لو خليتهم يمشوا
يفرح، لأن الماضي رجع يقف قدامه، قال لها: «عملتي إيه؟»، ليلى ردت: «الكلمة مش سر… السر إنهم كانوا فاكرين نفسهم مش قادرين»، وسكتت لحظة وبعدين قالت: «بس في حاجة تانية… لازم تتصلح»، عمر فهم إنها مش بتتكلم عن البنات بس، فجأة صوت حد من الناس قال: «ده فيديو الحادثة!» واحد كان بيعرض على موبايله لقطة قديمة من كاميرا شارع، والناس بدأت تركز، عمر حس إن الدائرة بتتقفل، بص لليلى وقال: «إنتي اللي طلعتيه؟»، ليلى هزت راسها وقالت: «أنا بس خليت الحقيقة تقرب»، الجو اتغير، من دهشة لمعجزة… لتوتر وخطر، لأن السر اللي اتخبى سنين بدأ يطفو، وبناته واقفين على رجليهم، بس حياته كلها بقت واقفة على حافة انهيار، لأن السؤال الحقيقي بقى: هو مستعد يدفع تمن الحقيقة… ولا هيحاول يدفنها تاني؟
عمر وقف وسط الزحمة وصوت الفيديو بيعلى حواليه، وكل لقطة بتتعرض كانت بتقربه أكتر من اللحظة اللي هرب منها سنين، بناته واقفين على رجليهم بيبصوا له بفخر وفرحة، وهو واقف قدامهم لأول مرة حاسس إنه أصغر منهم، لأنهم واجهوا ضعفهم وهو هرب من خطأه، بص لليلى وقال بصوت متكسر: «الكلمة اللي قولتيها لهم… كانت إيه؟»، ليلى ردت بهدوء: «قولتلهم إنهم مش مكسورين… وإن الخوف مش حقيقة»، عمر غمض عينه لحظة، لأنه فهم إن اللي شلّ بناته ما كانش بس الحادثة… كان الخوف اللي اتزرع جواهم بعد ما شافوا أبوهم فقد السيطرة وسكت عن الحقيقة،
فتح عينه وبص للناس وقال بصوت عالي: «اقفلوا الفيديو»، الكل سكت، لكنه كمل: «مش عشان أخبيه… عشان أقوله بنفسي»، الجملة دي غيرت كل حاجة، لأنه لأول مرة يختار يواجه، بدأ يحكي قدام الكل، قال إن الحادثة ما كانتش كاملة زي ما اتقال، وإنه أخد قرار غلط في لحظة خوف، وإنه سكت بعدها عشان يحمي نفسه وفلوسه، لكن الثمن كان أكبر بكتير، بناته فقدوا إحساسهم بالأمان، وفضلوا شايلين خوف مش بتاعهم، الصمت كان تقيل، بس المرة دي مش خوف… انتظار، عمر بص لبناته وقال: «أنا غلطت… بس مش ههرب تاني»، ليلى كانت واقفة بتراقب، وعينيها فيها رضا هادي، لأنها عارفة إن ده كان الهدف الحقيقي، مش بس إن البنات يمشوا… لكن إن الأب يقف، بعد أيام، الحقيقة اتوثقت رسميًا، وتمت مراجعة كل حاجة قانونيًا، وعمر اتحمل مسؤوليته، مش بعقاب بس… لكن بإصلاح، بناته دخلوا في برنامج تأهيل نفسي، وبدأوا يعيشوا طبيعي، والبيت اللي كان مليان صمت بقى فيه صوت وضحك، أما ليلى، اختفت زي ما ظهرت، من غير ما تاخد قصر ولا فلوس، لأنها كانت عارفة إن دورها انتهى، وفي يوم، عمر كان واقف في نفس المكان في الحديقة، شايف بناته بيجروا قدامه، وافتكر أول مرة شافهم فيها واقفين، وقال لنفسه بهدوء: «المعجزة ما كانتش إنهم مشوا… المعجزة إني بطلت أهرب»، النهاية ما كانتش بس شفاء… كانت مواجهة، وغلط اتصلح، وحياة بدأت من جديد على أساس صادق، من غير كذب ولا خوف.