لما اكبر

حضانة هؤلاء الأطفال عشانّي. أنا عايزها عشانهم. فالنتينا ما طلبت منّي يومًا غير الأمان. وماتيو وإيميليانو ما يعرفوش غير البيت ده بيت لهم. هؤلاء اللي جايين يطالبوهم ما شافوهمش في حياتهم. الفلوس بتروح وتيجي، بس الطفولة ما تتعوّضش. أنا أضمن لهم كلّ حاجة، وكلّ ما يحتاجوه، وإن شاء الله أكون لهم الأب اللي فقدوه.
والقاضي بعد ما شاف كلّ الدلائل وكلّ الشهود، أصدر الحكم الحضانة الكاملة لأليخاندرو مونتالفو.
لمّا سمعوا الحكم، بكيت فالنتينا من الفرحة، وركضت وحضنته بقوّة كأنّها پتخاف يطير من إيدها. هو كمان حضنها، وحسّ إنّ نعمة ربنا جت له من حيث ما كانش يحتسب.
مرّت السنين بسرعة البرق. فالنتينا كبرت، واتعلّمت في أحسن الجامعات، واتخرجت بمرتبة الشرف. وماتيو وإيميليانو كبروا قدّام عينيه، وصاروا شبّان أقوياء، يحبّوه ويحترموه كأب لهم.
وكلّ سنة في نفس اليوم اللي قابلوا فيه بعض في السوبر ماركت، كانوا يجتمعوا حول مائدة الطعام، وتجيب فالنتينا علبة لبن صغيرة وتحطّها قدّامه، وتقول له بضحكتها الحلوة لما أكبر هردهالك. وهو كان يضحك ويقول لها وأنا مستنّى الوعد ده.
لكنّ الدنيا دولاب، واللي عليه الدور بيجي عليه الدور.
وصل الوقت اللي كبر فيه أليخاندرو، ومرض. كانت سنّه تقارب التمانين، وصحّته بدأت تتراجع شيئًا فشيئًا. فالنتينا كانت معاه في كلّ لحظة، ما بتبعدش عنه، هي اللي بتخدمه بنفسها، وهي اللي تقعد جنبه وتقرّله، وتحكي له حكايات، زي ما هو كان يعمل معاها وهي صغيرة.
وفي ليلة من الليالي، وهو راقد على سريره، والثلاثة حوله، مسك إيد فالنتينا وقال بصوت ضعيف
يا بنتي أنا خلاص هاروح للي خلقني. وعايزكِ تسمعي كلامي كويس.
متقولش كده يا بابا قالت وعيونها مليانة دموع انت هتقوم وتقف على رجلك تاني.
ابتسم بضعف الحمد لله على كلّ حال. أنا مش خاېف بس اللي قلبي معلق عليه أنتِ والإخوات. أوصيكِ بإنّك تبقوا مع بعض، وما تتركونش حدّ يفرّقكم. وتفتكري دايماً اللي قلتلك إياه لما تكبري ولقيتي حدّ محتاج ومحدّش واخد باله منه ما تعديش من جنبه.
عُمري ما أنسى قالت وهي تمسح دموعها الوعد ده على راسي من فوق.
نظر لماتيو وإيميليانو وقال انتم الاتنين اخواتها وسندها، ومين يضرّها يلاقيكم قدّامه. اتّقوا الله فيها، واتّقوا الله في بعض.
قالوا كلهم بصوت واحد حاضر يا بابا.
وغمض عينيه بهدوء، وراح في سبيل ربّه، تاركًا لهم كنزًا مش فلوس ولا عقارات، لكنّه كنز الأخلاق والوفاء والقلب الكبير.
ډفنوه في المقپرة اللي تخصّ عائلتهم، وكانت جنازته مش عادية، ناس كتير جاءوا من كلّ مكان، ناس ساعدهم في الخفاء وناس عرفوه، كلّهم كانوا بيقولوا كلمة واحدة كان راجل طيّب ما يتكرّر.
مرّت شهور الحداد، واجتمعوا في مكتبه الكبير لقراءة وصيّته. دخل المحامي وهو يمسك ورقة بيده، وبصّ لهم باحترام وقال
كان سيّد أليخاندرو وصّى قبل ما ېموت، وطلب منّي أقرّ لكم كلامه بنفس الترتيب اللي هو كاتبه.
فتح الوصيّة وبدأ يقرأ بصوت واضح
أولًا كلّ ما أملك من أموال وعقارات وشركات، كلّه ملك لكم أنتم الثلاثة بالتساوي. لكنّي عايزكم تعرفوا إنّ الفلوس دي أمانة في إيديكم، مش لكم تفرّقوها وتتباهوا بيها، بل تستخدموها في الخير.
ثانيًا لفالنتينا بالذات يا بنتي، يوم ما التقينا في السوبر ماركت، قلتلي لما أكبر هردهالك. وأنا قلتلك إنّي مش عايز فلوس، وإنّ اللي عايزه حاجة تانية. دلوقتي أنتِ كبرتي، وجاء وقت تردّي الوعد. وأنا طالب منكِ إنّك تكملي الطريق اللي بدأناه مع بعض. تفتحي بيوتًا للأيتام، وتساعدي اللي محتاج، وتكوني
للي ما لهمش سند. ده اللي أنا عايزه منكِ، وده اللي هتردّي بيه الجميل لي.
بكت فالنتينا وهي بتسمع الكلام، وقلبها اتملأ إيمانًا وعزيمة. لمّا خلص المحامي القراءة، قامت وقفت قدّام صورة أليخاندرو المعلّقة على الحائط، وقالت بصوت واثق
وعد عليّ. هردّهالك.
ومن ذلك اليوم، لم تقف أبدًا.
أسّست مؤسسة تحمل اسمه مؤسسة أليخاندرو مونتالفو للرحمة، وبنيت فيها مدارس ومستشفيات وبيوت أيتام في كلّ أنحاء المكسيك. وكانت تروح بنفسها للمناطق الفقيرة، تتكلّم مع الناس، وتسمع شكاويهم، وتقدّم لهم المساعدة. وماتيو وإيميليانو كانا جنبها، يديرا الشغل والشركات، ويخليا كلّ حاجة تمشي على أكمل وجه عشان تفضّل هي تخدم الناس بكلّ قلبها.
مرّت سنين تانية، وفالنتينا صارت سيدة كبيرة محترمة، اسمه معروف في كلّ مكان، بس قلبها ما تغيّرش أبدًا. لسه بتشتري علبة لبن صغيرة في نفس اليوم كلّ سنة، وتروح على قپره وتحطّها وتقول له كل سنة وأنت طيّب يا بابا. شفت؟ ردّتهالك.
وفي يوم من الأيام، وكانت ماشية في سوق شعبي قديم، شافت مشهد اتجمّدت قدّامه. بنت صغيرة في سنّها يومها، واقفة جنب رفّ البقالة، ومعاها أخ صغير، وبتحاول تقنع البائع يعطيها حاجة بالدّين، وهو بيرفض عليها بكل قسۏة. الناس بتعدي وما حدّش بيلتفت.
دخلت فالنتينا بينهم، واشترت لهم كلّ ما يحتاجوه، وسألت البنت اسمها، وكلّمتها، واتأكّدت إنّها في أمان. ولما حبت البنت تشكرها، قالت لها فالنتينا بابتسامة دافئة
ما تشكرينيش. بس لو كبرتي ولقيتي حدّ محتاج ما تعديش من جنبه.
البنت هزّت راسها بجدية، وابتسمت.
وفي اللحظة دي، فهمت فالنتينا إنّ الخير ده سلسلة ما بتنتهي. إنّ اللي زرعه أليخاندرو في قلبها ما ماټ بمۏته، بل حيّ وبيكبر ويمتدّ لما لا نهاية. وإنّ حكايتهم لم تكن مجرّد صدفة في سوبر ماركت، بل كانت قدرًا كتبه ربّ العالمين عشان يثبت إنّ كلمة طيبة وفعل خير صغير ممكن يغيّر حياة، وممكن يغيّر دنيا كلّها.
وعاشت فالنتينا وماتيو وإيميليانو يكمّلوا المسيرة، وكلّ ما كبروا أكتر، عرفوا إنّ أعظم هدية أهداهم إياها أليخاندرو ما كانتش البيت ولا الفلوس، بل كانت القلب الكبير والضمير الحيّ والوعد اللي أوفوه طول حياتهم.
وما زال صدى الجملة الصغيرة اللي قالتها طفلة في يوم من الأيام لما أكبر هردهالك يروح ويجي جيل ورا جيل، حاملًا معنى الوفاء والخير اللي لا حدود له.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *