الفويس

​أول صيف هناك كان زي الحلم. بنتي نورا جت مع جوزها كريم وولادهم، وابني هشام جه، وأختي، والأحفاد كانوا بيلعبوا في المية طول النهار. صورة فاروق كانت متتعلقة على الحيطة، والبيت كان مليان ضحك ودفا بعد أيام طويلة من الحزن.
​لفترة، صدقت إن المكان بقى فعلاً زي ما فاروق اتمناه: بيت يجمع العيلة.

​بس بعد كده.. التغييرات بدأت.
​كريم بدأ يقترح “تعديلات”. يقصر اللسان الخشب، يغير العفش، يعمل منطقة للشوّاي الحديثة، وياخد أوضة الضيوف يقلبها مكتب دائم ليه عشان بيشتغل من البيت. في الأول، الكلام كان يبان عادي وبحُسن نية، بس بعد شوية لقيت بنتي نورا بتكرر نفس كلامه وكأن القرار اتأخد خلاص من غير ما يرجعولي.
​نسوا يسألوني أنا عايزة إيه.

​بعد عزومة العيد الصغير، نورا خدتني على جنب وقالتلي:
“ماما، أنا وكريم كنا بنفكر.. بما إننا إحنا اللي بنستخدم الشاليه أكتر حد، إيه رأيك تنازلي لنا عنه وتكتبيه باسمنا؟ ده هيسهل إجراءات الصيانة والضرائب وهيريحك من أي وجع دماغ.”
​بصلتها لفترة طويلة وقلتلها بهدوء:
“الموضوع بسيط من غير حاجة يا نورا.. الشاليه باسمي، وهيفضل باسمي.”
​ابتسمت مجاملة وقالت: “ماشي يا ماما.. مجرد فكرة.”
​بس هي ما كانتش مجرد فكرة.
​بعد أسبوعين، جالي جواب رسمي من محامي، بيوصي فيه بإن يتم نقل ملكية الشاليه لنورا وكريم بشكل ودي باعتبارهم “المستخدمين الأساسيين” للمكان، وكان في سطر للـتوقيع تحت.
​طبقت الجواب، وحطيته في درج الكومودينو جنب دبلة فاروق.
​وما نطقتش بكلمة.
حصري لصفحة روايات رولا
​في اللحظة دي بس، فهمت إن بنتي ما بقتش شايفه الشاليه ده على إنه العهد والذكرى اللي بنيتها أنا وأبوها.. هي بقت شايفاه ورث مستنياه تاخده، ومش قادرة تستنى لحد ما أموت.
​الجزء الثاني: نسوا الشاليه ملك مين!
​الأسابيع اللي بعد المكالمة دي بقت هادية بشكل يقلق، بس الهدوء ده ما كانش راحة.. كان زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. نورا بقت تتصل قليل جداً مقارنة بالأول، ولما تتصل، تقريباً كل جملة تبدأ باسم كريم: “كريم شايف إن اللسان الخشب عايز يتهد ويتعمل جديد”، “كريم عايز يغير عفش الصالة”، “كريم بيقول أوض الضيوف هتبقى أحسن لو أعدنا ترتيبها”. حتة حتة، بدأت أفهم إنهم ما بقوش بتعاملوا مع الشاليه على إنه بيت بيزوروه.. بقوا بيتصرفوا وكأنه ورثهم خلاص.
​حاولت أعدي التفاصيل الصغيرة وما أعملش مشكلة من كل حاجة، عشان كنت عايزة أحفادي يفضلوا بيحبوا المكان زي ما أنا وفاروق حلمنا. حتى لما كريم غير كراسي التراس من غير ما يسألني، ولا لما ركب أرفف جديدة في الجراج، ولا لما كان بيتكلم عن توسيع اللسان الخشب، كنت بقنع نفسي إن الحاجات دي مش أهم من ملمة العيلة. بس لما برجع بظهري لورا، بكتشف إن كل تنازل مني كان بيكد في دماغهم إنهم خلاص مش محتاجين إذن مني في أي حاجة.
حصري لصفحة روايات رولا
​أول تحذير صريح وصدمة بجد جت في يوم جمعة الضهر، لما أخدت عربيتي وسافرت الساحل، كنت محتاجة أقضي ويك إند هادي مع نفسي. اشتريت خضار وفاكهة، وجبت ورد أصفر للصالة، وأخدت معايا رواية من الروايات البوليسية اللي فاروق كان بيحبها.
​بعد أربع ساعات طريق، طلعت درجات السلم بتاعة التراس، حطيت المفتاح في باب الشاليه الأخضر.. وفجأة لقيت المفتاح مش عايز يلف.
​في الأول افتكرت الكالون معصلج، جربت تاني وثالث، وبعدين لفيت على الباب الخلفي وباب التراس.. لحد ما فهمت الحقيقة المرة.
كريم غير كل كوالين البيت من غير ما يقولي!
​طلعت التليفون واتصلت بنورا فوراً.
​ردت وبعد سكتة طويلة قالتلي بكل برود: “أه يا ماما.. كريم غيرهم من أسبوعين كده، الكوالين القديمة كانت مصدية وبتعلق.”
​سألتها بذهول: “ونسيتوا تقولولي؟”
​”معلش يا ماما، نبقى نعملك نسخة لما ننزل.. وبعدين أصل بابا وماما بتوع كريم قاعدين هناك الويك إند ده اصلاً، فممكن تظبطيها وتيجي وقت تاني.”
​وقفت مكان في الجاردن وبصيت من الشباك الأزاز على الصالة جوة.. صورة فاروق كانت لسه متعلقة فوق الدفاية الحجر في نفس المكان اللي حطيتها فيه بعد وفاته. المفرش الكروشيه اللي أختي غزلتهولي مفروش على الكنبة، والمرجيحة الخشب اللي ظبطنا زاوية اتجاهها مخصوص عشان نشوف منها الغروب كانت بتهتز بشويش مع هوا البحر.
​كل شبر وكل قطعة جوة البيت ده ملكي وأنا اللي دافعة ثمنها، ومع ذلك واقفة برة البيت زي الغريبة اللي جاية في وقت مش وقتها!
​لفيت وركبت عربيتي ورجعت القاهرة في نفس الليلة من غير ما حافة رجلي تلمس جوة البيت.
​وفي خلال الأربع ساعات بتوع طريق العلمين وسفر الليل، الزعل والحسرة اللي جوايا اتحولوا لشيء تاني خالص.. شيء ملامحه واضحة وحادة. بطلت أسأل نفسي هو ليه كريم ونورا بيتصرفوا معايا كده، وبدأت أسأل نفسي: أنا ليه من الأول سمحتلهم يتصرفوا وكأن البيت ده بتاعهم؟
​يوم الإثنين الصبح، طلعت عقد الملكية الأصلي من الخزنة، وركبت عربيتي وطلعت على مكتب الأستاذة عزة. عزة دي المحامية اللي مسكت إجراءات إعلام الوراثة بتاع فاروق، وهي اللي خلصتلي أوراق شراء أرض الساحل، وست متمكنة وعارفة كل تفصيلة في عيلتنا من عشرين سنة.
​قعدت وقرت العقد، وأوراق التسجيل في الشهر العقاري، والجواب الصريح اللي نورا كانت بعتاهولي مع المحامي. رفعت راسها وبصلتي بثقة كاملة وقالتلي:
​” مدام ماجدة.. مفيش أي ثغرة قانونية هنا. أنتِ المالك الوحيد والشرعي للأرض وللشاليه وكل ما فيه.”
​قلتلها وغصتي في حقيقي: “بس هما بيتكلموا ويتصرفوا كأنه خلاص بقى بتاعهم.”
​ردت الأستاذة عزة وهي بتقفل الملف: “الوهْم مش ملكية يا مدام ماجدة. بنتك وجوزها معندهمش أي سلطة قانونية تخيلهم ياخدوا قرار واحد في البيت ده.. لا يغيروا كوالين، ولا يغيروا ملكية، ولا يأجروه، ولا حرمانك حتى من دخول بيتك. كل اللي عملوه ده كان مبني على افتراض واحد بس.. إنك ست طيبة وجميلة ومش هتفتحي بقك ولا هتعترضي.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *