تستاهلي
“حصري لصفحة روايات رولا
تستاهلي.. أمي بس صبرها نفد منك.”
دي كانت الرسالة اللي بعتهالي جوزي، حازم، وأنا لسه مرمية على سرير الطوارئ، 4 غرز في دماغي وجنبي الشمال حتة واحدة زرقا ومش قادرة حتى أفتح عيني منها.
الرسالة كملت بتقول:
“بلاش مبالغة يا سارة، أنتِ عارفة أمي لما حد بيعاند معاها بتتعصب إزاي.. أنتِ دايماً بتعملي من الحبة قبة! بكرة الصبح لما يكتبولك خروج ترجعي البيت، تتأسفي لها، ونلم الموضوع عيب إحنا أهل.”
أهل..
كنت عاوزة أضحك، بس فكي كان متدمر ومش متحمل.
الممرضة دخلت تقيسلي الضغط، بصتلي بالنظرة إياها.. النظرة اللي الناس بتبصها لما يفهموا المصيبة من غير ما تحكي ولا كلمة.
— مفيش حد جاي من طرفك يا مدام؟ — سألتني بنبرة مكسورة.
بصيت للسقف وقلت:
— ماليش حد أكلمه.
ماكنتش الحقيقة.. كان عندي زوج، وحماة، وأخت زوج. كان عندي شقة في التجمع الخامس بندفع في أقساطها ومصاريفها بقالنا 5 سنين، 5 سنين بنضف وراهم، وأعمل عزومات، وأراعي عياهم، وأبتسم في الصور اللي محدش فيهم أخد باله إن روحي بتنطفي فيها يوم عن يوم.
بس في الليلة دي بالذات، فهمت القسوة كاشفة إزاي: الوحدة مش إنك تكون لوحدك، الوحدة إنك تكون وسط ناس وفاكرهم أهلك وأنت مجرد غريبة.
الموضوع بدأ الساعة 7 بالليل.
رجعت من الشغل بعد 10 ساعات كحك في شركة تأمين، رجلي ورمت وفي إيدي كيس الصيدلية.. كنت جايبة علاج الحاجة نادية، حماتي، عشان هانم بتشتكى إن دليفري الصيدلية “بيطنشها” وحازم قال إن أنا أشطر وأضمن.
أول ما فتحت باب الشقة، ريحة شياط مالية المكان.
جريت على المطبخ، لقيت الحاجة نادية واقفة جنب البوتاجاز بتتفرج على فيديوهات تيك توك ومطلية الصوت على الآخر، والحلّة بتطلع دخان أسود.
— يا طنط! الاكل اتحرق! — قلتها وأنا بطفي النار بسرعة.
ردت ببرود يفرس وهي بترفع عينها من الموبايل:
— أه.. ودلوقتي أكلي مش عاجب الهانم؟
— أنا مقلتش كده، أنا بقول الأكل اتفحم خلاص.
في الصالة، كانت أخته هبة قاعدة، وابنها الصغير عمال يقطع ورق زرعتي اللي على التربيزة ويرميه جوة جزمتي.
— الزرعة.. — زمزمت وأنا بوطي ألمّ الورق.
هبة ما نطقتش.. بس الحقيقة Clara (الست اللي ساكنة قصادنا) هي اللي شالت كيس الدوا من الأرض وحطته على صدري والمسعفين داخلين.
حماتي كانت بتصرخ للمسعفين:
— دي كعبلت في السجادة! أنا كنت بساعدها! دي بتعمل دراما عشان تطلعني شريرة قدام الناس!
أبلة إلهام الجارة ما صدقتهمش.. حطت إيدها على كتفي وهي بتطمني:
— متقلقيش يا سارة.. لما تفوقي كل حاجة هتبان.
في المستشفى طلبوا رقم رقم الطوارئ،ديتهم رقم حازم.
الممرضة كلمته 3 مرات، ولما رد أخيراً، كان صوت أغاني ومهرجانات وضحك عالي جاي من وراه.. كان قاعد في كافيه.
— يا أستاذ حازم، مدام حضرتك في الطوارئ وعندها كدمة شديدة في الرأس وحالتها حرج.
سكت ثانية.. وسألت أول سؤال:
— أمي كويسة؟!
الممرضة بصتلي بشفقة قطعت قلبي أكتر من الغرز اللي في دماغي.
حازم مجاش..
وبعد نص ساعة، بعت الرسالة: “تستاهلي.”
الكلمة دي بالذات طيرت آخر فتوة خوف جوايا.
الساعة 2:17 بعد نص الليل، فتحت فايل مخفي على الموبايل.. فايل فيه إيصالات أمانة، تحويلات بنكية باسمي، فواتير تشطيب الشقة، تسجيلات، ونوتات بالتوارخ. 5 سنين كاملة دفع فيها دم قلبي عشان أعملهم قيمة وعز، وهما محسسيني إني ضيفة ملهاش لازمة.
الساعة 3 الفجر، بعت رسالة لأستاذ مجدي، أمن العمارة:
“عم مجدي، محتاجة الباب الخلفي يتقفل ويفتحلي الساعة 8 الصبح بالظبط عشان هلم حاجتي.”
رد عليا في ساعتها:
“يا سارة هانم.. الست إلهام حكتلي على اللي حصل.. أنتِ متأكدة من القرار ده؟”
بصيت لرسالة حازم للمرة الأخيرة..
“متأكدة أكتر من أي وقت فات.”
الساعة 6:40 الصبح، وقعت على إقرار خروج على مسؤوليتي الشخصية. دكتورة الطوارئ كانت بتتحايل عليا:
— يا مدام عندك ارتجاج، الحركة خطر عليكي!
ربطت طرحتي براحة ولبست جزمتي:
— أنا مش هجري يا دكتورة.. أنا رايحة أسترد حياتي بس.
وفي الوقت اللي كانت الحاجة نادية وهبة وحازم فاكرين إني لسه بعيط على سرير المستشفى، كنت أنا وصلت العمارة خلاص.. وجاهزة أقطع الأقنعة دي حتت.
ماكانوش يتخيلوا أبداً إيه اللي مستنيهم أول ما حطوا رجلهم جوة الشقة…
الجزء الثاني: الكشكول الأزرق
الساعة كانت 7:55 الصبح، وكنت قاعدة جوة عربية تاكسي، واقفة على بعد نص شارع من العمارة. لابس النظارة الشمسية، وسيبت شعري يغطي الغرز، ومسكة كيس ثلج ملفوف في فوطة وحطاه على خدي.
لمحت حازم وهو طالع بالعربية بتاعته، كان باين عليه الغضب وهو بيتكلم في التليفون، أكيد كان بيشتكي من إن “الدراما” بتاعتي بوظتله يومه من الصبح.
بعدها بعشر دقائق، طلعت الحاجة نادية ومعاها هبة بنتها متجهين للمستشفى. الحاجة نادية كانت ماسكة شنطة فيها تفاح ولابسة وش الأرملة المظلومة، استعانة بالدموع قدام الممرضات عشان تقول إن مرات ابنها ست مش مضبوطة ونفسيتها تعبانة.
أول ما اختفوا من الشارع، رفعت إيدي للإشارة.
عربية نقل عفش دخلت من الباب الخلفي للعمارة.
وعم مجدي، أمن العمارة، كان مستنيني جنب الأسانسير.
— مفيش داعي تشرحيلي أي حاجة يا سارة هانم — قالها بصوت واطي — قوليلي بس محتاجة إيه؟
— محدش يطلع فوق لحد ما أخلص.
الموضوع أخد مني 43 دقيقة بالظبط.
ما لمستش أي حاجة مش ملكي. لا التلفزيون بتاع حازم، ولا الصالون اللي أمه كانت بتتفاخر بيه وكأنها شرياه بدم قلبها، ولا صور العيلة اللي كنت دايماً طالعة فيها في الزاوية وببتسم زي الشغالة.
لميت هدومي، أوراقي، مكتبي، أدوات المطبخ بتاعتي، ملاياتي، ماكينة القهوة، طقم السكاكين، الزرع بتاعي، وحتى الصينية اللي حازم كان بيرمي فيها مفاتيحه.
كل كرتونة حطيت عليها ستيكر أصفر واضح:
“ملك ملكية خاصة لسارة قبل الجواز.”
“اشتريت بكارت سارة البنكي.”
“الفواتير متوفرة.”
“أوراق قانونية.”
لما خلصت، سبت حاجة واحدة بس على ترابيزة السفره: كشكول أزرق.
في نفس الوقت، دخلت الحاجة نادية المستشفى بصوت عالي:
— أنا جاية أطمن على مرام، قصدي سارة.. مسكينة، وقعت من غبائها، دايماً تحب تعمل كل حاجة على مزاجها!
شدت ستارة السرير…
كان فاضي.
على المخاد سبت كوباية البلاستيك بتاعت المستشفى، وورق الخروج، وورقة شجر ناشفة من الزرعة اللي ابن اخت جوزي دمرها.
هبة جرت على الحمام وتصرخ:
— مش هنا!
الحاجة نادية زعقت:
— إزاي تخرجوا واحدة مريضة ومضروبة في دماغها؟! إيه الاستهتار ده؟!
تمرجي كان معدي بص لها ببرود وقالها:
— السؤال الصح يا حجة.. أين كانت عيلتها لما دخلت بتنزف دم من دماغها إمبارح بالليل؟
في الوقت ده، كان حازم راجع العمارة وهو شايط بعد ما جاله تليفون من أمه.
فتح باب الشقة وهو متوقع يلاقي البيت مقلوب.
بس البيت كان نضيق جداً…
وفاضي مني.
ماكنش ناقص الحاجات الغالية، كان ناقص الحاجات اللي بتخلي البيت ده يشتغل ويتحس إن فيه روح.
ماكنش فيه التوابل، ولا الطقم البايركس، ولا الفوط النظيفة، ولا الأسلاك المتنظمة، ولا علبة الأدوية، ولا الفولدرات اللي فيها ضمان الأجهزة، ولا الكشكول اللي بكتب فيه مواعيد الدكاترة، واشتراكات الصيانة، ومواعيد الرش.
الحاجة نادية دخلت وراه، وأول ما بصت على المطبخ صرخت:
— دي أخدت حللي!
عم مجدي كان واقف عند الباب ورد ببرود:
— حسب الاستيكرات يا حاجة، الحاجات دي بأسامي فواتير أستاذة سارة، وقالت إن معاها أصل الفواتير.
صرخت الحاجة نادية:
— لما الواحدة تتجوز، كل حاجة بتدخل البيت بتبقى ملك العيلة!
أبلة إلهام الجارة، كانت واقفة عند بابها وميلت وهي بتقول بصوت مسموع:
— والله غريبة.. كنت فاكرة النغمة دي انقرضت من أيام الأبيض والأسود.
حازم مشي لحد السفره.
عينه وقعت على الكشكول الأزرق.
كان مكتوب على الغلاف برة نوتة صغيرة:
“بما إنك دايماً بتكرر إن ده بيت عيلتك، فأنأ قفلت الحسابات معاك كغريبة.”
فتح الصفحة الأولى:
“مقدم الشقة: 280 ألف جنيه. المصدر: مدخرات سارة الشخصية قبل الجواز. حازم تعهد بردها في حالة الانفصال.”
قلب الصفحة:
“تجديد وتطوير المطبخ: 48,700 جنيه. مدفوعة بالكامل من سارة.”
صفحة ثانية:
“علاج الحاجة نادية على مدار 5 سنين: 93,450 جنيه.”
صفحة ثانية:
“ديون كارت الكريديت بتاع حازم عشان السفريات ورحلات الصيد: 37,900 جنيه. اندفعت من سارة عشان اسمه ما ينزلش في البلاك ليست.”
صفحة ثانية:
“سلفة لهبة عشان مصاريف مدرسة ابنها: 12,000 جنيه. لم ترد.”
الكشكول ماكنش مذكرات..
كان التشريح المالي لخمس سنين استغلال.
هبة حاولت تقفل الكشكول بسرعة وهي بتزعق:
— إيه الجنان ده؟! مين الست المجنونة اللي بتكتب وتعد الحاجات دي؟!
أبلة إلهام ردت من الممر:
— الست اللي الكل بياخد منها فلوس، ولما تطالب بحقها يقولوا عليها بتبالغ وتعمل دراما!
الحاجة نادية شدّت الكشكول ورمته على الأرض:
— كذب وتأليف! عاوزة تفضحنا وتصغرنا قدام الناس!
في اللحظة دي، تليفون حازم هزّ في إيده.
كانت صورة مني اتاخدت في الطوارئ.. خدي أزرق ومورم، الغرز باينة في دماغي، وعيني مفيهاش ولا دمعة، بس فيها نظرة جافة تماماً.
وتحت الصورة رسالة واحدة:
“أنا مش بعمل شوشرة ولا دراما.. أنا بس بطلت أغطي على اللي أنتم عملتوه.”
حازم اتسمر في مكانه ووشه جاب ألوان وشحب تماماً.
الحاجة نادية كانت لسه بتزعق، بس صوتها ما بقاش له رنين في الصالة.. كان بيرد في الحيطان الفاضية، وعلى علامات التراب اللي كانت تحت زرعي، وفي الهدوء المرعب لبيت ظهر على حقيقته وأخيراً اتكشف.
وفجأة.. نزل إشعار جديد على جروب الواتساب بتاع سكان العمارة.
أستاذ مجدي (الأمن) كتب:
“السادة ملاك الشقة 304، يرجى التكرم بالشورف في مكتب الإدارة بكرة الساعة 10 الصبح، لمراجعة التلفيات اللي حصلت في مدخل العمارة، ولمشاهدة تفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالواقعة اللي حصلت إمبارح بالليل.”
الحاجة نادية حطت إيدها على بقها وسكتت فجأة.
شفاتها اتفتحت من الصدمة.
لأنها افتكرت حاجة مرعبة…
الرقة والممر كان فيه كاميرات.
والمرة دي.. مفيش أي دموع في العالم هتقدر تمسح اللي الكل على وشك إنه يشوفه.
الجزء الثالث والأخير: حساب العواقب
السكوت اللي نزل على الشقة في اللحظة دي كان أتقل من الفواجع اللي مريت بيها طوال الـ 5 سنين اللي فاتوا.
الحاجة نادية اتجمدت مكانها، ورجليها ما بقتش شايلاها. كانت تملي بتراهن على إن “الستر” اللي أنا بفرشه فوق قرفهم هيحميها للأبد، ماكنتش تعرف إن لما الست تتضرب لحد ما تنزف، الستر ده بيتحول لكتفن بيخنق اللي ظلموها.
— كاميرات إيه؟! — هبة صرخت بصوت مخنوق وهي بتبص لأخوها — هو الممر فيه كاميرات؟! أنت مش قلتلي إن الكاميرا اللي فوق الباب عطلانة يا حازم؟!
حازم ما ردش. كان واقف زي التماثيل، ماسك الموبايل وإيده بترتعش. الكاميرا القديمة كانت عطلانة فعلاً، بس اللي ما يعرفوهوش إن اتحاد الملاك ركب نظام كاميرات جديد بجودة HD قبل الواقعة بأسبوعين بس، عشان كان فيه سرقات في العمارة.
— كاميرات الممر الموصل للأسانسير جايبة الباب بالكامل… — حازم نطق بصوت واطي ومكسور، وكأن الروح بتتسحب منه.
تاني يوم، الساعة 9:55 الصبح.
كنت قاعدة في مكتب إدارة العمارة. لابس طقم أسود شيك، نظارة شمسية مغطية نص وشي، ومعايا الأستاذ طارق، المحامي بتاعي.
الساعة 10:00 بالظبط، الباب اتفتح.
دخل حازم ومعه أمه وهبة. الحاجة نادية كانت تحس إنها صغرت 20 سنة في ليلة واحدة، مشيت وهي سانده على بنتها، وعينيها في الأرض ما قدرتش ترفعها في عيني. وحازم كان وشّه أصفر والزيغ باين في عينه.
أستاذ مجدي (رئيس مجلس إدارة العمارة) ورحاب (مسؤولة الأمن) كانوا قاعدين.
— اتفضلوا يا جماعة — أستاذ مجدي قالها بنبرة رسمية وجافة جداً — طبعاً أنتم عارفين إحنا هنا ليه. الأستاذة سارة قدمت بلاغ رسمي في النيابة العامة بتهمة الاعتداء الجسدي والشروع في القتل، والنيابة طلبت مننا رسمياً تفريغ الكاميرات.
الحاجة نادية شهقت:
— نيابة؟! يا فاجرة يا مفترية؟! تودي حماة ابنك النيابة عشان شوية مناهدة؟!
المحامي بتاعي رفّع إيده ببرود:
— لو سمحتي يا فندم، التزمي حدودك. إحنا مش في جلسة عرفية، إحنا في محضر قضائي. والأدلة جاهزة.
أستاذ مجدي شغل الشاشة الكبيرة اللي على الحيطة.
الفيديو بدأ يشتغل…
الصوت والصورة كانوا واضحين بدرجة مرعبة.
باين في الفيديو الساعة 7:15 بالليل: أنا نازلة من الأسانسير، شايلة الشنط ومجهدة. أول ما فتحت الباب، الحاجة نادية خرجت ورايا الممر، وهي بتزعق وتلوّح بإيدها. أنا كنت واقفة مكان هادي، وبقولها “يا طنط لو سمحتي خلاص”.
فجأة.. الحاجة نادية مسكتني من شعري، وزقتني بكل قوتها. دماغي خبطت في زاوية عمود الرخام اللي جنب الباب. الدم اترش على الأرض وعلى العمود. وأنا وقعت مغمى عليا.
اللي يوجع أكتر.. إن هبة خرجت من الشقة، بصت عليا وأنا سايحة في دمي، ورجعت دخلت الشقة تاني وجابت كيس الدوا ورمته جنب جسمي، وقفلوا الباب وسابوني مرمية في الممر أكتر من 20 دقيقة، لحد ما أبلة إلهام الجارة خرجت بالصدفة وصرخت وطلبت الإسعاف!
الفيديو خلص.
كان فيه silence (صمت) مرعب في الأوضة.
أستاذ مجدي بص لحازم وقال له بالقرف:
— بقى دي الست اللي كعبلت في السجادة يا أستاذ حازم؟ أنتم سيبتوها تموت في الممر عشان تتغطوا على جناية أُمك؟!
حازم بص لأمه بنظرة أول مرة أشوفها في عينه.. نظرة كره وصدمة.
— أنتِ.. أنتِ زقتيها كدا؟! أنتِ قلتيلي إنها وقعت لوحدها وبتتبلى عليكي!!
الحاجة نادية بدأت تعيط هيستيري:
— أنا ماكنتش أقصد يا حازم! هي اللي استفزتني! الحقني يا بني، أنا ست كبيرة، مش هتحمل الحبس!
المحامي بتاعي فتح شنطته وأخرج الملف الأزرق ونسخ من المحاضر وحطها على الترابيزة.
— قدامكم الخيارات الآتية، ومافيهاش خيار تالت — المحامي قال بصرامة:
* أولاً: حازم يوقع دلوقتي حالا على تنازل عن نصيب الشقة المحرر باسمه مقابل الشيكات والإيصالات اللي سارة دفعتها في المقدم والتشطيب، وإلا القضايا المالية هتترفع بكرة بالصيد والسفريات ومصاريف أهله، وحظر سفر وهيصدر ضدك أحكام حبس في إيصالات أمانة.
* ثانياً: الطلاق الرسمي يقع اليوم في المأذون بدون أي شروط، مع رد كافة مستحقات سارة الشرعية والمالية.
* ثالثاً: بالنسبة للمحضر الجنائي بتاع الاعتداء.. سارة ممكن تتنازل عن شق الضرر الجسدي ضد الحاجة نادية بشرط عدم التعرض القانوني المكتوب، وطلب حظر اقتراب مسافة 500 متر. لو رفضتم.. التفريغ ده هيكون قدام وكيل النيابة خلال نص ساعة، وحضرتك يا حاجة هتباتي في التخشيبة الليلة دي بتهمة ضرب أفضى إلى إعاهة مستديمة وشروع في قتل.
الحاجة نادية اتجلطت مكانها وهي بتصرخ:
— طلاق إيه وشقة إيه؟! دي عاوزة تخرب بيتك وتجردك من كل حاجة يا حازم! لا يا بني متوافقش!
حازم قام وقف.. وبص لأمه بصوت مبحوح وصرخ في وشها لأول مرة في حياته:
— اسكتي بقى!! اسكككتي!! أنتِ دمرتيني! دمرتي بيتي وحياتي ومستقبلي! أنا هروح السجن بسببك! أنتِ وبنتك كنتوا عايشين على قفاها وتستغلوها ولما قتلتوها عاوزين تلبسوني أنا المصيبة؟!
بصلي حازم والدموع في عينه، حاول يقرب مني:
— سارة.. أنا آسف.. والله ما كنت عارف إنها ضربتك كده.. أنا افتكرتها خناقة عادية.. سارة أرجوكي سامحيني، أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك..
شلت النظارة الشمسية من على وشي.
خلّيته يشوف العين المورمة، والغرز اللي في جبهتي، والنظرة الجافة اللي مفيهاش حتى كره.. كان فيها “عدم وجوده”.
قلت له بصوت هادي ومستقر جداً:
— أنت ما حبنيش يا حازم. أنت حبّيت الراحة اللي أنا كنت بوفرها لك. حبّيت إن فيه واحدة بتدفع، وبتنضف، وبتسكت، وبتستحمل قرف أهلك وتديك البرستيج قدام الناس. لكن أول ما وقعت وكنت محتاجة راجل.. بعتلي “تستاهلي”.
سكت ثانية وكملت:
— القلم اللي أمك ضربتهولي صحاني.. بس رسالتك هي اللي دفنتك جوة قلبي للأبد. القلم ده كان ثمن حريتي.. وأنا دفعت الثمن خلاص.
بعد 3 ساعات..
كنا واقفين عند المأذون في التجمع الخامس.
تم الطلاق رسمياً.
حازم وقع على تنازل الشقة، وكتب على نفسه إقرار بدين بمبلغ الـ 37 ألف بتوع كارت الكريديت يدفعه على أقساط، وهبة كتبت تعهد برد الـ 12 ألف.
وأمه وقعت على شرط جزائي وتعهد بعدم التعرض بقيمة نص مليون جنيه لو حاولت تقرب مني أو تتصل بيا.
خرجت من عند المأذون والشمس كانت طالعة، دافية ونقية.
حازم كان قاعد على الرصيف قدام مكتب المأذون، ماسك راسه بين إيديه وبيعيط زي الأطفال، وأمه واقفة جنبه بتتحايل عليه يسامحها وهو زاققها ومش راضي يكلمها.
ركبت عربيتي الجديدة اللي أصلًا كنت مأجراها، فتحت الشبابيك كلها، وسيبت الهوا يلمس وشي.
الجرح اللي في دماغي كان لسه بيوجعني.. بس لأول مرة من 5 سنين، حسيت إن راسي مرفوعة، وإن ريحة الحياة رجعت تاني.
قفلت الصفحة.. وبدأت كتابة حكايتي أنا، بشرطي أنا، ولوحدي.