يبيع اللي وراه واللي قدامه عشان يوكل محامي يحاول يخفف الحكم، بس كل الطرق كانت مقفولة في وشه، لأن كل “مستند” أنا صورته كان مسمار في نعش حياته القديمة.
​في يوم، جالي جواب من السجن. كان مكتوب بخط إيد كريم، خطه اللي كنت أعرفه كويس.. كان بيترجاني أجي أزوره.
​مسكت الجواب، قريته ببرود، ومن غير ما يرمش لي جفن، مزقته لقطع صغيرة ورميتها في الزبالة. مش قسوة، دي كانت “نقطة ومن أول السطر”. ياسين دخل الأوضة وقتها، جرى حضني وسألني: “يا ماما، إنتِ ليه زعلانة؟”
​ابتسمت له وشلته، قولتله: “مش زعلانة يا حبيبي، أنا مبسوطة.. إحنا بنبدأ حياة جديدة، حياة مفيهاش أسرار ولا كدب.”
​رجعت لشغلي المحاماة، بدأت أفتح مكتبي الخاص، مش بس عشان الفلوس، بس عشان أساعد الستات اللي زيي، اللي كانوا فاكرين إن ضعفهم هو طبعهم، وأعلمهم إن “الست” لو وقفت وقفة حق، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها.
​في ليلة، وأنا قاعدة بكتب رواية جديدة عن “الزلزال اللي صحاني”، حطيت اسمي “إنجي الخطيب” على الغلاف، حسيت إن الاسم ده بقى يمثل كل ست مصرية أصيلة وقفت في وجه الغدر. ياسين نام في حضني، وأنا ببص من الشباك على نور القاهرة اللي راجع ينور من تاني، عرفت إن كل حاجة بتحصل، بتحصل عشان تعلمنا نكون أقوى، وإن الوجع اللي عيشته، كان مجرد تمن لكرامة جديدة اشتريتها لنفسي ولابني.
​قمت شربت قهوتي، وبدأت أكتب الفصل الأول من كتابي الجديد: “مش كل اللي بنشوفه بيكسرنا.. ساعات الزلزال بيجي عشان يهدم اللي مبني على كدب، ويبني على أنقاضه واقع حقيقي.. أنا إنجي، وده كان درسي، ودي كانت بدايتي.”
​#انجي_الخطيب
…….
أخدت نفس عميق وأنا بلملم أوراقي، حسيت إن الأوضة حواليا بقت أوسع، وكل ركن فيها بيحكي قصة صمود. ياسين كان نايم بعمق، ملامحه هادية ومطمنة، وكأن الكوابيس اللي عاشها في الزلزال مابقتش بتطوله.
​قمت وقفت، وبصيت لنفسي في المرايا. ملامحي اللي كانت دايماً مخنوقة ورا “قناع” الزوجة المطيعة، بقت واضحة، قوية، ومحددة. مفيش دموع في عيوني، مفيش غير نظرة إصرار. لميت المذكرات، والقضايا، وكل ذكريات كريم في ملف واحد، وقفلت عليه درج المكتب. خلاص، الملف ده اتقفل، مش بس في النيابة، ده اتقفل جوه قلبي.
​خرجت للجنينة، أبويا كان قاعد بيشرب شايه، لمحني وجت على وشه ابتسامة دافية، أشار لي أقعد جنبه. قعدت، وبصيت للنجوم، قلت له: “يا بابا، أنا بكرة هفتح المكتب بصفة رسمية، مش بس عشان القضايا التجارية، أنا هعمل مبادرة.. ‘سند’.. لكل ست اتعرضت لغدر وما لقيتش اللي ينصفها. هكون صوتهم، زي ما كنت صوتي وصوت ياسين.”
​أبويا مسك إيدي وباسها، وقال: “كنت عارف إن اللي ربيتها، وقت الشدة هتكون بـ ١٠٠ راجل. إنجي، الزلزال اللي وقع البيت، هو اللي كشف لك الأساس الحقيقي.. الأساس اللي إنتِ بنيتيه بنفسك، مش اللي جوزك كان موهمهولك.”
​سكتنا شوية، كان صوت الليل هادي، بس كان مسموع فيه صوت حياتي الجديدة وهي بتتبني. التليفون رن، كان إشعار بصدور الحكم النهائي في قض//ية اختلاس كريم. فتحت الرسالة، قريت “المؤبد” مع إلزام برد كل المبالغ. قفلت التليفون بابتسامة خفيفة، مش فرحة في شماتة، دي كانت راحة.. راحة إن الميزان اتعدل، وإن الحق رجع لأصحابه.
​بصيت لياسين من بعيد، وهو لسه نايم، وقطعت وعد على نفسي: “يا ياسين، بكره هتكبر وتعرف إن ماما ماكنتش ضعيفة، ماما كانت محامية، وكانت بطلة في قصتها الخاصة.”
​سحبت الورقة اللي كنت بكتب فيها الفصل الأخير، وكتبت ببنط عريض: “الزلزال مش نهاية العالم.. الزلزال هو اللحظة اللي بنقرر فيها نطلع من تحت الردم، ونبني بيت جديد، بأساس مفيش قوة تقدر تهده.”
​رميت القلم، وقفت وبصيت للقاهرة اللي بدأت تتنفس من جديد. مشيت خطوة واثقة نحو باب المكتب، فتحته، وبدأت أول يوم في حياة جديدة. لا أنا محتاجة كريم، ولا أنا خايفة من بكرة. أنا إنجي الخطيب، ولسه الحكاية ما انتهتش.. دي يا دوب البداية.
​#انجي_الخطيب
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *