الفويس
حصري لصفحة روايات رولا
بنتي سابتلي فويس نوت بصوت ناعم ومستفز وقالتلي: “يا ماما، بلاش تيجي الشاليه في الساحل الصيف ده.. كريم شايف إن المكان المفروض يبقى لينا ولعيلتنا بس.”
قالتها وكأن السقف الخشب، والباب الأخضر، والتراس، واللسان اللي ممتد للبحر، وكل شبر في الشاليه ده ما تدفعش فيه دم قلبي وشقا عمري أنا والمرحوم جوزي. أنا ما نطقتش ولا كلمة.. سكتّ، ووقّعت على الورق، وسبتهم يوصلوا في إجازة العيد الكبير مع أهل كريم وولادهم وكل جشعهم وحساباتهم.. وبعدها بشوية جالي اتصال من أخت كريم بتصرخ وتقولي: “في عربية نص نقل غريبة قدام الشاليه وناس بيطلعوا العفش!” رديت عليها بمنتهى الهدوء: “أصل وسّعت المكان.”
الجزء الأول: الشاليه اللي افتكروه حقهم
فويس بنتي جالي في ليلة ثلاثاء هادية وأنا بجهز صينية بطاطس بالفراخ في المطبخ. الساعة كانت 6:47 على شاشة الميكروويف، والبخار طالع من الصينية، وإيديا كانت مليانة زفر فما عرفتش أرد، ودست على السبيكر بظهر إيدي.
”ألو يا ماما.. أنا وكريم اتكلمنا، وشايفين إن الأحسن ماتجيش الشاليه في الساحل الصيف ده. الولاد عايزين يجيبوا صحابهم، وأهل كريم جايين من السفر، والمكان مش هيقضينا كلنا. نبقى نعمل سفريّة تانية مع بعض بعدين.. بحبك.”
الرسالة خلصت قبل ما ألحق أقول كلمة واحدة.
فضلت واقفة أبتصص على عين البوتاجاز لحد ما طفيته. صينية البطاطس بردت، وما جاش في بالي وقتها غير جوزي الله يرحمه، “فاروق”، ولما كان دايماً يقولي إن الأكل الحلو محتاج صبر، والقرارات الصح محتاجة صبر أطول.
فاروق كان بيؤمن إن الصبر بيحل كل حاجة. بس بعد الفويس ده، بدأت أفهم إن الصبر ممكن يبقى هو الحجة اللي الناس بيستغلوها عشان ياخدوا منك حتة حتة من حياتك وأنت ساكت.
أنا اسمي ماجدة، عندي ثمانية وستين سنة، ممرضة متقاعدة من القاهرة. بنيت الشاليه ده في الساحل الشمالي بعد ما فاروق توفى. ده كان حلم عمره: بيت بسيط على البحر بفراندا كبيرة، ولسان خشب ممتد على المية عشان الأحفاد يصطادوا ويلعبوا، ومطبخ واسع للملمة العيلة، ومرجيحة خشب نشوف منها غروب الشمس سوا.
بعد الجنازة، أخدت مبلغ التأمين على حياته ومعظم مكافأة نهاية الخدمة وشقا عمري، وقررت أحول الرسمة اللي كان فاروق شخبطها في أجندته لواقع. اشتريت الأرض، واتفقت مع مقاول اسمه الأسطى حسن، وقضيت سنة كاملة في رايحة جاية بين القاهرة والساحل لحد ما البيت كمل.
كل التفاصيل كانت بريحة فاروق. الأرضيات الخشب اللي كان بيحبها، الباب الأخضر الزيتوني عشان كان دايماً يقول إن الأخضر بيدي أمان، والدفاية الحجر في الصالة. حتى المرجيحة اللي في التراس، خليت الأسطى حسن يحركها ناحية الغرب شوية عشان الشمس وهي بتغرب تنزل في نفس الزاوية اللي فاروق كان بيحلم بيها.