رجعت البيت الجزء الثانى
كريم اتسحب لبره الشقة وهو بيتكلبش، وضحكته الخبيثة لسه بتزن في ودني زي الصدى. ندى كانت بتصرخ وبتعافر مع الشرطة النسائية وهي بتترمى في البوكس، والشارع كله اتلم على الصوت.
مسكت نفسي بالعافية، ودخلت الأوضة لأمي. لقيت الطبيبة الشرعية بتخلص كتابة التقرير المبدئي، وبصتلي باحترام وأسف:
“سيادة المستشارة.. التقارير الأولية بتؤكد وجود اعتداء جسدي جسيم، وآثار زنق حبال مستمرة في المرفقين والكاحلين، غير سوء التغذية. التقرير هيترفع للنيابة خلال ساعات.”
هزيت رأسي وأنا بضم أمي لخضني، واللي كانت بتترعش ومش مصدقة إن الكابوس ده انتهى. لفيتها ببطانية دافية، وشلتها بمساعدة الأمين ونزلنا بيها على العربية عشان ننقلها مستشفى النيابة لمعاينة أدق وتلقي الرعاية.
طول الطريق لإسكندرية، وأنا سايقة وعيني على أمي في المراية وهي نايمة من التعب، كلام كريم كان بياكل في عقلي: *”الوصية والأرض اتسجلوا باسم ندى بيع وشراء نهائي.. والورق في مكان عمرك ما هتوصليله.”*
كريم وندى كانوا فاكرين إن اللعبة قانونية ومقفولة، وإن عقد البيع الابتدائي والتوكيل اللي خدوه بالضغط يخليهم في الأمان. بس هما نسوا حاجة واحدة.. هما بيلعبوا مع محامي عام.
أول ما وصلنا الشالة في إسكندرية، أمنت أمي في المستشفى تحت حراسة، ورجعت بيتي الساعة أربعة الصبح. ما نمتش دقيقة. فتحت اللابتوب وبدأت أتحرك في السكة اللي كريم مش عامل حسابها.
عملت استعلام إلكتروني مستعجل بصفة رسمية عن أي تسجيلات عقارية أو عقود شهر عقاري اتعملت باسم ندى أو كريم خلال السنة الأخيرة في نطاق المحافظة. وفي نفس الوقت، كلمت رئيس فرع البنك المركزي عشان يتتبع حركة الحسابات اللي اتسحبت منها تحويشة عمر أمي.
الظهر كان كريم وندى معروضين على النيابة العامة. نزلت المحكمة وأنا لابسة الروب الأسود، وواقفة قدام وكيل النيابة مش بصفتي بنتها.. لكن بصفتي المدعي بالحق المدني.
ندى كانت قاعدة في الكلبشات وشها أصفر وعينيها تورمت من العياط، وكريم ملامحه كانت مرعوبة بعد ما قضى الليلة في التخشيبة وعرف إن القضية مش مجرد خناقة عائلية، دي جناية تعذيب واحتجاز بدون وجه حق واستيلاء على أموال مع معاقبة مشددة.
محامي كريم وقف يحاول يتشاطر وقال:
“يا فندم، الموكلين بيراعوا المجني عليها، وما فيش أي دليل إن الكدمات دي منهم، الست كبيرة وبيجيلها نوبات هلاوس وسقوط متكرر. وبالنسبة للأموال، ففيه عقود بيع وشراء مسجلة ومبصوم عليها من المجني عليها بكامل قواها العقلية!”
ابتسمت ببرود، وطلبت الكلمة. وقفت بثبات وقدمت للنيابة الفلاشة والتقارير:
“يا سيادة وكيل النيابة.. أطالب بإرفاق تفريغ التسجيلات الصوتية والفيديوهات المأخوذة فور الدخول، والتي توضح حالة الرعب الصريح والاعترافات. وأطالب بإحالة أصل عقود البيع للشهر العقاري والطب الشرعي لاستكشاف **عنصر الإكراه والتدليس**، وتاريخ البصمة مقارنة بتاريخ احتجازها.”
وش المحامي اتخطف، وبص لكريم بعتاب.
كملت بصوت صارم هز القاعة:
“ولدينا ما يثبت أن حركة الأموال المسحوبة من حساب المجني عليها تم تحويل جزء منها لحساب شخصي باسم المتهمة الثانية ‘ندى’ في نفس يوم توقيع العقود المزعومة، مما ينفي وجود أي عملية ‘شراء’ حقيقية ويؤكد جريمة النصب والاستيلاء.”
وكيل النيابة خبط القلم على المكتب، وبص لكريم وندى بنظرة حادة وقرر:
“تجديد حبس المتهمين كريم عبد السلام وندى أحمد خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة التكييف القانوني للجناية، وتكليف الطب الشرعي باستكشاف مدى صحة التوقيعات وتحريات المباحث حول العقود.”
ندى صرخت بصوت عالي:
“والنبي يا بيه ما عملتش حاجة! كريم هو اللي قال لي نكتب الأرض باسمي عشان أختك ما تاخدش حاجة! الورق الأصل مع أختها في القاهرة!”
كريم بص لندى بغل وصرخ فيها:
“اخرسي يا غبية!”
في اللحظة دي، عرفت مكان الورق اللي كريم كان فاكر إنه مخفيه.
طلعت من قاعة النيابة وأنا بصالي ندى وكريم وهما بيتساقوا للحبس بكسرة. لكن وأنا طالعة على السلم، تليفوني رن برقم غريب..
فتحت الخط، وجالي صوت راجل غريب وجاد بيسأل:
“المستشارة مي عبد السلام؟”
قلت له: “أيوة، مين معايا؟”
رد ببرود: “أنا محامي الحاجة فاطمة.. عمة حضرتك. بكلمك عشان أبلغك إن العقود اللي بتدوري عليها مش مع ندى.. العقود معايا أنا، والعمة واضعة يدها على الأرض من أسبوع، ولو عايشة تشوفي أرض أمك تاني.. فيه شرط واحد لازم تنفذيه الليلة.”
وقفت في نص صالة المحكمة والتليفون على ودني، والدم جمد في عروقي لحظة. عماتي طول عمرهم عينهم على أرض أمي في البلد، وعارفين إنها الحتة الوحيدة الممتازة على الطريق الرئيسي، بس ما اتوقعتش إن الخيانة توصل للدرجة دي، وإن كريم يبيع أمنا لعمته عشان يتستر على عملته.
رديت بثبات وصوت حاد زي الموس:
“شرط إيه يا أستاذ؟ وأنت مين أصلًا عشان تتشرط على محامي عام؟ أنت عارف العواقب القانونية للتستر على عقود معصورة بالإكراه والاستيلاء على ملكية بالقوة؟”
ضحك المحامي بثقة واستفزاز عبر التليفون وقال:
“يا سيادة المستشارة، القانون بيمشي بالأوراق والمستندات.. مش بالمشاعر. الحجة فاطمة معاها عقد بيع نهائي ومسجل من ندى، وندى كان معاها توكيل رسمي يبيح لها البيع والتنازل. يعني من الناحية الظاهرية، الشراء قانوني مية في المية والفلوس مدفوعة. الشرط بسيط جداً.. تطلعي أخوكي ومراته من القضايا دي وتتنازلي عن المحاضر، وفي مقابل ده، الحجة فاطمة هتسيب لك نص مساحة الأرض وتكتبها باسمك، وتفضوا السيرة ونستر على العيلة بدل الفضايح في المحاكم.”
قفلت السكة في وشه من غير ما أرد بكلمة واحدة.
التهديد ده بدل ما يخوفني، ولّع جوايا نار ما تتقفلش. العيلة دي فاكرة إن القانون لعبة في إيديهم، وفاكرين إن عشان مي بنت، هتقبل بإنصاف الحلول وتخاف على “اسم العيلة”.
رجعت إسكندرية فوراً، ودخلت غرفة أمي في المستشفى. كانت أهدى كتير، وشها بدأ يرد فيه الضي بعد ما اتعالجت واتطمنت إنها في أمان. قعدت جنبك ومسكت إيدها، وقلت لها بصوت دافي:
“أمي.. أرض البلد اللي الحجة فاطمة حاطة إيدها عليها، فاكرة العقد القديم بتاع ورثك من أبايا الله يرحمه كان فين؟”
أمي بصت لي بتركيز، وعينيها دمعت وهي بفتكر:
“أبوكي الله يرحمه كان كاتب الأرض دي باسمي بجدعنة منه زمان.. بس العقد الأصلي بتاع مشتراه هو والحجة الصورية القديمة، كان محتفظ بيه في الخزنة الحديد اللي في بيتنا القديم في البلد.. مفتاحها معايا هنا في السلسلة دي يا مي.. محدش يعرف مكان الخزنة دي غيري أنا وأبوكي.”
في اللحظة دي، الفكرة نورت في دماغي.
لو العقد الأصلي بتاع ملكية أبويا موجود ومكتوب فيه بند “حظر البيع أو التصرف إلا بموافقة جميع الورثة” أو فيه شرط واقف، أو لو قدرت أثبت إن الأرض دي أصلاً ملكية موروثة فيها نزاع قديم مشهر، تبقى كل العقود اللي عملتها ندى وكريم للحجة فاطمة باطلة بطلان مطلق، وتعتبر عملية بيع ما لا يملك، وتدخل عمة فاطمة هي كمان في قفص الاتهام بتهمة التزوير والتآمر للنصب!
سفرت أمي مع حراسة خاصة ورعاية لطيفة لبيت أختي في مكان أمان ومحدش يعرفه، وأنا أخدت عربيتي وطلعت على البلد في نفس الليلة.
وصلت بيت أبونا القديم الساعة اتنين بالليل. الشارع كان هادي والظلمة كاحلة. فتحت الباب المصدّي بالمفتاح اللي أخدته من أمي، ودخلت بالراحة ورائحة الذكريات والتراب مالية المكان.
نزلت القبو تحت السلم، وزحت الكراتين القديمة لحد ما لقيت الخزنة الحديد المدارية ورا الحيطة. فتحتها بالمفتاح والرمز اللي أمي قالت لي عليه.. ولقيت الأوراق القديمة.
بس وأنا بطلع الملفات، سمعت صوت خطوات بره البيت.. وصوت باب الشارع الرئيسي بيتفتح ببطء!
استخبيت ورا العمود، وطلعت مسدسي الميري من شنطتي وفتحت الأمان.
لقيت المحامي بتاع عمة فاطمة داخل ومعاه اثنين بلطجية ماسكين كشافات حديد، وبيسألوا بعض بصوت واطي:
“دوروا في القبو بسرعة.. الحجة فاطمة بتقول الخزنة هنا، لازم نطلع العقود القديمة ونولع فيها قبل ما مي توصل لها!”
وقفت في الضلمة، ووجّهت المسدس ناحيتهم وقلت بصوت يهز الحديد:
“تؤ تؤ.. تأخرتم أوي يا رجالة.”
نور الكشافات ضرب في عيني فجأة، وواحد من البلطجية صرخ وهو بيشاور عليا:
“هيه.. دي البنت! هاتوا الملفات اللي في إيدها!”
قبل ما يتحركوا خطوة ناحيتي، كنت ضغطت على زرار في تليفوني اللي كان محطوط على وضع البث المباشر المربوط بمديرية الأمن، وبصوت هادئ وحازم قلت لهم:
“خطوتكم الجاية دي معناها هجوم على عضو في الجهات القضائية وتلبس بجريمة سرقة وتستر.. والشرطة بره الشارع بتقفل كل المخارج من دقيقة.”
في نفس اللحظة، صوت سيارات الشرطة هز الشارع، وأضواء الفلاشر الأحمر والأزرق ملأت شبابيك البيت. البلطجية اترعبوا وبصوا للمحامي اللي لونه خطف وبدأ يرجع ورا، لحد ما باب البيت اتكسر ودخلت قوة العمليات الخاصة ومعاهم رئيس مباحث المركز.
المحامي بلع ريقه وحاول يبرر وهو بيرفع إيديه:
“يا فندم.. دي.. دي مجرد زيارة عائلية! احنا كنا بنجيب أوراق تخص الميراث!”
شديت لسان القفل على المستندات الأصلية اللي في إيديه، ورفعتها في وش رئيس المباحث وأنا بقول بصوت صارم:
“تحفظ على الثلاثة فوراً.. بتهمة اقتحام مسكن، وتخريب، وحيازة أدوات اعتداء، والشروع في إخفاء أدلة جريمة تزوير ونصب.”
اتربطوا التلاتة واتساقوا بره، وأنا في إيدي العقد الأصلي اللي بيبث طوق النجاة الحقيقي لأمي. فتحت الورق وسط نور الكشافات، ولقيت البند الصريح اللي بيمنع أي بيع أو تنازل نهائي إلا بموافقة جميع الورثة، ومعاه توقيع جدي وجدتي وبصماتهم اللي بتنسف أي عقود مزورة عملتها ندى وكريم.
تاني يوم الصبح، كانت القاعة بتاعة محكمة الجنايات متمسحة على الاخر. قدمت العقد الأصلي للنيابة العامة، مع تقرير الطب الشرعي الشامل، وفلاشة التسجيلات والاعترافات المسجلة.
القاضي اطلع على المستندات، ونادى على المتهمين: كريم، وندى، وعمتهم فاطمة اللي انضمت لقائمة المتهمين بالتآمر والتزوير.
كريم كان باصص في الأرض ووشه مليان بالندم والعجز، وندى كانت بتعيط بصوت عالي منهارة بعد ما كل خيوط لعبتهم اتقطعت، وعمة فاطمة كانت واقفة مذهولة من سرعة الحسم القانوني.
بعد مداولة سريعة ومستعجلة، صدر الحكم:
“بإجماع الآراء، إدانة المتهمين كريم عبد السلام، وندى أحمد، وفاطمة عبد السلام، بالسجن المشدد خمس سنوات لكل منهم بتهمة النصب، والاحتيال، والاحتجاز القسري، وتزوير محررات رسمية واستغلال مسنة.. وإلغاء كافة العقود والتوكيلات المزورة، وإعادة كامل الممتلكات والأموال للمجني عليها.”
خبطة المطرقة نزلت في القاعة زي الموسيقى.
رجعت إسكندرية وأنا شايلة في إيدي حكم المحكمة وصك براءة أمي ورجوع حقها كامل مكمل. دخلت عليها الأوضة في المستشفى، لقيتها قاعدة على السرير مستنياني وبعيون بتلمع دموع الفرح.
جريت عليها، وحضنتها جامد وبست راسها وإيديها اللي تعبت، وهمست في ودنها:
“كل عام وأنتي بمليون خير يا أمي.. خلاص، الكابوس انتهى، وحقك رجع لك تالت ومثلث، ومحدش في الدنيا دي يقدر يمسك بسوء تاني أبدًا.”
ابتسمت بحضن دافئ وقالت بصوت هادئ ومرتاح:
“كل سنة وأنتي سندى ودرعي يا مي.. ربنا ما يحرمني منك يا بنتي.”
قعدت جنبها، وفتحت الشباك عشان نور الشمس يدخل الأوضة، وعرفت ساعتها إن مهما طال ليل الظلم، فجر الحق والعدل لا بد جاي.
